Thursday, August 17, 2017

لوحات عالميـة – 408

امـرأة مع زهـرة قرنفـل
للفنان الهولندي رمبـرانــدت، 1660

قال احد النقّاد ذات مرّة: أحيانا أحبّ رمبراندت، وأحيانا أريد أن أركله! أن تحاول الدخول إلى عقل هذا الرسّام كي تعرف ما الذي كان يحاول فعله هو نوع من التحدّي والتجربة الرائعة".
لكن ما من شكّ في أن رمبراندت يُعتبَر بنظر الكثيرين أعظم رسّام هولنديّ على مرّ العصور وأحد أشهر الرسّامين في تاريخ الفنّ الأوربّي والعالميّ. ولم يكن من قبيل المصادفة أن الزمن الذي عاش فيه سُمّي بالعصر الذهبيّ للرّسم الهولنديّ.
لم يكن رمبراندت بطبيعته ميّالا إلى التنظير. ولم تكن تشغله فكرة النبل التي كانت مهمّة جدّا في حياة بعض الرسّامين مثل الاسبانيّ دييغو فيلاسكيز والهولنديّ بيتر بول روبنز. كما لم يكن يشعر بأن عليه أن يجعل شخوصه الذين كان يرسمهم في لوحاته يبدون نبلاء أو كاملين. لذا اعتُبر ثاني رائد للواقعية بعد كارافاجيو.
وقد أتى من طبقة بسيطة في هولندا، فأبوه كان طحّانا وأمّه ابنة خبّاز. وكان ثاني اكبر إخوته العشرة. وعلى الرغم من كثرة أعباء والتزامات والديه، إلا أنهما أرسلاه إلى مدرسة مرموقة لدراسة التاريخ والأدب الكلاسيكيّ.
وكان رمبراندت متماهيا مع الناس البسطاء الذين كان يعرف انه جاء من وسطهم. وكانت أيّام عمله مزدحمة بالناس وبالتلاميذ والمساعدين، لأنه كان بحاجة ماسّة إلى وقتهم ومالهم. وفي أوج شهرته كان لديه أكثر من ثلاثين تلميذا يعملون معه ويعلّمهم.
هذه اللوحة "امرأة مع زهرة قرنفل" رسمها رمبراندت في أواخر حياته، وصوّر فيها اليزابيث ديليفت زوجة بيتر هارنغ الذي كان محاميا في مدينة اوتريخت وتاجر عقارات في أمستردام. وهارنغ هو نفس الرجل الذي يظهر في لوحة رمبراندت الأخرى بعنوان رجل مع زجاج مكبّر (1660).
مجوهرات المرأة في اللوحة تبدو غريبة، كما أن لباسها قديم. وعلى الرغم من كثرة الزينة التي ترتديها، إلا أن العين تنجذب أكثر إلى الزهرة الجميلة التي تمسك بها، وهي زهرة القرنفل التي عادةً ما ترمز للحبّ والزواج.
ولا بدّ وأن زوجها، أي هارنغ، بحكم كونه تاجرا، كان يتعامل مع الأعمال الفنّية والمجوهرات والأقمشة. والصورة التي يظهر جانب منها في خلفية اللوحة، بالإضافة إلى نوعية لباس المرأة، تؤكّد ارتباط الزوجين بالسلع الغالية والمرفّهة.
كان رمبراندت كثيرا ما يأخذ الأشياء البسيطة إلى نهاياتها. وبورتريهاته كانت تمنح زبائنه ما يريدونه، أي التصوير الحقيقيّ، لكنه يحوّله إلى بحث متسامٍ في الشخصية. كما كان يوظّف معرفته العميقة بالتاريخ ويمزجها برسوماته، موسّعاً انجازات الرسّامين الذين سبقوه.
كان العديد من الرسّامين الهولنديين قد ذهبوا إلى روما وأحضروا معهم تأثيرات كارافاجيو في إظهار التفاعل الدراماتيكيّ بين الضوء والظلّ ووظّفوها في أعمالهم.
لكن رمبراندت لم يفعل، بل مزج تقنيات كارافاجيو بالأساليب الأكثر نعومة لتيشيان وجورجيوني، خالقاً أجواءً مشعّة من الألوان الذهبية والبنّية والبرونزية والسوداء.
وكان يعبّر عن الحركة غالبا بضربات الفرشاة السريعة والفضفاضة. ولوحاته تتضمّن الكثير من الانفعالات والعمق السيكولوجيّ.
وعندما توفّي، كان قد رسم حوالي ثلاثمائة لوحة تتناول مواضيع شتّى. وقد أنجز بعض أفضل أعماله، مثل هذه اللوحة، في نهايات حياته.
في ذلك الوقت، كان رمبراندت قد ترمّل وأفلس بعد أن انفق كلّ ما يملك لشراء منزل مكلّف في أمستردام. ثم أحسّ بالعار بعد أن وُلد له ابن غير شرعيّ. وعندما أنهكته الديون، أقفل محترفه بينما بدأ الرعاة والتلاميذ ينظرون في اتجاهات أخرى. لكنه لم يستسلم ولم يغيّر أسلوبه، بل استمرّ يعمل حتى وفاته كي يتمكّن من دفع ديونه المتراكمة.
وفي آخر أربع سنوات من حياته، كان مجده قد أفل بالنسبة للعديد من الهولنديين وأصبح سحره خارج الموضة مع تغيّر الأذواق وميل الجمهور أكثر إلى الأسلوب الفلمنكيّ الناعم.

Friday, August 11, 2017

لوحات عالميـة – 407

امرأتـان فـي نـافـذة
للفنان الاسباني بـارتولـومي مـوريللـو ، 1660

يعكس فنّ بارتولومي موريللو معرفته الواسعة بالعديد من الأساليب الفنّية وثقافته المتنوّعة التي أهّلته لأن يكون رمزا لرسم عصر الباروك الاسبانيّ.
قضى موريللو حياته كلّها تقريبا في مدينته اشبيلية، مع انه زار البلاط الملكيّ في مدريد مرّة واحدة على الأقلّ. ووجوده في اشبيلية عزّز مكانة هذه المدينة كحاضنة للفنّ والإبداع. وفي أيّامه، كان سوق لوحاته كبيرا ومربحا لدرجة أن ملك اسبانيا رفض أن يسمح بأن تغادر رسوماته إلى خارج البلاد.
وغالبا كان موريللو مهتمّا برسم الجوانب المشرقة والخفيفة من الحياة، من خلال أشكاله الناعمة وألوانه الغنيّة وفرشاته الفضفاضة.
وحتى صوره الدينية لكهّان وقساوسة لا تبدو متجهّمة أو مليئة بغضب الربّ كما هي لوحات غيره، بل تُظهر التسامح والمحبّة التي تخلع على الشخوص طابعا من الجمال والتسامي.
وعندما تتأمّل بعض أعماله تحسّ أنها مليئة بالقصص والحكايات، كما أنها عن بشر حقيقيين وليسوا من نسج خيال الرسّام.
رسم موريللو عددا من اللوحات الدينية للكنائس والأديرة ولعدد من رعاته وأصحاب المجموعات الفنّية الخاصّة. ورغم كثرة أعماله الدينية، إلا انه رسم أيضا عددا من اللوحات التي تصوّر فلاحين وأنشطة مختلفة من الحياة اليومية.
ومن أشهر أعمال الرسّام هذه اللوحة التي تبرهن على اهتمامه بتصوير حياة الناس وعلى براعته في استخدام الألوان والضوء والظلّ.
واللوحة تصوّر امرأتين تطلان من نافذة كبيرة في احد البيوت. وليس هناك في الصورة ما يشير إلى ماذا تنظران، أي أن الرسّام ترك للناظر حرّية أن يتخيّل ما الذي يحدث في الخارج.
ملامح المرأة الشابّة تنطق بالبراءة، ويُرجّح أنها تنتمي إلى الطبقة الاجتماعية الرفيعة. أما المرأة الكبيرة التي تغطّي فمها فيُحتمل أنها خادمتها، وهذا كان أمرا شائعا في الطبقات الغنيّة.
المنظر نفسه ينطوي على شيء من الحميمية والسعادة وروح المرح. وتغطية الوجه أثناء الضحك كان جزءا من ايتيكيت الارستقراطية الاسبانية في ذلك الوقت.
من اللافت أن الرسّام استخدم نافذة مفتوحة كإطار للمنظر، وفي هذا محاكاة للرسم الهولنديّ. ومن المهمّ أن نلاحظ أيضا أن المرأتين رُسمتا بحجمهما الطبيعيّ ونفّذ الفنّان ذلك براعة ودقّة.
بورتريهات موريللو المفعمة بالحياة والتي صوّر فيها فتيات يبعن الأزهار وشوارع ومتسوّلين تشكّل سجلا جذّابا ومكثّفا عن الحياة اليومية في عصره. وبسبب تلك النوعية من اللوحات التي تصوّر فئات من الطبقة المتدنّية، أصبح له معجبون كثر خارج اسبانيا.
ولد بارتولومي موريللو في ديسمبر عام 1617. كان اصغر إخوته الأربعة عشر. وقد توفّي والده وهو صغير فتولّى عمه رعايته. وبدأ دراسة الرسم على يد خوان كاستيللو الذي عرّفه على الرسم الهولنديّ وكلّفه باستنساخ بعض أعمال روبنز وفان دايك.
تأثّر موريللو في لوحاته المبكّرة بالرسّامين الإسبان العظام من أمثال زورباران وريبيرا. ويُحتمل انه رأى بعضا من لوحات فيلاسكيز عندما انتقل للعيش في مدريد عام 1642.
وقد تمتّع الرسّام بشهرة واسعة في عموم أوربّا، وقيل إن شهرته في بعض الأحيان كانت تغطّي على تلك التي لفيلاسكيز. كما كان له تأثير كبير على رسّامي المستعمرات الاسبانية في الأمريكتين. وفي عام 1660 عُيّن رئيسا لأكاديمية اشبيلية للرسم.
كانت آخر لوحة رسمها موريللو الزواج الغامض لسانت كاثرين ، وكان مفترضا أن تُعلّق اللوحة في دير بمدينة قادش. لكن بينما كان يعمل على المشروع، زلّت قدمه من أعلى سلّم، ومات متأثّرا بإصابته بعد بضعة أشهر.
في بداية القرن التاسع عشر اختفى اسم موريللو من التداول أو كاد، بسبب تغيّر أذواق الناس وانصرافهم عن الأعمال التعبيرية والعاطفية، وتحوُّل الاهتمام إلى لوحات مواطنَيه دييغو فيلاسكيز وإل غريكو، مع انه لم يكن هناك شكّ في مدى براعته وأصالة موهبته في الرسم.

Sunday, August 06, 2017

لوحات عالميـة – 406

قافلـة فـي الصحـراء
للفنان السويسري اوجيـن جيـرارديه، 1894

تكثر صور القوافل في الرّسم الاستشراقي. وبدايةً، أصل كلمة قافلة فارسيّ "كارافان"، وتعني جماعة من الناس الذين يسافرون في الصحراء، غالبا لمهامّ تجارية.
وقد اعتاد الناس منذ القدم السفر في جماعات وذلك لأغراض الدفاع عن النفس في وجه العصابات وقطّاع الطرق. ومن أجل القوافل كانت تُنشأ محطّات خاصّة على طول الطريق للتزوّد بالماء اللازم للبشر والحيوانات ولأغراض الغسيل وغير ذلك.
وما تزال القوافل تُستخدم إلى اليوم في الأماكن الأقلّ نموّا في العالم، مثل الأطراف الجنوبية للصحراء الكبرى وفي بعض أنحاء آسيا وأفريقيا.
في هذه اللوحة، يرسم الفنّان اوجين جيرارديه أفراد قبيلة من الأمازيغ مع قافلتهم من الجمال والخيول والماشية وهم يجتازون الصحراء سالكين مسار وادٍ جافّ يُفترَض انه سينقلهم إلى المعسكر التالي.
المنظر مرسوم بأسلوب شديد الواقعية مع ألوان لامعة. والظلال تغطّي المقدّمة بينما يسطع ضوء الشمس في الخلفية مضيئا ذرّات الغبار الذي تثيره الدوابّ أثناء حركتها. ألوان السماء تبدو حالمة، وهي تضفي على الصورة شيئا من الرقة والنعومة مقابل الأرض الوعرة والقاسية تحت.
ويمكن اعتبار اللوحة احتفالا بحياة البدو المتقشّفة والبسيطة وبكرامة ونبل رجال ونساء القبيلة المكتفين بما عندهم والمترحّلين دوما عبر دروب الصحراء بحثا عن الماء والكلأ.
كان جيرارديه متأثّرا كثيرا بسحر ألوان شمال أفريقيا. ومثل الرسّامين الذين سبقوه إلى هناك، كان توّاقا لرؤية المدن الغرائبية والواحات البعيدة. وكانت تداعب مخيّلته الصور الرومانسيّة عن أشجار النخيل ومناظر الغروب والقوافل التي تعبر الصحراء.
كما كان يتطلّع لاستكشاف ثقافات لم يمسسها الاستعمار الأوربّي تشبه الثقافات التي أغرت من قبل بعض زملائه بالذهاب إلى مقاطعة بريتاني للبحث عن جزء من فرنسا لم تمتدّ إليه يد العمران والحضارة بعد.
كان حبّ السفر والترحال متأصّلا في نفس الرسّام منذ أن كان طفلا بسبب القصص الغريبة التي كان يرويها له عمّه الذي كان قد سافر إلى مصر ووالده الذي سبق أن رسم جانبا من حرب استقلال الجزائر عن فرنسا.
وقد شجّعه معلّمه الرسّام جان ليون جيروم على أن يمشي على خطاه، فزار أوّلا بلاد المشرق واطّلع على ثقافتها ورسم طبيعتها. وفي عام 1874 قام بزيارة إلى كلّ من اسبانيا والمغرب واطّلع على ثقافة البلدين وعاداتهما وتقاليدهما وأعجب كثيرا بمظاهر الحياة فيهما.
بعد ذلك ذهب جيرارديه إلى الجزائر، حيث زار واحات الجنوب مثل بسكرة والقنطرة. كما زار واحة بوسعادة التي قابل فيها مواطنه الرسّام ايتيان دينيه الذي كان قد سبقه إلى هناك واختار أن يقيم في الجزائر بصفة دائمة.
كان دينيه هو الآخر مفتونا برسم الحدود الحرّة والبعيدة للطبيعة الصحراوية. وقد اعتنق الإسلام بعد أن عاش سنوات عديدة مع السكّان المحليّين الذين طالما رسمهم في لوحاته.
أثناء إقامته في الجزائر، رسم جيرارديه بعض ما رآه فيها من مظاهر الحياة اليومية، مثل القوافل وقطعان الماشية والصلاة في الصحراء والمقاهي الشعبية وخلافه.
وفي كلّ أعماله ظلّ متأثّرا بالتقاليد الأكاديمية للرسم التي كانت سائدة في زمانه. ومع ذلك كان في الغالب يركّز على ما يراه هو لا على ما كان الرسم الأكاديميّ يريد منه أن يراه.
ولد اوجين جيرارديه في باريس في مايو عام 1853 لعائلة فنّية سويسرية الأصل، وكان العديد من أسلافه يشتغلون بالرسم ومنه يكسبون رزقهم.
وقد تعلّم الفنّان الرسم منذ صغره وظهرت موهبته مبكّرا، إذ بدأ يبيع رسوماته بعد بلوغه السابعة عشرة. ثم تلقّى تعليما رسميّا في معهد الفنون الجميلة في باريس بتوجيهات أستاذه جيروم الذي كان جيرارديه مفتونا كثيرا بمناظره عن الحياة في الشرق.
وخلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، واصل الفنّان رحلاته إلى بلاد الشرق، فزار كلا من مصر وفلسطين ورسم فيهما العديد من لوحاته.
وفي تلك الأثناء بدأ يَظهِر في لوحاته تأثّره بالانطباعيين، من قبيل توظيفه للفرشاة الفضفاضة وإبدائه اهتماما متزايدا بتأثيرات الضوء والظلّ.

