Wednesday, June 21, 2017

لوحات عالميـة – 398

لحظات استرخاء
للفنان الأمريكي جون سنغر سارجنت، 1911

لم يكن جون سنغر سارجنت ألمع رسّامي زمانه وأكثرهم موهبة فحسب، بل يمكن القول انه كان واحدا من أعظم الرسّامين في جميع العصور.
وقد عاش الفنّان معظم حياته في أوربّا ورأى العديد من الثقافات وزار كثيرا من المدن والمتاحف وأتقن أثناء ذلك عددا من اللغات كالفرنسية والايطالية والاسبانية. كما كان موسيقيا موهوبا وعازفا بيانو بارعا.
صور سارجنت الجريئة وغير التقليدية لأشخاص ضمن دائرته، بعضهم مشهورون وبينهم فنّانون وكتّاب معروفون، كشف من خلالها عن مشاعرهم وسمات شخصيّاتهم، بل وفي كثير من الأحيان ضمّنها مشاعره وانطباعاته الشخصية تجاههم دون أن يحابيهم أو يجاملهم.
وكان من بين أصدقائه الذين رسمهم كلّ من بيير رينوار وأوغست رودان والروائيّ هنري جيمس والشاعر وليام تيلر ييتس والروائيّ روبيرت ستيفنسون، بالإضافة إلى كلود مونيه الذي صوّره وهو يرسم على أطراف غابة بمعيّة زوجته.
الشخص الوحيد الذي كان سارجنت يتهيّب رسمه كان هنري جيمس الذي رسم له بورتريها بدا فيه متحفّظا ومتكتّما وغامضا. كان جيمس يؤمن بأن الفنّان الحقيقيّ هو الملاحظ الساخر للمشهد الإنسانيّ، وهذا ما كان سارجنت نفسه يطمح لأن يكونه.
وقد امتدح جيمس سارجنت على ترجمته الفورية وغير العاديّة لشخصيّته وتحويلها إلى صورة كاشفة وبليغة. ولم يكن مستغربا أن تربط بين الاثنين صداقة متينة، فبينهما الكثير من أوجه الشبه، إذ أن كليهما أمريكيّان نشئا في أوربّا لعائلتين موسرتين وكانا في حالة ترحال دائم ولم يعرفا أبدا حياة الاستقرار.
كان سارجنت شخصا خاصّا جدّا، وقد ضحّى بحياته العامّة وفضّل عليها حياة السفر والترحال مع عائلته وبعض أصدقائه. كان دائم الحركة من بلد لآخر بحثا عن طبيعة ومناظر جديدة ليرسمها.
في هذه اللوحة، يرسم سارجنت روز ميري مايكل ابنة أخته التي كانت جليسته المفضّلة وظهرت في العديد من لوحاته.
كانت روز ميري امرأة جميلة وثريّة، وقد نشأت في بيئة مرفّهة وكانت تحيط نفسها بصفوة المجتمع الأوربّي وتتنقّل بين بيوت عائلتها في باريس وسويسرا والريفييرا الايطالية. أما والدها فكان ابنا لعائلة تملك إمبراطورية للسيجار وتتّخذ من سويسرا مقرّا لها.
وعندما رسمها سارجنت لم يرسمها بطريقة تقليدية، بل صوّرها كامرأة مجهولة واهنة الهمّة ومستغرقة في حلم يقظة شاعريّ. وأنت تنظر إلى هذه اللوحة لا بدّ وأن تستوقفك ألوانها المتوهّجة والمتناغمة ونسيجها المرسوم ببراعة ودقّة.
في عام 1913، تزوّجت روز ميري من مؤرّخ للفنون يُدعى روبيرت مايكل. وفي العام التالي ذهب للمشاركة في الحرب العالمية الأولى ولم يلبث أن قُتل في ميدان المعركة.
وقد حزنت عليه روز ميري كثيرا ثم قرّرت أن تكرّس وقتها كلّه لمعالجة جرحى ومصابي الحرب. لكن في العام التالي سقط صاروخ ألمانيّ على الدير الذي كانت ترعى فيه المصابين ما أدّى إلى مقتلها. ودُفنت إلى جوار زوجها في إحدى بلدات شمال فرنسا. وقد صُدم سارجنت لمقتلها لأنها كانت قريبة منه جدّا وكانت هي متعلّقة به كثيرا.
فكرة المرأة المستلقية أو الغارقة في حلم يقظة كانت إحدى الأفكار الرائجة في الرسم، وكثيرا ما تُصوّر الشخصية في جوّ من الهدوء الحزين واللامبالاة والرفاهية البالغة.
ويبدو أن سارجنت كان يوثّق من خلال هذه اللوحة لنهاية عصر، لأن هالة التهذيب والأناقة التي كانت من سمات نهاية القرن التاسع عشر، كما يعكسها هذا البورتريه، سرعان ما تلاشت بفعل الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي عصفت بالعالم في بدايات القرن العشرين.
قدرة سارجنت الفنّية على تصوير شخوصه في أماكن رائعة وفخمة أدّت إلى ازدياد شعبيّته في أوساط الرعاة الأغنياء. وهو نفسه كان مفتونا بتصوير نزوات المشاهير وميلهم لحياة التباهي والخيلاء على نحو ما كانت عليه الحال في تلك الفترة، أي في أواخر العصر الفيكتوريّ.
لكن بحلول عام 1909، كان قد تخلّى عن رسم البورتريه التقليديّ كي يجرّب أنواعا أخرى من الرسم.
ولد جون سنغر سارجنت في فلورنسا بإيطاليا عام 1856 لأبوين أمريكيين. وفي البداية، درس الرسم في باريس مع الرسّام كارلوس دُوران قبل أن ينتقل إلى لندن. وقد مرّ بزمن الانطباعيين وهو شابّ، ثم عاد في ما بعد إلى بعض تقنياته السابقة ليستخدمها في رسم الطبيعة والأشخاص.
كان سارجنت نجما في حياته، وكان معروفا بتدخينه الشَّرِه للسيغار وبخجله الغريب ووعيه بذاته وتركيزه أوّلا وأخيرا على خلق الجمال. كما كان دائما يتجنّب المقابلات ويحرص على حماية خصوصيّته ما أمكن. ويقال انه كان من عادته أن يتحدّث كثيرا أثناء الرسم ويمشي داخل الغرفة جيئة وذهابا، وبين وقت وآخر يتوقّف عن الرسم ليعزف على البيانو.
وبعض النقّاد يشبّهون رسوماته بموسيقى موزارت أو باخ بسبب صرامتها ودقّتها. ورغم ذلك، كان سارجنت احد الرسّامين الذين تجاهلهم مؤرّخو الفنّ في القرن العشرين. والسبب الذي يؤاخذه عليه معظم النقّاد اليوم هو انه كرّس فنّه كلّه تقريبا لرسم أفراد المجتمع الرفيع والمشاهير دون أن يهتمّ بتصوير حياة وهموم الناس العاديّين.
لكن بعد مرور أكثر من تسعين عاما على وفاته في عام 1925، فإن بورتريهات سارجنت الكاشفة والاستثنائية ما تزال تُقيّم عاليا في جميع أنحاء العالم. والغريب أنه هو نفسه لم يحرص على أن يرسم صورا لشخصه، وعندما فعل كان ذلك بتكليف وإصرار من أناس آخرين. والمفارقة أن صوره التي رسمها لنفسه لا تكشف سوى عن النزر القليل من شخصيّته.

Thursday, June 15, 2017

لوحات عالميـة – 397

متـآمـرون في اللَّيـل
للفنان الفرنسي ايتـيان دينـيه، 1923

تعود الجذور الأولى لفنّ الاستشراق إلى عصر النهضة. لكنّه لم يكتسب شهرة واسعة في أوساط جامعي الفنّ والنقّاد والجمهور إلا في بدايات القرن التاسع عشر، بسبب المزاج الرومانسيّ الذي كان سائدا في أوربّا آنذاك.
وهناك اتّفاق بين المؤرّخين على أن العامل الأهمّ الذي دفع بالاستشراق إلى مركز الصدارة كان غزو نابليون لمصر عام 1798، والذي أثار اهتماما كبيرا في أوربّا بالمنطقة العربية وثقافاتها المتنوّعة.
ونتيجة لذلك بدأ عدد من الرسّامين الأوربّيين، ومعظمهم فرنسيّون، بالتوافد على بلدان المشرق وشمال أفريقيا، حيث أنتجوا هناك العديد من الرسومات التي تناولت الحياة اليومية للناس مع صور لمساجد وقوافل وأسواق وخلافه.
ومن بين أهمّ الرسّامين الأوائل الذين تبنّوا الرسم الاستشراقيّ الفنّان الفرنسيّ الرومانسيّ الكبير اوجين ديلاكروا وزميله الرسّام الأكاديميّ جان ليون جيروم. لكن كان هناك رسّامون آخرون ذهبوا إلى الشرق وصوّروا جوانب مختلفة من حياة شعوبه وثقافاته.
ومن بين هؤلاء ايتيان دينيه الذي زار منطقة شمال أفريقيا، ثم أقام في الجزائر بشكل دائم بعد أن أحبّ شعبها وطبيعتها، وفيها اعتنق الإسلام وغيّر اسمه من ايتيان إلى نصر الدين دينيه.
وأكثر لوحات هذا الفنّان التي رسمها هناك يظهر فيها أطفال صغار وهم يلهون ويلعبون. كما تصوّر لوحات أخرى له مناظر غناء ورقص وبعض المظاهر الدينية.
في هذه اللوحة، يرسم دينيه مشهدا ليليّا لخمسة رجال غامضين يحملون الأسلحة. وظهور رجال بأسلحتهم يُعتَبر أمرا نادر الشيوع في مجموعة لوحات الرسّام. الرجال في الصورة يرتدون زيّا قبائليا موحّدا، وهم مجتمعون ليلا في مكان مظلم وكثير الأشجار.
و دينيه يترك للناظر حرّية أن يتوقّع ما الذي ينوي هؤلاء الرجال الخمسة فعله. سرّية المكان والتركيز الذي يبديه زعيم المجموعة، إلى اليسار، والذي يؤمي بيده باتجاه رفاقه، يقود المرء لأن يفترض أنهم يخطّطون لإعداد كمين ما.
وربّما يكونون صيّادين يستعدّون للانقضاض على فريسة. وهناك احتمال آخر بأن يكون الرجال الخمسة منهمكين في التخطيط لغارة على قبيلة مناوئة أو لعملية تهريب أو قطع طريق.
ومن الواضح أن الرسّام درس تعبيرات الأشخاص جيّدا قبل تنفيذ اللوحة. وهم يبدون متنبّهين ويقظين وأيديهم على بنادقهم، بينما يستمعون بحرص إلى توجيهات زعيمهم. الرجل إلى أقصى يمين الصورة وضعيّته تشير إلى أن دوره قد يكون الأهمّ وأن مهمّته تتطلّب أسلوب المباغتة والكُمون والحذر.
هذه الصورة توفّر مثالا على أسلوب دينيه في تصوير نمط الحياة في الصحراء من خلال مزج تقنية الكياروسكورو، أي التباين ما بين الضوء والظلّ، مع تقنيات الرسم الكلاسيكيّ.
وقد درس الفنّان وخطّط بدقّة تعبيرات الأشخاص الذين تبدو ملامح وجوههم مقرّبة، وكأنّما أراد أن يمسك بالروح البدوية للقبائل.
ونفس ملامح زعيم هذه المجموعة تظهر في لوحات أخرى للفنّان، كما انه مرسوم هناك بنفس الحركات والإيماءات التي يشير بها إلى رفاقه في هذه اللوحة.
صور المغامرات والصّيد في الصحراء كانت ذات شعبية كبيرة بين الرسّامين الأوربّيين الأوائل الذين زاروا الجزائر ومناطق شمال أفريقيا.
وكان من عادة دينيه عند رسمه مناظر لفرسان على ظهور الخيل أن يضفي على هذه الصور إحساسا بالنبل والدراما.
وباختيار الرسّام تخوم الصحراء الكبرى كخلفيّة للموضوع ووَضْع شخوصه في وسط اللوحة بدلا من الصخور الحمراء التي تظهر عادة في رسوماته الأخرى، فإنه يؤكّد على اهتمامه بإبراز هيئات وملامح هؤلاء الرجال الذين اختار أن يقيم له منزلا في وسطهم.
هذه اللوحة موجودة اليوم في إحدى المجموعات الفنّية الخاصّة، لكنّ مالكها الأوّل كان رجلا فرنسيّا وفنّانا كان يعرف دينيه. كما كان صديقا لأحد أعيان القبائل ويُدعى إبراهيم بن سليمان. وقد اعتاد دينيه على أن يلتقي بصديقيه وزوّار آخرين من محبّي ومشتري وهواة الرسم الذين كانوا يأتون إليه في منزله لمعاينة اللوحات التي كان يرسمها.
كان بعض المؤرّخين والنقّاد يصوّرون الفنّ الاستشراقي على انه دعاية ثقافية مضلّلة وأن وراءه أجندة استعمارية خفيّة. وهذا الوصف قد يكون صحيحا إلى حدّ ما، لكنه ليس صحيحا على إطلاقه. وهو ينطبق بوجه خاصّ على بعض الأعمال التي كانت تلعب على وتر التهويمات الايروتيكية لجامعي الفنون الأوربّيين والعوامّ على حدّ سواء.
ولد ايتيان دينيه في باريس عام 1861 لأب كان يعمل في القضاء. وقد درس الرسم في مدرسة الفنون الوطنية في باريس. وفي السنة التالية تعلّم على يد وليام بوغرو وفيكتور غالان. وكان من بين زملائه كارلوس دوران وبوفي دو شافان والنحّات اوغست رودان.
وقد وصل دينيه إلى الجزائر لأوّل مرّة عام 1884، وفي زيارة تالية لها في عام 1903 اشترى منزلا دائما في ضاحية بوسعادة. وبعد خمس سنوات أعلن اعتناقه للإسلام وأسمى نفسه نصر الدين. وفي عام 1929، ذهب إلى مكّة المكرّمة بصحبة زوجته لأداء مناسك الحجّ.
وطوال إقامته في الجزائر، ظلّ الرسّام يحظى باحترام ومحبّة الجزائريين. وعندما توفّي في يناير من عام 1930 عن تسعة وستّين عاما، سار الآلاف منهم في جنازته.