Monday, July 31, 2017

لوحات عالميـة – 405

الحـلـم
للفنان الإسباني بابلـو بيكـاسـو، 1932

رسم بابلو بيكاسو هذه اللوحة وهو في سنّ الخمسين. وفي تلك الفترة أنجز بعض أفضل صوره، من البورتريهات المشبعة باللون إلى الرسومات السوريالية، بينما كان منهمكا في حياته الخاصّة والمعقّدة.
واللوحة تنتمي إلى مرحلة الرسومات المشوّهة بخطوطها المبسّطة وألوانها المتباينة التي تشبه بدايات الوحوشية. ويقال أن بيكاسو رسمها في ظهيرة يوم واحد.
المرأة الظاهرة في اللوحة هي الأمريكية ميري تيريز والتر التي كان بيكاسو قد التقاها عام 1927 في باريس. كانت هي في سنّ الثامنة عشرة وهو في الخامسة والأربعين. وقد ربطتهما فورا علاقة عاطفية، ثم أصبحت ملهمته الأكثر شهرة وموضوعا لعدد من أهمّ لوحاته وتماثيله.
والتر تبدو في الصورة نائمة على كرسيّ، بينما يميل رأسها إلى طرف، وجزء من صدرها مكشوف وعلى شفتيها ابتسامة. وثمّة احتمال بأنها ربّما كانت تحلم بحبيبها الأكبر سنّا، أي بيكاسو، وهو الذي يشغل عقلها ويجعلها تبتسم.
الأسلوب الذي رسم به بيكاسو اللوحة قريب من الوحوشية التي كانت تستخدم ألوانا شديدة التباين. ورغم أنه اتّبع في رسمها أسلوبا مبسّطا جدّا، إلا أن الإحساس فيها رائع والتوليف والألوان وحتى التباينات ناعمة.
قيل في بعض الأحيان أن بيكاسو لم يكن يرى في والتر سوى أداة لتفريغ عواطفه، إذ لم تكن مكافئة له ولا زوجة ولا حتى صديقة، بل كانت مجرّد دمية ومصدرا لإشباع رغبة رسّام في منتصف عمره.
و"الحلم" ليست أفضل لوحاته، فهناك من بين أعماله من المرحلة الزرقاء ما هو أفضل منها بكثير. لكن هذه اللوحة أصبحت مشهورة جدّا عندما اشتراها قبل أربع سنوات ثريّ أمريكيّ يُدعى ستيفن كوهين بمبلغ مائة وخمسة وخمسين مليون دولار أمريكي، مسجّلة أعلى رقم بيعت به لوحة لبيكاسو حتى اليوم.
وقد ابتاعها كوهين من مالكها القديم ستيف وين، وكلا الرجلين متخصّصان في جمع واقتناء الأعمال الفنّية. وكان وين يعاني من اختلال في العين يؤثّر على نظره وعلى تفاعله مع الأشياء القريبة منه. وذات يوم، في عام 2006، دعا بعض أصدقائه إلى بيته ليطلعهم على اللوحة بعد يوم واحد من موافقته على بيعها لكوهين.
وبينما كان يشرحها لهم بفخر، أخذ خطوة إلى الوراء ثم حرّك يده اليمنى لاإراديا فاخترق كوعه اللوحة مُحدِثا فيها ثقبا ناحية الذراع الأماميّ للمرأة.
وقال وين وقتها معلّقا على ما حدث: لقد استغرق الأمر خمس ساعات من بيكاسو لرسمها وسنصلحها بأسرع وقت ممكن". وقد كلّف إصلاح الثقب تسعين ألف جنيه استرليني وثمانية أسابيع عمل.
إرث بيكاسو ضخم والجدل حول شخصيّته كبير، لدرجة أن تلك الحادثة لم تمنع الناس من النظر إلى اللوحة كقيمة فنّية.
أما كوهين، الذي بدأ جمع الأعمال الفنّية ابتداءً من عام 2001، فيمتلك مجموعة تزيد قيمتها على البليون دولار وتتضمّن لوحات لفان غوخ وإدوار مانيه ودي كوننغ.
وقد تغيّرت ذائقته من الانطباعية إلى الفنّ الحديث. وكان قد اشترى إحدى لوحات مونيه ثم باعها في وقت لاحق.
و"الحلم" ليست أغلى لوحة في العالم، ففي عام 2011 اشترت شخصية من قطر لوحة لاعبو الورق لـ بول سيزان بأكثر من مائتين وخمسين مليون دولار.
في عام 1935، ولد لبيكاسو من ميري تيريز والتر ابنة أسمياها مايا. وبعد أن علمت زوجته الروسية اولغا كوكلوفا بالخبر، قرّرت هجره والانتقال إلى جنوب فرنسا. ثم لم تلبث أن طلبت الطلاق. لكنه رفض تطليقها؛ ليس لأنه يحبّها، وإنما لأن قانون الأحوال الشخصية في فرنسا يُلزمه بأن يتقاسم ثروته معها.
ولم يشعر الرسّام بالارتياح إلا بعد وفاة اولغا عام 1955، أي عندما أصبحت ممتلكاته في أمان. أما ميري والتر فقد عانت من إهمال بيكاسو لها بعد أن أصبحت أمّا. لكنه ظلّ على اتصال بها وبابنتهما واستمرّ في دعمهما ماليّا، لكنهم لم يعودوا يعيشون كأسرة واحدة.
وبعد فترة، قابل دورا مار؛ المرأة التي أبطلت رسميّا أيّ دور لميري والتر في حياة بيكاسو. وفي عام 1977، أي بعد أربع سنوات من وفاة بيكاسو، شنقت ميري نفسها في منزلها في جنوب فرنسا وتوفّيت عن ثمانية وستّين عاما.

Tuesday, July 25, 2017

لوحات عالميـة – 404

بورتريه جـورج جيـزي
للفنان الألماني هانـز هـولبـين الإبن، 1532

كان هانز هولبين الإبن واحدا من أربعة رسّامين كانوا الأكثر شهرة في ألمانيا خلال عصر النهضة، وبالتحديد في القرن السادس عشر. والثلاثة الآخرون هم ماتياس غرونفالد وألبيرت ديورر ولوكاس كاراناك.
وقد سيطر هولبين في زمانه على رسم البورتريه في انجلترا وسويسرا، وبذا أكّد مكانته كخليفة لفان ايك وبيتروس كريستوس.
تعلّم هولبين الرسم في ورشة والده في اوغسبيرغ، وقضى معظم سنوات مهنته يعمل في بازل كرسّام جداريات ومواضيع دينية وكمصمّم للزجاج ورسّام للكتب.
لكن عندما جرّب رسم البورتريه أصبح أيقونة ثقافية ونال الكثير من الثناء على العديد من لوحاته الناجحة.
كان في أسلوبه شيء من سمات العصر القوطيّ المتأخّر، لكنه تأثّر تدريجيا بالاتجاهات الفنّية التي ظهرت في ايطاليا وانجلترا وفرنسا وهولندا، وكذلك بالأفكار الإنسانية لعصر النهضة.
رسم هولبين هذا البورتريه في لندن لجورج جيزي الذي كان تاجرا معروفا تعود أصوله إلى مدينة دانزيغ الألمانية. وكان جيزي عضوا في رابطة تضمّ مجموعة من تجّار أوربّا الكبار العاملين في تجارة السفن وشحن البضائع عبر القارّة.
كان التاجر في سنّ الرابعة والثلاثين عندما كلّف هولبين بأن يرسم له هذا البورتريه، ويظهر فيه جالسا في مكتبه بلندن وسط أشياء عديدة تدلّ على مهنته ومكانته.
على الطاولة التي أمامه، نرى أدوات كتابة وآنية زجاجية مع خاتم ومقصّ وعملات ذهبية. آنية الزجاج الفينيسية تحتوي على زهر القرنفل، وهو رمز قروسطيّ للخطوبة. ويُرجّح أن التاجر أراد من هذا البورتريه أن يكون تذكارا لمناسبة زواجه الوشيك.
تتضمّن اللوحة أيضا بعض الرسائل الأخلاقية من النوع الذي نراه أحيانا في لوحات الفانيتا الهولندية من القرن السابع عشر. فالأزهار الذابلة تشير إلى قصر الحياة. وعلى الجدار بجوار الميزانين إلى اليسار نلمح الشعار اللاتينيّ: لا سعادة من دون ألم".
ومن الأشياء الأخرى اللافتة في البورتريه القماش السميك فوق الطاولة والذي يحمل أنماطا تجريدية جميلة. وهنا نلمس أثر الفرشاة الفائقة التفاصيل التي ظهرت في القرن الخامس عشر على يد الرسّامين الهولنديين واستخدمها هولبين أيضا في رسم تفاصيل لباس الرجل.
نظرات التاجر حذرة وكأنه يبدي حرصه على ألا يغزو خصوصيّته احد. ويظهر أن لديه هاجسا بالتواقيع والأختام والمفاتيح، فهناك الكثير منها في اللوحة.
كما انه مهتمّ بإظهار رسائله ومكاتباته في إشارة، ربّما، إلى علاقته القويّة والمستمرّة بأسرته. كما أنه يمسك في يده برسالة كان قد تبلّغها للتوّ من أخيه مكتوب عليها عبارة باللغة الألمانية القديمة تقول: تُسلّم ليد أخي جورج في لندن".
أيضا من الأشياء التي تلفت الانتباه كثرة اللافتات التي تحمل اسم التاجر ومعلومات عن حياته. وفوق رأسه لوحة تعرّفه بالاسم وتذكر انه رُسم في عام 1532 وهو في سنّ الرابعة والثلاثين. ويتصل بهذه الجزئية وجود عقود مكتوبة باليد وفواتير وحبر.
عندما غادر هولبين لندن عائدا إلى سويسرا، كانت ثورة المصلح البروتستانتيّ مارتن لوثر في أوجها. وقد شرع أتباعه المتشددّون في تحطيم الصور والتماثيل الفنّية على أساس أنها تتناقض مع صحيح الدين.
ولسوء الحظّ كان لتلك الأفكار أثر مدمّر على الفنون. فكسدت سوق الفنّ ووجد الرسّامون، ومنهم هولبين، أنفسهم بلا عمل. لكنه أنجز في تلك الفترة واحدة من لوحاته المهمّة هي "عائلة الرسّام" التي رسم فيها وزوجته وولديه.
في مرحلة تالية، انتقلت لوحة التاجر جورج جيزي إلى مجموعة دوق اورلينز. ثم عُرضت المجموعة بأكملها في الأكاديمية الملكية بلندن عام 1793.
وبعد ذلك عُرضت للبيع بالمزاد فاشتراها ناشر سويسريّ. وبقيت اللوحة عشرين عاما في سويسرا إلى أن اشتراها تاجر فنون يُدعى ادوارد سوللي.
لكن في العام 1821 وجدت اللوحة طريقها إلى متحف برلين الذي اشتراها من صاحبها وظلّت من مقتنياته إلى اليوم.

Tuesday, July 18, 2017

لوحات عالميـة – 403

ديكور منزليّ مع امرأتين وخزانة ملابس
للفنان الهولندي بيتـر دي هـوك، 1663

عُرف عن الهولنديين منذ القدم افتتانهم برسم الصور واقتناء اللوحات الفنّية وتعليقها في بيوتهم. وكانت مداخيل نسبة كبيرة من سكّان المدن والبلدات الهولندية تسمح لهم بأن ينفقوا الفائض من دخلهم على أثاث البيوت، بما فيه الصور واللوحات الفنّية.
كان حبّهم للصور والفنون نتيجة مباشرة لارتباطهم القويّ بأرضهم وحبّهم الكبير للحياة واهتمامهم بالبيئة. ويقال أن كلّ منزل هولنديّ لم يكن يخلو من لوحة واحدة على الأقلّ، وأن ما يُقدّر بثمانية ملايين عمل فنّي أنتج هناك خلال ما عُرف بالعصر الذهبيّ للرسم الهولنديّ والذي دام حوالي مائة عام.
كان كلّ شيء في المجتمع الهولنديّ له مكانته المميّزة والخاصّة. وكانت منازلهم مثالية إلى حدّ كبير، وكانوا يحبّون أن يروا أنفسهم كمواطنين محترمين يعيشون في بيوت نظيفة ومرتّبة، وليس من الضروريّ أن تكون فخمة أو فارهة.
اهتمام الهولنديين بالبيوت وهَوَسُهم بالنظافة كان من بين العوامل المهمّة التي أدّت إلى رواج وانتشار ما عُرف بلوحات الديكور المنزليّ التي تؤكّد على أهميّة ومركزية الحياة المنزلية في ذلك العصر.
وقد ظهرت هذه النوعية من اللوحات لأوّل مرّة في هولندا في القرن السابع عشر. وبرأي بعض مؤرّخي الفنّ أنها كانت امتداد وتطوّرا لرسم المواضيع الدينيّة.
والمواضيع المفضّلة لرسّامي الديكور كانت متنوّعة، كالموسيقى والقراءة وإعداد الطعام وممارسة الحرف اليدوية وخلافها. وكانت هذه الأنشطة وغيرها تُصوَّر ضمن التفاصيل الداخلية للبيت وبما يسمح للرسّام أن ينقل في عمله فكرة عن الفضائل المنزلية ورفاهية الأسرة.
ومن أشهر من رسموا مناظر الديكور المنزليّ بيتر دي هوك الذي كان معاصرا لفيرمير. وكان الاثنان متخصّصين في رسم هذا النوع من المناظر، كما عملا في نفس المدينة، أي ديلفت.
في هذه اللوحة، يرسم دي هوك جزءا من ديكور منزل تظهر فيه إلى اليسار امرأتان تضعان ملابس غُسلت وكُويت للتوّ داخل خزانة خشبية. وطبيعة لباس كلّ من المرأتين يوفّر دليلا على دور كلّ منهما. فالمرأة إلى اليسار ترتدي معطفا ومريولا اسود، ما يوحي بأنها خادمة. وهي تتناول الملابس من المرأة الأكثر أناقة والتي يُرجّح أنها سيّدتها، أي ربّة البيت.
في زمن الرسّام، كانت مثل هذه المناظر تجسّد الفضائل والقيم المنزلية في بيوت الهولنديين. فالسيّدة التي تساعد خادمتها كانت تُعتبَر ربّة بيت مخلصة وحريصة. ومثل غيره من الرسّامين الهولنديين، كان دي هوك يحرص على إيصال مثل هذه الرسائل الأخلاقية في لوحاته.
أيضا في اللوحة يركّز الرسّام على العناصر المعمارية ويوظّف تفاصيلها، من بلاط وأثاث وشبابيك بالإضافة إلى طريقة وقوف المرأتين، ليشيّد اللوحة ويرتّب فراغاتها.
ورغم أن الصورة تفتقر للتأثيرات اللامعة والمضيئة التي اشتهر بها دي هوك، إلا أن تفاصيلها لا تخلو من سحر المظهر الواقعيّ وجمال ومثالية الرسم والتشطيب.
والديكور في اللوحة يتألّف من عدّة طبقات عبارة عن ممرّات ضيّقة وأبواب وصور ضمن صور تفصل العالم الخاصّ عن الخارجيّ.
لعبة دي هوك المفضّلة كانت تتمثّل في خلق عمق في اللوحة يسمح للممرّات بأن تلتقط جزءا من منزل على الطرف الآخر في الخلفية، من خلال نافذة مفتوحة أو باب مُشرع، مثلما فعل في هذه اللوحة.
لاحظ أيضا المتضادّات في الصورة: عالم الكبار مع عالم الطفولة، والعمل واللعب، والديكور الداخليّ والعالم الخارجيِّ.
لوحات الديكور المنزليّ توفّر فكرة عن طبيعة الحياة اليومية للناس من مختلف الطبقات في هولندا القرن السابع عشر. وبعضها عبارة عن ترجمة للأمثال والأقوال الهولندية التي كانت شائعة آنذاك وتتضمّن رسائل أخلاقية من نوع ما.
وجزء كبير من تلك اللوحات تستعرض الأنشطة اليومية لربّات البيوت، مثل قراءة أو كتابة الرسائل وأداء الموسيقى أو رعاية الأطفال وشغل الخياطة والإشراف على العمالة المنزلية.. إلى آخره.
وكان فيرمير أوّل من بدأ تقليد رسم الديكور المنزليّ. في ذلك الوقت كان اقتصاد هولندا قد بدأ في التعافي بعد انتهاء الحرب مع اسبانيا وسيصل إلى أوج ازدهاره في السنوات القليلة التالية.
في القرن العشرين، تضاءل اهتمام رسّامي الحداثة بتصوير المنازل والديكور، ربّما لأنهم كانوا يرون في الديكور الداخلي انعكاسا لحالة لزوم الناس لمنازلهم معظم الوقت خلال القرن السابع عشر وما بعده.
كان من عادة الناس وقتها أن يقفلوا أبوابهم على أنفسهم ويعيشوا لوحدهم. ولهذا السبب لم يظهر الديكور المنزليّ كثيرا في لوحات القرن الماضي. وعندما يُرسم، فإنه لا يُرسم كملاذ داخليّ، ولكن باعتباره مكانا محكوما بقوى خارجية وكصورة لعلاقة مضطربة مع العالم ومع الذّات.
وبالنسبة للفنّانين الحداثيين، ينبغي أن يكون رسم الديكور المنزليّ بيانا عن حالة الشخص الذهنية ومكانا يشيّد نفسه بنفسه، والفرد فيه موجود في عالم خاصّ به ومن صنعه.