Friday, June 09, 2017

لوحات عالميـة – 396

فـنّ الرّسـم
للفنان الهولندي يوهـان فيـرميـر،1666

لّلون أهميّة خاصّة في لوحات فيرمير. كان دائما يفضّل اللازورد أو الفيروزي المستخلص من حجر سماويّ شديد الزرقة. والفيروز الذي استخدمه في هذه اللوحة هو الأغلى في العالم. أما كيف استطاع استخدام هذا اللون رغم تكلفته الباهظة، فأمر ما يزال إلى اليوم لغزا.
يقال أحيانا أن أفضل لوحات فيرمير هي ديكوراته المنزلية التي تظهر فيها امرأة واحدة تزاول نشاطا منزليّا ما، مثل "خادمة الحليب" و"امرأة تُمسك ميزاناً" وغيرهما.
ومع ذلك فإن هذه اللوحة، أي "فنّ الرّسم"، كانت وما تزال احد أشهر أعماله. وبعض مؤرّخي الفنّ يعتبرونها أكثر أعماله فتنةً وإثارةً للاهتمام. وكلّ تفصيل فيها يمتصّ ويعكس الضوء بطريقة مختلفة. وهي تدلّ على طموح الرسّام ومدى قدرته على الابتكار والتنفيذ المتقن.
ويمكن أيضا اعتبار اللوحة احتفاءً بالرّسم. السمة المسرحية فيها واضحة، تؤكّدها الستارة البارزة الضخمة إلى اليسار والتي تنسحب إلى الخلف كما لو أنها تكشف عن خشبة مسرح. وعندما تنظر إلى ما وراء الستارة، سترى غرفة أو محترفا تضيئه أنوار ساطعة.
ومن الواضح أن الغرفة أكثر أناقة مما تبدو عليه ورش الرسّامين عادة. فهي تحتوي على ثريّا ذهبية وأثاث رائع وبلاط من الرخام الفخم. والطريقة التي صوّر بها فيرمير الأرضية الرخامية والنجفة الضخمة هي مثال على حرفيّته ومعرفته بالمنظور.
واللوحة بكلّ ما تشتمل عليه من تفاصيل هي محاولة فيرمير للإجابة على سؤال قديم طالما شغل الكتّاب والرسّامين والنحّاتين وهو: ما مكانة الرسّام في المجتمع؟ هل هو حرفيّ كالنجّار والبنّاء والحدّاد، أم مفكّر مبدع حاله حال الشاعر والمعماريّ والفيلسوف؟
وإجابة فيرمير على هذا السؤال هي أن الرسم يشبه الفنون الأخرى من حيث انه قادر على تجسيد الأفكار والمشاعر والتأثير في عقل وقلب المتلقّي من خلال اللون والخطّ والضوء والظلّ.
في اللوحة، نرى فنّانا يرسم امرأة ترتدي فستانا ازرق وتقف بجوار نافذة، وعلى الجدار خلفها تظهر خارطة كبيرة للأراضي المنخفضة. الديكور الهولنديّ الجميل من القرن السابع عشر الذي تضيئه أنوار ناعمة رُسمت تفاصيله ببراعة.
والرسّام الظاهر في اللوحة يُعتقد أنه فيرمير نفسه، وهو يرسم في نسخة متخيّلة من مرسمه، أمّا المرأة فقد تكون ابنته.
الرسّام يجلس أمام اللوحة مرتديا ملابس سوداء أنيقة مع فتحات على الأكمام والظهر. وهذا اللباس كان غالي الثمن في زمن فيرمير ولم يكن يقتنيه سوى نخبة المجتمع. وقد ظهر في لوحات قليلة، منها بورتريه رسمه بيتر بول روبنز لنفسه.
والملاحظ أن فيرمير صوّر الرسّام من الخلف للتأكيد على عالمية الحرفة، وربّما للإشارة إلى انه، هو نفسه، ظلّ غير معروف أثناء حياته رغم انه جلب الشهرة والمجد لبلده.
ويُفترض أن المرأة في اللوحة تجسّد شخصية "كلييو" ملهمة التاريخ في الأساطير. وما يرجّح هذا الاحتمال هو إكليل الغار الذي يعلو رأسها، كما أنها تمسك بيد بوقاً وبالأخرى نسخة من كتاب يُعتقد انه لهيرودوت.
كان المنظّرون يرون أن أنبل التعبيرات الفنّية هي تلك التي يجسّدها الرسم التاريخيّ، وهو مصطلح يتضمّن المواضيع التاريخية والدينية والأسطورية.
وبوضع الرسّام ملهمة التاريخ في وسط اللوحة، فإنه إنّما يؤكّد على أهميّة التاريخ بالنسبة للفنون البصريّة، ومن ضمنها الرّسم.
المرأة والخريطة والقماش المطرّز والستارة والنجفة والقناع الجبسيّ على الطاولة، كلّها رموز توصل معنى وأهميّة فنّ الرّسم.
فالقناع يُستخدم عادة كرمز للمحاكاة أو التقليد، ومن ثم للرّسم. والخريطة الضخمة في مؤخّرة الغرفة تشير إلى تاريخ هولندا الحديث، وهي من تصميم رسّام الخرائط الهولنديّ المشهور كلاس فيشر. وفيها تظهر الأقاليم السبعة عشر التي كانت تتألّف منها هولندا، مع عشرين مدينة رئيسية.
كانت خارطة فيشر قد أصبحت متقادمة عندما رسم فيرمير اللوحة. فاستصلاح الأراضي غيّر طبيعة تضاريس البلاد، كما أثّرت التغييرات السياسية على حدودها.
وقد تكون الفكرة من وراء وضع الخريطة هي الإشارة إلى أيّ مدى يمكن أن تصل شهرة الرسّام وذيوع اسمه، مع انتقال أعماله من مدينة لأخرى.
هناك أيضا الثريّا الذهبية الفخمة في السقف والتي يتوسّطها من أعلى رسم لنسر برأسين يقال انه كان رمزا لأمجاد أسرة هابيسبيرغ الملكية. والأثاث الفخم في الصورة يمكن أيضا أن يكون رمزا للرخاء المادّيّ الذي يحقّقه كلّ رسّام موهوب.
وربّما أراد فيرمير من رسم الخريطة والثريّا أن يشير إلى أن الفنّان يجلب الشهرة لوطنه ولمدينته، من خلال معرفته بالتاريخ وقدرته على رسم المواضيع والأفكار المهمّة. وكانت مثل هذه الأشياء مثار إعجاب الهولنديين وتقديرهم في زمانه.
لكن يمكن أن يكون هذان الرمزان انعكاسا للذوق الذي كان سائدا في عصر فيرمير، بالإضافة إلى أنهما يتضمّنان عنصر حنين إلى الأيّام التي كانت هولندا فيها بلدا موحّدا.
وهناك من يقول إن تأكيد فيرمير على التاريخ يمكن أن يعني أيضا أن قوّة الرسّام تتمثّل في قدرته على تحويل الأشياء الموقّتة والعابرة إلى أبدية وخالدة، وبالتالي يحقّق لنفسه من خلالها الذيوع والخلود.
كان فيرمير يحبّ هذه اللوحة كثيرا وكانت لها مكانة خاصّة في نفسه، لدرجة انه رفض أن يبيعها أثناء حياته حتى عندما كان مثقلا بالديون.
وفي عام 1676، تنازلت عنها أرملته لوالدتها للحيلولة دون بيعها من اجل سداد ديون الدائنين. لكن في العام التالي بيعت معظم لوحات فيرمير في مزاد في مدينة ديلفت. ولم يُعرف من اشترى هذه اللوحة بالتحديد.
ثم تبيّن أن ثَريّا يُدعى جيرارد فان سويتن ابتاعها ثم تنازل عنها لأخيه الذي اشتراها منه في ما بعد أمير نمساويّ. وأخيرا اشترى اللوحة ادولف هتلر بمبلغ مليوني مارك ألماني وضمّها إلى مجموعة متحف لينزر.
وقد نجت اللوحة مع غيرها من الأعمال الفنّيّة من غارات الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية بعد أن أخفيت في منجم للملح.
وفي نهاية الحرب أعادها الأمريكيون للحكومة النمساوية. وفي عام 1958 نُقلت إلى متحف تاريخ الفنّ في فيينا حيث ظلّت فيه إلى اليوم.

Tuesday, June 06, 2017

لوحات عالميـة – 395

الفقـهـاء
للفنان النمساوي لودفيـك دويتـش، 1905

كان للرسومات الاستشراقية اثر كبير في تطوّر العلاقة بين الشرق والغرب. وقد سافر العديد من الرسّامين الأوربّيين إلى بلدان الشرق وأسّسوا لهم فيها محترفات، وبعضهم تزوّجوا من نساء عربيات وتعلّموا لغات المنطقة وفتحوا دروبا للمعرفة والتفاهم بين الشرق والغرب.
جاذبية الرسم الاستشراقي استمرّت من خلال لوحات عدد من رسّامي القرنين الثامن والتاسع عشر. وكان لهذا النوع من الرسم أتباع كثيرون في الشرق والغرب ممّن كانوا منجذبين إلى الواقعية والأسلوب والتفاصيل والرسائل التي كان يتضمّنها.
وقد أرضى استشراق القرن التاسع عشر فضول العامّة من الأوربّيين الذين كانوا توّاقين لمعرفة الشرق، خاصّة بعد حملة نابليون على مصر ثم نشر كتاب "وصف مصر" الذي تناول جغرافية وتاريخ وعادات وتقاليد المصريين.
ومن بين الرسّامين الأوربّيين الذين ذهبوا إلى مصر وصوّروا بعضا من جوانب الحياة فيها الرسّام النمساوي لودفيك دويتش الذي زار مصر خمس مرّات ما ببن عامي 1883 و 1904.
وقد ضمّن دويتش لوحاته صورا لحرّاس القصور النوبيين ومواكب المحمل في شوارع القاهرة ومضيئي الشموع في بدايات الليل والأضرحة وحواة الأفاعي والدلالين ورعاة الأغنام وغيرهم.
لكن في أواخر عام 1890 بدأ الرسّام تنفيذ سلسلة من الأعمال التي تناول فيها طبقة العلماء والمثقّفين في صور تأمّلية يظهر فيها أشخاص متعلّمون وهم يقرءون رسائل أو كتبا أو مخطوطات.
وقد اعتُبرت تلك اللوحات دليلا على نضج دويتش وتوسّع معرفته ببلدان المنطقة وازدياد أهمية التعليم في مصر بسبب إصلاحات محمّد علي التي سبقت ذلك التاريخ بعقود.
في هذه اللوحة، يرسم دويتش ثلاثة علماء دين وهم يتأمّلون مخطوطات من أنواع مختلفة في غرفة تحتوي على خزانة كتب خشبية مع نقوش ارابيسك بديعة. وأرضية الغرفة مزيّنة بسجّادة كردية أو فارسية مع صندوق خشبيّ مطعّم باللآليء.
الرجال الثلاثة يرتدون الملابس التقليدية التي تتألّف من عمامة وطربوش وجبّة أو قفطان، بالإضافة إلى أحذية مغربية حمراء. وظهور الثلاثة بأحذيتهم هي إشارة إلى أنهم لا يجتمعون في مسجد، وإنّما على الأغلب في منزل خاصّ.
الأسطح المصقولة والواقعية الشديدة التي تميّز فنّ دويتش، ومن ضمنه هذه اللوحة، كان وراءها مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي جمعها الرسّام في القاهرة مع المئات من قطع الديكور الأخرى. وقد أخذ كلّ هذه الأشياء معه إلى فرنسا كي يزيّن بها مرسمه الباريسيّ. وكان من عادته أن يضع اسكتشات لوحاته في القاهرة ثم يكمل رسمها عندما يعود إلى باريس.
وعلى الرغم من مكانة دويتش المهمّة في الرسم الاستشراقي الأوربّي، إلا أن تفاصيل حياته ما تزال قليلة أو غامضة. لكن من المعروف انه يتحدّر من عائلة يهودية معروفة، وكان والده يعمل في البلاط النمساويّ.
وقد درس في أكاديمية فيينا للرسم عام 1872، ثم استقرّ في باريس اعتبارا من عام 1878. وكان قد سبقه إلى هناك مواطنه الرسّام الاستشراقي المعروف رودولف ارنست.
وفي باريس، درس دويتش على يد رسّام المواضيع التاريخية جان بول لوران، قبل أن يختطّ لنفسه أسلوب رسم واقعيّا وذا سمات لا تخلو من الفخامة والدراماتيكية.
وقد هيمنت مواضيعه الاستشراقية على فنّه، وبفضل تلك المناظر المفصّلة التي رسمها عن الحياة اليومية في مصر اكتسب نجاحا كبيرا وثناءً غير مسبوق أهّله لنيل ميدالية ذهبية من معرض أقيم في باريس عام 1900.
وفي مرحلة تالية، استبدل أسلوبه الأكاديميّ الصارم بآخر أكثر تحرّرا وتلقائية.
ودويتش يُعتبر اليوم أكثر رسّام استشراقيّ نمساويّ يبحث هواة الأعمال الفنّية عن أعماله. وكثيرا ما تباع لوحاته بأسعار مرتفعة. ومعظمها موجودة الآن في مجموعات خاصّة.
إحدى لوحاته واسمها صلاة الفجر ، بيعت قبل فترة بأكثر من نصف مليون جنيه استرليني، وفيها يظهر رجلان يؤدّيان الصلاة داخل احد مساجد القاهرة الفاطمية.
ومن بين أفضل لوحات دويتش الأخرى واحدة بعنوان النذور ، ويظهر فيها جانب من جامع السلطان حسن بالقاهرة مع أشخاص يرتدون ملابس أنيقة ويحملون عددا من الهدايا إلى داخل المسجد. وقد بيعت هذه اللوحة بمليوني جنيه استرليني، كما بيعت لوحته الأخرى حارس القصر بحوالي هذا السعر.