Wednesday, July 12, 2017

لوحات عالميـة – 402

الفرسان الثلاثة
للفنان الروسي فيكتور فاسنيتسوف، 1898

للوهلة الأولى، قد لا تثير هذه اللوحة اهتمامك، وربّما ظننت أنها صورة عاديّة لثلاثة فرسان ينتظرون شيئا ما أو أنهم في طريقهم إلى مكان ما.
لكن اللوحة، وباتّفاق كثيرين، تُعتبر أشهر صورة في روسيا. وشعبيّتها لدى الروس كبيرة جدّا، بحيث لا يمكن أن تنافسها لوحة أخرى. وتأتي بعدها مباشرة من حيث الشعبية لوحة ايفان شيشكين الصّباح في غابة الصنوبر .
وموضوع اللوحة مستمدّ من ملحمة سلافية قديمة تتضمّن أساطير وقصصا ملحمية من القرون الوسطى، وتتحدّث عن فرسان روس عاشوا زمن فلاديمير الأوّل الذي كان ملكا على كييف في القرن الحادي عشر.
ومعظم بطولات هؤلاء الفرسان خيالية وتتناول قصص معاركهم مع عمالقة وحيوانات تنّين ومخلوقات أسطورية أخرى.
لكن الفرسان أنفسهم حقيقيون، وأشهرهم هؤلاء الثلاثة الذين يظهرون في اللوحة.
الأوّل في الوسط، واسمه ايليا، هو ابن فلاح صحا ذات يوم وأراد أن يفعل شيئا مفيدا. وقد اشتهر بقوّته الجسدية واستقامته.
والثاني إلى اليمين اسمه دوبرينيا، وهو ابن أمير ومشهور بذكائه وببراعته في الخطابة.
أما الفارس الثالث فاسمه ايليوشا، وهو ابن كاهن، وهو ليس فارسا فحسب، وإنما دبلوماسيّ وخطيب وموسيقيّ أيضا.
وإيليوشا هو الفارس المفضّل عند الملك فلاديمير حاكم السهوب الذي يلقّبه الناس بالشمس المشرقة.
والفرسان الثلاثة جميعهم مقاتلون شجعان وأقوياء، والفنّان لم يرسم شخصيّاتهم فقط، وإنما ميّز كلا منهم بحسب خلفيّته الاجتماعية والعائلية.
فالنسب الأميريّ لدوبرينيا، مثلا، واضح من هيئته، فسلاحه ثمين ومصنوع بعضه من الذهب. كما انه يوشّح صدره بترس من الفضّة، وغِمد سيفه مرصّع بالذهب، وحصانه مختلف عن حصاني زميليه.
أما إيليا فيأخذ هيئة الفلاحين، تفكيره عميق وحسّه متنبّه، ومغامراته البطولية تحكي عنها أشعار أشهر شعراء روسيا.
وأما إيليوشا، ابن الكاهن، فملابسه متواضعة نوعا ما. ولكونه ابن راهب، فليس من حقّه أن يرتدي الذهب.
والفرسان الثلاثة معروفون بإرادتهم القويّة وعزمهم على تحقيق النصر، وكلّ منهم يكمل ضعف الآخر ويؤدّي مهامّ مختلفة عن تلك التي يقوم بها زميلاه.
كما أنهم جميعا يحظون بمحبّة وإعجاب الناس. والفنّان لا يرسمهم في معركة أو أثناء قتال محتدم، وإنما بوضعيّة التأهّب والاستعداد لصدّ أيّ هجوم محتمل.
ورغم أن كلا من الثلاثة له مغامراته الخاصّة، إلا أنهم جميعا يدافعون عن ارض الوطن ويتعاطفون مع الفقراء ويحمون حدود روسيا من الغزاة.
ومن الواضح أن الثلاثة قطعوا مسافة طويلة قبل أن يصلوا إلى هنا، أي إلى ابعد نقطة على الحدود. والطبيعة التي وضع فيها الرسّام الفرسان بسيطة، وهي عبارة عن ارض عشبية تشبه السهل، مع أشجار وبعض التلال الخضراء.
ويُفترض أن الفرسان هم العيون الحذرة والمتيقّظة التي تحمي حدود السهوب من خطر جماعات البدو الذين دأبوا على إثارة المشاكل في تلك المناطق.
ووظيفة الفرسان هي تلقّي التقارير التي ترصد تحرّكات المتسلّلين ومن ثمّ إبلاغها للجنود الذين يكمنون في مكان ما خلفهم بين التلال.
لوحة الفرسان الثلاثة مألوفة لكلّ روسي، وقد استُنسخت في المناهج المدرسية، على أساس أنها تقدّم درسا في الوطنية يجب أن يتعلّمه كلّ تلميذ في روسيا.
كان الرسّام فيكتور فاسنيتسوف منذ طفولته يحبّ الحكايات الشعبية وقصص الملاحم الوطنية. وكان يجد أفكارا سامية ومثالية في تاريخ البلاد القديم، وكان يقدّر تلك الحكايات ويتأثّر بها. وقد أسرت رسوماته للأبطال الملحميين أجيالا متعاقبة من الروس.
بدأ فاسنيتسوف رسم هذه اللوحة عندما كان يقيم في منزل راعيه وصديقه الوجيه سافا مامونتوف. والخيول الظاهرة في اللوحة هي نماذج لخيول صديقه.
وقد اشتغل على اللوحة طوال تسعة عشر عاما، رغم أن الناظر إليها قد يظنّ انه رسمها بضربة فرشاة أو خلال ساعات على الأكثر.
ولد فاسنيتسوف لعائلة من الكهنة في إحدى قرى الريف الروسيّ. لكنه لم يصبح كاهنا كما كان يرغب والده. وقد بدأ يرسم وهو في سنّ مبكّرة. وكان لريف بلدته، بتلالها الخضراء وغاباتها الكثيفة وأنهارها وأوديتها الواسعة، وقع السحر في نفسه.
وفي مرحلة تالية، ذهب لدراسة الرسم في أكاديمية سان بطرسبورغ. وهناك تعرّف إلى ايليا ريبين وايفان كرامسكوي اللذين سيصبحان في ما بعد من أشهر رسّامي روسيا. وقد لمس أساتذة فاسنيتسوف ذكاءه وموهبته ودقّة ملاحظته فشجّعوه وساندوه.
لوحة "الفرسان الثلاثة" حصلت على وسام الشرف من متحف تريتيكوف. كما وُصفت بأنها إحدى أعظم اللوحات في تاريخ روسيا، فهي من ناحية تجسيد حيّ لأساطير الفرسان في الثقافة الروسية، كما أنها تعبّر بصدق عن قوّة الشعب وتثير في النفوس مشاعر الانتماء للأرض والولاء للوطن.

Friday, July 07, 2017

لوحات عالميـة – 401

أمسيـة صيفيـة
للفنان النرويجي إدفـارد مونـك، 1889

اعتاد الكثيرون على أن ينظروا إلى بعض الفنّانين على أنهم شخصيات غير مستقرّة، يعانون في حياتهم كثيرا وينتجون فنّا معقّدا، لكنّ فيه تميّزا وإبداعا.
وهناك أمثلة كثيرة على هذه النوعية من الفنّانين، منهم على سبيل المثال لا الحصر، فان غوخ وفريدا كالو وجاكسون بولوك وغيرهم.
ونموذج الفنّان الرومانسيّ الذي يعاني ويتألّم أصبحت توقيعا مألوفا في تاريخ الفنّ وفي الثقافة الشعبية. وهو نموذج مغرٍ كثيرا بالإضافة إلى انه يسهل تسويقه.
وإدفارد مونك كان، هو الآخر، نموذجا للفنّان الذي يدفعه القلق والنظرة السوداوية للحياة لأن ينتج فنّا مبتكرا وحقيقيّا. وقد شُيّدت أسطورته أثناء حياته على يد بعض المؤرّخين والنقّاد، وعلى يد الرسّام نفسه. ثم تعزّزت تلك الصورة من خلال افتتان الناس بلوحاته ومناظره عن الألم واليأس وتعذيب الذات.
ومنذ مرحلة مبكرة من حياته، اهتمّ مونك بأن يوصل من خلال رسوماته مشاعر الحزن والعزلة والاستلاب التي يتّسم بها إنسان العصر الحديث.
وهذه اللوحة تعكس ذلك الاهتمام بوضوح. وهي من أولى لوحات مونك التي تناول فيها موضوع الحزن والذي سيتكرّر كثيرا في توليفاته المستقبلية الأكثر رمزيةً.
كان مونك مهجوسا طوال حياته بالعزلة وبعلاقات الحبّ المعقّدة سيكولوجيّا. وقد بدأ التعبير عن تلك الأفكار المظلمة بهذه اللوحة التي حاول فيها الإمساك بشخصيّة الأنثى المنعزلة والضائعة في أفكارها في طبيعة هادئة.
في صيف عام 1889، استقرّ الرسّام في قرية للصيّادين تقع على الطرف الغربيّ لـ فيورد اوسلو. كانت القرية مشهورة ببساطة الحياة فيها وبكونها تؤوي مجتمعا للبوهيميين.
وفيها تخيّل حكاية غياب وفقد ووحدة جسّدها في هذه اللوحة التي استخدم فيها ناقدا مسرحيّا يُدعى سيغورد بوتكر مع شقيقته كـ موديلين.
ولم يهتمّ مونك كثيرا بالتجسيد الدقيق للشخصيتين، فرسم المرأة بحيث بدت اكبر سنّاً من عمرها الحقيقي. وهي في الصورة تبدو صامتة ومتحفّظة وباردة. ووظّف في أكثر من مكان في اللوحة ألوانا شفافة وحرّة، كما قسّم سطح الصورة تقسيما عموديّا. والتباين بين الطبيعة المفتوحة والمضاءة بالشمس والشرفة المظلمة جزئيّا التي يقف عليها الشخصان استُخدم بطريقة رمزية لإيصال الجوّ المكثّف.
منظر المزاج الأزرق والحزين، مثل الذي يظهر في هذه الصورة، هو احد التقاليد الطويلة في الفنّ النرويجيّ. والأزرق مرتبط، على وجه الخصوص، بطبيعة شمال النرويج وجبالها وليالي الصيف الطويلة فيها عندما لا تفقد السماء لونها الأزرق كليّاً.
وهذا الربط بين الهويّة الوطنيّة والسمات الطبيعية من مناخ وتضاريس وخلافه، كان جزءا من الحركة الوطنية النرويجية التي كانت ترى أن النرويجيين متمايزون عن السويديين، وتتطلّع بالتالي لأن تنال النرويج استقلالها عن السلطة السويدية الحاكمة.
بعض صور مونك الأكثر إشكاليةً تصوّر النساء كمصّاصات للدماء وكشخصيّات منعزلة تسيطر عليهنّ مشاعر الشوق والرغبة. وقد قيل في بعض المرّات أن تلك الصور كانت انعكاسا لخوف الرسّام نفسه من جنسانية الأنثى وسلطتها. وتلك الصور تتضمّن جميع الصفات الخطرة المرتبطة بالنساء كالجمال والرغبة والنأي والانتحار.
في إحدى لوحاته الأخرى بعنوان عروس البحر ، يصوّر مونك شاطئا صخريّا بالقرب من منزله الصيفيّ. وهو يمزج بأسلوب فاتن بين الأسطورة والواقع كي يقنع المتلقّي بأن عرائس البحر هي مخلوقات طبيعية وحقيقية تماما في ارض شمس منتصف الليل.
بعض النقّاد يشيرون اليوم إلى أن فكرة مونك المجنون والمعذّب ربّما كانت حيلة ذكيّة ومقنعة من الرسّام لتوظيف معاناته الشخصية بفقده شقيقتيه من اجل أن يسوّق لاسمه وفنّه.
واعتبارا من ربيع عام 1892، كان مونك قد بدأ فعليّا عملية التفكير في أفضل الطرق لتسويق لوحاته، وكان من ضمنها ترويج صورة له على انه فنّان منحلّ وغير مستقرّ ومعذّب. ومذكّراته من تلك الفترة تتضمّن شروحا سيكولوجية وشخصية لصوره، وكلّها توحي بأن تلك المذكّرات كانت ترمي إلى تكريس هذا الانطباع عنه في أذهان الجمهور.
استمرّ إدفارد مونك يرسم حوالي ستّين عاما، وعندما توفّي كان بحوزته أكثر من ألف لوحة، وقد وهبها جميعا إلى بلدية أوسلو عندما كتب وصيّته في ابريل من عام 1940، أي بعد وقت قصير من احتلال الألمان للنرويج.
وتوفّي بعد ذلك بأربع سنوات، أي في يناير من عام 1944. وجميع لوحاته التي تركها موجودة اليوم في المتحف الذي يحمل اسمه في أوسلو، لكن ليس من بينها لوحته الأشهر الصرخة الموجودة في متحف أوسلو الوطني مع مجموعة من أعماله الأخرى.

Sunday, July 02, 2017

لوحات عالميـة – 400

طبيعـة قمـريّة مع جسـر
للفنان الهولندي آرت فانـدر نيـر، 1648

المشاهد الليلية أمر مألوف في الرسم الغربيّ. ومعظم اللوحات التي تصوّر الليل كانت تتضمّن أفكارا دينية في الأساس وتستخدم ضوء القمر الخافت لخلق جوّ من الغموض والرهبة والقداسة.
ومن الواضح أن الرسّامين القدامى كانوا يجدون متعة كبيرة في رسم السماء الليلية في زمن لم تكن قد ظهرت فيه الأنوار الاصطناعية التي نعرفها اليوم. وربّما بسبب كثرة أضواء العالم اليوم، لم يعد الليل ملهما للرسّامين الآن ويندر أن تجد فنّانا يرسم طبيعة ليليّة.
بدايةً، هناك رمزية خاصّة لرسم المشاهد الليلية، فالألوان البنّية والرمادية والسوداء التي تغلب على هذا النوع من الرسم ترمز عادة للحزن أو الخوف أو الغموض أو الشرّ أو الموت أو الخرافة. أما ضوء القمر فيها فيرمز غالبا إلى الهداية والقداسة أو الأمل.
وفي بعض اللوحات الليليّة المرسومة قديما، نرى الحضور القويّ للألوان الرمادية التي تهيمن على المنظر مع لمحة بسيطة من لون دافئ يحيط بهالة لقمر مكتمل. وأحيانا ينعدم وجود تفاصيل في منطقة الظلّ، وكلّ ما نراه هو صورة ظلّية للمنازل والأشخاص أو القوارب المستقرّة على الماء.
وفي لوحات أخرى مثل رسومات الروسيّ ايفان ايفازوفسكي، يظهر القمر بضوء ذهبيّ بينما الماء والسماء والظلال تغرق كلّها في ظلال الألوان الزرقاء والخضراء التي لا تُظهِر سوى القليل من التفاصيل.
تقليد رسم السماء الليليّة بدأ في عصر النهضة، مع مناظر ليليّة متخيّلة من أحداث التاريخ أو القصص الدينية. وفي عصر الباروك، بدأ رسّامون مثل كارافاجيو وإل غريكو ورمبراندت وغيرهم تصوير مناظر ليليّة تُوظّف فيها قصص من صميم الحياة اليومية.
ومن أشهر الرسّامين الذين رسموا طبيعة ليليّة كلّ من جوزيف تيرنر وفان غوخ وبيتروس فان شندل وكاسبار فريدريش وايفازوفسكي وجورج دي لاتور وغيرهم.
وفي هولندا اشتهر الرسّام آرت فاندر نير الذي كان احد أهمّ رسّامي الطبيعة الليليّة في أوربّا القرن السابع عشر. كان هذا الرسّام متخصّصا في رسم مشاهد ليليّة مهيبة يضيئها ضوء القمر بطريقة غامضة، منعكسا على مياه نهر أو بحيرة هادئة ومصحوبا أحيانا بنار صغيرة مشتعلة.
وأعمال الرسّام في عمومها عبارة عن انطباعات بانورامية للطبيعة، حيث تبدو السماء والغيوم بألوان متعدّدة ولامعة. كما انه في لوحاته يحاول استكشاف التأثيرات المتغيّرة للضوء في أواخر المساء عندما يظهر منعكسا على الأنهار والبحيرات والمروج.
في لوحته الجميلة هذه، نرى الغيوم الكثيفة الداكنة في السماء وقد تباعدت عن بعضها لتكشف عن قمر مكتمل يرسل ضوءه إلى أسفل ويبدو منعكسا فوق مياه النهر الهادئ الذي يقسم القرية إلى نصفين.
وعلى الأرض، نرى انعكاسات ضوء القمر على نوافذ البيوت والأشجار، بينما يظهر في أقصى يمين المنظر امرأة ورجل يقفان بالقرب من بوّابة ومن جسر يوفّر ممرّا للناس الذي يعبرون إلى الجهة الأخرى.
اللوحة تُبرز مهارة فاندر نير الفريدة في جعل هذا المنظر الليليّ ينتج لمعانا أخّاذا ومدهشا وذلك بإضافة عدّة طبقات من الطلاء، وكذلك في إضفاء نوع من الشفافية التي تتيح للأشياء، حتى البعيدة، أن تظهر في الظلام مع تنويعات الألوان البنّية والرماديّة.
عُرف فاندر نير أيضا بلوحاته التي يصوّر فيها طبيعة ثلجية مع نهر أو قنال. وهي تشي بمعرفته بالقنوات والأنهار والغابات في هارلم وليدن التي يرسمها غالبا عند مغيب الشمس أو بعد حلول الظلام.
المعروف أن فاندر نير كان معاصرا لالبيرت كاب، وقد ربطتهما صداقة طويلة واشتركا معا في رسم أكثر من لوحة، وكان كلّ منهما يترك بصمته الخاصّة على الجانب الذي يرسمه.
لكن كاب كان أكثر شهرة، وكان من عادة فاندر نير أن يطلب مساعدة صديقه كي يضيف إلى مناظره صور أشخاص أو ماشية.
وعلى الرغم من أن لوحاته تُعتبر اليوم اقلّ قيمة من لوحات الكثير من معاصريه، إلا أنه يُعتبر من أكثر الرسّامين الذين تُقلَّد أعمالهم هذه الأيّام. ولوحاته ما تزال تحتفظ بسحرها الخاصّ، كما أن جامعي الأعمال الفنّية يبحثون عنها لاقتنائها.
ولد فاندر نير في عام 1604 في بلدة دوردريخت، وعمل في شبابه مضيفا في منزل احد أعيان بلدته قبل أن ينتقل إلى أمستردام.
ولا يُعرف أين درس الرسم أو على يد من، لكن أولى لوحاته تعود إلى عام 1632، وفيها يظهر تأثّره بأسلوب مدرسة هارلم في رسم الطبيعة.
والغريب أن فاندر نير في زمانه لم يكن احد ينافسه كرسّام لضوء القمر والليل في الفنّ الهولنديّ. ومع ذلك لم يكن قادرا على إعالة أسرته لأن رسوماته لم تكن تبيع جيّدا.
وعندما توفّي في أمستردام عام 1677 كان في حالة فقر وعوَز. وبعض لوحاته توجد اليوم في متحف المتروبوليتان في نيويورك وفي الناشيونال غاليري في لندن وكذلك في متحفي لاهاي وريكس الهولنديين.