Thursday, June 01, 2017

لوحات عالميـة – 394

السيّدة المريضة
للفنان الهولندي سامويل فان هوغستراتن، 1660

كان سامويل فان هوغستراتن احد رسّامي المدرسة الواقعية الهولندية. لكنه اشتهر أكثر بوصفه أديبا وشاعرا أكثر من كونه رسّاما.
وقد نشر قبيل وفاته كتابا بعنوان "العالم المنظور"، ضمّنه آراءً ونقاشات عن الرسم والفنون والفلسفة. كما تناول فيه تاريخ الفنّ العالميّ مع إشارات متعدّدة إلى معلّمه رمبراندت وأسلوبه وإرشاداته. وقد اعتُبر ذلك الكتاب احد أكثر الدراسات طموحا وإحاطة في عصره.
أبدى فان هوغستراتن اهتماما بالرسم منذ سنّ السابعة وقام والده بتعليمه أساسيات وتقنيات الحرفة. وفي ما بعد أصبح احد تلاميذ رمبراندت، ويمكن رؤية تأثير أستاذه في لوحاته التي رسمها في بداياته.
"المرأة المريضة" تُعدّ أشهر لوحات الرسّام. وفيها نرى امرأة شاحبة الوجه تجلس على كرسيّ وتبدو مريضة، لكن مرضها غير معروف.
وخلفها يقف رجلان، الأوّل إلى اليمين يُفترض انه طبيب، رغم انه يرتدي ملابس غريبة. وهو يبدو منهمكا في تفحّص زجاجة تحتوي على عيّنة من بول المرأة ليتأكّد ممّا إذا كانت حاملا.
أما الرجل الآخر الواقف إلى يساره فيُحتمل انه زوجها أو قريبها. وهو ينظر إلى الزجاجة وعلى وجهه علامات توتّر، كما لو انه خائف من نتيجة الفحص.
وعلى أرضية الغرفة عند قدم المرأة، يجثم قطّ يُطبق بمخالبه على فأر صغير. وبالقرب من القطّ حفر الرسّام الأحرف الأولى من اسمه على الأرضية الخشبية. وتحت قدمي المرأة صندوق صغير مفتوح من احد جوانبه وبداخله موقد للتدفئة.
قماش المائدة المطرّز والمنسدل إلى أسفل تظهر عليه صورة لشخصين عاريين. وإلى يسار الغرفة يوجد درج يقود إلى غرفة أخرى. والملابس الأنيقة وديكور البيت وما يحتويه من لوحات فنّية وأثاث فخم يدلّ على ثراء المرأة.
بعض خبراء الرسم يشيرون إلى احتمال وجود علاقة غير شرعية بين المرأة والرجل الواقف خلفها. والرموز التي تركها الرسّام في اللوحة يمكن أن تؤكّد هذا الاستنتاج.
فالقطّ، مثلا، كان في القرون الوسطى يرمز للشهوة، ووجوده في اللوحة قد يدلّ على علاقة ما خارج الزواج. وهو هنا لا يبدو قطّا عاديّا متمدّدا على الأرض بارتياح، بل لقد اصطاد للتوّ فأرا وهو يمسك به بين مخالبه.
ومثل الفأر الذي بين مخالب القطّ، قد يكون الرجل والمرأة عالقين في قبضة الرغبة المحرّمة. وحتى صورة فينوس المعلّقة فوق باب الغرفة ومنظر الطبيب المزيّف يمكن أن توحي بالكثير.
ولو كانت اللوحة تخلو من هذه التفاصيل الصغيرة، لكن الموحية، لأمكن القول إن المرأة تعاني من مرض أو علّة ما.
الغريب أن هذه اللوحة ظلّت مختلفة تماما عما تبدو عليه اليوم، إذ لم يكن فيها أثر لصورة الرجل الواقف إلى اليسار أو صورة القطّ والفأر قبل عام 1989، أي عندما جرى ترميم اللوحة.
وعلى الأرجح طُمست هذه التفاصيل تحت طبقة سميكة من الطلاء في وقت ما من القرن التاسع عشر، لأنه لم يكن من اللائق آنذاك الإشارة إلى حمل غير مرغوب فيه. وقد استُبعدت صورة الرجل والقطّ والفأر كي تكون الرسالة اقلّ وضوحا.
ولد الرسّام سامويل فان هوغستراتن عام 1627 في بلدة دوردريخت الهولندية. كان اكبر إخوته السبعة وكانت خلفية العائلة فنّية، فأبوه وجدّه كانا رسّامين. كما كان أجداده يعملون في تجارة الذهب والفضّة.
وقد تلقّى تعليما أوّليّا في الرسم على يد والده. ثم انتقل في وقت لاحق إلى أمستردام وانتظم في مدرسة رمبراندت التي كان يؤمّها الكثير من طلاب الرسم، وأصبح صديقا لعدد من الرسّامين المشاهير مثل كارل فابريتيوس وغيريت دو ونيكولاس ميس. ورغم تأثّره برمبراندت، إلا انه في ما بعد رسم الحياة اليومية والديكور المنزليّ.
وقد عاش فان هوغستراتن لسنوات في فيينا وروما ولندن قبل أن يعود إلى بلدته ليستقرّ بها حتى وفاته عام 1678 عن عمر يناهز الخمسين.

Saturday, May 27, 2017

لوحات عالميـة – 393

رحلة بالقارب على ضفاف السين
للفنان الفرنسي بيير اوغست رينوار، 1879

قال ناقد ذات مرّة انه من بين جميع الرسّامين الانطباعيين فإن بيير اوغست رينوار يمكن تمييزه بسهولة. انه الرسّام العظيم لمتع الحياة البسيطة. ولوحاته في الغالب تصوّر أشخاصا يفعلون القليل أو لاشيء، لكنهم يفعلونه بطريقة جميلة.
وعندما تنظر إلى إحدى لوحات رينوار، فلا بدّ أن تتساءل عمّا يحاول أن يخفيه. عالمه المغسول بالشمس جميل جدّا وباعث على السرور كثيرا وخالٍ من التعقيد.
وإذا كانت الصورة انعكاسا للشخص، فإن رينوار سهل وبسيط للغاية. هو ليس بشاعر طبيعة غنائية مثل كلود مونيه، وليس باحثا معذّبا مثل بول سيزان، وليس ملاحظا جادّا مثل إدوار مانيه.
لوحات رينوار هي احتفاء بالرفقة الطيّبة والطعام الجيّد والطبيعة الرائعة، ولا مكان للظلمة السيكولوجية في عالمه المشمس والرتيب نوعا ما.
والمتع المرسومة في لوحاته بالفرشاة الانطباعية الفضفاضة تعتمد على فكرة أن تستمتع باللحظة التي أنت فيها ولا تفكّر أكثر ممّا ينبغي.
المناظر التي كان يرسمها رينوار وثّق فيها بأسلوبه المبتكر تفاصيل الطبيعة المتغيّرة في ذلك العصر والأنشطة الاجتماعية الجديدة التي جلبتها التحوّلات الطارئة. وأحيانا كان يستخدم الطبيعة لكي يقدّم أفكارا عنها وعن ارتباطها بالمجتمع.
كانت مناظر الطبيعة تمثل اهتماما جديدا لسكّان المدينة، فهي تذكّرهم بأعاجيب الطبيعة خارج المدن التي تنمو وتتغيّر باستمرار. كما أنها كانت تشعرهم بأهميّة استحداث أماكن للاسترخاء والترفيه داخل النسيج الحضريّ للمدن الحديثة.
في سبعينات القرن قبل الماضي، رسم رينوار عدّة لوحات تصوّر رحلات بالقارب على نهر السين. و"رحلة بالقارب على ضفاف السين" كانت إحداها. المكان الذي تصوّره اللوحة غير معروف تماما، لكن يُرجّح انه جانب من منطقة شاتو على السين غرب باريس.
في الصورة نرى امرأة تبحر مع أخرى في قارب صغير فوق مياه لامعة. وهما ترتديان ملابس عصرية وقبّعات قد لا تنسجم مع طبيعة الرحلة في البحر. لكن هذه النوعية من اللباس كانت الموضة الشائعة في حفلات القارب التي كان يقيمها أفراد الطبقة الوسطى الباريسية في أواخر القرن التاسع عشر.
المنظر يوصل إحساسا بالهدوء والأمان. واستخدام الرسّام للألوان البرّاقة وضربات الفرشاة الواسعة وتأثيرات الضوء والظلّ، كلّها تتضافر لخلق إحساس بالتلقائية والدفء.
على ضفّة النهر نلمح فيللا كبيرة وجدارا ابيض وبوّابة. والخضرة المحيطة تشكّل جزءا من مساحة للوقوف. وهذه التفاصيل تؤكّد طبيعة النهر كمكان هادئ يقضي فيه أفراد الطبقة الوسطى أوقات راحتهم. أما القطار الذي يمرّ في الخلفية فيذكّر بارتباط هذا المكان بالعاصمة وما تموج به من ازدحام وصخب.
الألوان البرتقالية للقارب تتباين مع زرقة النهر، والبرتقالّي والأزرق لونان متضادّان في الأساس، ويصبحان أكثر كثافة عندما يوضعان جنبا إلى جنب.
كان الموضوع المفضّل لرينوار هو العيش في اللحظة الراهنة والاستغراق في متع الحياة البسيطة. وقد عبّر عن هذه الفكرة في أعماله أكثر من أيّ رسّام انطباعيّ آخر.
كان يستمتع برسم أصدقائه في حفلات الغداء والعشاء موصلا إحساسا بالحميمية. وهذه اللحظات العابرة كثيرا ما تتحوّل إلى ذكريات وحنين لزمن مضى ولن يعود.
في بداياته، كان الفنّان يستخدم رسوماته للطبيعة كي يمارس فنّه في الهواء الطلق وليتحرّر من قيود الاستديو. وكانت الرسومات الأوّلية لمناظر خارج البيوت جزءا من التدريب الأكاديميّ الذي يتلقّاه الرسّامون عادة.
وهذه الأيّام هناك من الرسّامين من يعتقدون أن لوحات الطبيعة ينبغي أن تخلو من البشر. ومعظم الأعمال الفنّية التي ظهرت قبل رينوار كانت تتضمّن أشخاصا لتوفير سياق لقصّة ما.
ثم ابتكر كميل بيسارو فكرة الطبيعة النقيّة، وهو مصطلح استخدمه لوصف لوحات الطبيعة التي لا يظهر فيها أشخاص كلّيّة، أو يظهرون فيها ليضيفوا معنى أو وظيفة للتوليف.
واللوحات النقيّة التي ظهرت خلال القرن التاسع عشر كانت ردّ فعل مضادّا لما أحدثته الثورة الصناعية من تغييرات ديموغرافية واجتماعية وثقافية.
ومعظم لوحات رينوار التي تصوّر طبيعة يمكن وصفها بالنقيّة، لأنها لا تتضمّن قصّة أو عنصرا سرديّا، وإنما تهتمّ في المقام الأوّل بالتركيز على عناصر جمالية مثل تأثيرات الظلّ والضوء وخلافها.

Monday, May 22, 2017

لوحات عالميـة – 392

دعوة الناسك متّى
للفنان الايطـالـي كـارافــاجـيــو، 1599

قبل وفاة الكاردينال ماثيو كونتاريللي، أوصى بأن تُزيّن كنيسته بلوحة تصوّر سميّه الناسك ماثيو (أو متّى) الذي كتب أوّل الأناجيل والذي يحمل اسمه.
وقد توسّط راعي كارافاجيو وصديقه فرانسيسكو ديل مونتي لدى الكاردينال بأن يعهد بمهمّة رسم اللوحة إلى كارافاجيو الذي لم يكن عمره وقتها قد تجاوز الثامنة والعشرين.
ورسم كارافاجيو اللوحة بأسلوبه المسرحيّ والدراماتيكيّ المعهود. ثم تحوّلت بعد ذلك إلى إحدى أيقونات الفنّ العالمي.
القصّة التي تصوّرها اللوحة بسيطة. والعبرة التي تحملها هي انه حتى أسوأ الناس وأفسدهم يمكن أن يتحوّلوا في نقطة ما من حياتهم إلى أشخاص أتقياء وصالحين.
وأصل القصّة أن شخصا يهوديا يُدعى ليفي كان يعمل محصّل ضرائب في مدينة الناصرة. وكان مثالا على الفساد والجشع. ثم حدثت له واقعة غريبة تخلّى بعدها عن كلّ ممتلكاته الدنيوية وأصبح إنسانا يُضرب به المثل في التقى والصلاح.
وبعد تلك التجربة تحوّل اسمه من ليفي إلى ماثيو أو متّى ثم أصبح مؤلّف أوّل إنجيل في المسيحية.
اللوحة تشبه لقطة من فيلم، وهي تصوّر اللحظة المفصلية في تلك القصّة التي تحدّثت عنها المصادر المسيحية القديمة. وفيها نرى مجموعة من الرجال مجتمعين في غرفة أنوارها خافتة، بينما يقطع خطّ من الضوء جدار الغرفة من اليمين إلى اليسار.
ماثيو ورفاقه الثلاثة، وكلّهم محصّلو ضرائب، يبدون منهمكين في إحصاء حصيلة ذلك اليوم من أموال الضرائب.
وبينما هم على تلك الحال، يدخل عليهم المسيح بمعيّة بطرس احد الحواريين، وهما يظهران في أقصى يمين اللوحة. المجتمعون يفاجَئون بدخول الضيفين الذين اقتحما عليهم المكان من دون دعوة.
ليفي، الشخص الملتحي والثالث من اليسار، يلاحظ ما حدث، وكذلك الطفل الذي إلى جواره والشابّ الجالس أمامه. الطفل يتراجع إلى الوراء باتجاه متّى وكأنه يتوسّل منه الحماية. أما الشاب المسلّح فيميل بجسمه قليلا باتجاه الزائرَين وكأنه يستطلع الخبر.
الضوء والظلّ يضيفان دراما إلى المشهد ويضفيان على الأشخاص تلقائية وحركة. وهم جميعا مغمورون بالظلال. والضوء الساطع على الجدار هو الذي يضيء المشهد.
الرسّام، من خلال توظيفه البارع لتقنية الظلّ والضوء، أضاف إلى المنظر المزيد من الحياة باستخدام الألوان المتوهّجة وتباينات الأحمر والبنفسجيّ والذهبيّ.
الرجال الملتفّون حول الطاولة يتكوّمون فوق المال، في إشارة إلى جشعهم وانشغالهم بالدنيا. وقد اختار كارفاجيو أن يُلبسهم ثيابا عصرية من أواخر القرن السادس عشر للإيحاء بأن هذا المنظر يمكن أن يتكرّر في أيّ زمان ومكان، وربّما كي يقرّب الفكرة أكثر من أذهان الناس في زمانه.
في تلك اللحظة، يُفاجأ الجميع في الغرفة بالظهور المفاجئ للمسيح وصاحبه اللذين يقطعان عليهم اجتماعهم.
تقول القصّة أن المسيح عندما دخل، نظر إلى ليفي وقال له: اتبعني". اليدان الممدودتان للمسيح وبطرس تؤشّران إلى متّى اكبر المجتمعين سنّا. ومتّى يشير بيده إلى صدره وكأنه يقول: من؟ أنا؟". والضوء ينعكس على وجهه ليوحي انه الشخص المقصود.
الأقدام الحافية والملابس البسيطة للمسيح ورفيقه الناسك تختلف عن الملابس الجميلة والملوّنة والعصرية التي يرتديها جامعو الضرائب. وبطرس يحمل في يده عصا في إشارة إلى انه والمسيح في حالة ارتحال دائم وليس لديهما مكان ثابت يأويان إليه.
كانت حياة متّى كلّها معتمدة على المال، وهناك قطعة نقد معدنية ملتصقة بقبّعته في إشارة إلى المكانة الأثيرة للمال في نفسه.
وربّما تلاحظ أن قدم المسيح تتّجه بعكس جسمه نحو الباب وانه لا ينتظر، فقد تمّ اختيار الشخص المقصود. وعلى متّى أن يحسم خياره بسرعة، فإما أن يستمرّ في الجري وراء المال وإما أن يتخلّى عن أسلوب حياته الماضية ويختار المسيح. أصدقاؤه يستندون إليه لحمايتهم ويشكّلون حاجزا بينه وبين الزائرين الغريبين.
مؤرّخو الفنّ يقولون إن هيئة يد المسيح الممدودة تحاكي حركة يد آدم في لوحة ميكيل انجيلو "خلق الإنسان". وهذه الجزئية تتوافق مع تقليد قديم في المسيحية ينظر إلى المسيح على انه آدم الثاني.
وبعد قليل سينهض ليفي من مكانه ويتبع المسيح إلى خارج الغرفة وسيصبح "الرسول متّى" الذي تتحدّث عنه الأدبيات المسيحية.
طريقة جلوس الأشخاص في اللوحة تشبه ترتيب الشخصيات في لوحة كارافاجيو الأخرى "غشّاشو الورق"، بل حتى معظم الأشخاص الذين استخدمهم الرسّام كنماذج في هذه اللوحة هم نفس الأشخاص الذين يظهرون في تلك اللوحة.
قصة متّى رسمها العديد من الفنّانين أشهرهم جيوفاني لانفرانكو وهندريك بروغين وبرناردو ستروتزي. غير أن تصوير كارافاجيو لها يُعدّ الأفضل والأشهر.
لكن المشكلة أن سيرة حياته لا تتناسب مع موضوع اللوحة. فقد كان بلطجيّا وسكّيرا ومثيرا للمشاكل. غير أن الكنيسة غفرت له أخطاءه واستمرّت في تكليفه برسم لوحات لحسابها.
لكن حدث بعد ذلك أن قتل كارافاجيو رجلا ثم حُكم عليه بالموت. ففرّ هاربا إلى مالطا. وقد اصدر البابا حكما بالعفو عنه، لكنه مات فجأة بالحمّى عام 1610 وعمره لا يتجاوز الثامنة والثلاثين.