Tuesday, June 27, 2017

لوحات عالميـة – 399

الصلاة فوق سطح منزل في القاهرة
للفنان الفرنسي جـان ليـون جيـروم، 1865

تغيّرت مواضيع الرسم الاستشراقي على امتداد القرن التاسع عشر. في البداية، أتى إلى المنطقة فنّانو التضاريس مثل الاسكتلنديّ ديفيد روبرتس وغيره، فوثّقوا من خلال رسوماتهم السمات الطبوغرافية لبلدان المشرق، مثل مناظر الصحراء والآثار والصروح القديمة والأنهار والأراضي الزراعية وغيرها.
وفي المرحلة التالية، توافد على المنطقة رسّامو الحياة اليومية، فقدّموا صورا للثقافات المتنوّعة للشعوب، من البازارات إلى المنازل وخلافها.
وإلى هذا النوع الأخير من رسّامي الاستشراق ينتمي جان ليون جيروم الذي كان احد أشهر وأنجح الرسّامين الفرنسيين الذين سافروا إلى بلاد المشرق وأقاموا فيها في القرن التاسع عشر.
وجيروم لم يكن رسّاما فحسب، بل كان رحّالة ورجل أعمال ناجحا أيضا، وكان على اتصال مع تجّار الفنّ الذين كانوا يتهافتون على شراء لوحاته لأنها كانت تناسب تنوّع أمزجتهم بالإضافة إلى أنها كانت تتمتّع بشعبية كبيرة.
وكان جيروم أيضا معلّما مرموقا درّس الآلاف من الطلبة ومارس نفوذا واسعا على جيل كامل من الرسّامين، ومنهم من أصبحوا متخصّصين في رسم الشرق وثقافاته.
وقد تركت صوره المشرقية بصمة مميّزة على المخيّلة الشعبية للأوربّيين والأمريكيين واستُخدمت تلك الصور كثيرا في أعمال المسرح وفي الأفلام وفي كتب التاريخ والأدب. وإحدى أهمّ صوره واسمها "حاوي الثعابين" أصبحت غلافا لكتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد.
كانت لوحات جيروم مثيرة للاهتمام والفضول. والشرق الذي رسمه كان ترجمة لحلم العديد من معاصريه من الكتّاب والأدباء الأوربّيين الذين صوّروا الشرق في أعمالهم الشعرية والروائية.
وقد عاش الرسّام في عصر ازدهار الفنون والآداب في فرنسا. وكان من بين الشخصيات المهمّة التي عرفها في باريس كلّ من الأديبة الفرنسية جورج صاند والكاتب الروسيّ ايفان تورغينيف، بالإضافة إلى بعض مشاهير الموسيقى آنذاك مثل هيكتور بيرليوز وروسيني ويوهان برامز وفريدريك شوبان وغيرهم.
في ذلك الوقت، كانت أرض مصر قد أصبحت مركز جذب للكثير من الرسّامين الذين قدموا إليها مفتونين بعمارتها الإسلامية وسحر الحياة اليومية لأهلها. ومنهم من أقام فيها أشهرا وأحيانا سنوات.
في عام 1860، وصل جيروم إلى القاهرة وبدأ رسم سلسلة من انجح لوحاته الاستشراقية وصوّر فيها جموع المؤمنين وهم يؤدّون الصلاة داخل الجوامع أو فوق أسطح البيوت أو في الزوايا حيث يعيش أصحاب الطرق الصوفية.
وهذه اللوحة هي أحد أشهر أعماله من تلك الفترة، وقد ظهرت، هي أيضا، على أغلفة العديد من كتب التاريخ والأدب التي تتحدّث عن ثقافات الشرق.
وفيها نرى مجموعة من الرجال وهم يؤدّون صلاة المغرب على سطح احد المباني في القاهرة تحت سماء ضبابية يضيئها هلال فضّيّ مع بدايات المساء. وعلى مسافة، تظهر منارتان مملوكيّتان من مسجد محمّد علي، وخلفهما يلوح مبنى القلعة المشهورة.
المصلّون يؤدّون الصلاة إما جماعة أو فرادى وبعضهم وقوف أو جلوس. ومن الملاحظ أنهم يواجهون الشمال في صلاتهم، وليس جهة الجنوب الشرقيّ، إي مكّة المكرّمة، كما يقتضي الحال.
لكن ربّما تعمّد الرسّام عكس اتجاه القبلة كي يتمكّن من تصوير المصلّين جانبيّا. وربّما أراد أن يضفي على الصورة قدرا من الخيال والفتنة والغرائبية.
كان جيروم يرى أن الدقّة غير ضرورية في الرسم، وكان من عادته أن يضحّي بالواقع لمصلحة الاعتبارات الجمالية، فيتلاعب قليلا أو كثيرا بالتفاصيل. وكان يشعر بأنه حرّ في أن يترجم ما يراه على طريقته، فيضيف إلى الصورة ملاحظاته وانطباعاته الشخصية ويعدّل فيها ويعيد ترتيب أجزائها لتخدم فكرة أو غرضا جماليّا، تماما كما يفعل كلّ رسّام خبير.
كان جيروم مفتونا بشكل خاصّ بصلاة المسلمين وبمعمار الجوامع التاريخية. وعندما يرسم صورة لمسجد، كان كثيرا ما يغيّر في شكل المنارة ويضخّم القبّة، كي يبدو الجامع كصرح معلميّ وفخم. كما كان يُلبّس المصلّين ثيابا أنيقة وأحيانا باذخة.
وغالبا ما كان يفعل هذا وفي ذهنه اعتبارات أخرى، مثل متطلّبات السوق ورغبات الزبائن والمشترين الذين كان أكثرهم من أثرياء أمريكا ممّن كانوا يرون في بلاد الشرق مهربا من آثار التصنيع والأعراف المملّة للبورجوازية الغربية.
صور جيروم لمدينة القاهرة ما تزال لها قيمة عالية إلى اليوم، تتمثّل في الذكريات التي تثيرها عن الأيّام الخوالي. وأيّا تكن نظرتك إلى فنّ الاستشراق، فإن ممّا لا شكّ فيه أن تلك الصور هي التجسيد الصوريّ الوحيد المتبقّي حتى اليوم عن عالم كان له وجود في الماضي ثم تلاشى واختفت معالمه أو كادت بفعل تقادم الزمن.
ظلّ جيروم نشطا طوال خمسين عاما وحتى نهاية القرن التاسع عشر. وقد ساعد على ترسيخ مكانة الرسم الأكاديميّ وكان واحدا من أهمّ أقطابه. لكن مشكلته انه أصبح خصما عنيدا لحركات الفنّ الحديث التي ظهرت في بدايات القرن الماضي، مقابل دفاعه المستميت وغير المبرّر أحيانا عن الفنّ الأكاديميّ.
وقد حرمه أسلوبه المحافظ والصارم من تحقيق عظمة فنّية حقيقية في فنّه، وفي نفس الوقت منعه ذلك الموقف من تبيّن وتقدير عظمة الآخرين.
ولد جان ليون جيروم في مايو من عام 1824 في بلدة فرنسية قرب الحدود مع سويسرا. كانت عائلته تنتمي للطبقة المتوسّطة وكان والده يعمل في تجارة المجوهرات.
وقد درس الرسم وهو في سنّ السادسة عشرة على يد بول ديلاروش، ثم ذهب الاثنان إلى ايطاليا حيث زارا فلورنسا وروما والفاتيكان.
في عام 1869، اختير الرسّام عضوا شرفيّا في الأكاديمية الملكية البريطانية، ثم أنعم عليه ملك بروسيا بوسام، وكان من ضمن الشخصيات الفرنسية التي دُعيت لحضور حفل افتتاح قناة السويس عام 1869.
عندما توفّي جيروم في محترفه في يناير من عام 1904، وُجد أمامه احد بورتريهات رمبراندت بالإضافة إلى إحدى لوحاته الخاصّة. وبناءً على طلبه، رُتّبت له جنازة مختصرة وبلا أزهار، وكان من بين شاركوا في تأبينه رئيس سابق للجمهورية وساسة بارزون وكتّاب ورسّامون كبار.
ورغم أن النقّاد اليوم لا يستسيغون فنّه كثيرا ويصفونه بالرجعية، إلا أن جيروم يظلّ رسّاما مبدعا ومتميّزا. كان يدرس ويعمل دون كلل أو ملل ضمن حدود الذوق السائد في زمانه.
وصوره كانت لها شعبية طاغية في أوساط جامعي الفنّ وكانت مقنعة كثيرا. ولم يكن هناك من ينافسه في إحساسه بالتوليف واللون والواقع. انضباطه الشخصيّ وثقته بنفسه كانت كبيرة جدّا، وهذه الأشياء لا تناسب منطق الفنّ الحديث.
غير أن الصور التاريخية والاستشراقية التي رسمها جيروم في القاهرة وفي غيرها من المدن ما تزال تفتن الأعين بواقعيّتها الغريبة. وقد نجح في رسم صورة للشرق كمكان حسّيّ ومثير وغرائبيّ وعنيف ولا يمكن محاكاته، ثم قدّمها للجمهور الغربيّ الذي أحبّها وتفاعل معها.

Wednesday, June 21, 2017

لوحات عالميـة – 398

لحظات استرخاء
للفنان الأمريكي جون سنغر سارجنت، 1911

لم يكن جون سنغر سارجنت ألمع رسّامي زمانه وأكثرهم موهبة فحسب، بل يمكن القول انه كان واحدا من أعظم الرسّامين في جميع العصور.
وقد عاش الفنّان معظم حياته في أوربّا ورأى العديد من الثقافات وزار كثيرا من المدن والمتاحف وأتقن أثناء ذلك عددا من اللغات كالفرنسية والايطالية والاسبانية. كما كان موسيقيا موهوبا وعازفا بيانو بارعا.
صور سارجنت الجريئة وغير التقليدية لأشخاص ضمن دائرته، بعضهم مشهورون وبينهم فنّانون وكتّاب معروفون، كشف من خلالها عن مشاعرهم وسمات شخصيّاتهم، بل وفي كثير من الأحيان ضمّنها مشاعره وانطباعاته الشخصية تجاههم دون أن يحابيهم أو يجاملهم.
وكان من بين أصدقائه الذين رسمهم كلّ من بيير رينوار وأوغست رودان والروائيّ هنري جيمس والشاعر وليام تيلر ييتس والروائيّ روبيرت ستيفنسون، بالإضافة إلى كلود مونيه الذي صوّره وهو يرسم على أطراف غابة بمعيّة زوجته.
الشخص الوحيد الذي كان سارجنت يتهيّب رسمه كان هنري جيمس الذي رسم له بورتريها بدا فيه متحفّظا ومتكتّما وغامضا. كان جيمس يؤمن بأن الفنّان الحقيقيّ هو الملاحظ الساخر للمشهد الإنسانيّ، وهذا ما كان سارجنت نفسه يطمح لأن يكونه.
وقد امتدح جيمس سارجنت على ترجمته الفورية وغير العاديّة لشخصيّته وتحويلها إلى صورة كاشفة وبليغة. ولم يكن مستغربا أن تربط بين الاثنين صداقة متينة، فبينهما الكثير من أوجه الشبه، إذ أن كليهما أمريكيّان نشئا في أوربّا لعائلتين موسرتين وكانا في حالة ترحال دائم ولم يعرفا أبدا حياة الاستقرار.
كان سارجنت شخصا خاصّا جدّا، وقد ضحّى بحياته العامّة وفضّل عليها حياة السفر والترحال مع عائلته وبعض أصدقائه. كان دائم الحركة من بلد لآخر بحثا عن طبيعة ومناظر جديدة ليرسمها.
في هذه اللوحة، يرسم سارجنت روز ميري مايكل ابنة أخته التي كانت جليسته المفضّلة وظهرت في العديد من لوحاته.
كانت روز ميري امرأة جميلة وثريّة، وقد نشأت في بيئة مرفّهة وكانت تحيط نفسها بصفوة المجتمع الأوربّي وتتنقّل بين بيوت عائلتها في باريس وسويسرا والريفييرا الايطالية. أما والدها فكان ابنا لعائلة تملك إمبراطورية للسيجار وتتّخذ من سويسرا مقرّا لها.
وعندما رسمها سارجنت لم يرسمها بطريقة تقليدية، بل صوّرها كامرأة مجهولة واهنة الهمّة ومستغرقة في حلم يقظة شاعريّ. وأنت تنظر إلى هذه اللوحة لا بدّ وأن تستوقفك ألوانها المتوهّجة والمتناغمة ونسيجها المرسوم ببراعة ودقّة.
في عام 1913، تزوّجت روز ميري من مؤرّخ للفنون يُدعى روبيرت مايكل. وفي العام التالي ذهب للمشاركة في الحرب العالمية الأولى ولم يلبث أن قُتل في ميدان المعركة.
وقد حزنت عليه روز ميري كثيرا ثم قرّرت أن تكرّس وقتها كلّه لمعالجة جرحى ومصابي الحرب. لكن في العام التالي سقط صاروخ ألمانيّ على الدير الذي كانت ترعى فيه المصابين ما أدّى إلى مقتلها. ودُفنت إلى جوار زوجها في إحدى بلدات شمال فرنسا. وقد صُدم سارجنت لمقتلها لأنها كانت قريبة منه جدّا وكانت هي متعلّقة به كثيرا.
فكرة المرأة المستلقية أو الغارقة في حلم يقظة كانت إحدى الأفكار الرائجة في الرسم، وكثيرا ما تُصوّر الشخصية في جوّ من الهدوء الحزين واللامبالاة والرفاهية البالغة.
ويبدو أن سارجنت كان يوثّق من خلال هذه اللوحة لنهاية عصر، لأن هالة التهذيب والأناقة التي كانت من سمات نهاية القرن التاسع عشر، كما يعكسها هذا البورتريه، سرعان ما تلاشت بفعل الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي عصفت بالعالم في بدايات القرن العشرين.
قدرة سارجنت الفنّية على تصوير شخوصه في أماكن رائعة وفخمة أدّت إلى ازدياد شعبيّته في أوساط الرعاة الأغنياء. وهو نفسه كان مفتونا بتصوير نزوات المشاهير وميلهم لحياة التباهي والخيلاء على نحو ما كانت عليه الحال في تلك الفترة، أي في أواخر العصر الفيكتوريّ.
لكن بحلول عام 1909، كان قد تخلّى عن رسم البورتريه التقليديّ كي يجرّب أنواعا أخرى من الرسم.
ولد جون سنغر سارجنت في فلورنسا بإيطاليا عام 1856 لأبوين أمريكيين. وفي البداية، درس الرسم في باريس مع الرسّام كارلوس دُوران قبل أن ينتقل إلى لندن. وقد مرّ بزمن الانطباعيين وهو شابّ، ثم عاد في ما بعد إلى بعض تقنياته السابقة ليستخدمها في رسم الطبيعة والأشخاص.
كان سارجنت نجما في حياته، وكان معروفا بتدخينه الشَّرِه للسيغار وبخجله الغريب ووعيه بذاته وتركيزه أوّلا وأخيرا على خلق الجمال. كما كان دائما يتجنّب المقابلات ويحرص على حماية خصوصيّته ما أمكن. ويقال انه كان من عادته أن يتحدّث كثيرا أثناء الرسم ويمشي داخل الغرفة جيئة وذهابا، وبين وقت وآخر يتوقّف عن الرسم ليعزف على البيانو.
وبعض النقّاد يشبّهون رسوماته بموسيقى موزارت أو باخ بسبب صرامتها ودقّتها. ورغم ذلك، كان سارجنت احد الرسّامين الذين تجاهلهم مؤرّخو الفنّ في القرن العشرين. والسبب الذي يؤاخذه عليه معظم النقّاد اليوم هو انه كرّس فنّه كلّه تقريبا لرسم أفراد المجتمع الرفيع والمشاهير دون أن يهتمّ بتصوير حياة وهموم الناس العاديّين.
لكن بعد مرور أكثر من تسعين عاما على وفاته في عام 1925، فإن بورتريهات سارجنت الكاشفة والاستثنائية ما تزال تُقيّم عاليا في جميع أنحاء العالم. والغريب أنه هو نفسه لم يحرص على أن يرسم صورا لشخصه، وعندما فعل كان ذلك بتكليف وإصرار من أناس آخرين. والمفارقة أن صوره التي رسمها لنفسه لا تكشف سوى عن النزر القليل من شخصيّته.

Thursday, June 15, 2017

لوحات عالميـة – 397

متـآمـرون في اللَّيـل
للفنان الفرنسي ايتـيان دينـيه، 1923

تعود الجذور الأولى لفنّ الاستشراق إلى عصر النهضة. لكنّه لم يكتسب شهرة واسعة في أوساط جامعي الفنّ والنقّاد والجمهور إلا في بدايات القرن التاسع عشر، بسبب المزاج الرومانسيّ الذي كان سائدا في أوربّا آنذاك.
وهناك اتّفاق بين المؤرّخين على أن العامل الأهمّ الذي دفع بالاستشراق إلى مركز الصدارة كان غزو نابليون لمصر عام 1798، والذي أثار اهتماما كبيرا في أوربّا بالمنطقة العربية وثقافاتها المتنوّعة.
ونتيجة لذلك بدأ عدد من الرسّامين الأوربّيين، ومعظمهم فرنسيّون، بالتوافد على بلدان المشرق وشمال أفريقيا، حيث أنتجوا هناك العديد من الرسومات التي تناولت الحياة اليومية للناس مع صور لمساجد وقوافل وأسواق وخلافه.
ومن بين أهمّ الرسّامين الأوائل الذين تبنّوا الرسم الاستشراقيّ الفنّان الفرنسيّ الرومانسيّ الكبير اوجين ديلاكروا وزميله الرسّام الأكاديميّ جان ليون جيروم. لكن كان هناك رسّامون آخرون ذهبوا إلى الشرق وصوّروا جوانب مختلفة من حياة شعوبه وثقافاته.
ومن بين هؤلاء ايتيان دينيه الذي زار منطقة شمال أفريقيا، ثم أقام في الجزائر بشكل دائم بعد أن أحبّ شعبها وطبيعتها، وفيها اعتنق الإسلام وغيّر اسمه من ايتيان إلى نصر الدين دينيه.
وأكثر لوحات هذا الفنّان التي رسمها هناك يظهر فيها أطفال صغار وهم يلهون ويلعبون. كما تصوّر لوحات أخرى له مناظر غناء ورقص وبعض المظاهر الدينية.
في هذه اللوحة، يرسم دينيه مشهدا ليليّا لخمسة رجال غامضين يحملون الأسلحة. وظهور رجال بأسلحتهم يُعتَبر أمرا نادر الشيوع في مجموعة لوحات الرسّام. الرجال في الصورة يرتدون زيّا قبائليا موحّدا، وهم مجتمعون ليلا في مكان مظلم وكثير الأشجار.
و دينيه يترك للناظر حرّية أن يتوقّع ما الذي ينوي هؤلاء الرجال الخمسة فعله. سرّية المكان والتركيز الذي يبديه زعيم المجموعة، إلى اليسار، والذي يؤمي بيده باتجاه رفاقه، يقود المرء لأن يفترض أنهم يخطّطون لإعداد كمين ما.
وربّما يكونون صيّادين يستعدّون للانقضاض على فريسة. وهناك احتمال آخر بأن يكون الرجال الخمسة منهمكين في التخطيط لغارة على قبيلة مناوئة أو لعملية تهريب أو قطع طريق.
ومن الواضح أن الرسّام درس تعبيرات الأشخاص جيّدا قبل تنفيذ اللوحة. وهم يبدون متنبّهين ويقظين وأيديهم على بنادقهم، بينما يستمعون بحرص إلى توجيهات زعيمهم. الرجل إلى أقصى يمين الصورة وضعيّته تشير إلى أن دوره قد يكون الأهمّ وأن مهمّته تتطلّب أسلوب المباغتة والكُمون والحذر.
هذه الصورة توفّر مثالا على أسلوب دينيه في تصوير نمط الحياة في الصحراء من خلال مزج تقنية الكياروسكورو، أي التباين ما بين الضوء والظلّ، مع تقنيات الرسم الكلاسيكيّ.
وقد درس الفنّان وخطّط بدقّة تعبيرات الأشخاص الذين تبدو ملامح وجوههم مقرّبة، وكأنّما أراد أن يمسك بالروح البدوية للقبائل.
ونفس ملامح زعيم هذه المجموعة تظهر في لوحات أخرى للفنّان، كما انه مرسوم هناك بنفس الحركات والإيماءات التي يشير بها إلى رفاقه في هذه اللوحة.
صور المغامرات والصّيد في الصحراء كانت ذات شعبية كبيرة بين الرسّامين الأوربّيين الأوائل الذين زاروا الجزائر ومناطق شمال أفريقيا.
وكان من عادة دينيه عند رسمه مناظر لفرسان على ظهور الخيل أن يضفي على هذه الصور إحساسا بالنبل والدراما.
وباختيار الرسّام تخوم الصحراء الكبرى كخلفيّة للموضوع ووَضْع شخوصه في وسط اللوحة بدلا من الصخور الحمراء التي تظهر عادة في رسوماته الأخرى، فإنه يؤكّد على اهتمامه بإبراز هيئات وملامح هؤلاء الرجال الذين اختار أن يقيم له منزلا في وسطهم.
هذه اللوحة موجودة اليوم في إحدى المجموعات الفنّية الخاصّة، لكنّ مالكها الأوّل كان رجلا فرنسيّا وفنّانا كان يعرف دينيه. كما كان صديقا لأحد أعيان القبائل ويُدعى إبراهيم بن سليمان. وقد اعتاد دينيه على أن يلتقي بصديقيه وزوّار آخرين من محبّي ومشتري وهواة الرسم الذين كانوا يأتون إليه في منزله لمعاينة اللوحات التي كان يرسمها.
كان بعض المؤرّخين والنقّاد يصوّرون الفنّ الاستشراقي على انه دعاية ثقافية مضلّلة وأن وراءه أجندة استعمارية خفيّة. وهذا الوصف قد يكون صحيحا إلى حدّ ما، لكنه ليس صحيحا على إطلاقه. وهو ينطبق بوجه خاصّ على بعض الأعمال التي كانت تلعب على وتر التهويمات الايروتيكية لجامعي الفنون الأوربّيين والعوامّ على حدّ سواء.
ولد ايتيان دينيه في باريس عام 1861 لأب كان يعمل في القضاء. وقد درس الرسم في مدرسة الفنون الوطنية في باريس. وفي السنة التالية تعلّم على يد وليام بوغرو وفيكتور غالان. وكان من بين زملائه كارلوس دوران وبوفي دو شافان والنحّات اوغست رودان.
وقد وصل دينيه إلى الجزائر لأوّل مرّة عام 1884، وفي زيارة تالية لها في عام 1903 اشترى منزلا دائما في ضاحية بوسعادة. وبعد خمس سنوات أعلن اعتناقه للإسلام وأسمى نفسه نصر الدين. وفي عام 1929، ذهب إلى مكّة المكرّمة بصحبة زوجته لأداء مناسك الحجّ.
وطوال إقامته في الجزائر، ظلّ الرسّام يحظى باحترام ومحبّة الجزائريين. وعندما توفّي في يناير من عام 1930 عن تسعة وستّين عاما، سار الآلاف منهم في جنازته.

Friday, June 09, 2017

لوحات عالميـة – 396

فـنّ الرّسـم
للفنان الهولندي يوهـان فيـرميـر،1666

لّلون أهميّة خاصّة في لوحات فيرمير. كان دائما يفضّل اللازورد أو الفيروزي المستخلص من حجر سماويّ شديد الزرقة. والفيروز الذي استخدمه في هذه اللوحة هو الأغلى في العالم. أما كيف استطاع استخدام هذا اللون رغم تكلفته الباهظة، فأمر ما يزال إلى اليوم لغزا.
يقال أحيانا أن أفضل لوحات فيرمير هي ديكوراته المنزلية التي تظهر فيها امرأة واحدة تزاول نشاطا منزليّا ما، مثل "خادمة الحليب" و"امرأة تُمسك ميزاناً" وغيرهما.
ومع ذلك فإن هذه اللوحة، أي "فنّ الرّسم"، كانت وما تزال احد أشهر أعماله. وبعض مؤرّخي الفنّ يعتبرونها أكثر أعماله فتنةً وإثارةً للاهتمام. وكلّ تفصيل فيها يمتصّ ويعكس الضوء بطريقة مختلفة. وهي تدلّ على طموح الرسّام ومدى قدرته على الابتكار والتنفيذ المتقن.
ويمكن أيضا اعتبار اللوحة احتفاءً بالرّسم. السمة المسرحية فيها واضحة، تؤكّدها الستارة البارزة الضخمة إلى اليسار والتي تنسحب إلى الخلف كما لو أنها تكشف عن خشبة مسرح. وعندما تنظر إلى ما وراء الستارة، سترى غرفة أو محترفا تضيئه أنوار ساطعة.
ومن الواضح أن الغرفة أكثر أناقة مما تبدو عليه ورش الرسّامين عادة. فهي تحتوي على ثريّا ذهبية وأثاث رائع وبلاط من الرخام الفخم. والطريقة التي صوّر بها فيرمير الأرضية الرخامية والنجفة الضخمة هي مثال على حرفيّته ومعرفته بالمنظور.
واللوحة بكلّ ما تشتمل عليه من تفاصيل هي محاولة فيرمير للإجابة على سؤال قديم طالما شغل الكتّاب والرسّامين والنحّاتين وهو: ما مكانة الرسّام في المجتمع؟ هل هو حرفيّ كالنجّار والبنّاء والحدّاد، أم مفكّر مبدع حاله حال الشاعر والمعماريّ والفيلسوف؟
وإجابة فيرمير على هذا السؤال هي أن الرسم يشبه الفنون الأخرى من حيث انه قادر على تجسيد الأفكار والمشاعر والتأثير في عقل وقلب المتلقّي من خلال اللون والخطّ والضوء والظلّ.
في اللوحة، نرى فنّانا يرسم امرأة ترتدي فستانا ازرق وتقف بجوار نافذة، وعلى الجدار خلفها تظهر خارطة كبيرة للأراضي المنخفضة. الديكور الهولنديّ الجميل من القرن السابع عشر الذي تضيئه أنوار ناعمة رُسمت تفاصيله ببراعة.
والرسّام الظاهر في اللوحة يُعتقد أنه فيرمير نفسه، وهو يرسم في نسخة متخيّلة من مرسمه، أمّا المرأة فقد تكون ابنته.
الرسّام يجلس أمام اللوحة مرتديا ملابس سوداء أنيقة مع فتحات على الأكمام والظهر. وهذا اللباس كان غالي الثمن في زمن فيرمير ولم يكن يقتنيه سوى نخبة المجتمع. وقد ظهر في لوحات قليلة، منها بورتريه رسمه بيتر بول روبنز لنفسه.
والملاحظ أن فيرمير صوّر الرسّام من الخلف للتأكيد على عالمية الحرفة، وربّما للإشارة إلى انه، هو نفسه، ظلّ غير معروف أثناء حياته رغم انه جلب الشهرة والمجد لبلده.
ويُفترض أن المرأة في اللوحة تجسّد شخصية "كلييو" ملهمة التاريخ في الأساطير. وما يرجّح هذا الاحتمال هو إكليل الغار الذي يعلو رأسها، كما أنها تمسك بيد بوقاً وبالأخرى نسخة من كتاب يُعتقد انه لهيرودوت.
كان المنظّرون يرون أن أنبل التعبيرات الفنّية هي تلك التي يجسّدها الرسم التاريخيّ، وهو مصطلح يتضمّن المواضيع التاريخية والدينية والأسطورية.
وبوضع الرسّام ملهمة التاريخ في وسط اللوحة، فإنه إنّما يؤكّد على أهميّة التاريخ بالنسبة للفنون البصريّة، ومن ضمنها الرّسم.
المرأة والخريطة والقماش المطرّز والستارة والنجفة والقناع الجبسيّ على الطاولة، كلّها رموز توصل معنى وأهميّة فنّ الرّسم.
فالقناع يُستخدم عادة كرمز للمحاكاة أو التقليد، ومن ثم للرّسم. والخريطة الضخمة في مؤخّرة الغرفة تشير إلى تاريخ هولندا الحديث، وهي من تصميم رسّام الخرائط الهولنديّ المشهور كلاس فيشر. وفيها تظهر الأقاليم السبعة عشر التي كانت تتألّف منها هولندا، مع عشرين مدينة رئيسية.
كانت خارطة فيشر قد أصبحت متقادمة عندما رسم فيرمير اللوحة. فاستصلاح الأراضي غيّر طبيعة تضاريس البلاد، كما أثّرت التغييرات السياسية على حدودها.
وقد تكون الفكرة من وراء وضع الخريطة هي الإشارة إلى أيّ مدى يمكن أن تصل شهرة الرسّام وذيوع اسمه، مع انتقال أعماله من مدينة لأخرى.
هناك أيضا الثريّا الذهبية الفخمة في السقف والتي يتوسّطها من أعلى رسم لنسر برأسين يقال انه كان رمزا لأمجاد أسرة هابيسبيرغ الملكية. والأثاث الفخم في الصورة يمكن أيضا أن يكون رمزا للرخاء المادّيّ الذي يحقّقه كلّ رسّام موهوب.
وربّما أراد فيرمير من رسم الخريطة والثريّا أن يشير إلى أن الفنّان يجلب الشهرة لوطنه ولمدينته، من خلال معرفته بالتاريخ وقدرته على رسم المواضيع والأفكار المهمّة. وكانت مثل هذه الأشياء مثار إعجاب الهولنديين وتقديرهم في زمانه.
لكن يمكن أن يكون هذان الرمزان انعكاسا للذوق الذي كان سائدا في عصر فيرمير، بالإضافة إلى أنهما يتضمّنان عنصر حنين إلى الأيّام التي كانت هولندا فيها بلدا موحّدا.
وهناك من يقول إن تأكيد فيرمير على التاريخ يمكن أن يعني أيضا أن قوّة الرسّام تتمثّل في قدرته على تحويل الأشياء الموقّتة والعابرة إلى أبدية وخالدة، وبالتالي يحقّق لنفسه من خلالها الذيوع والخلود.
كان فيرمير يحبّ هذه اللوحة كثيرا وكانت لها مكانة خاصّة في نفسه، لدرجة انه رفض أن يبيعها أثناء حياته حتى عندما كان مثقلا بالديون.
وفي عام 1676، تنازلت عنها أرملته لوالدتها للحيلولة دون بيعها من اجل سداد ديون الدائنين. لكن في العام التالي بيعت معظم لوحات فيرمير في مزاد في مدينة ديلفت. ولم يُعرف من اشترى هذه اللوحة بالتحديد.
ثم تبيّن أن ثَريّا يُدعى جيرارد فان سويتن ابتاعها ثم تنازل عنها لأخيه الذي اشتراها منه في ما بعد أمير نمساويّ. وأخيرا اشترى اللوحة ادولف هتلر بمبلغ مليوني مارك ألماني وضمّها إلى مجموعة متحف لينزر.
وقد نجت اللوحة مع غيرها من الأعمال الفنّيّة من غارات الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية بعد أن أخفيت في منجم للملح.
وفي نهاية الحرب أعادها الأمريكيون للحكومة النمساوية. وفي عام 1958 نُقلت إلى متحف تاريخ الفنّ في فيينا حيث ظلّت فيه إلى اليوم.

Tuesday, June 06, 2017

لوحات عالميـة – 395

الفقـهـاء
للفنان النمساوي لودفيـك دويتـش، 1905

كان للرسومات الاستشراقية اثر كبير في تطوّر العلاقة بين الشرق والغرب. وقد سافر العديد من الرسّامين الأوربّيين إلى بلدان الشرق وأسّسوا لهم فيها محترفات، وبعضهم تزوّجوا من نساء عربيات وتعلّموا لغات المنطقة وفتحوا دروبا للمعرفة والتفاهم بين الشرق والغرب.
جاذبية الرسم الاستشراقي استمرّت من خلال لوحات عدد من رسّامي القرنين الثامن والتاسع عشر. وكان لهذا النوع من الرسم أتباع كثيرون في الشرق والغرب ممّن كانوا منجذبين إلى الواقعية والأسلوب والتفاصيل والرسائل التي كان يتضمّنها.
وقد أرضى استشراق القرن التاسع عشر فضول العامّة من الأوربّيين الذين كانوا توّاقين لمعرفة الشرق، خاصّة بعد حملة نابليون على مصر ثم نشر كتاب "وصف مصر" الذي تناول جغرافية وتاريخ وعادات وتقاليد المصريين.
ومن بين الرسّامين الأوربّيين الذين ذهبوا إلى مصر وصوّروا بعضا من جوانب الحياة فيها الرسّام النمساوي لودفيك دويتش الذي زار مصر خمس مرّات ما ببن عامي 1883 و 1904.
وقد ضمّن دويتش لوحاته صورا لحرّاس القصور النوبيين ومواكب المحمل في شوارع القاهرة ومضيئي الشموع في بدايات الليل والأضرحة وحواة الأفاعي والدلالين ورعاة الأغنام وغيرهم.
لكن في أواخر عام 1890 بدأ الرسّام تنفيذ سلسلة من الأعمال التي تناول فيها طبقة العلماء والمثقّفين في صور تأمّلية يظهر فيها أشخاص متعلّمون وهم يقرءون رسائل أو كتبا أو مخطوطات.
وقد اعتُبرت تلك اللوحات دليلا على نضج دويتش وتوسّع معرفته ببلدان المنطقة وازدياد أهمية التعليم في مصر بسبب إصلاحات محمّد علي التي سبقت ذلك التاريخ بعقود.
في هذه اللوحة، يرسم دويتش ثلاثة علماء دين وهم يتأمّلون مخطوطات من أنواع مختلفة في غرفة تحتوي على خزانة كتب خشبية مع نقوش ارابيسك بديعة. وأرضية الغرفة مزيّنة بسجّادة كردية أو فارسية مع صندوق خشبيّ مطعّم باللآليء.
الرجال الثلاثة يرتدون الملابس التقليدية التي تتألّف من عمامة وطربوش وجبّة أو قفطان، بالإضافة إلى أحذية مغربية حمراء. وظهور الثلاثة بأحذيتهم هي إشارة إلى أنهم لا يجتمعون في مسجد، وإنّما على الأغلب في منزل خاصّ.
الأسطح المصقولة والواقعية الشديدة التي تميّز فنّ دويتش، ومن ضمنه هذه اللوحة، كان وراءها مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي جمعها الرسّام في القاهرة مع المئات من قطع الديكور الأخرى. وقد أخذ كلّ هذه الأشياء معه إلى فرنسا كي يزيّن بها مرسمه الباريسيّ. وكان من عادته أن يضع اسكتشات لوحاته في القاهرة ثم يكمل رسمها عندما يعود إلى باريس.
وعلى الرغم من مكانة دويتش المهمّة في الرسم الاستشراقي الأوربّي، إلا أن تفاصيل حياته ما تزال قليلة أو غامضة. لكن من المعروف انه يتحدّر من عائلة يهودية معروفة، وكان والده يعمل في البلاط النمساويّ.
وقد درس في أكاديمية فيينا للرسم عام 1872، ثم استقرّ في باريس اعتبارا من عام 1878. وكان قد سبقه إلى هناك مواطنه الرسّام الاستشراقي المعروف رودولف ارنست.
وفي باريس، درس دويتش على يد رسّام المواضيع التاريخية جان بول لوران، قبل أن يختطّ لنفسه أسلوب رسم واقعيّا وذا سمات لا تخلو من الفخامة والدراماتيكية.
وقد هيمنت مواضيعه الاستشراقية على فنّه، وبفضل تلك المناظر المفصّلة التي رسمها عن الحياة اليومية في مصر اكتسب نجاحا كبيرا وثناءً غير مسبوق أهّله لنيل ميدالية ذهبية من معرض أقيم في باريس عام 1900.
وفي مرحلة تالية، استبدل أسلوبه الأكاديميّ الصارم بآخر أكثر تحرّرا وتلقائية.
ودويتش يُعتبر اليوم أكثر رسّام استشراقيّ نمساويّ يبحث هواة الأعمال الفنّية عن أعماله. وكثيرا ما تباع لوحاته بأسعار مرتفعة. ومعظمها موجودة الآن في مجموعات خاصّة.
إحدى لوحاته واسمها صلاة الفجر ، بيعت قبل فترة بأكثر من نصف مليون جنيه استرليني، وفيها يظهر رجلان يؤدّيان الصلاة داخل احد مساجد القاهرة الفاطمية.
ومن بين أفضل لوحات دويتش الأخرى واحدة بعنوان النذور ، ويظهر فيها جانب من جامع السلطان حسن بالقاهرة مع أشخاص يرتدون ملابس أنيقة ويحملون عددا من الهدايا إلى داخل المسجد. وقد بيعت هذه اللوحة بمليوني جنيه استرليني، كما بيعت لوحته الأخرى حارس القصر بحوالي هذا السعر.