Thursday, May 18, 2017

لوحات عالميـة – 391

اجتمـاع عائلـي
للفنان الفرنسي فريدريك بازيل، 1867

كان يمكن أن يكون لفريدريك بازيل شأن في حركة الرسم الانطباعيّ الفرنسيّ، لولا انه قُتل في سنّ مبكّرة أثناء حرب فرنسا مع بروسيا عام 1870.
ورغم انه كان يُنظر إليه كرسّام هاوٍ وتابع للانطباعية، إلا أن كميل بيسارو وصفه ذات مرّة بأنه كان احد أكثر الرسّامين موهبة وحضورا. وعندما رسم عددا من أفضل لوحاته، وأشهرها الفستان الزهري ، لم يكن عمره قد تجاوز الثالثة والعشرين.
كان بازيل ابنا لعائلة موسرة. وقد انتقل، وهو فتى، إلى باريس كي يدرس في ورشة الرسّام شارل غلاير. وهناك التقى طلاب رسم آخرين كان من بينهم مونيه ورينوار وألفريد سيسلي. وقد ربطته بهؤلاء الثلاثة علاقة صداقة ممتدّة وكان معجبا بأعمالهم.
كان أستاذه غلاير رسّاما تقليديا من حيث انه كان يركّز على تصوير الجمال المثاليّ في لوحاته. لكنه كان أيضا من الداعين إلى الرسم خارج البيوت. وكان بازيل وأصدقاؤه يمضون الساعات الطوال في الرسم في غابات فونتينبلو.
ورغم أن الطبيعة لم تكن موضوعه المفضّل، إلا أن رسوماته لها رائعة. ومناظره الضخمة لأشخاص يجلسون في أحضان الطبيعة المفتوحة كانت مشهورة. لكن أفضلها هي لوحته هذه التي يمكن مقارنتها ببعض أعمال مونيه.
في "اجتماع عائليّ"، يرسم بازيل احد عشر شخصا من أفراد عائلته أثناء لقائهم في شرفة حديقة منزلهم في مونبلييه. والملاحظ أن كلّ شخص في اللوحة يمكن أن يُقرأ كما لو انه بورتريه منفصل.
العائلة مجتمعة تحت ظلّ شجرة ضخمة، وجميعهم يحدّقون خارج الصورة كما لو أنهم يواجهون آلة تصوير. إلى اليسار، يجلس والد الرسّام ووالدته. وحول الطاولة عمّته وابنتها. وحولهم يجلس الآخرون من أبناء وبنات عمومة وأصهار.
الضوء المتسرّب عبر أغصان الشجرة يزيد ألوان المكان سطوعا ويسقط على الملابس الشاحبة فيخلق تباينا مع ألوان الطبيعة المحيطة.
والألوان في الصورة مصطنعة بعض الشيء، لكنها جميلة. ولو حُوّلت إلى نسخة بالأبيض والأسود لما اختلفت في شيء عن أيّ صورة فوتوغرافية.
ورغم أن الاجتماع في اللوحة يُفترض أن يكون حميما وبسيطا، إلا انه يبدو رسميّا بعض الشيء. ولو حاولت أن تدخل اللوحة فستدخلها كزائر غير متوقّع أو كمتطفّل غريب وغير مرغوب فيه يحاول فجأة قطع مناسبة رسمية.
والرسّام نفسه يبدو فيها متحفّظا وغير سعيد كثيرا. وربّما الأصل البروتستانتي لعائلة بازيل هو الذي يفسّر ظهور أفرادها بهذا المظهر المحافظ والمتقشّف.
كان بازيل منجذبا كثيرا لأضواء منطقة جنوب فرنسا. وقد عمل على هذه اللوحة طوال موسم الشتاء من ذلك العام. ثم عاد إليها مرّة أخرى قبل سنة من عرضها في الصالون، واستبدل الكلاب الصغيرة التي كان قد رسمها أسفلها بأزهار وقبّعة ومظلة، كما أضاف بقعا لامعة من ضوء الشمس على الأرضيّة.
ويمكن أن تفسّر هذه التعديلات والتسويات لماذا قُبلت اللوحة في صالون ذلك العام بينما رُفضت لوحات مونيه الأكثر جرأة. بازيل نفسه اندهش من تلك المفارقة وقال بتواضع انه لا يعرف لماذا قُبلت لوحته، مشيرا إلى أن المحكّمين ربّما ارتكبوا خطئاً.
كانت أسرة بازيل غنيّة جدّا، ولهذا السبب لم يكن يبخل على زملائه الأقلّ حظّا، بل موّلهم ودعمهم ومنحهم جزءا من محترفه كي يرسموا فيه لوحاتهم.
هذه اللوحة تشبه كثيرا لوحة مونيه "نساء في الحديقة" التي اشتراها بازيل بعد أن أتمّ صديقه رسمها بفترة قصيرة. لكن التركيز فيها ليس على الأشخاص وإنّما على تأثيرات الضوء.
كان الاثنان، مونيه وبازيل، يعملان معا في الكثير من الأحيان، ولطالما استوحى بازيل الإلهام من بعض أعمال مونيه. كما كان متأثّرا بإدوار مانيه الذي كان صديقا للانطباعيين، على الرغم من انه لم يكن يصنّف نفسه منهم.
ممّا لا شكّ فيه أن فريدريك بازيل كان جزءا من تطوّر الانطباعية الفرنسية. لكن البعض ينظر إليه اليوم كانطباعيّ ضائع سقط اسمه سهوا من قائمة الرسّامين الانطباعيين.
وقد فقده الرسم عندما أصرّ على الالتحاق بالخدمة العسكرية بعد شهر من بدء حرب عام 1870 وعلى الرغم من نصائح زملائه له بألا يفعل.
وفي نوفمبر من ذلك العام، اُصيب بجرح وهو يقاتل في ميدان المعركة وتوفّي بعد ذلك وعمره لم يتجاوز الثامنة والعشرين.

Saturday, May 13, 2017

لوحات عالميـة – 390

بورتريه ديبورا كيب وأطفالها
للفنان الهولندي بيتر بول روبنز، 1630

كان روبنز شخصا متعدّد المواهب والاهتمامات. كان رسّاما ولغويّا ومثقّفا وديبلوماسيّا كثير الأسفار.
وبسبب نزاهته الشخصية، لم يكن مستغربا أن يُكلَّف بالقيام بمهامّ ديبلوماسية أدّاها تحت ستار كونه رسّاما.
وأهمّ رحلة ديبلوماسية قام بها كانت في عام 1627، أي في منتصف حرب الثلاثين عاما، عندما كُلّف بالذهاب إلى اسبانيا في محاولة لإنهاء تلك الحرب التي بدأت تؤثّر على بلده.
وقد استقبله الملك فيليب الرابع، وبعد ذلك بعامين أرسله الملك إلى لندن كمبعوث له في محاولة للتوصّل إلى معاهدة سلام بين اسبانيا وانجلترا.
وخلال إقامته في بريطانيا، نزل ضيفا على بالتازار جيربييه الذي كان هو نفسه فنّانا وديبلوماسيّا. وكان الأخير قد وصل إلى لندن لأوّل مرة بصحبة السفير الهولنديّ عام 1616 ثمّ استقرّ فيها بشكل دائم. روبنز وجيربييه كانا قد التقيا قبل ذلك بأربع سنوات في باريس ونشأت بينهما علاقة صداقة.
كانت عائلة جيربييه تعمل في تجارة الأقمشة. لكنه كان يزعم أن جدّه كان باروناً وأن عائلته تنحدر من أصول نبيلة.
وأثناء إقامة روبنز في منزل صديقه، رسم لزوجته وأطفاله الأربعة هذا البورتريه الذي أراد أن يكون لمسة وفاء منه إلى صديقه الذي استضافه في منزله وتذكيرا بتلك الزيارة.
زوجة جيربييه، ديبورا كيب، كانت ابنة عضو ثريّ في الجالية الهولندية في لندن في ذلك الوقت. ومن الملاحظ أنها هي وأطفالها فقط من يظهرون في الصورة. وليس معروفا لماذا لم يظهر الزوج في البورتريه الذي يُفترض انه عائليّ.
البورتريه يؤكّد على الفكرة الأساسية، وهي العلاقة القويّة التي تربط الأمّ بأطفالها. وقد ضمّنه روبنز الكثير من التفاصيل التي تدلّل على مكانة العائلة، كفستان المرأة المطرّز والملابس الفخمة التي يرتديها أطفالها.
في اللوحة تظهر الأمّ وهي تحتضن رضيعها، بينما الابنة الكبرى التي ترتدي فستانا اسود تبدو هادئة، والصغرى تسند ذراعها إلى ركبة أمّها وتنظر، هي وأختها، إلى الرسّام.
ورغم كثرة التفاصيل في الصورة، إلا أن روبنز سيطر على التوليف بجعل علاقة الأمّ بأطفالها نقطة الارتكاز في الموضوع.
جمال وثراء الألوان وتموّج الخطوط والطيّات الرائعة للستائر والفساتين، كلّها عناصر تكشف عن الحساسية التي رسم بها روبنز هذه اللوحة.
صورة الطاووس الذي يستقرّ على طرف كرسيّ الأمّ يرمز للثراء الارستقراطيّ. لكنه في الفنّ المسيحيّ يرمز إلى العذراء باعتبارها الأمّ المثالية.
ومن التفاصيل اللافتة الأخرى في اللوحة أن الأمّ تبدو حزينة وواجمة، بينما ينظر إليها الابن الأكبر وكأنه يستشعر حزنها.
كان زوج المرأة، أي جيربييه، شخصا مغامرا وانتهازيّا. وقد أوقعه هذا في العديد من المشاكل. ولا بدّ أن تلك المشاكل ألقت بظلالها على علاقته بزوجته وبيته. والغريب انه مات معدما بعد حياة الجاه والثراء، وعاش أبناؤه من بعده على إعانات الدولة والمحسنين.
لم يكمل روبنز رسم اللوحة أثناء إقامته في لندن، فأخذها معه عند عودته إلى انتويرب. لكنه توفّي فجأة عام 1640، فعُهد بإكمالها إلى رسّام زميل يُدعى ياكوب جوردانس.
كان روبنز أكثر رسّامي عصر الباروك نفوذا في شمال أوربّا. وقد تبنّى أسلوبا ثوريّا في الرسم اكتسبه في ايطاليا التي أقام فيها ثمان سنوات في نهاية القرن السادس عشر.
وعندما سافر إلى اسبانيا عام 1627، رأى العديد من لوحات الرسّام الفينيسيّ المشهور تيشيان، وأثّرت ألوانه الناعمة واللامعة كثيرا على أسلوب روبنز في ما بعد.
ومما لا شكّ فيه أن انغماس الفنّان في السياسة الأوربّية عزّز من مكانته وسمعته كرسّام. كان يتنقّل بين قصور الأمراء والملوك الأوربّيين بحرّية. وعندما حلّ السلام بين اسبانيا وانجلترا كافأه ملكا البلدين بوسام من مرتبة فارس.
أثّر روبنز في الكثير من الرسّامين الذين جاؤا بعده وترك بصمته على فنّهم وكرّس من خلال شخصيّته نموذجا لما يجب أن يتّصف به الفنّان من ثقافة واستقامة وموهبة.
كان روبنز كاثوليكيا تقيّا، ما جعل خصومه يتّهمونه بممالئة المؤسّسة الكنسية. ومع ذلك استمرّ نموذجه وتأثيره في أوربّا والعالم ووصلت لوحاته إلى كلّ مكان واستُنسخت عددا لا يُحصى من المرّات.