Thursday, June 01, 2017

لوحات عالميـة – 394

السيّدة المريضة
للفنان الهولندي سامويل فان هوغستراتن، 1660

كان سامويل فان هوغستراتن احد رسّامي المدرسة الواقعية الهولندية. لكنه اشتهر أكثر بوصفه أديبا وشاعرا أكثر من كونه رسّاما.
وقد نشر قبيل وفاته كتابا بعنوان "العالم المنظور"، ضمّنه آراءً ونقاشات عن الرسم والفنون والفلسفة. كما تناول فيه تاريخ الفنّ العالميّ مع إشارات متعدّدة إلى معلّمه رمبراندت وأسلوبه وإرشاداته. وقد اعتُبر ذلك الكتاب احد أكثر الدراسات طموحا وإحاطة في عصره.
أبدى فان هوغستراتن اهتماما بالرسم منذ سنّ السابعة وقام والده بتعليمه أساسيات وتقنيات الحرفة. وفي ما بعد أصبح احد تلاميذ رمبراندت، ويمكن رؤية تأثير أستاذه في لوحاته التي رسمها في بداياته.
"المرأة المريضة" تُعدّ أشهر لوحات الرسّام. وفيها نرى امرأة شاحبة الوجه تجلس على كرسيّ وتبدو مريضة، لكن مرضها غير معروف.
وخلفها يقف رجلان، الأوّل إلى اليمين يُفترض انه طبيب، رغم انه يرتدي ملابس غريبة. وهو يبدو منهمكا في تفحّص زجاجة تحتوي على عيّنة من بول المرأة ليتأكّد ممّا إذا كانت حاملا.
أما الرجل الآخر الواقف إلى يساره فيُحتمل انه زوجها أو قريبها. وهو ينظر إلى الزجاجة وعلى وجهه علامات توتّر، كما لو انه خائف من نتيجة الفحص.
وعلى أرضية الغرفة عند قدم المرأة، يجثم قطّ يُطبق بمخالبه على فأر صغير. وبالقرب من القطّ حفر الرسّام الأحرف الأولى من اسمه على الأرضية الخشبية. وتحت قدمي المرأة صندوق صغير مفتوح من احد جوانبه وبداخله موقد للتدفئة.
قماش المائدة المطرّز والمنسدل إلى أسفل تظهر عليه صورة لشخصين عاريين. وإلى يسار الغرفة يوجد درج يقود إلى غرفة أخرى. والملابس الأنيقة وديكور البيت وما يحتويه من لوحات فنّية وأثاث فخم يدلّ على ثراء المرأة.
بعض خبراء الرسم يشيرون إلى احتمال وجود علاقة غير شرعية بين المرأة والرجل الواقف خلفها. والرموز التي تركها الرسّام في اللوحة يمكن أن تؤكّد هذا الاستنتاج.
فالقطّ، مثلا، كان في القرون الوسطى يرمز للشهوة، ووجوده في اللوحة قد يدلّ على علاقة ما خارج الزواج. وهو هنا لا يبدو قطّا عاديّا متمدّدا على الأرض بارتياح، بل لقد اصطاد للتوّ فأرا وهو يمسك به بين مخالبه.
ومثل الفأر الذي بين مخالب القطّ، قد يكون الرجل والمرأة عالقين في قبضة الرغبة المحرّمة. وحتى صورة فينوس المعلّقة فوق باب الغرفة ومنظر الطبيب المزيّف يمكن أن توحي بالكثير.
ولو كانت اللوحة تخلو من هذه التفاصيل الصغيرة، لكن الموحية، لأمكن القول إن المرأة تعاني من مرض أو علّة ما.
الغريب أن هذه اللوحة ظلّت مختلفة تماما عما تبدو عليه اليوم، إذ لم يكن فيها أثر لصورة الرجل الواقف إلى اليسار أو صورة القطّ والفأر قبل عام 1989، أي عندما جرى ترميم اللوحة.
وعلى الأرجح طُمست هذه التفاصيل تحت طبقة سميكة من الطلاء في وقت ما من القرن التاسع عشر، لأنه لم يكن من اللائق آنذاك الإشارة إلى حمل غير مرغوب فيه. وقد استُبعدت صورة الرجل والقطّ والفأر كي تكون الرسالة اقلّ وضوحا.
ولد الرسّام سامويل فان هوغستراتن عام 1627 في بلدة دوردريخت الهولندية. كان اكبر إخوته السبعة وكانت خلفية العائلة فنّية، فأبوه وجدّه كانا رسّامين. كما كان أجداده يعملون في تجارة الذهب والفضّة.
وقد تلقّى تعليما أوّليّا في الرسم على يد والده. ثم انتقل في وقت لاحق إلى أمستردام وانتظم في مدرسة رمبراندت التي كان يؤمّها الكثير من طلاب الرسم، وأصبح صديقا لعدد من الرسّامين المشاهير مثل كارل فابريتيوس وغيريت دو ونيكولاس ميس. ورغم تأثّره برمبراندت، إلا انه في ما بعد رسم الحياة اليومية والديكور المنزليّ.
وقد عاش فان هوغستراتن لسنوات في فيينا وروما ولندن قبل أن يعود إلى بلدته ليستقرّ بها حتى وفاته عام 1678 عن عمر يناهز الخمسين.

Saturday, May 27, 2017

لوحات عالميـة – 393

رحلة بالقارب على ضفاف السين
للفنان الفرنسي بيير اوغست رينوار، 1879

قال ناقد ذات مرّة انه من بين جميع الرسّامين الانطباعيين فإن بيير اوغست رينوار يمكن تمييزه بسهولة. انه الرسّام العظيم لمتع الحياة البسيطة. ولوحاته في الغالب تصوّر أشخاصا يفعلون القليل أو لاشيء، لكنهم يفعلونه بطريقة جميلة.
وعندما تنظر إلى إحدى لوحات رينوار، فلا بدّ أن تتساءل عمّا يحاول أن يخفيه. عالمه المغسول بالشمس جميل جدّا وباعث على السرور كثيرا وخالٍ من التعقيد.
وإذا كانت الصورة انعكاسا للشخص، فإن رينوار سهل وبسيط للغاية. هو ليس بشاعر طبيعة غنائية مثل كلود مونيه، وليس باحثا معذّبا مثل بول سيزان، وليس ملاحظا جادّا مثل إدوار مانيه.
لوحات رينوار هي احتفاء بالرفقة الطيّبة والطعام الجيّد والطبيعة الرائعة، ولا مكان للظلمة السيكولوجية في عالمه المشمس والرتيب نوعا ما.
والمتع المرسومة في لوحاته بالفرشاة الانطباعية الفضفاضة تعتمد على فكرة أن تستمتع باللحظة التي أنت فيها ولا تفكّر أكثر ممّا ينبغي.
المناظر التي كان يرسمها رينوار وثّق فيها بأسلوبه المبتكر تفاصيل الطبيعة المتغيّرة في ذلك العصر والأنشطة الاجتماعية الجديدة التي جلبتها التحوّلات الطارئة. وأحيانا كان يستخدم الطبيعة لكي يقدّم أفكارا عنها وعن ارتباطها بالمجتمع.
كانت مناظر الطبيعة تمثل اهتماما جديدا لسكّان المدينة، فهي تذكّرهم بأعاجيب الطبيعة خارج المدن التي تنمو وتتغيّر باستمرار. كما أنها كانت تشعرهم بأهميّة استحداث أماكن للاسترخاء والترفيه داخل النسيج الحضريّ للمدن الحديثة.
في سبعينات القرن قبل الماضي، رسم رينوار عدّة لوحات تصوّر رحلات بالقارب على نهر السين. و"رحلة بالقارب على ضفاف السين" كانت إحداها. المكان الذي تصوّره اللوحة غير معروف تماما، لكن يُرجّح انه جانب من منطقة شاتو على السين غرب باريس.
في الصورة نرى امرأة تبحر مع أخرى في قارب صغير فوق مياه لامعة. وهما ترتديان ملابس عصرية وقبّعات قد لا تنسجم مع طبيعة الرحلة في البحر. لكن هذه النوعية من اللباس كانت الموضة الشائعة في حفلات القارب التي كان يقيمها أفراد الطبقة الوسطى الباريسية في أواخر القرن التاسع عشر.
المنظر يوصل إحساسا بالهدوء والأمان. واستخدام الرسّام للألوان البرّاقة وضربات الفرشاة الواسعة وتأثيرات الضوء والظلّ، كلّها تتضافر لخلق إحساس بالتلقائية والدفء.
على ضفّة النهر نلمح فيللا كبيرة وجدارا ابيض وبوّابة. والخضرة المحيطة تشكّل جزءا من مساحة للوقوف. وهذه التفاصيل تؤكّد طبيعة النهر كمكان هادئ يقضي فيه أفراد الطبقة الوسطى أوقات راحتهم. أما القطار الذي يمرّ في الخلفية فيذكّر بارتباط هذا المكان بالعاصمة وما تموج به من ازدحام وصخب.
الألوان البرتقالية للقارب تتباين مع زرقة النهر، والبرتقالّي والأزرق لونان متضادّان في الأساس، ويصبحان أكثر كثافة عندما يوضعان جنبا إلى جنب.
كان الموضوع المفضّل لرينوار هو العيش في اللحظة الراهنة والاستغراق في متع الحياة البسيطة. وقد عبّر عن هذه الفكرة في أعماله أكثر من أيّ رسّام انطباعيّ آخر.
كان يستمتع برسم أصدقائه في حفلات الغداء والعشاء موصلا إحساسا بالحميمية. وهذه اللحظات العابرة كثيرا ما تتحوّل إلى ذكريات وحنين لزمن مضى ولن يعود.
في بداياته، كان الفنّان يستخدم رسوماته للطبيعة كي يمارس فنّه في الهواء الطلق وليتحرّر من قيود الاستديو. وكانت الرسومات الأوّلية لمناظر خارج البيوت جزءا من التدريب الأكاديميّ الذي يتلقّاه الرسّامون عادة.
وهذه الأيّام هناك من الرسّامين من يعتقدون أن لوحات الطبيعة ينبغي أن تخلو من البشر. ومعظم الأعمال الفنّية التي ظهرت قبل رينوار كانت تتضمّن أشخاصا لتوفير سياق لقصّة ما.
ثم ابتكر كميل بيسارو فكرة الطبيعة النقيّة، وهو مصطلح استخدمه لوصف لوحات الطبيعة التي لا يظهر فيها أشخاص كلّيّة، أو يظهرون فيها ليضيفوا معنى أو وظيفة للتوليف.
واللوحات النقيّة التي ظهرت خلال القرن التاسع عشر كانت ردّ فعل مضادّا لما أحدثته الثورة الصناعية من تغييرات ديموغرافية واجتماعية وثقافية.
ومعظم لوحات رينوار التي تصوّر طبيعة يمكن وصفها بالنقيّة، لأنها لا تتضمّن قصّة أو عنصرا سرديّا، وإنما تهتمّ في المقام الأوّل بالتركيز على عناصر جمالية مثل تأثيرات الظلّ والضوء وخلافها.

Monday, May 22, 2017

لوحات عالميـة – 392

دعوة الناسك متّى
للفنان الايطـالـي كـارافــاجـيــو، 1599

قبل وفاة الكاردينال ماثيو كونتاريللي، أوصى بأن تُزيّن كنيسته بلوحة تصوّر سميّه الناسك ماثيو (أو متّى) الذي كتب أوّل الأناجيل والذي يحمل اسمه.
وقد توسّط راعي كارافاجيو وصديقه فرانسيسكو ديل مونتي لدى الكاردينال بأن يعهد بمهمّة رسم اللوحة إلى كارافاجيو الذي لم يكن عمره وقتها قد تجاوز الثامنة والعشرين.
ورسم كارافاجيو اللوحة بأسلوبه المسرحيّ والدراماتيكيّ المعهود. ثم تحوّلت بعد ذلك إلى إحدى أيقونات الفنّ العالمي.
القصّة التي تصوّرها اللوحة بسيطة. والعبرة التي تحملها هي انه حتى أسوأ الناس وأفسدهم يمكن أن يتحوّلوا في نقطة ما من حياتهم إلى أشخاص أتقياء وصالحين.
وأصل القصّة أن شخصا يهوديا يُدعى ليفي كان يعمل محصّل ضرائب في مدينة الناصرة. وكان مثالا على الفساد والجشع. ثم حدثت له واقعة غريبة تخلّى بعدها عن كلّ ممتلكاته الدنيوية وأصبح إنسانا يُضرب به المثل في التقى والصلاح.
وبعد تلك التجربة تحوّل اسمه من ليفي إلى ماثيو أو متّى ثم أصبح مؤلّف أوّل إنجيل في المسيحية.
اللوحة تشبه لقطة من فيلم، وهي تصوّر اللحظة المفصلية في تلك القصّة التي تحدّثت عنها المصادر المسيحية القديمة. وفيها نرى مجموعة من الرجال مجتمعين في غرفة أنوارها خافتة، بينما يقطع خطّ من الضوء جدار الغرفة من اليمين إلى اليسار.
ماثيو ورفاقه الثلاثة، وكلّهم محصّلو ضرائب، يبدون منهمكين في إحصاء حصيلة ذلك اليوم من أموال الضرائب.
وبينما هم على تلك الحال، يدخل عليهم المسيح بمعيّة بطرس احد الحواريين، وهما يظهران في أقصى يمين اللوحة. المجتمعون يفاجَئون بدخول الضيفين الذين اقتحما عليهم المكان من دون دعوة.
ليفي، الشخص الملتحي والثالث من اليسار، يلاحظ ما حدث، وكذلك الطفل الذي إلى جواره والشابّ الجالس أمامه. الطفل يتراجع إلى الوراء باتجاه متّى وكأنه يتوسّل منه الحماية. أما الشاب المسلّح فيميل بجسمه قليلا باتجاه الزائرَين وكأنه يستطلع الخبر.
الضوء والظلّ يضيفان دراما إلى المشهد ويضفيان على الأشخاص تلقائية وحركة. وهم جميعا مغمورون بالظلال. والضوء الساطع على الجدار هو الذي يضيء المشهد.
الرسّام، من خلال توظيفه البارع لتقنية الظلّ والضوء، أضاف إلى المنظر المزيد من الحياة باستخدام الألوان المتوهّجة وتباينات الأحمر والبنفسجيّ والذهبيّ.
الرجال الملتفّون حول الطاولة يتكوّمون فوق المال، في إشارة إلى جشعهم وانشغالهم بالدنيا. وقد اختار كارفاجيو أن يُلبسهم ثيابا عصرية من أواخر القرن السادس عشر للإيحاء بأن هذا المنظر يمكن أن يتكرّر في أيّ زمان ومكان، وربّما كي يقرّب الفكرة أكثر من أذهان الناس في زمانه.
في تلك اللحظة، يُفاجأ الجميع في الغرفة بالظهور المفاجئ للمسيح وصاحبه اللذين يقطعان عليهم اجتماعهم.
تقول القصّة أن المسيح عندما دخل، نظر إلى ليفي وقال له: اتبعني". اليدان الممدودتان للمسيح وبطرس تؤشّران إلى متّى اكبر المجتمعين سنّا. ومتّى يشير بيده إلى صدره وكأنه يقول: من؟ أنا؟". والضوء ينعكس على وجهه ليوحي انه الشخص المقصود.
الأقدام الحافية والملابس البسيطة للمسيح ورفيقه الناسك تختلف عن الملابس الجميلة والملوّنة والعصرية التي يرتديها جامعو الضرائب. وبطرس يحمل في يده عصا في إشارة إلى انه والمسيح في حالة ارتحال دائم وليس لديهما مكان ثابت يأويان إليه.
كانت حياة متّى كلّها معتمدة على المال، وهناك قطعة نقد معدنية ملتصقة بقبّعته في إشارة إلى المكانة الأثيرة للمال في نفسه.
وربّما تلاحظ أن قدم المسيح تتّجه بعكس جسمه نحو الباب وانه لا ينتظر، فقد تمّ اختيار الشخص المقصود. وعلى متّى أن يحسم خياره بسرعة، فإما أن يستمرّ في الجري وراء المال وإما أن يتخلّى عن أسلوب حياته الماضية ويختار المسيح. أصدقاؤه يستندون إليه لحمايتهم ويشكّلون حاجزا بينه وبين الزائرين الغريبين.
مؤرّخو الفنّ يقولون إن هيئة يد المسيح الممدودة تحاكي حركة يد آدم في لوحة ميكيل انجيلو "خلق الإنسان". وهذه الجزئية تتوافق مع تقليد قديم في المسيحية ينظر إلى المسيح على انه آدم الثاني.
وبعد قليل سينهض ليفي من مكانه ويتبع المسيح إلى خارج الغرفة وسيصبح "الرسول متّى" الذي تتحدّث عنه الأدبيات المسيحية.
طريقة جلوس الأشخاص في اللوحة تشبه ترتيب الشخصيات في لوحة كارافاجيو الأخرى "غشّاشو الورق"، بل حتى معظم الأشخاص الذين استخدمهم الرسّام كنماذج في هذه اللوحة هم نفس الأشخاص الذين يظهرون في تلك اللوحة.
قصة متّى رسمها العديد من الفنّانين أشهرهم جيوفاني لانفرانكو وهندريك بروغين وبرناردو ستروتزي. غير أن تصوير كارافاجيو لها يُعدّ الأفضل والأشهر.
لكن المشكلة أن سيرة حياته لا تتناسب مع موضوع اللوحة. فقد كان بلطجيّا وسكّيرا ومثيرا للمشاكل. غير أن الكنيسة غفرت له أخطاءه واستمرّت في تكليفه برسم لوحات لحسابها.
لكن حدث بعد ذلك أن قتل كارافاجيو رجلا ثم حُكم عليه بالموت. ففرّ هاربا إلى مالطا. وقد اصدر البابا حكما بالعفو عنه، لكنه مات فجأة بالحمّى عام 1610 وعمره لا يتجاوز الثامنة والثلاثين.

Thursday, May 18, 2017

لوحات عالميـة – 391

اجتمـاع عائلـي
للفنان الفرنسي فريدريك بازيل، 1867

كان يمكن أن يكون لفريدريك بازيل شأن في حركة الرسم الانطباعيّ الفرنسيّ، لولا انه قُتل في سنّ مبكّرة أثناء حرب فرنسا مع بروسيا عام 1870.
ورغم انه كان يُنظر إليه كرسّام هاوٍ وتابع للانطباعية، إلا أن كميل بيسارو وصفه ذات مرّة بأنه كان احد أكثر الرسّامين موهبة وحضورا. وعندما رسم عددا من أفضل لوحاته، وأشهرها الفستان الزهري ، لم يكن عمره قد تجاوز الثالثة والعشرين.
كان بازيل ابنا لعائلة موسرة. وقد انتقل، وهو فتى، إلى باريس كي يدرس في ورشة الرسّام شارل غلاير. وهناك التقى طلاب رسم آخرين كان من بينهم مونيه ورينوار وألفريد سيسلي. وقد ربطته بهؤلاء الثلاثة علاقة صداقة ممتدّة وكان معجبا بأعمالهم.
كان أستاذه غلاير رسّاما تقليديا من حيث انه كان يركّز على تصوير الجمال المثاليّ في لوحاته. لكنه كان أيضا من الداعين إلى الرسم خارج البيوت. وكان بازيل وأصدقاؤه يمضون الساعات الطوال في الرسم في غابات فونتينبلو.
ورغم أن الطبيعة لم تكن موضوعه المفضّل، إلا أن رسوماته لها رائعة. ومناظره الضخمة لأشخاص يجلسون في أحضان الطبيعة المفتوحة كانت مشهورة. لكن أفضلها هي لوحته هذه التي يمكن مقارنتها ببعض أعمال مونيه.
في "اجتماع عائليّ"، يرسم بازيل احد عشر شخصا من أفراد عائلته أثناء لقائهم في شرفة حديقة منزلهم في مونبلييه. والملاحظ أن كلّ شخص في اللوحة يمكن أن يُقرأ كما لو انه بورتريه منفصل.
العائلة مجتمعة تحت ظلّ شجرة ضخمة، وجميعهم يحدّقون خارج الصورة كما لو أنهم يواجهون آلة تصوير. إلى اليسار، يجلس والد الرسّام ووالدته. وحول الطاولة عمّته وابنتها. وحولهم يجلس الآخرون من أبناء وبنات عمومة وأصهار.
الضوء المتسرّب عبر أغصان الشجرة يزيد ألوان المكان سطوعا ويسقط على الملابس الشاحبة فيخلق تباينا مع ألوان الطبيعة المحيطة.
والألوان في الصورة مصطنعة بعض الشيء، لكنها جميلة. ولو حُوّلت إلى نسخة بالأبيض والأسود لما اختلفت في شيء عن أيّ صورة فوتوغرافية.
ورغم أن الاجتماع في اللوحة يُفترض أن يكون حميما وبسيطا، إلا انه يبدو رسميّا بعض الشيء. ولو حاولت أن تدخل اللوحة فستدخلها كزائر غير متوقّع أو كمتطفّل غريب وغير مرغوب فيه يحاول فجأة قطع مناسبة رسمية.
والرسّام نفسه يبدو فيها متحفّظا وغير سعيد كثيرا. وربّما الأصل البروتستانتي لعائلة بازيل هو الذي يفسّر ظهور أفرادها بهذا المظهر المحافظ والمتقشّف.
كان بازيل منجذبا كثيرا لأضواء منطقة جنوب فرنسا. وقد عمل على هذه اللوحة طوال موسم الشتاء من ذلك العام. ثم عاد إليها مرّة أخرى قبل سنة من عرضها في الصالون، واستبدل الكلاب الصغيرة التي كان قد رسمها أسفلها بأزهار وقبّعة ومظلة، كما أضاف بقعا لامعة من ضوء الشمس على الأرضيّة.
ويمكن أن تفسّر هذه التعديلات والتسويات لماذا قُبلت اللوحة في صالون ذلك العام بينما رُفضت لوحات مونيه الأكثر جرأة. بازيل نفسه اندهش من تلك المفارقة وقال بتواضع انه لا يعرف لماذا قُبلت لوحته، مشيرا إلى أن المحكّمين ربّما ارتكبوا خطئاً.
كانت أسرة بازيل غنيّة جدّا، ولهذا السبب لم يكن يبخل على زملائه الأقلّ حظّا، بل موّلهم ودعمهم ومنحهم جزءا من محترفه كي يرسموا فيه لوحاتهم.
هذه اللوحة تشبه كثيرا لوحة مونيه "نساء في الحديقة" التي اشتراها بازيل بعد أن أتمّ صديقه رسمها بفترة قصيرة. لكن التركيز فيها ليس على الأشخاص وإنّما على تأثيرات الضوء.
كان الاثنان، مونيه وبازيل، يعملان معا في الكثير من الأحيان، ولطالما استوحى بازيل الإلهام من بعض أعمال مونيه. كما كان متأثّرا بإدوار مانيه الذي كان صديقا للانطباعيين، على الرغم من انه لم يكن يصنّف نفسه منهم.
ممّا لا شكّ فيه أن فريدريك بازيل كان جزءا من تطوّر الانطباعية الفرنسية. لكن البعض ينظر إليه اليوم كانطباعيّ ضائع سقط اسمه سهوا من قائمة الرسّامين الانطباعيين.
وقد فقده الرسم عندما أصرّ على الالتحاق بالخدمة العسكرية بعد شهر من بدء حرب عام 1870 وعلى الرغم من نصائح زملائه له بألا يفعل.
وفي نوفمبر من ذلك العام، اُصيب بجرح وهو يقاتل في ميدان المعركة وتوفّي بعد ذلك وعمره لم يتجاوز الثامنة والعشرين.

Saturday, May 13, 2017

لوحات عالميـة – 390

بورتريه ديبورا كيب وأطفالها
للفنان الهولندي بيتر بول روبنز، 1630

كان روبنز شخصا متعدّد المواهب والاهتمامات. كان رسّاما ولغويّا ومثقّفا وديبلوماسيّا كثير الأسفار.
وبسبب نزاهته الشخصية، لم يكن مستغربا أن يُكلَّف بالقيام بمهامّ ديبلوماسية أدّاها تحت ستار كونه رسّاما.
وأهمّ رحلة ديبلوماسية قام بها كانت في عام 1627، أي في منتصف حرب الثلاثين عاما، عندما كُلّف بالذهاب إلى اسبانيا في محاولة لإنهاء تلك الحرب التي بدأت تؤثّر على بلده.
وقد استقبله الملك فيليب الرابع، وبعد ذلك بعامين أرسله الملك إلى لندن كمبعوث له في محاولة للتوصّل إلى معاهدة سلام بين اسبانيا وانجلترا.
وخلال إقامته في بريطانيا، نزل ضيفا على بالتازار جيربييه الذي كان هو نفسه فنّانا وديبلوماسيّا. وكان الأخير قد وصل إلى لندن لأوّل مرة بصحبة السفير الهولنديّ عام 1616 ثمّ استقرّ فيها بشكل دائم. روبنز وجيربييه كانا قد التقيا قبل ذلك بأربع سنوات في باريس ونشأت بينهما علاقة صداقة.
كانت عائلة جيربييه تعمل في تجارة الأقمشة. لكنه كان يزعم أن جدّه كان باروناً وأن عائلته تنحدر من أصول نبيلة.
وأثناء إقامة روبنز في منزل صديقه، رسم لزوجته وأطفاله الأربعة هذا البورتريه الذي أراد أن يكون لمسة وفاء منه إلى صديقه الذي استضافه في منزله وتذكيرا بتلك الزيارة.
زوجة جيربييه، ديبورا كيب، كانت ابنة عضو ثريّ في الجالية الهولندية في لندن في ذلك الوقت. ومن الملاحظ أنها هي وأطفالها فقط من يظهرون في الصورة. وليس معروفا لماذا لم يظهر الزوج في البورتريه الذي يُفترض انه عائليّ.
البورتريه يؤكّد على الفكرة الأساسية، وهي العلاقة القويّة التي تربط الأمّ بأطفالها. وقد ضمّنه روبنز الكثير من التفاصيل التي تدلّل على مكانة العائلة، كفستان المرأة المطرّز والملابس الفخمة التي يرتديها أطفالها.
في اللوحة تظهر الأمّ وهي تحتضن رضيعها، بينما الابنة الكبرى التي ترتدي فستانا اسود تبدو هادئة، والصغرى تسند ذراعها إلى ركبة أمّها وتنظر، هي وأختها، إلى الرسّام.
ورغم كثرة التفاصيل في الصورة، إلا أن روبنز سيطر على التوليف بجعل علاقة الأمّ بأطفالها نقطة الارتكاز في الموضوع.
جمال وثراء الألوان وتموّج الخطوط والطيّات الرائعة للستائر والفساتين، كلّها عناصر تكشف عن الحساسية التي رسم بها روبنز هذه اللوحة.
صورة الطاووس الذي يستقرّ على طرف كرسيّ الأمّ يرمز للثراء الارستقراطيّ. لكنه في الفنّ المسيحيّ يرمز إلى العذراء باعتبارها الأمّ المثالية.
ومن التفاصيل اللافتة الأخرى في اللوحة أن الأمّ تبدو حزينة وواجمة، بينما ينظر إليها الابن الأكبر وكأنه يستشعر حزنها.
كان زوج المرأة، أي جيربييه، شخصا مغامرا وانتهازيّا. وقد أوقعه هذا في العديد من المشاكل. ولا بدّ أن تلك المشاكل ألقت بظلالها على علاقته بزوجته وبيته. والغريب انه مات معدما بعد حياة الجاه والثراء، وعاش أبناؤه من بعده على إعانات الدولة والمحسنين.
لم يكمل روبنز رسم اللوحة أثناء إقامته في لندن، فأخذها معه عند عودته إلى انتويرب. لكنه توفّي فجأة عام 1640، فعُهد بإكمالها إلى رسّام زميل يُدعى ياكوب جوردانس.
كان روبنز أكثر رسّامي عصر الباروك نفوذا في شمال أوربّا. وقد تبنّى أسلوبا ثوريّا في الرسم اكتسبه في ايطاليا التي أقام فيها ثمان سنوات في نهاية القرن السادس عشر.
وعندما سافر إلى اسبانيا عام 1627، رأى العديد من لوحات الرسّام الفينيسيّ المشهور تيشيان، وأثّرت ألوانه الناعمة واللامعة كثيرا على أسلوب روبنز في ما بعد.
ومما لا شكّ فيه أن انغماس الفنّان في السياسة الأوربّية عزّز من مكانته وسمعته كرسّام. كان يتنقّل بين قصور الأمراء والملوك الأوربّيين بحرّية. وعندما حلّ السلام بين اسبانيا وانجلترا كافأه ملكا البلدين بوسام من مرتبة فارس.
أثّر روبنز في الكثير من الرسّامين الذين جاؤا بعده وترك بصمته على فنّهم وكرّس من خلال شخصيّته نموذجا لما يجب أن يتّصف به الفنّان من ثقافة واستقامة وموهبة.
كان روبنز كاثوليكيا تقيّا، ما جعل خصومه يتّهمونه بممالئة المؤسّسة الكنسية. ومع ذلك استمرّ نموذجه وتأثيره في أوربّا والعالم ووصلت لوحاته إلى كلّ مكان واستُنسخت عددا لا يُحصى من المرّات.

Monday, May 08, 2017

لوحات عالميـة – 389

القارئة غير المركّزة
للفنان الفرنسي هنري ماتيس، 1919

كثيرا ما يُوصف هنري ماتيس بأنه أعظم ملوّن في القرن العشرين. كما انه أحد الفنّانين الذين أحدثوا تغييرات ثورية في الفنون البصرية. وبراعته في إظهار السمات التعبيرية للألوان واضحة في أعماله الكثيرة التي رسمها على امتداد نصف قرن.
في إحدى المرّات لخّص ماتيس رؤيته عن وظيفة الفنّ بقوله: ما احلم به هو فنّ متوازن ونقيّ وخال من المواضيع المزعجة والمحبطة؛ فنّ يجد فيه الكاتب والمثقّف ورجل الأعمال والمعماريّ ما يجلو همّه ويريح عقله، تماما مثلما يوفّر كرسيّ جيّد الراحة والاسترخاء لجسد متعب".
كانت فنون شمال أفريقيا واليابان احد مصادر إلهام الرسّام. وقد مزج في العديد من لوحاته بعض الخصائص الزخرفية للفنّ الإسلامي. والكثير من المزهريات والأباريق وقطع الديكور الأخرى التي تظهر في لوحاته كان قد اشتراها أثناء رحلاته إلى الجزائر والمغرب واسبانيا.
كان من عادته أن يتردّد على المحلات التي تبيع التحف والأشياء القديمة المجلوبة من المستعمرات الأوربّية كي يشتريها ويضمّنها في لوحاته. وكانت هذه القطع تنمّي شعوره وتغذّي خياله كفنّان.
المرأة المستغرقة في حلم يقظة كانت احد أفكاره ماتيس الأساسية. وكان يعود إلى هذه الفكرة من وقت لآخر. وهو في هذه اللوحة يرسم امرأة في لحظة من لحظات التأمّل الغامض بينما تمسك بيدها كتابا.
عنوان اللوحة يشي بأن المرأة تحاول التخلّص من شعورها بالوحدة وذلك من خلال القراءة والاطلاع. والمشهد، على بساطته، يدفع الناظر لأن يفترض قصصا واحتمالات مختلفة.
والرسّام يحاول إبراز شخصية المرأة من خلال الألوان وتفاصيل الديكور المختلفة. لكن جمال الألوان والطرز والنسيج والهدوء الذي تثيره يتناقض مع ملامح القارئة التي تبدو منهكة وغير سعيدة على الرغم من الأشياء المبهجة التي تحيط بها.
كان ماتيس قد رسم اللوحة أثناء إقامته في احد فنادق مدينة نيس في جنوب فرنسا. وهو فيها يحاول أن يخلق إحساسا بالحميمية ويوظّف التفاصيل في هذا المكان كي يثير فكرة أو حالة ما.
وإسناد المرأة رأسها على يدها يُفهم منه أنها حزينة وربّما منشغلة الذهن. أما وجود الأزهار والمرآة فترتبط تقليديّا في الرسم بفكرة أن الحياة مؤقّتة وزائلة.
المناظر الداخلية المرسومة خلف أبواب مغلقة غالبا ما تكون وسيلة يحاول الفنّان من خلالها تصوير العلاقة بينه وبين شخوصه.
و ماتيس كان يجد إمكانيات إبداعية كبيرة في العودة إلى بعض الأفكار والصور الأساسية. ومن الملاحظ أن لوحته هذه هي تنويع على بعض أعماله المبكّرة، مثل "القارئة" و"امرأة تقرأ".
لكن هذه اللوحة أكثر تميّزا، وهو فيها يجمع أشياء متنوّعة، مثل أزهار الخشخاش الموضوعة في آنية زجاجية، والمرآة المذهّبة، والكرسيّ ذي القماش الحريريّ، والستائر البرتقالية، والسجّادة الزهرية.
ومن الأشياء التي تلفت الانتباه المزيج الرائع للألوان الزهرية والزرقاء. واللوحة بأكملها تكتسب سمة الألوان الزهرية التي تغلب على جوّها مثيرةً إحساسا بالتفاؤل والسلام.
وجزء مهمّ من جمالها ربّما يعود إلى أنها مرسومة بألوان الباستيل، كما أن فيها مسحة من الفنّ الساذج أو الطفوليّ، كما تعبّر عنه الخطوط والكتل ذات الألوان الفضفاضة.
وبعض التفاصيل الأخرى، مثل جدران الغرفة وبلاط الأرضية وكرسيّ المرأة الذي لا يتناسب مع جسمها، توضّح أنها رُسمت دون اعتبار للمنظور.
بعد أن عثر ماتيس على أسلوبه الخاصّ، أصبح يتمتّع بنجاح اكبر مكّنه من السفر إلى ايطاليا واسبانيا وألمانيا وأمريكا الشمالية طلبا للإلهام.
وطوال عشرينات القرن الماضي استمرّ يتحف جمهوره بالمزيد من الأعمال ذات الألوان المشبعة والفراغات المسطّحة، مع اقلّ قدر من التفاصيل. ثم بدأ يدرس ويستكشف سمات التكعيبية.
ورغم انه تبنّى أسلوبا ثوريّا في الشكل واللون، إلا أن مواضيعه كانت في الغالب تقليدية، تتراوح بين رسم بورتريهات لأصدقائه وعائلته وتصوير أشخاص في الغرف وفي الطبيعة بالإضافة إلى مشاهد من محترفه.
وأثناء الغزو النازيّ لفرنسا في بداية الأربعينات، عاش الرسّام في عزلة في منزله في جنوب فرنسا، رغم أن العديد من أفراد عائلته كانوا منخرطين في عمليات المقاومة.
وقد اُعتقلت زوجته أثناء تلك الفترة، كما تعرّضت ابنته للسجن والتعذيب بسبب أنشطتها في المقاومة قبل أن تُرسل إلى احد معسكرات الاعتقال في ألمانيا.
توفّي هنري ماتيس في نوفمبر من عام 1954 عن أربعة وثمانين عاما إثر نوبة قلبية، بعد أن حقّق لنفسه مكانة بارزة واعتُبر بنظر الكثيرين احد أبرز روّاد فنّ الحداثة.
وفي عام 2005، بيعت لوحته ازهار الخوخ بمبلغ خمسة وعشرين مليون دولار. وكان احد أعماله النحتية قد بيع في عام 2002 بمبلغ تسعة ملايين دولار أمريكي.