Monday, May 08, 2017

لوحات عالميـة – 389

القارئة غير المركّزة
للفنان الفرنسي هنري ماتيس، 1919

كثيرا ما يُوصف هنري ماتيس بأنه أعظم ملوّن في القرن العشرين. كما انه أحد الفنّانين الذين أحدثوا تغييرات ثورية في الفنون البصرية. وبراعته في إظهار السمات التعبيرية للألوان واضحة في أعماله الكثيرة التي رسمها على امتداد نصف قرن.
في إحدى المرّات لخّص ماتيس رؤيته عن وظيفة الفنّ بقوله: ما احلم به هو فنّ متوازن ونقيّ وخال من المواضيع المزعجة والمحبطة؛ فنّ يجد فيه الكاتب والمثقّف ورجل الأعمال والمعماريّ ما يجلو همّه ويريح عقله، تماما مثلما يوفّر كرسيّ جيّد الراحة والاسترخاء لجسد متعب".
كانت فنون شمال أفريقيا واليابان احد مصادر إلهام الرسّام. وقد مزج في العديد من لوحاته بعض الخصائص الزخرفية للفنّ الإسلامي. والكثير من المزهريات والأباريق وقطع الديكور الأخرى التي تظهر في لوحاته كان قد اشتراها أثناء رحلاته إلى الجزائر والمغرب واسبانيا.
كان من عادته أن يتردّد على المحلات التي تبيع التحف والأشياء القديمة المجلوبة من المستعمرات الأوربّية كي يشتريها ويضمّنها في لوحاته. وكانت هذه القطع تنمّي شعوره وتغذّي خياله كفنّان.
المرأة المستغرقة في حلم يقظة كانت احد أفكاره ماتيس الأساسية. وكان يعود إلى هذه الفكرة من وقت لآخر. وهو في هذه اللوحة يرسم امرأة في لحظة من لحظات التأمّل الغامض بينما تمسك بيدها كتابا.
عنوان اللوحة يشي بأن المرأة تحاول التخلّص من شعورها بالوحدة وذلك من خلال القراءة والاطلاع. والمشهد، على بساطته، يدفع الناظر لأن يفترض قصصا واحتمالات مختلفة.
والرسّام يحاول إبراز شخصية المرأة من خلال الألوان وتفاصيل الديكور المختلفة. لكن جمال الألوان والطرز والنسيج والهدوء الذي تثيره يتناقض مع ملامح القارئة التي تبدو منهكة وغير سعيدة على الرغم من الأشياء المبهجة التي تحيط بها.
كان ماتيس قد رسم اللوحة أثناء إقامته في احد فنادق مدينة نيس في جنوب فرنسا. وهو فيها يحاول أن يخلق إحساسا بالحميمية ويوظّف التفاصيل في هذا المكان كي يثير فكرة أو حالة ما.
وإسناد المرأة رأسها على يدها يُفهم منه أنها حزينة وربّما منشغلة الذهن. أما وجود الأزهار والمرآة فترتبط تقليديّا في الرسم بفكرة أن الحياة مؤقّتة وزائلة.
المناظر الداخلية المرسومة خلف أبواب مغلقة غالبا ما تكون وسيلة يحاول الفنّان من خلالها تصوير العلاقة بينه وبين شخوصه.
و ماتيس كان يجد إمكانيات إبداعية كبيرة في العودة إلى بعض الأفكار والصور الأساسية. ومن الملاحظ أن لوحته هذه هي تنويع على بعض أعماله المبكّرة، مثل "القارئة" و"امرأة تقرأ".
لكن هذه اللوحة أكثر تميّزا، وهو فيها يجمع أشياء متنوّعة، مثل أزهار الخشخاش الموضوعة في آنية زجاجية، والمرآة المذهّبة، والكرسيّ ذي القماش الحريريّ، والستائر البرتقالية، والسجّادة الزهرية.
ومن الأشياء التي تلفت الانتباه المزيج الرائع للألوان الزهرية والزرقاء. واللوحة بأكملها تكتسب سمة الألوان الزهرية التي تغلب على جوّها مثيرةً إحساسا بالتفاؤل والسلام.
وجزء مهمّ من جمالها ربّما يعود إلى أنها مرسومة بألوان الباستيل، كما أن فيها مسحة من الفنّ الساذج أو الطفوليّ، كما تعبّر عنه الخطوط والكتل ذات الألوان الفضفاضة.
وبعض التفاصيل الأخرى، مثل جدران الغرفة وبلاط الأرضية وكرسيّ المرأة الذي لا يتناسب مع جسمها، توضّح أنها رُسمت دون اعتبار للمنظور.
بعد أن عثر ماتيس على أسلوبه الخاصّ، أصبح يتمتّع بنجاح اكبر مكّنه من السفر إلى ايطاليا واسبانيا وألمانيا وأمريكا الشمالية طلبا للإلهام.
وطوال عشرينات القرن الماضي استمرّ يتحف جمهوره بالمزيد من الأعمال ذات الألوان المشبعة والفراغات المسطّحة، مع اقلّ قدر من التفاصيل. ثم بدأ يدرس ويستكشف سمات التكعيبية.
ورغم انه تبنّى أسلوبا ثوريّا في الشكل واللون، إلا أن مواضيعه كانت في الغالب تقليدية، تتراوح بين رسم بورتريهات لأصدقائه وعائلته وتصوير أشخاص في الغرف وفي الطبيعة بالإضافة إلى مشاهد من محترفه.
وأثناء الغزو النازيّ لفرنسا في بداية الأربعينات، عاش الرسّام في عزلة في منزله في جنوب فرنسا، رغم أن العديد من أفراد عائلته كانوا منخرطين في عمليات المقاومة.
وقد اُعتقلت زوجته أثناء تلك الفترة، كما تعرّضت ابنته للسجن والتعذيب بسبب أنشطتها في المقاومة قبل أن تُرسل إلى احد معسكرات الاعتقال في ألمانيا.
توفّي هنري ماتيس في نوفمبر من عام 1954 عن أربعة وثمانين عاما إثر نوبة قلبية، بعد أن حقّق لنفسه مكانة بارزة واعتُبر بنظر الكثيرين احد أبرز روّاد فنّ الحداثة.
وفي عام 2005، بيعت لوحته ازهار الخوخ بمبلغ خمسة وعشرين مليون دولار. وكان احد أعماله النحتية قد بيع في عام 2002 بمبلغ تسعة ملايين دولار أمريكي.

Tuesday, May 02, 2017

لوحات عالميـة – 388

الرجل الجريح
للفنان الفرنسي غوستاف كوربيه، 1854

عاش غوستاف كوربيه في عصر هيمنة الرومانتيكية وجمود النيوكلاسيكية. ثم وجد إحساسا جديدا في الرسم الواقعيّ. وإليه يعود الفضل في صوغ مصطلح الواقعية.
الفترة التي عاش فيها الرسّام اتّسمت بالتوتّرات السياسية والاجتماعية. ولوحاته بشكل عامّ تعكس القوّة المتصاعدة للجماهير وازدهار المنظور العلميّ وتأثير الحركات الفنّية والثقافية التي اكتسحت باريس في منتصف القرن التاسع عشر.
وقد اشتهر كوربيه بوصفه رسّاما للأسطح السميكة وببراعته في تقنية السكّين التي تنتج حضورا ماديّا.
وفي ما بعد، امتدّت مهنته إلى ما هو ابعد من الواقعية، عندما بدأ يجرّب أفكارا وأساليب جديدة في الرسم ستتطوّر بعد ذلك إلى ما أصبح يُعرف بالانطباعية.
الذوق الذي كان سائدا زمن الرسّام كان يفترض من الفنّان أن يرسم فنّا ساميا وجميلا ينقل المتلقّي إلى عالم مثاليّ يسكنه الأشخاص الأسطوريون والأغنياء. لكن كوربيه كان يصرّ على رسم الحياة الواقعية بكلّ ما تزخر به من سلبيات ومتناقضات.
في عام 1854، كتب كوربيه إلى راعيه وداعمه الفريد بروياس يقول: لقد رسمت في حياتي العدد من البورتريهات لنفسي، وعندما تغيّرت حالتي الذهنية كتبت قصّة حياتي في كلمتين: الرجل الجريح".
وهذا هو اسم لوحته هذه التي رسمها لنفسه مذكّرا بالفكرة الرومانتيكية القديمة عن الفنّان بوصفه بطلا يعاني.
وكوربيه يبدو في البورتريه مستلقيا على سريره وممسكا عباءته بيده، وإلى جواره سيف وعلى قميصه بقعة دم.
في البداية، ظن النقّاد أن السيف يرمز للفرشاة والدم للطلاء، أي أن الصورة يمكن أن تكون رمزا للفنّان الذي يضحّي بنفسه في سبيل فنّه.
لكن في ما بعد، اُجري للوحة فحص بالأشعّة السينية كشف عن قصّة حبّ مخفيّة. وتبيّن انه كان تحت سطحها صورة لامرأة مستلقية على كتف الرسّام. لكنّه غيّر في اللوحة بعد أن انتهت علاقته بالمرأة، فطمس صورتها وأبقى على صورته هو، وكأنه أراد أن يزيل ذكراها من عقله ومن عمله. ثم استبدل صورتها بسيف وأضاف بقعا من الدم على قميصه ناحية القلب.
وجود الجرح في ذلك المكان ليس بالأمر العشوائيّ، ومن المرجّح أن الرسّام إنّما كان يعبّر من خلاله عن حالة انكسار عاطفيّ.
ولا بدّ وأن كوربيه كان موهوبا كثيرا عندما غيّر في اللوحة دون أن يترك أثرا، لدرجة انه لزم الخبراء عقودا طويلة كي يكتشفوا التعديل باستخدام التقنية المتطوّرة.
ولد غوستاف كوربيه عام 1819 لعائلة من الريف الفرنسيّ. وفي ما بعد ذهب إلى باريس كي يدرس القانون. لكنه قرّر فجأة أن يدرس الرسم.
وفي عام 1865، زار ألمانيا وكان وقتها قد أصبح الزعيم غير المنازع للجيل الجديد من رسّامي الواقعية الفرنسية.
وقد رسم خلال حياته مواضيع متنوّعة كالبورتريهات والأشخاص والطبيعة. وبورتريهاته الشخصية بالذات تحتلّ مكان الصدارة في أعماله.
ويقال أن سلسلة لوحاته عن البحر مع عواصف وغيوم متغيّرة كان لها تأثير كبير على الرسّامين الانطباعيين الذين أتوا في ما بعد.
في احد الأوقات، وجد كوربيه نفسه منجذبا نحو الثقافة البوهيمية. وقد كتب وقتها إلى صديق له يقول: في مجتمعنا المتحضّر أكثر من اللازم، يجب أن أعيش حياتي كهمجيّ، وأحرّر نفسي من تأثير الحكومات. إنني أتعاطف مع الناس العاديّين ويجب عليّ أن أتحدّث إليهم مباشرة وأن اكسب عيشي منهم. لذا قرّرت من الآن أن أجرّب حياة الترحال كبوهيميّ".
كان كوربيه شخصا وسيما ومعتدّا بنفسه بطريقة ساذجة أحيانا، وكان يعرف قيمته جيّدا. وثقته الزائدة بنفسه واضحة في لوحته "صباح الخير مسيو كوربيه"، وفيها يصوّر نفسه واقفا بطريقة مسرحية وممسكا بعصا أثناء لقاء له على الطريق مع راعيه الثريّ بروياس الذي يحيّي الرسّام باحترام وإجلال.
كان كوربيه يصرّ دائما على الاستقلالية كإنسان وكفنّان. وقد رفض الزواج باعتباره مؤسّسة بورجوازية كما قال.
ولطالما ربطته ببلده علاقة تتراوح بين الحبّ والكراهية. ومع ذلك احتُفل به في باريس كأحد المعلّمين العظام، وحقّق أثناء حياته نوعا من النجومية يشبه ما نراه هذه الأيّام. وجزء مهم من نجوميّته يمكن أن يُعزى إلى شخصيّته المتمرّدة وفنّه المستفزّ أحيانا.
مع تقدّمه في العمر، أصبحت حياة كوربيه أكثر تشويقا وإثارة للجدل. فقد رفض وسام الشرف الذي عرضه عليه نابليون الثالث قائلا إن الدولة عاجزة في المسائل الفنّية، وعندما تتركني لأكون حرّا أكون قد أنجزت واجبي نحوها".
ولأنه كان اشتراكيا، فقد شارك في بعض الأنشطة الثورية، وكانت نتيجة ذلك انه سُجن ستّة أشهر عام 1871. وأثناء وجوده في السجن، رسم لنفسه بورتريها يظهر فيه وهو جالس بجانب نافذة ويدخّن الغليون، متذكّرا رفاقه الذين قُتلوا في أحداث ثورة 1871.
وفي إحدى المرّات فُرضت عليه غرامة كانت اكبر من قدرته على الدفع، فهرب إلى سويسرا وبقي فيها إلى أن توفّي في ديسمبر عام 1877.
وقبيل وفاته كتب في مذكّراته يقول: عمري الآن يقارب الخمسين، وقد عشت حياتي دائما في جوّ من الحرّية. لذا دعوني انهي حياتي وأنا حرّ. وعندما أموت أريد أن يقال عنّي أنني لم أكن انتمي إلى مدرسة أو كنيسة أو مؤسّسة أو أكاديمية أو نظام غير الحرّية".