Tuesday, May 02, 2017

لوحات عالميـة – 388

الرجل الجريح
للفنان الفرنسي غوستاف كوربيه، 1854

عاش غوستاف كوربيه في عصر هيمنة الرومانتيكية وجمود النيوكلاسيكية. ثم وجد إحساسا جديدا في الرسم الواقعيّ. وإليه يعود الفضل في صوغ مصطلح الواقعية.
الفترة التي عاش فيها الرسّام اتّسمت بالتوتّرات السياسية والاجتماعية. ولوحاته بشكل عامّ تعكس القوّة المتصاعدة للجماهير وازدهار المنظور العلميّ وتأثير الحركات الفنّية والثقافية التي اكتسحت باريس في منتصف القرن التاسع عشر.
وقد اشتهر كوربيه بوصفه رسّاما للأسطح السميكة وببراعته في تقنية السكّين التي تنتج حضورا ماديّا.
وفي ما بعد، امتدّت مهنته إلى ما هو ابعد من الواقعية، عندما بدأ يجرّب أفكارا وأساليب جديدة في الرسم ستتطوّر بعد ذلك إلى ما أصبح يُعرف بالانطباعية.
الذوق الذي كان سائدا زمن الرسّام كان يفترض من الفنّان أن يرسم فنّا ساميا وجميلا ينقل المتلقّي إلى عالم مثاليّ يسكنه الأشخاص الأسطوريون والأغنياء. لكن كوربيه كان يصرّ على رسم الحياة الواقعية بكلّ ما تزخر به من سلبيات ومتناقضات.
في عام 1854، كتب كوربيه إلى راعيه وداعمه الفريد بروياس يقول: لقد رسمت في حياتي العدد من البورتريهات لنفسي، وعندما تغيّرت حالتي الذهنية كتبت قصّة حياتي في كلمتين: الرجل الجريح".
وهذا هو اسم لوحته هذه التي رسمها لنفسه مذكّرا بالفكرة الرومانتيكية القديمة عن الفنّان بوصفه بطلا يعاني.
وكوربيه يبدو في البورتريه مستلقيا على سريره وممسكا عباءته بيده، وإلى جواره سيف وعلى قميصه بقعة دم.
في البداية، ظن النقّاد أن السيف يرمز للفرشاة والدم للطلاء، أي أن الصورة يمكن أن تكون رمزا للفنّان الذي يضحّي بنفسه في سبيل فنّه.
لكن في ما بعد، اُجري للوحة فحص بالأشعّة السينية كشف عن قصّة حبّ مخفيّة. وتبيّن انه كان تحت سطحها صورة لامرأة مستلقية على كتف الرسّام. لكنّه غيّر في اللوحة بعد أن انتهت علاقته بالمرأة، فطمس صورتها وأبقى على صورته هو، وكأنه أراد أن يزيل ذكراها من عقله ومن عمله. ثم استبدل صورتها بسيف وأضاف بقعا من الدم على قميصه ناحية القلب.
وجود الجرح في ذلك المكان ليس بالأمر العشوائيّ، ومن المرجّح أن الرسّام إنّما كان يعبّر من خلاله عن حالة انكسار عاطفيّ.
ولا بدّ وأن كوربيه كان موهوبا كثيرا عندما غيّر في اللوحة دون أن يترك أثرا، لدرجة انه لزم الخبراء عقودا طويلة كي يكتشفوا التعديل باستخدام التقنية المتطوّرة.
ولد غوستاف كوربيه عام 1819 لعائلة من الريف الفرنسيّ. وفي ما بعد ذهب إلى باريس كي يدرس القانون. لكنه قرّر فجأة أن يدرس الرسم.
وفي عام 1865، زار ألمانيا وكان وقتها قد أصبح الزعيم غير المنازع للجيل الجديد من رسّامي الواقعية الفرنسية.
وقد رسم خلال حياته مواضيع متنوّعة كالبورتريهات والأشخاص والطبيعة. وبورتريهاته الشخصية بالذات تحتلّ مكان الصدارة في أعماله.
ويقال أن سلسلة لوحاته عن البحر مع عواصف وغيوم متغيّرة كان لها تأثير كبير على الرسّامين الانطباعيين الذين أتوا في ما بعد.
في احد الأوقات، وجد كوربيه نفسه منجذبا نحو الثقافة البوهيمية. وقد كتب وقتها إلى صديق له يقول: في مجتمعنا المتحضّر أكثر من اللازم، يجب أن أعيش حياتي كهمجيّ، وأحرّر نفسي من تأثير الحكومات. إنني أتعاطف مع الناس العاديّين ويجب عليّ أن أتحدّث إليهم مباشرة وأن اكسب عيشي منهم. لذا قرّرت من الآن أن أجرّب حياة الترحال كبوهيميّ".
كان كوربيه شخصا وسيما ومعتدّا بنفسه بطريقة ساذجة أحيانا، وكان يعرف قيمته جيّدا. وثقته الزائدة بنفسه واضحة في لوحته "صباح الخير مسيو كوربيه"، وفيها يصوّر نفسه واقفا بطريقة مسرحية وممسكا بعصا أثناء لقاء له على الطريق مع راعيه الثريّ بروياس الذي يحيّي الرسّام باحترام وإجلال.
كان كوربيه يصرّ دائما على الاستقلالية كإنسان وكفنّان. وقد رفض الزواج باعتباره مؤسّسة بورجوازية كما قال.
ولطالما ربطته ببلده علاقة تتراوح بين الحبّ والكراهية. ومع ذلك احتُفل به في باريس كأحد المعلّمين العظام، وحقّق أثناء حياته نوعا من النجومية يشبه ما نراه هذه الأيّام. وجزء مهم من نجوميّته يمكن أن يُعزى إلى شخصيّته المتمرّدة وفنّه المستفزّ أحيانا.
مع تقدّمه في العمر، أصبحت حياة كوربيه أكثر تشويقا وإثارة للجدل. فقد رفض وسام الشرف الذي عرضه عليه نابليون الثالث قائلا إن الدولة عاجزة في المسائل الفنّية، وعندما تتركني لأكون حرّا أكون قد أنجزت واجبي نحوها".
ولأنه كان اشتراكيا، فقد شارك في بعض الأنشطة الثورية، وكانت نتيجة ذلك انه سُجن ستّة أشهر عام 1871. وأثناء وجوده في السجن، رسم لنفسه بورتريها يظهر فيه وهو جالس بجانب نافذة ويدخّن الغليون، متذكّرا رفاقه الذين قُتلوا في أحداث ثورة 1871.
وفي إحدى المرّات فُرضت عليه غرامة كانت اكبر من قدرته على الدفع، فهرب إلى سويسرا وبقي فيها إلى أن توفّي في ديسمبر عام 1877.
وقبيل وفاته كتب في مذكّراته يقول: عمري الآن يقارب الخمسين، وقد عشت حياتي دائما في جوّ من الحرّية. لذا دعوني انهي حياتي وأنا حرّ. وعندما أموت أريد أن يقال عنّي أنني لم أكن انتمي إلى مدرسة أو كنيسة أو مؤسّسة أو أكاديمية أو نظام غير الحرّية".

Thursday, April 27, 2017

لوحات عالميـة – 387

إمبراطورية الضوء
للفنان البلجيكي رينـيـه مـاغـريـت، 1953

ذات مرّة، وصف سلفادور دالي رينيه ماغريت بأنه أوّل رسّام سوريالي حقيقيّ.
وفي الحقيقة كان ماغريت أشهر فنّان بلجيكيّ في القرن العشرين. وقد قضى في بداياته بضع سنوات في العمل كفنّان تجاريّ ينتج الإعلانات ويصمّم الكتب.
ونُقل عنه مرّة قوله إن شغفه بالفنّ بدأ عندما رأى وهو طفل فنّانا يرسم في مقبرة. ومنذ تلك اللحظة، بدأ يرسم. وفي ما بعد، ذهب إلى الأكاديمية الملكية في بروكسل، وبدأ ينجذب إلى الأسلوب التكعيبيّ الذي يمكن رؤية تأثيره عليه في لوحاته المبكّرة.
ثم حاول أن يجرّب الانطباعية، وهو ما جرّ عليه انتقادات زملائه ومعجبيه. ورغم انه قرّر في النهاية اتباع السوريالية، إلا انه حافظ على العناصر اللونية للانطباعية في أعماله.
ويُعرف عن ماغريت انه كان يرسم في لوحاته حالات ذهنية ونادرة يمكن ملاحظتها بتأمّل وصمت. كما اشتهر بميله لمزج فنّه بالكلمات وباختياره أسماء شاعرية للوحاته دون أن يكون للاسم علاقة بالمضمون.
وكان أيضا مهتّما بتصوير مفهومه الخاصّ عن الزمن وبقدرته على مناغمة عناصر الطبيعة مع الزمن كما لو أنها شيء واحد.
لوحة إمبراطورية الضوء تمثّل نموذجا للمفارقات البسيطة التي تميّز معظم لوحات ماغريت الناجحة.
وقد لا تلاحظ المفارقة التي تحتويها هذه اللوحة من النظرة الأولى. لكن لو دقّقت النظر قليلا لاكتشفت أن السماء فيها نهارية بينما يظهر المنزل أثناء الليل. وربّما اعتقدت أنها تصوّر تلك اللحظات من الغسق التي تسبق انبلاج الفجر.
المنظر نفسه عبارة عن بيت يطلّ على ما يشبه بركة أو شارعا مبلّلا. والبيت مرسوم في النهار وأمامه عمود إنارة وحيد، بينما يتسرّب النور من بعض نوافذه إلى الخارج.
لكن فوق البيت تبدو السماء زرقاء شاحبة تزيّنها الغيوم البيضاء. وجمال اللوحة يتمثّل في أنها تقدّم صورة يختلط الليل فيها بالنهار.
المنظر سوريالي إلى حدّ ما، وهو يبدو أشبه ما يكون بصورة فوتوغرافية بسبب التفاصيل الجميلة التي رسم بها الفنّان السماء والغيوم.
ومن الملاحظ أنه رسم الظلام في أسفل اللوحة بحيث يبدو أكثر استعصاءً على الاختراق ممّا لو رُسم في بيئة ظلام طبيعيّ. أيضا يُلاحظ أن الماء إلى أسفل يعكس ظلمة الليل بدلا من سطوع السماء.
يقال أن إمبراطورية الضوء هي أفضل أعمال ماغريت، لكن بعض النقّاد يأخذون عليها أنها بلا روح، كما أنها برأيهم لا تثير أيّة مشاعر، ربّما باستثناء الإحساس بالبرد.
السماء الساطعة فيها تبدو باردة وغير مضيافة، على الرغم من أنها مليئة بالضوء. والظلام الذي يلفّ المنزل يبعث إحساسا بالرهبة قد يكون مبعثه أن المنزل مرسوم ليلا.
وأنت تنظر إلى هذه اللوحة، قد يساورك شعور بأن شيئا ما مشئوما على وشك أن يحدث. وعلى الأرجح هذا هو السبب في أن اللوحة وُظّفت كمشهد من فيلم الرعب الشهير "طارد الأرواح" الذي ظهر في منتصف الستّينات، كما استخدم المخرج اللوحة في تصميم ملصق الفيلم.
خلوّ الصورة من الشعور الإنساني قد يكون مردّه أن البيت يغطّيه الظلام الدامس، باستثناء الإضاءة الصادرة عن العامود ومن أنوار الغرف الفارغة بداخل البيت.
صحيح أن ما نراه في اللوحة بأعيننا لا يمكن أن يكون منظرا من الحياة الواقعية. لكن هناك من النقّاد من يرى أن للنور والظلمة معنى أعمق. فقد يكون الضوء رمزا للخير والظلمة رمزا للشرّ. وهذان العنصران، برغم تناقضهما ظاهريّا، يمكن أن يوجدا في مكان واحد.
هناك أيضا في اللوحة عدد من المتضادّات أو المتقابلات: الضوء الطبيعيّ مقابل ضوء المصابيح الاصطناعية، والطبيعة مقابل الإنسان، ودفء أضواء الطبيعة مقابل قسوة الأضواء الاصطناعية.
اتّبع ماغريت أساليب متعدّدة في الرسم وسلك طرقا جديدة في التعبير عن الفنّ في كلّ أعماله. وقد ازداد اهتمام الناس بفنّه في ستّينات القرن الماضي وأثّرت لوحاته على موسيقى البوب وعلى الفنّ التقليلي والمفاهيمي.
وكان قد رسم خلال العشرينات سلسلة لوحات اسماها "رسم الكلمات"، وفيها تبدو الكلمات والصور في حالة تناقض.
كان الفنّان يحبّ المفارقات الصورية ويهتمّ بالعلاقة بين الصور المرسومة والعالم المنظور. وقد عُرف عنه ميله لحياة الهدوء والتأمّل والعزلة. وبينما عاش زملاؤه الفنّانون الفرنسيون حياة رفاهية، فضّل هو أن يعيش حياة الطبقة الوسطى التي تتّسم عادة بالرتابة والهدوء.
رسم ماغريت عدّة نسخ من هذه اللوحة، ولا يُعرف لماذا فعل ذلك. قد يكون السبب أنها راقت له بعد أن أصبحت مشهورة، وربّما رسمها مرارا كي يرضي رغبات زبائنه.
وقد بيعت إحدى نسخها في مزاد بلندن عام 1996 بمبلغ أربعة ملايين دولار، بينما وجدت النسخ الأخرى طريقها إلى المجموعات الفنّية الخاصّة، والبعض استقرّ في بعض المتاحف الكبيرة مثل متحف الفنّ الحديث في نيويورك ومتحف الفنون الجميلة في بروكسل ومتحف غوغنهايم في نيويورك.

Monday, April 17, 2017

لوحات عالميـة – 386

روحـان متآلفتـان
للفنان الأمريكي آشـر دورانـد، 1849

ظهرت مدرسة نهر هدسون للرسم الأمريكي عام 1850 بتأثير من الرسّام الانجليزيّ المهاجر توماس كول الذي وصل إلى نيويورك عام 1825. وبسبب التأثير الواسع للوحاته عن الطبيعة، فقد اعتبر كول المؤسّس الفعليّ لتلك المدرسة.
وقد أنتجت مدرسة هدسون لوحات لا تُنسى في الرسم الأمريكيّ. وكان من أقطابها بالإضافة إلى توماس كول كلّ من فريدريك تشيس والبيرت بيرستادت وآشر دوراند وغيرهم.
واستوحى هؤلاء إلهامهم من لوحات بعض نظرائهم الأوربّيين مثل كلود لورين وجون كونستابل، ومن أفكار مشاهير الكتّاب الأمريكيين في ذلك الوقت مثل هنري ثورو ورالف ايمرسون وغيرهما.
وكانت الأعمال الملحمية لهؤلاء تجسّد تقديسهم للطبيعة وتعكس القيم الوطنية الأمريكية وأفكار الاستكشاف والارتياد والاستيطان التي كانت سائدة في منتصف القرن التاسع عشر.
وقد خلّدوا في لوحاتهم الأراضي الرائعة لوادي هدسون وما وراءه، كما صاغوا رؤية جديدة عن إمكانيات بلد كان ما يزال يحاول التعرّف على هويّته.
كانت مناظر الطبيعة التي كانوا يرونها في تلك النواحي تثير الرهبة في نفوسهم وكانوا يعتقدون أن تلك الطبيعة غير المروّضة تعكس جوانب من الشخصية الوطنية لبلدهم.
آشر دوراند كان أكثر أعضاء مدرسة نهر هدسون تديّنا، وكان يؤمن بأن الله موجود في كلّ تفاصيل الطبيعة وأن رسم الطبيعة هو نوع من الصلاة أو التعبّد للخالق.
وعندما يُذكر اسم دوراند اليوم، فإن الناس يتذكّرونه بلوحاته التي رسمها للطبيعة الأمريكية البدائية، وخصوصا هذه اللوحة.
وكان قبل أن يرسمها قد تلقّى تكليفا من احد رعاة الفنّ الأمريكيّ آنذاك، ويُدعى لومين ريد، بأن يرسم بورتريهات لسبعة من رؤساء الولايات المتحدة.
ومن خلال ريد تعرّف دوراند إلى الرسّام توماس كول. كان كول ودوراند يجمعهما حبّهما المشترك لرسم المناظر الطبيعية. ثم أصبحا يذهبان معا في رحلات على الأقدام تستغرق أيّاما كي يرسما الطبيعة. وبحلول عام 1840 أصبح الاثنان يُعتبران أفضل رسّامي الطبيعة في أمريكا.
ومع ذلك كان هناك اختلاف بين أسلوبيهما، فلوحات كول كانت تمثّل التسامي وتجسّد المنظور الرومانتيكيّ في الرسم، وهو كان يؤمن بأن تصوير الطبيعة يجب أن يتضمّن رموزا ومفاتيح تعكس جلال وعظمة الخالق.
وفي المقابل، كان دوراند يفضّل رسم الطبيعة الرعوية التي تحتوي على مناظر وأشخاص ويميل إلى الرسم الواقعيّ الذي كان يدعو إليه الناقد الانجليزيّ جون راسكن.
في تلك الأثناء، كان يعيش في نيويورك تاجر يُدعى جوناثان ستورغيس، وقد كلّف دوراند بأن يرسم لوحة يصوّر من خلالها الصداقة التي كانت تربط بين كلّ من أستاذه وصديقه توماس كول والناقد والشاعر وليام برايانت.
وكان هؤلاء الأربعة يشكّلون حلقة واحدة ويجمعهم حبّهم المشترك للأدب والفنون.
وبالفعل رسم دوراند هذه اللوحة التي تصوّر صديقيه كول وبرايانت وهما يقفان فوق حافّة صخرة تشرف على منظر طبيعيّ رائع في منطقة جبال كاتسكيل في نيويورك.
العنوان الذي اختير للوحة مقتبس من بيت شعر ورد في إحدى رباعيّات الشاعر الانجليزيّ جون كيتس بعنوان "عزلة" يتحدّث فيه عن الأرواح المتآلفة والمتحابّة.
وقد طلب دوراند من صديقيه أن يأتيا معه ليرسمهما في ذلك المكان الذي تكثر فيه المنحدرات والشلالات. وكان كول نفسه قد استكشف ذلك المكان ورسمه في حياته أكثر من مرّة بعد أن أعجب بطبيعته.
جبال كاتسكيل تُعتبر من أقدم مناطق الجذب السياحيّ في أمريكا. وكان المهاجرون الهولنديّون أوّل من وصل إلى المنطقة في القرن السابع عشر. ولزمن طويل، كانت غاباتها وجبالها وبحيراتها وشلالاتها مصدر إلهام للعديد من علماء الطبيعة والفنّانين والكتّاب والرسّامين، وظهرت كثيرا في الأدب والشعر والرسم خلال القرن التاسع عشر.
ولطالما اعتُبرت تلك المنطقة صورة نموذجية للحياة الفطرية النقيّة وللأفكار المثالية عن البرّية، بينما رأى البعض فيها شكلا من أشكال الجنّة البدائية.
وكان السكّان الأصليّون من الهنود الحمر يتجنّبونها بسبب ارتفاعها الشاهق وانعدام المراعي فيها. أما المهاجرون الأوربّيون الذين وصلوا إلى العالم الجديد في وقت مبكّر فقد اعتبروا هذه الجبال مناطق خطرة وغير آمنة ولا يجرؤ على سكناها سوى الهنود البدائيين.
وكان من أوائل من كتبوا عن جبال كاتسكيل وامتدح شلالاتها وطبيعتها الكاتب المعروف واشنطون إرفنغ الذي ذكرها في إحدى قصصه المنشورة عام 1819م.
غير أن المنظر الذي رسمه دوراند في هذه اللوحة ليس حقيقيّا تماما ولا يعكس تضاريس المنطقة بدقّة، لأن الرسّام اختار على ما يبدو أن يرسم أفضل ما في ذلك المكان ولم ينسَ أن يضفي على طبيعته مسحة مثالية.
كان الغرض الأساسيّ من اللوحة تصوير الرابطة الحميمة بين شخصين يتشاركان في نفس الأفكار وتجمعهما رؤية فنّية ترتبط بحمال الطبيعة وبالإحساس بروح المكان. كما يمكن اعتبار اللوحة تجسيدا وتخليدا للأخوّة الفكرية والفلسفية بين كول وبرايانت.
بعض الكتّاب يقولون إن هذه اللوحة تُمسك بقصّة بروز نيويورك كعاصمة أدبيّة وفنّية لأمريكا. فوليام برايانت كان من المؤسّسين لمتحف المتروبوليتان في المدينة، مع أن كول نفسه كان معروفا بكراهيته للحياة في المدن وبحبّه للأرياف وللطبيعة التي ما تزال تحتفظ بجمالها البكر.
الجدير بالذكر أن هذه اللوحة ظلّت في عهدة عائلة برايانت إلى أن تبرّعت بها ابنته بعد وفاته إلى مكتبة نيويورك العامّة عام 1904م. وبقيت اللوحة بحوزة المكتبة حوالي مائة عام إلى أن ابتاعها عام 2005 مشترٍ مجهول بمبلغ خمسة وثلاثين مليون دولار.