Thursday, April 27, 2017

لوحات عالميـة – 387

إمبراطورية الضوء
للفنان البلجيكي رينـيـه مـاغـريـت، 1953

ذات مرّة، وصف سلفادور دالي رينيه ماغريت بأنه أوّل رسّام سوريالي حقيقيّ.
وفي الحقيقة كان ماغريت أشهر فنّان بلجيكيّ في القرن العشرين. وقد قضى في بداياته بضع سنوات في العمل كفنّان تجاريّ ينتج الإعلانات ويصمّم الكتب.
ونُقل عنه مرّة قوله إن شغفه بالفنّ بدأ عندما رأى وهو طفل فنّانا يرسم في مقبرة. ومنذ تلك اللحظة، بدأ يرسم. وفي ما بعد، ذهب إلى الأكاديمية الملكية في بروكسل، وبدأ ينجذب إلى الأسلوب التكعيبيّ الذي يمكن رؤية تأثيره عليه في لوحاته المبكّرة.
ثم حاول أن يجرّب الانطباعية، وهو ما جرّ عليه انتقادات زملائه ومعجبيه. ورغم انه قرّر في النهاية اتباع السوريالية، إلا انه حافظ على العناصر اللونية للانطباعية في أعماله.
ويُعرف عن ماغريت انه كان يرسم في لوحاته حالات ذهنية ونادرة يمكن ملاحظتها بتأمّل وصمت. كما اشتهر بميله لمزج فنّه بالكلمات وباختياره أسماء شاعرية للوحاته دون أن يكون للاسم علاقة بالمضمون.
وكان أيضا مهتّما بتصوير مفهومه الخاصّ عن الزمن وبقدرته على مناغمة عناصر الطبيعة مع الزمن كما لو أنها شيء واحد.
لوحة إمبراطورية الضوء تمثّل نموذجا للمفارقات البسيطة التي تميّز معظم لوحات ماغريت الناجحة.
وقد لا تلاحظ المفارقة التي تحتويها هذه اللوحة من النظرة الأولى. لكن لو دقّقت النظر قليلا لاكتشفت أن السماء فيها نهارية بينما يظهر المنزل أثناء الليل. وربّما اعتقدت أنها تصوّر تلك اللحظات من الغسق التي تسبق انبلاج الفجر.
المنظر نفسه عبارة عن بيت يطلّ على ما يشبه بركة أو شارعا مبلّلا. والبيت مرسوم في النهار وأمامه عمود إنارة وحيد، بينما يتسرّب النور من بعض نوافذه إلى الخارج.
لكن فوق البيت تبدو السماء زرقاء شاحبة تزيّنها الغيوم البيضاء. وجمال اللوحة يتمثّل في أنها تقدّم صورة يختلط الليل فيها بالنهار.
المنظر سوريالي إلى حدّ ما، وهو يبدو أشبه ما يكون بصورة فوتوغرافية بسبب التفاصيل الجميلة التي رسم بها الفنّان السماء والغيوم.
ومن الملاحظ أنه رسم الظلام في أسفل اللوحة بحيث يبدو أكثر استعصاءً على الاختراق ممّا لو رُسم في بيئة ظلام طبيعيّ. أيضا يُلاحظ أن الماء إلى أسفل يعكس ظلمة الليل بدلا من سطوع السماء.
يقال أن إمبراطورية الضوء هي أفضل أعمال ماغريت، لكن بعض النقّاد يأخذون عليها أنها بلا روح، كما أنها برأيهم لا تثير أيّة مشاعر، ربّما باستثناء الإحساس بالبرد.
السماء الساطعة فيها تبدو باردة وغير مضيافة، على الرغم من أنها مليئة بالضوء. والظلام الذي يلفّ المنزل يبعث إحساسا بالرهبة قد يكون مبعثه أن المنزل مرسوم ليلا.
وأنت تنظر إلى هذه اللوحة، قد يساورك شعور بأن شيئا ما مشئوما على وشك أن يحدث. وعلى الأرجح هذا هو السبب في أن اللوحة وُظّفت كمشهد من فيلم الرعب الشهير "طارد الأرواح" الذي ظهر في منتصف الستّينات، كما استخدم المخرج اللوحة في تصميم ملصق الفيلم.
خلوّ الصورة من الشعور الإنساني قد يكون مردّه أن البيت يغطّيه الظلام الدامس، باستثناء الإضاءة الصادرة عن العامود ومن أنوار الغرف الفارغة بداخل البيت.
صحيح أن ما نراه في اللوحة بأعيننا لا يمكن أن يكون منظرا من الحياة الواقعية. لكن هناك من النقّاد من يرى أن للنور والظلمة معنى أعمق. فقد يكون الضوء رمزا للخير والظلمة رمزا للشرّ. وهذان العنصران، برغم تناقضهما ظاهريّا، يمكن أن يوجدا في مكان واحد.
هناك أيضا في اللوحة عدد من المتضادّات أو المتقابلات: الضوء الطبيعيّ مقابل ضوء المصابيح الاصطناعية، والطبيعة مقابل الإنسان، ودفء أضواء الطبيعة مقابل قسوة الأضواء الاصطناعية.
اتّبع ماغريت أساليب متعدّدة في الرسم وسلك طرقا جديدة في التعبير عن الفنّ في كلّ أعماله. وقد ازداد اهتمام الناس بفنّه في ستّينات القرن الماضي وأثّرت لوحاته على موسيقى البوب وعلى الفنّ التقليلي والمفاهيمي.
وكان قد رسم خلال العشرينات سلسلة لوحات اسماها "رسم الكلمات"، وفيها تبدو الكلمات والصور في حالة تناقض.
كان الفنّان يحبّ المفارقات الصورية ويهتمّ بالعلاقة بين الصور المرسومة والعالم المنظور. وقد عُرف عنه ميله لحياة الهدوء والتأمّل والعزلة. وبينما عاش زملاؤه الفنّانون الفرنسيون حياة رفاهية، فضّل هو أن يعيش حياة الطبقة الوسطى التي تتّسم عادة بالرتابة والهدوء.
رسم ماغريت عدّة نسخ من هذه اللوحة، ولا يُعرف لماذا فعل ذلك. قد يكون السبب أنها راقت له بعد أن أصبحت مشهورة، وربّما رسمها مرارا كي يرضي رغبات زبائنه.
وقد بيعت إحدى نسخها في مزاد بلندن عام 1996 بمبلغ أربعة ملايين دولار، بينما وجدت النسخ الأخرى طريقها إلى المجموعات الفنّية الخاصّة، والبعض استقرّ في بعض المتاحف الكبيرة مثل متحف الفنّ الحديث في نيويورك ومتحف الفنون الجميلة في بروكسل ومتحف غوغنهايم في نيويورك.

Monday, April 17, 2017

لوحات عالميـة – 386

روحـان متآلفتـان
للفنان الأمريكي آشـر دورانـد، 1849

ظهرت مدرسة نهر هدسون للرسم الأمريكي عام 1850 بتأثير من الرسّام الانجليزيّ المهاجر توماس كول الذي وصل إلى نيويورك عام 1825. وبسبب التأثير الواسع للوحاته عن الطبيعة، فقد اعتبر كول المؤسّس الفعليّ لتلك المدرسة.
وقد أنتجت مدرسة هدسون لوحات لا تُنسى في الرسم الأمريكيّ. وكان من أقطابها بالإضافة إلى توماس كول كلّ من فريدريك تشيس والبيرت بيرستادت وآشر دوراند وغيرهم.
واستوحى هؤلاء إلهامهم من لوحات بعض نظرائهم الأوربّيين مثل كلود لورين وجون كونستابل، ومن أفكار مشاهير الكتّاب الأمريكيين في ذلك الوقت مثل هنري ثورو ورالف ايمرسون وغيرهما.
وكانت الأعمال الملحمية لهؤلاء تجسّد تقديسهم للطبيعة وتعكس القيم الوطنية الأمريكية وأفكار الاستكشاف والارتياد والاستيطان التي كانت سائدة في منتصف القرن التاسع عشر.
وقد خلّدوا في لوحاتهم الأراضي الرائعة لوادي هدسون وما وراءه، كما صاغوا رؤية جديدة عن إمكانيات بلد كان ما يزال يحاول التعرّف على هويّته.
كانت مناظر الطبيعة التي كانوا يرونها في تلك النواحي تثير الرهبة في نفوسهم وكانوا يعتقدون أن تلك الطبيعة غير المروّضة تعكس جوانب من الشخصية الوطنية لبلدهم.
آشر دوراند كان أكثر أعضاء مدرسة نهر هدسون تديّنا، وكان يؤمن بأن الله موجود في كلّ تفاصيل الطبيعة وأن رسم الطبيعة هو نوع من الصلاة أو التعبّد للخالق.
وعندما يُذكر اسم دوراند اليوم، فإن الناس يتذكّرونه بلوحاته التي رسمها للطبيعة الأمريكية البدائية، وخصوصا هذه اللوحة.
وكان قبل أن يرسمها قد تلقّى تكليفا من احد رعاة الفنّ الأمريكيّ آنذاك، ويُدعى لومين ريد، بأن يرسم بورتريهات لسبعة من رؤساء الولايات المتحدة.
ومن خلال ريد تعرّف دوراند إلى الرسّام توماس كول. كان كول ودوراند يجمعهما حبّهما المشترك لرسم المناظر الطبيعية. ثم أصبحا يذهبان معا في رحلات على الأقدام تستغرق أيّاما كي يرسما الطبيعة. وبحلول عام 1840 أصبح الاثنان يُعتبران أفضل رسّامي الطبيعة في أمريكا.
ومع ذلك كان هناك اختلاف بين أسلوبيهما، فلوحات كول كانت تمثّل التسامي وتجسّد المنظور الرومانتيكيّ في الرسم، وهو كان يؤمن بأن تصوير الطبيعة يجب أن يتضمّن رموزا ومفاتيح تعكس جلال وعظمة الخالق.
وفي المقابل، كان دوراند يفضّل رسم الطبيعة الرعوية التي تحتوي على مناظر وأشخاص ويميل إلى الرسم الواقعيّ الذي كان يدعو إليه الناقد الانجليزيّ جون راسكن.
في تلك الأثناء، كان يعيش في نيويورك تاجر يُدعى جوناثان ستورغيس، وقد كلّف دوراند بأن يرسم لوحة يصوّر من خلالها الصداقة التي كانت تربط بين كلّ من أستاذه وصديقه توماس كول والناقد والشاعر وليام برايانت.
وكان هؤلاء الأربعة يشكّلون حلقة واحدة ويجمعهم حبّهم المشترك للأدب والفنون.
وبالفعل رسم دوراند هذه اللوحة التي تصوّر صديقيه كول وبرايانت وهما يقفان فوق حافّة صخرة تشرف على منظر طبيعيّ رائع في منطقة جبال كاتسكيل في نيويورك.
العنوان الذي اختير للوحة مقتبس من بيت شعر ورد في إحدى رباعيّات الشاعر الانجليزيّ جون كيتس بعنوان "عزلة" يتحدّث فيه عن الأرواح المتآلفة والمتحابّة.
وقد طلب دوراند من صديقيه أن يأتيا معه ليرسمهما في ذلك المكان الذي تكثر فيه المنحدرات والشلالات. وكان كول نفسه قد استكشف ذلك المكان ورسمه في حياته أكثر من مرّة بعد أن أعجب بطبيعته.
جبال كاتسكيل تُعتبر من أقدم مناطق الجذب السياحيّ في أمريكا. وكان المهاجرون الهولنديّون أوّل من وصل إلى المنطقة في القرن السابع عشر. ولزمن طويل، كانت غاباتها وجبالها وبحيراتها وشلالاتها مصدر إلهام للعديد من علماء الطبيعة والفنّانين والكتّاب والرسّامين، وظهرت كثيرا في الأدب والشعر والرسم خلال القرن التاسع عشر.
ولطالما اعتُبرت تلك المنطقة صورة نموذجية للحياة الفطرية النقيّة وللأفكار المثالية عن البرّية، بينما رأى البعض فيها شكلا من أشكال الجنّة البدائية.
وكان السكّان الأصليّون من الهنود الحمر يتجنّبونها بسبب ارتفاعها الشاهق وانعدام المراعي فيها. أما المهاجرون الأوربّيون الذين وصلوا إلى العالم الجديد في وقت مبكّر فقد اعتبروا هذه الجبال مناطق خطرة وغير آمنة ولا يجرؤ على سكناها سوى الهنود البدائيين.
وكان من أوائل من كتبوا عن جبال كاتسكيل وامتدح شلالاتها وطبيعتها الكاتب المعروف واشنطون إرفنغ الذي ذكرها في إحدى قصصه المنشورة عام 1819م.
غير أن المنظر الذي رسمه دوراند في هذه اللوحة ليس حقيقيّا تماما ولا يعكس تضاريس المنطقة بدقّة، لأن الرسّام اختار على ما يبدو أن يرسم أفضل ما في ذلك المكان ولم ينسَ أن يضفي على طبيعته مسحة مثالية.
كان الغرض الأساسيّ من اللوحة تصوير الرابطة الحميمة بين شخصين يتشاركان في نفس الأفكار وتجمعهما رؤية فنّية ترتبط بحمال الطبيعة وبالإحساس بروح المكان. كما يمكن اعتبار اللوحة تجسيدا وتخليدا للأخوّة الفكرية والفلسفية بين كول وبرايانت.
بعض الكتّاب يقولون إن هذه اللوحة تُمسك بقصّة بروز نيويورك كعاصمة أدبيّة وفنّية لأمريكا. فوليام برايانت كان من المؤسّسين لمتحف المتروبوليتان في المدينة، مع أن كول نفسه كان معروفا بكراهيته للحياة في المدن وبحبّه للأرياف وللطبيعة التي ما تزال تحتفظ بجمالها البكر.
الجدير بالذكر أن هذه اللوحة ظلّت في عهدة عائلة برايانت إلى أن تبرّعت بها ابنته بعد وفاته إلى مكتبة نيويورك العامّة عام 1904م. وبقيت اللوحة بحوزة المكتبة حوالي مائة عام إلى أن ابتاعها عام 2005 مشترٍ مجهول بمبلغ خمسة وثلاثين مليون دولار.

Thursday, April 13, 2017

لوحات عالميـة – 385

على الشرفة في سيفري
للفنانة الفرنسية ماري براكمون، 1880

بنهاية القرن التاسع عشر، أصبحت الانطباعية أسلوبا فنّيّا عالميّا يتبناه الرسّامون في كلّ مكان، من روسيا إلى أوربّا وأمريكا. واستمرّت تلك المدرسة تلهم المزيد من الفنّانين الذين ضاقوا ذرعا بالاتجاهات والمدارس الفنّية القديمة.
وبالنسبة إلى الجمهور، لم يكن هناك أسلوب فنّي آخر ينافس ما للانطباعية من حداثة وشعبية. وقد أصبحت صورها معروفة ومألوفة كثيرا بتركيزها على تصوير الحالات المتغيّرة للعالم من حولنا.
أمّا نقّاد ومؤرّخو الفنّ فقد كانوا يتنبّئون بأن الانطباعية ليست سوى بداية لحركات فنّية أخرى ستأتي في ما بعد. وكانوا بذلك يشيرون إلى التكعيبية والسوريالية وغيرهما من أساليب الرسم الحديث التي يُعتقد أنها خرجت جميعها من معطف الانطباعية.
كانت ماري براكمون رسّامة انطباعية فرنسية. وقد وُصفت في زمانها بأنها إحدى أعظم ثلاث رسّامات انطباعيّات. والأخريان هما الرسّامة الفرنسيّة بيرتا موريسو والأمريكية ماري كاسات.
لكن الكتب التي تتحدّث عن تاريخ الفنّ وعن الرسّامات من النساء غالبا ما تتجاهل براكمون، وظلّت دائما هي الأقلّ شهرة بين النساء الانطباعيات.
وربّما يعود السبب في أنها لم تحظَ بما تستحقّه من شهرة هو تعمّد زوجها، الرسّام هو الآخر، إعاقة تطوّرها كرسّامة. كان الزوج غيورا جدّا من نجاحها. وقد أسهمت شخصيّته الصعبة وانتقاداته الدائمة لها في وضع العديد من المشاكل والعقبات في طريقها.
زد على ذلك أنه لم يكن مرتاحا للأسلوب الانطباعيّ الذي كانت تتبنّاه زوجته. وعلى الرغم من انه كان صديقا لبعض الرسّامين الانطباعيين، إلا انه كان يرفض جماليّاتهم.
لوحات براكمون لا يتجاوز عددها المائة بالإضافة إلى عدد من الاسكتشات. وفي الغالب كانت ترسم مناظر منزلية. ورسوماتها تتضمّن الكثير من الألوان والنساء اللاتي يرتدين ملابس زاهية.
ولوحتها هنا تُعدّ من أشهر أعمالها. وفيها تصوّر منظرا واقعيّا من الحياة اليومية الحديثة يظهر فيه أشخاص يقضون وقتا للراحة في مكان يتضمّن ضوء شمس وطبيعة ذات ألوان جميلة ومبهجة.
في اللوحة تظهر شقيقة الرسّامة إلى اليمين مرتدية فستانا ابيض وقبّعة كبيرة، بينما يجلس على يمينها الرسّام هنري فونتان لاتور وزوجته اللذين كانا صديقين للرسّامة وزوجها.
سمات الانطباعية واضحة في اللوحة، مثل الضربات الفضفاضة والناعمة للفرشاة والألوان الحرّة والحوافّ الناعمة وتفاعل الضوء والظلّ وغياب الأشكال والخطوط.
ولدت براكمون عام 1840 في مقاطعة بريتاني. ونشأت في بيئة تختلف عن البيئة المثقّفة والمرفّهة نوعا ما التي كانت لغيرها من الرسّامات مثل كاسات وغونزاليس وموريسو.
كانت الرسّامة ثمرة لزواج لم يكن سعيدا بما فيه الكفاية. والدها كان قبطانا بحريّا، وقد توفّي بعد ولادتها مباشرة. وبعد وفاته تزوّجت والدتها بسرعة من رجل آخر، ثم نشأت بين الأمّ وابنتها علاقة غير مستقرّة.
في بداياتها كانت براكمون منجذبة لأسلوب الرسّام البلجيكيّ الفريد ستيفنز الذي كان متخصّصا في ترميم اللوحات الفنّية، وفي نفس الوقت كان يعطي دروسا خصوصية للرسّامات الناشئات.
ثم قُدّمت إلى جان دومينيك آنغر الذي قدّمها بدوره لاثنين من تلاميذه. وقد وصفها احدهما آنذاك بأنها كانت واحدة من أذكى التلاميذ في محترف آنغر.
لكنها تركته بعد فترة وأصبحت تتلقّى طلبات برسم بورتريهات، كان احدها من الإمبراطورة اوجيني التي كلّفتها برسم بورتريه للكاتب الاسبانيّ سيرفانتس في السجن. وقد سُرّت براكمون بذلك التكليف لأنه أهّلها لأن تقوم باستنساخ بعض لوحات اللوفر بتكليف من إدارة المتاحف الفرنسية.
وفي تلك الأثناء تعرّفت على الرسّام فيليكس براكمون الذي وقع في حبّها ثم تزوّجها في نفس تلك السنة وأنجب منها طفلا وحيدا.
وبسبب تأثير الانطباعيين، بدأت الرسّامة تغيّر أسلوبها في الرسم وأصبحت توليفاتها اكبر وألوانها أكثر عمقا. ثم انتقلت للرسم خارج البيت وصار كلّ من ديغا ومانيه من بين معلّميها. وبعض أفضل لوحاتها رسمتها في حديقة منزلها.
وقد شدّها إلى الانطباعيين أنهم يرسمون ما يرونه بأعينهم، وليس العوالم المتخيّلة من الأساطير التاريخية. وكانت تقف مع هؤلاء كتفا إلى كتف رغم أنها لم تحظَ بالشهرة الكافية.
وفي مرحلة تالية، قابلت براكمون الرسّام بول غوغان الذي أصبح له تأثير على أسلوبها في الرسم. وقد علّمها كيفية تحضير القماش للحصول على ألوان مكثّفة وساطعة.
كانت الفنّانة قد أصبحت معروفة بقربها من دوائر الانطباعيين، رغم أنها تعيش في ظلّ زوجها المعروف جيّدا في أوساط الرسم بعدائه للانطباعية. وهذا أدّى إلى إثارة حنق الزوج الذي كان يرفض انتقاداتها لأعماله ويمنعها من عرض لوحاتها على الزوّار. ونتيجة لخلافاتهما المستمرّة، أصبحت محبطة بسبب قلّة الاهتمام بأعمالها.
على العكس من زميلاتها، لم تستمتع براكمون بموهبتها ولم تجنِ من ورائها أيّة فائدة. ويمكن القول إلى حدّ كبير أنها كانت هي معلّمة نفسها على الرغم من أنها تعرّفت إلى أقطاب الحركة الانطباعية بمن فيهم رينوار.
وفي مقابل غيرة زوجها وخذلانه لها، وجدت براكمون الكثير من الدعم والتشجيع من ابنها الذي آزرها ووقف إلى جانبها دائما. وفي عام 1919، أي بعد وفاتها بسنوات، نظّم ابنها معرضا استعاديّا لأعمالها في غاليري باريس، تضمّن تسعين لوحة ما بين ألوان مائيّة وأعمال حفر ورسوم أوليّة.

Thursday, March 30, 2017

لوحات عالميـة – 384

اختطـاف ريبـيكا
للفنان الفرنسي أوجيـن ديـلاكـــروا، 1846

ذات مرّة، وصف الشاعر والناقد شارل بودلير الرسّام اوجين ديلاكروا بأنه آخر الرومانتيكيين وأوّل الحداثيين.
وربّما كان ديلاكروا آخر الرسّامين العظماء الذين اقترب فنّهم من مفهوم الحداثة. لكن لم يكن له سخرية مانيه ولا شكوك سيزان. ويبدو كما لو انه كان قانعا بالمتعة التي كان يرسم بها وبفكرة الفنّ من اجل الفنّ.
ومع ذلك كان ديلاكروا فنّانا استثنائيا في زمانه. وقد استطاع أن يرسم لوحات دينية مثيرة للمشاعر على الرغم من انه هو نفسه لم يكن متديّنا.
لوحاته مزيج من العنف والعاطفة والإغراء: حريم، انتحارات جماعية، معارك، مذابح، وملائكة وغير ذلك. كان يرسم كلّ شيء بحساسية فائقة وبفهم غير عاديّ لوظيفة الألوان.
ويقال أحيانا انه ما من رسّام آخر تمتّع بنفس تأثير ديلاكروا ونفوذه الدائم والمستمرّ. كان رسّاما منضبطا وثائرا. ولوحاته الأدبيّة، أي تلك التي استوحاها من روايات، فيها تطرّف وعاطفة واضطراب، وبعضها يثير الخوف، لكنّها مع ذلك جميلة ومعبّرة على الدوام.
وكان هناك من الرسّامين من ينظرون له نظرة إجلال وتقديس مثل غوستاف مورو وغوغان واديلون ريدون الذي التقاه مرّة في حفل وفُتن بملامحه الجميلة وبتحفظّه وانعزاليّته.
رينوار أيضا أحبّ ألوان ديلاكروا ورسم نسخا من لوحاته الجزائرية. ومانيه وفان غوخ كانا أيضا معجبَين بسطوع ألوانه وأناقتها الواضحة. وقد استلهم الانطباعيّون ومن أتوا بعدهم طريقته المتفرّدة في توظيف واستخدام الألوان.
ومصادر إلهام ديلاكروا تأتي في الأساس من الأحداث التاريخية أو المعاصرة ومن أعمال الأدب. روايات السير والتر سكوت مثلاً، بأفكارها الغرائبية والعنيفة، كانت ذات شعبية كبيرة عند الرسّامين الأوربّيين الرومانتيكيين. ورغم تحفّظ ديلاكروا على قيمتها الأدبية، إلا انه وفي مناسبات عديدة وجد في بعض تلك الكتابات شيئا من الإلهام.
في هذه اللوحة، يرسم ديلاكروا منظرا من رواية ايفانهو لسكوت والمنشورة عام 1819م. كان ايفانهو نبيلا انجليزيا وفارسا مخلصا للملك ريتشارد الأوّل الملقّب بقلب الأسد.
وقد عاد ايفانهو بصحبة الملك سرّا إلى انجلترا بعد انتهاء الحروب الصليبية وبعد سجن ريتشارد في النمسا، لأنه وأثناء غياب الملك قام أخوه جون، وبمساعدة من نبلاء النورمان، بالاستيلاء على عرش انجلترا.
وقد قام ايفانهو بدور مشهود في إلحاق الهزيمة بفرسان الأمير جون وعلى رأسهم كلّ من برايان دو غيلبيرت وريجينالد دو بوف.
لكن بطريقة ما، تمكّن هذان الأخيران من اعتقال ايفانهو الجريح ووالده وسجنوهما في إحدى القلاع. وكان مسجونا في تلك القلعة أيضا تاجر يهوديّ مع ابنته الجميلة التي تُدعى ريبيكا.
كان دو بوف قد وقع في حبّ المرأة ثم اختطفها وحبسها في القلعة على أمل أن يتّخذها خليلة. لكن أثناء حرق ونهب القلعة، التي تبدو في خلفية اللوحة، حُملت ريبيكا بعيدا على يد عبدين وبناءً على أوامر من دو غيلبيرت الذي كان واقعا في هواها هو الآخر.
وهذا هو الجزء الذي رسمه ديلاكروا من الرواية، حيث صوّر الدراما المكثّفة من خلال الخطوط والألوان الساطعة. واللوحة تُظهر الرسّام وهو في أوج إبداعه وتألّقه، كما يمكن اعتبارها امتدادا لإبداعه الذي بدأه في لوحته "نساء الجزائر". لكنّ الألوان هنا اخفّ وأكثر تعبيريةً. وضربات الفرشاة تبدو عصبية، لدرجة أنها تشعل السطح بأكمله. المشهد أيضا يذكّر ببعض لوحات روبنز وبمناظر الحرب التي استوحى منها الشاعر الانجليزيّ اللورد بايرون قصائده.
وربّما يكون ديلاكروا قد أحبّ في رواية ايفانهو فكرة العنف التي كانت تروق للرومانتيكيين عادة. ومن الواضح أن ما كان يهمّه في المقام الأوّل هو النوعية الغرائبية للقصّة.
العديد من النقّاد المعاصرين للرسّام امتدحوا تلقائية اللوحة وقوّتها الكامنة وتناغم ألوانها. وهناك أيضا تفاصيل أخرى تلفت الانتباه، كالنار المنطلقة من عقالها والجواد الأشهب الجميل وتفاصيل الملابس.
غير أن النقّاد المحافظين آنذاك هاجموا اللوحة لنقص الرسم فيها والفراغات غير المتناسقة ولانتهاك الرسّام للقواعد الكلاسيكية. ديلاكروا نفسه كان يدرك عيوب هذه اللوحة جيّدا، لكنه رغب في التضحية بكلّ شيء من اجل أن يخلق تأثيرا دراميّا. لكن ممّا لا شكّ فيه أن اللوحة لا تفتقر للفخامة والجمال.
اللون نفسه يبدو مندمجا في نسيج اللوحة لدرجة انه يتحوّل إلى روح. وأنت تنظر إلى الألوان، قد تلاحظ أنها تتحوّل وتتدرّج من الخفيف إلى القاتم وبالعكس وكأنّها تتنفّس في داخل المشهد.
كان ديلاكروا يقول إن القيمة الأولى للوحة هي أن تكون مبهجة للعين. وكان ينظر إلى قلب الإنسان كمنطقة قاسية ومضطربة. والبشر والحيوانات التي كان يرسمها تبدو وكأنها تتبادل الأدوار في ما بينها. وهذا التعقيد والمزج بين التطرّف والمحافظة كان سمة للرسّامين الفرنسيين الكبار من القرن التاسع عشر.
كان ديلاكروا أوّل رسّام فرنسيّ مهمّ لا يزور ايطاليا، وبدلا من ذلك ذهب إلى المغرب. وباختياره ذاك أحدثَ تطوّرا في الرسم الفرنسيّ، إذ ابتعد عن الكلاسيكية وفضّل أن يهتمّ أكثر باللون والحركة.
وعندما وصل إلى المغرب كتب يقول: الإغريق والرومان وجدتهم عند عتبة بابي. إنهم العرب الذين يلفّون أنفسهم بالعباءات البيضاء ويبدون بملامح كاتو وبروتوس". رحلته إلى شمال أفريقيا بدأت عام 1832، وقد وجد هناك سماوات مفتوحة وعواطف متوقّدة وحياة ذات نمط قديم، وغيّر ذلك حياته كلّها جذريّا.
قضى ديلاكروا بقيّة حياته محاولا استيعاب تجربته المشرقية. وعندما عاد إلى فرنسا، عكف على رسم الموتيفات الشرقية التي رآها في رحلته وأذهلت مجتمع باريس.
بعض أهم أعمال الفنّان كُلّف برسمها كي تزيّن جدران وأسقف بعض مباني باريس العامّة. وأشهر لوحاته مثل "الحرّية تقود الشعب" و"موت ساردانابالوس" و"نساء الجزائر" تُعتبر اليوم من ايقونات الرسم الفرنسيّ ونادرا ما تغادر أراضي فرنسا لتُعرض خارجها.
كان ديلاكروا عاشقا للأدب والفنّ. والكثير من أعماله مستوحى من أعمال أدباء مثل شكسبير وغوته وغيرهما. كما رسم عددا من البورتريهات لشخصيّات معروفة مثل الموسيقيّ الايطاليّ نيكولا باغانيني والموسيقيّ البولنديّ فريدريك شوبان والأديبة الفرنسية جورج صاند التي بقيت في محترفه حتى وفاته عام 1863.
كان ديلاكروا يرى أن الأشياء إن لم تكشف عن معناها على الفور فليست لها قيمة". ومع ذلك، فإن هذا الوصف لا ينطبق على مناظر الدراما الإنسانية التي كان يرسمها، إذ يلزمك أحيانا نظر طويل حتى تكتشفها وتلمّ بتفاصيلها.
شطآن البحار التي كان يصوّرها تبدو تدريجيّا منذرة بالخطر كما لو أنها هاوية العالم. وميدان المعركة يصبح محيطا اخضر. ويقال أن أحدا لم يرسم غموض البحر وروعته بمثل ما فعل ديلاكروا. بحره يمكن أن يكون رمزا لفنّه: جامح، قويّ وعنيف، لكن مسيطَر عليه بطريقة غامضة.

Thursday, February 23, 2017

لوحات عالميـة - 383‏

اوغولينو وأبناؤه
للفنان الفرنسي جان باتيست كاربيو، 1865

هذه المنحوتة مقتبَسة من مقطع يصف فيه دانتي قصّة سجن الكونت اوغولينو ديلا جيرارديسكا وأبنائه الأربعة في عام 1288 ثم موتهم جوعا.
كان الكونت اوغولينو نبيلا ايطاليّا وسياسيّا وقائدا بحريّا. وقد اتّهم مرارا بالخيانة العظمى، واجتذبت شخصيّته اهتمام الناس ومخاوفهم خلال الجزء الثاني من القرن التاسع عشر.
والمعلومات عن قصّته قليلة ومتضاربة. ويرجّح أنها اشتهرت بسبب الإشارة إليها في الكوميديا الإلهية.
وقد ذكرها أيضا عدد من الأدباء الآخرين مثل تشوسر وبيرسي شيللي والشاعر شيموس هيني والروائي خوسيه ساراماغو. ورسم القصّة فنّانون كثر من أشهرهم وليم بليك وهنري فوسيلي والنحّات اوغست رودان.
في القرن الثالث عشر، كانت ايطاليا تشهد صراعا عنيفا بين حزبين رئيسيين، أحدهما يدعم سلطة الإمبراطور والثاني يدعم سلطة البابا.
واوغولينو كان من عائلة نبيلة يعود أصلها إلى ألمانيا ومعروفة بتحالفها مع الإمبراطور. وقد أثار غضب الناس بتزويج شقيقته من جيوفاني فيسكونتي ثمّ أعلن ولاءه للأخير ضدّ رغبة سكّان مدينته.
وبعد تمرّد في المدينة، قُبض عليه هو وصهره واتُهما بتدبير مؤامرة وحُكم عليهما بالسجن. وبعد ذلك بفترة قصيرة، توفّي صهره جيوفاني في السجن، بينما أطلق سراح اوغولينو بعد أن انتهى خطره، ثم اُرسل إلى المنفى.
وفي المنفى بدأ يخطّط ثانية مع حكّام فلورنسا ولوكا ضدّ مدينته ومسقط رأسه. وفي ما بعد هاجم مدينته ثم اجبرها على توقيع اتفاق سلام بشروط مذلّة. وبعد أن دخل المدينة أجبر عائلاتها الثريّة على مغادرتها ثم قام بتدمير قصورهم وأعلن نفسه حاكما على المدينة.
لكن في النهاية قُبض عليه مع أبنائه الأربعة مختبئين في برج. وفي عام 1289 أمر حاكم المدينة بإلقاء مفاتيح البرج في نهر ارنو وترك المساجين الخمسة ليموتوا جوعا.
ويقال أن أبناءه ماتوا قبله وكان هو آخر من بقي وأنه، بدافع الجوع، اضطرّ لأكل لحومهم. وفي ما بعد دُفنت جثثهم جميعا في إحدى الكنائس.
دانتي ذكر القصّة في الكوميديا الإلهية وأشار إلى أنه عندما التقى اوغولينو في الجحيم، سمع منه كيف انه كان يعضّ أصابعه ندما ويأسا، بينما كان أبناؤه يظنّون انه جائع ويعرضون عليه أجسادهم كي يطفئ جوعه من لحومهم.
ويورد دانتي أبياتا على لسان اوغولينو يقول فيها: عندما عرفت مظهري في الوجوه الأربعة، رفعت يديّ في حزن. وبينما أبنائي يظنّون أني جائع قالوا صائحين: يا أبانا لن نجزع إن أكلتنا".
وفي آخر تلك الأبيات يترك دانتي للقارئ تخيّل ما الذي حصل بعد ذلك، إذ يقول: ثم ثبت أن الجوع أكثر سطوة من الحزن".
وقد عاقب دانتي اوغولينو بوضعه في حجرة من الثلج في المستوى الثاني من الجحيم، وهو مكان محجوز لخونة أقاربهم وأوطانهم والمحسنين إليهم. والغريب أن الشاعر وضع معه في نفس الغرفة قاتله، أي حاكم المدينة الذي أمر بحبسه ومنع عنه وعن أبنائه الطعام حتى الموت.
النحّات جان باتيست كاربيو في هذا التمثال يصوّر لحظة الحكم على الرجل وأبنائه بالموت جوعا. وفي التمثال يبدو اوغولينو بطلا من العصر الرومانسي، ذقنه يستند إلى يده في تفكير حزين، يحيط به أبناؤه الأربعة.
كان كاربيو نحّاتا بارزا وكان متخصّصا في النحت الأكاديمي للقرن التاسع عشر. وتوليفه هنا يعكس تقديره لميكيل انجيلو وكذلك اهتمامه الكبير بالواقعية التشريحية. وقد صُنع التمثال من الجبس في فيللا ميدتشي في روما في عام 1865، وهو آخر عام من إقامة النحّات في الأكاديمية الفرنسية في روما.
هذا العمل يُعتبر شاهدا على براعة كاربيو وكان سببا في شهرته السريعة. وعند عرضه، لفت التمثال أنظار النقّاد والناس وشجّع العديدين على تكليفه بأعمال أخرى. وعندما عاد إلى فرنسا كلّفته وزارة الثقافة الفرنسية بصبّ التمثال من البرونز، ثم عُرض في صالون باريس عام 1863 قبل أن يُنقل بعد ذلك ليُعرض في حدائق تويلاري.
القصّة المأساوية لاوغولينو وأبنائه راجت كثيرا في الأدب والشعر والفنّ. لكنّ العلماء اليوم، واعتمادا على نتائج الحفريات التي أجريت في مقبرة العائلة، يشكّكون كثيرا في قصّة أكل الرجل للحم أبنائه في أيّامه الأخيرة ويعتبرون ذلك ضربا من الخرافة.

Thursday, January 12, 2017

لوحات عالميـة – 382

نـرسيـس
للفنان الايطـالـي كـارافــاجـيــو، 1597

لم يمارس أيّ رسّام ايطاليّ نفوذا مثل كارافاجيو، باستثناء ميكيل انجيلو. كان رسّاما ثوريّا وسابقا لعصره. وقد تجاهل القواعد التي اتّبعها الرسّامون قبله.
وشهرة كارافاجيو تأتي أوّلا من سيرة حياته الغريبة، فقد قتل رجلا بسبب رهان ثم مات قبل الأوان في سنّ الثامنة والثلاثين.
ومن بين من تأثّروا به كلّ من روبنز وهولس ورمبراندت وفيرمير وبيرنيني. كان تأثيره كاسحا، لدرجة انه ظهر في ما بعد مصطلح يُسمّى "الكارافاجيوية" نسبةً له.
كان كارافاجيو مفتونا كثيرا بالضوء وباستخدام تقنية "الكياروسكورو" أو التباين الدراماتيكيّ بين العتمة والضوء. وهذا هو السبب في أن معظم أعماله يتخلّلها ضوء ذهبيّ وساطع.
وكان دائما يفضّل وضع شيء مضاء بطريقة دراماتيكية في مكان مظلم من اللوحة، تماما كالممثّل الذي يقف في بؤرة الضوء القويّ والكاشف.
الأشخاص الأسطوريون قليلون في فنّ كارافاجيو. ومع ذلك رسم هذه اللوحة التي تعكس رؤيته الخاصّة لإحدى أشهر الأساطير، أي قصّة نرسيس.
الظروف التي رسم فيها اللوحة غير معروفة. ولا يُعرف أيضا ما إذا كان احد قد كلّفه برسمها. وقد أنجزها في بواكير حياته. وظلّت دائما واحدة من أشهر الأعمال الفنّية التي تناولت هذا الموضوع.
في الأزمنة القديمة، كثيرا ما كانت الأساطير تحدث دون أن تقدّم شرحا مقنعا. لكن هذه الأسطورة بالذات لها دلالة خاصّة، كما أنها تدفعنا لنتخيّل كيف كانت الحياة قبل اكتشاف المرايا.
كان الجمال المفرط يُنظر إليه بحذر وتوجّس. والآلهة يمكن أن تصبح غيورة وتعاقب البشر الذين يتجاوزون حدود الجمال المعقول. سايكي، مثلا، كانت فتاة جميلة جدّا، وبسبب جمالها غضبت عليها الآلهة وحاولت أن تقتلها.
نرسيس، هو الآخر، كان شابّا جميلا جدّا. وقد وقع في حبّ صورته التي رآها منعكسة على مياه احد الغدران. وبسبب افتتانه بملامحه أصبح يتجاهل مشاعر الإعجاب من الآخرين، بل حتى الحورية الجميلة ايكو لم تستطع إغواءه بسبب اعتداده الكبير بجماله.
وفي النهاية مات نرسيس عطشا، مفضّلا الموت على أن يكفّ عن تأمّل صورته. وبعد موته نبتت في مكانه زهرة جميلة تحمل اسمه حتى اليوم، أي "النرجس".
القصّة الأصلية، كما سجّلها اوفيد في كتاب التحوّلات، تجري فصولها في طبيعة رائعة ومغمورة بالضوء، مع بعض التفاصيل الأخرى كالحورية ايكو والأزهار على حافّة البركة والكلب والغزال، وكلّ هذه الثيمات أصبحت ترمز لنرسيس الصيّاد.
لكن كارافاجيو فضّل أن يستبعد كلّ تلك التفاصيل، وركّز على الإمساك بجوهر القصّة كما يرويها اوفيد الذي يشير إلى أن نرسيس أخذ ينظر وهو صامت إلى صورته المنعكسة في الماء و"بقي هناك ساهما مثل تمثال من رخام".
المشهد في اللوحة يصوّر بداية القصّة وفي نفس الوقت ذروتها، أي اللحظة التي يثني فيها نرسيس جسده ويمدّ يده في الماء كي يشرب. هنا لاحظَ ظلّه ثم وقع في حبّ صورته. وبعد قليل ستقع مأساة موته.
واللوحة تركّز على انعكاس صورته وتستبعد كلّ شيء حوله. ربّما كان هذا هو ما شعر به نرسيس عندما حدّق في صورته، كما لو انه لم يرَ أيّ شيء آخر. وحتى عندما عبَر نهر ستيكس بعد موته كما تذكر الأسطورة، كان ما يزال يحدّق في صورته.
خلفية اللوحة فارغة وقاتمة وتوحي بالحزن. والماء يبدو مظلما، ولهذا ارتباط على ما يبدو بما تذكره كتب القدماء عن نهر ستيكس والبرك المظلمة وأزهار الحداد.
قصّة نرسيس ظلّت تحتفظ بسحرها على مرّ القرون وتلهم الكتّاب والشعراء والفلاسفة. دانتي وبترارك ذكراها في أشعارهما. وفرويد ابتكر مصطلح "النرجسية" عند تناوله للأسطورة. وهناك العديد من الفنّانين ممّن رسموها بعد أن وجدوها مثيرة للاهتمام، ومن أشهرهم ووترهاوس وبوسان ولوران ودالي.
والأسطورة تحاول أن تبرهن على النهاية التعيسة التي تنتظر أولئك الذين يحدّقون في صورهم ولا يرون إلا أنفسهم. ويبدو أن رسالتها هي تذكير الناس بالمتع الدنيوية الزائلة. كما أنها تشبه إلى حدّ ما قصص الفانيتا، من حيث أنها تحذّر البشر من الآثار السيّئة للانغماس في المتع المرتبطة بالحبّ والشباب.
هناك من يرجّح أن كارافاجيو رسم اللوحة مباشرة على قطعة القماش وبدون اسكتشات أو رسومات أوّليّة. وقد كلّف صديقا له يُدعى فرانسيسكو بونيري كي يقوم بدور نرسيس في اللوحة، لأنه لم يكن يتحمّل أن يدفع لموديل.
لاحظ كيف أن ملامح نرسيس تشبه ملامح الموديل الذي يظهر في لوحة الرسّام الأخرى المشهورة "استراحة أثناء الرحلة إلى مصر".
كارافاجيو أيضا تجاهل في رسمه للوحة الأشكال والتفسيرات المثالية، وأشبع المشهد بالضوء والظلّ لكي ينتج جوّاً دراماتيكيّا، ووضع البطل لوحده في دائرة الضوء القويّ والكاشف.
أسطورة نرسيس تركت أثرا كبيرا على الفنّ والأدب. رواية "صورة دوريان غراي" استوحاها اوسكار وايلد من هذه الأسطورة. كان بطل الرواية قد رسم لنفسه لوحة وأخذ يحدّق فيها طوال الوقت. وكلّما ارتكب خطئاً في حياته، كلّما أصبحت صورته أقدم وأقبح، مع انه هو نفسه ظلّ جميلا وشابّا.
وفي رواية ميلتون "الفردوس المفقود"، تحدّق حوّاء في انعكاس صورتها في بحيرة وتشتهيها عبثا، كما يفعل نرسيس.
حياة كارافاجيو كانت مليئة بالجرائم والإثارة. ورسوماته فيها الكثير من المزاج والحركة والنشاط. وهو ينتمي إلى حركة الباروك التي ظهرت في ايطاليا وكان من أقطابها كلّ من ميكيل انجيلو وتنتوريتو.
وقد حظيت تلك الحركة بدعم ورعاية كلّ من الكنيسة الكاثوليكية والعائلات الارستقراطية. وغالبا كان رجال الدين والأغنياء يرون في الباروك وسيلة أو أداة للبرهنة على الثروة والسلطة.
ورسْم الباروك لم يكن يختلف كثيرا عن عصر النهضة، باستثناء أن ألوانه كانت أكثر ثراءً وقتامة، مع تركيز خاصّ على المواضيع الدينية.
أسطورة نرسيس ما تزال وثيقة الصلة بعالمنا اليوم. فكلّ إنسان لا يخلو من شعور بالأنانية. واستغراق الناس بذواتهم هي سمة من سمات هذا العصر، لدرجة أننا لا نرى في الآخرين سوى انعكاس لذواتنا، وهذا التفسير يبدو مقنعا إلى درجة كبيرة.
أيضا موت نرسيس يعلّمنا انه من غير اللائق أن نحبّ أنفسنا أكثر من اللازم، وأننا نموت بسبب استغراقنا في التفكير بذواتنا. ولأن نرسيس كان أنانيّا فقد عوقب بالنبذ والإبعاد ثم مات كإنسان خاطئ. وهي نهاية محزنة ولا شكّ، لأن عقوبته لم تكن عادلة ولا مبرّرة، فمن الواضح انه كان يفكّر مثل أيّ إنسان آخر.
غير أن الجانب الايجابي في قصّته هو أنها وفّرت افكارا مثالية للفنّانين، ويقال أحيانا أن أوّل مبتكر للرسم كان نرسيس نفسه، لأن الرسم في النهاية ليس سوى انعكاس لنظرة الرسّام إلى نفسه.
بل إن بعض المؤرّخين ذهبوا إلى أن كارافاجيو أيضا كان نرجسيّا وأنه في اللوحة إنّما كان يرسم نفسه. والحقيقة أن لهذه النظرية أصلا، فكلّ رسّام بداخله نرسيس، لأنه عندما يخلق أو ينتج فنّا فإنه إنّما ينظر إلى نفسه في حالة الإلهام والإبداع.
الرسّام الفرنسي نيكولا بوسان الذي كان معاصرا لكارافاجيو لم يكن يطيق أسلوب الأخير في الرسم. وقد قال ذات مرّة إن كارافاجيو أتى إلى هذا العالم كي يدمّر الرسم. غير أن ترجمة بوسان لأسطورة نرسيس كانت تقليدية وكلاسيكية مقارنة مع نسخة كارافاجيو الجميلة والقاتمة.