Wednesday, October 18, 2017

لوحات عالميـة – 422

آخـر أيّـام بـومبـي
للفنان الروسي كـارل بـريـولـوف، 1830

إبتداءً من منتصف القرن الثامن عشر، أصبحت قصّة ثوَران بركان فيزوف موضوعا يثير افتتان الناس واهتمامهم. وفي نفس الوقت بدأ علماء الآثار عمليات الحفر بحثا عن مدينة بومبي القديمة والمدفونة تحت رماد البركان.
كانت تلك الحادثة ذات جاذبية خاصّة بالنسبة للرسّامين الرومانسيين. ومن بين هؤلاء كارل بريولوف الذي قضى في ايطاليا ثلاثة عشر عاما درس خلالها مدارس الفنّ وأعمال كبار الرسّامين.
وأثناء إقامته في ايطاليا، وبالتحديد عام 1827، زار الرسّام مواقع التنقيب والحفر في بومبي ورأى المدينة محفوظة تحت طبقات كثيفة من الرماد. كانت الكارثة سريعة ومفاجئة وأدّت إلى مقتل غالبية سكّان المدينة في يوم واحد وتوقُّف الحياة بشكل تامّ.
ولكي يرسم منظر الكارثة، بدأ بريولوف بدراسة الآثار التي وُجدت في مكان الحادثة، ثم قرأ الرسائل التي كتبها المؤرّخ الرومانيّ بليني الابن الذي كان شاهد عيان على ما حلّ ببومبي وجارتيها هيركولانيوم وستابيا.
كما قضى الرسّام وقتا طويلا في المتاحف محاولا أن يتخيّل كيف تصرّف الناس بعد الكارثة، وحضر في فلورنسا عرضا أثار مخيّلته لأوبرا تتحدّث عن الواقعة.
قبل عشر سنوات من ثوران بركان فيزوف، كانت بومبي قد تعرّضت لزلزال قويّ أثّر على كلّ مبانيها ومعالمها، لكن أمكن إصلاح الأضرار واستمرّ الناس في حياتهم اليومية كالمعتاد.
لكن في احد أيّام أغسطس من عام تسعة وسبعين للميلاد، وبحسب رواية بليني، رأى سكّان المدينة في إحدى الليالي عمودا من الدّخان يخرج من فوّهة بركان فيزوف ويرتفع عشرات الأميال في السماء.
وقد نظر الناس حولهم مندهشين، وفهموا وهم يرون تساقط الرّماد الأوّل على أسطح منازلهم أن الوضع ينذر بالخطر. لذا جمعوا كلّ ما يستطيعون حمله من منازلهم من حُليّ وأشياء أخرى ثمينة ثم اندفعوا إلى الشوارع. والقليلون ممّن كُتبت لهم النجاة اخذوا القوارب وهربوا باتجاه البحر.
لكن مع ساعات الصّباح الأولى، شقّت سحابة هائلة من الغاز والرماد طريقها إلى أسفل الجبل، وفي ثوان معدودات قُتل جميع من بقي من الأهالي الذين كانوا يحاولون الهرب.
ومن خلال دراسة العظام والبقايا في مكان الكارثة، توصّل العلماء إلى أن الهاربين حُبسوا داخل سحابة ضخمة وصلت حرارتها إلى أكثر من تسعمائة درجة فهرنهايت. وقد ماتوا على الفور نتيجة الصدمة الحرارية، وليس بسبب الاختناق البطيء كما كان العلماء قد استنتجوا من قبل.
كانت بومبي قبل البركان مدينة تجارية مزدهرة يقطنها حوالي عشرين ألف شخص ثلثهم تقريبا من الأطفال. وكانت بيوتها ملحقة بحدائق وأفنية وجداريات من أزهار ونباتات. كما كانت المدينة تتمتّع بنظام محكم لتوزيع وتصريف المياه عبر قنوات محفورة تحت الأرض.
وطوال قرون بعد البركان، مُسحت المدينة من على وجه الأرض واختفت تماما تقريبا من الذاكرة. وعندما زار بريولوف أطلالها فتنه المنظر وتخيّل انه مسافر إلى الوراء عبر الزمن.
وقد صوّر في لوحته هذه فئات مختلفة من مواطني بومبي وردود أفعالهم في اللحظات التي أعقبت ثورة البركان. والصورة يضيئها اللهب المنبعث من البركان والبرق القادم من السماء. والناس فيها إمّا هاربون أو متجمّدون في أماكنهم وهم ينظرون بهلع إلى ما يحدث بينما يحاولون حماية أنفسهم من الحمم والحجارة المتطايرة.
وكلّ تفاصيل اللوحة دقيقة من الناحية التاريخية، بدءا من الشارع الذي تدور فيه الأحداث، إلى شكل الملابس ووضعيات الأشخاص. الصورة نفسها تضجّ بالحياة، من حركة الأشخاص إلى تأثيرات الضوء وتعبيرات الرعب واليأس المرتسمة على الوجوه.
في تسجيله للحادثة، يشير بليني إلى انه كان يسمع أصوات الأطفال والرجال والنساء وهم يصرخون ويرفعون أيديهم إلى الله طالبين منه أن يرأف بحالهم وينقذهم ممّا هم فيه من كرب وبلاء.
مصدر الضوء الرئيسيّ في الصورة هو البرق القويّ الذي يضرب منتصفها، حيث نرى امرأة ميّتة ممدّدة على الأرض وإلى جوارها طفلها الذي يحاول الوصول إليها.
والرسّام يحاول أن يُظهر الإنسانية على حقيقتها، فالمأساة حلّت بالجميع ولم تميّز بين شخص وآخر. في منتصف الصورة، يظهر شخص رافعا يده ومطلقا صرخة خوف وعجز، بينما يبسط وشاحه فوق رأسه وفوق امرأة مع طفلها لتفادي الحجارة الطائشة. وخلفهم يظهر كاهن يرتدي ملابس بيضاء.
وإلى يمين المشهد، يمكن رؤية فارس على ظهر حصان هائج ومبان توشك أن تسقط. وفي المقدّمة إلى أقصى اليمين، يظهر شابّ متزوّج حديثا وهو يحمل زوجته التي ما تزال ترتدي تاج العروس. وفي الوسط منظر لابنين يحملان والدهما المريض.
كان الرسّام قد قرأ ما كتبه بليني عن أمّه التي كانت تتوسّل إليه ألا يتركها. لذا ضمّنه الرسّام في هيئة الشخص الرابع من اليمين مع والدته. وفي الصورة أيضا يمكن رؤية وجه الكونتيسة يوليا سامويليوفا التي كانت راعية وصديقة للرسّام. وقد أعطى ملامحها للأمّ التي تحتضن ابنتيها إلى اليسار وكذلك للمرأة الميّتة.
ولم ينسَ بريولوف أن يُدرج في اللوحة صورا لعدد من الرموز التي تجسّد الكارثة، كتماثيل الآلهة الكلاسيكية المتساقطة في أعلى اليمين والمعابد والمباني المتهدّمة إلى اليسار والتي تمثّل ضعف وهشاشة البشر.
وفي مقدّمة اللوحة، نرى صورا لمجوهرات ومفاتيح تخلّى عنها أصحابها كرمز لعجز الإنسان، إذ لا احد يستطيع أن يأخذ معه شيئا من ممتلكاته إلى القبر.
هذه اللوحة هي أشبه ما تكون بمأساة إغريقية لأنها تثير في نفس الناظر شعورا بالشفقة والخوف. وموضوعها الأساس هو غضب الطبيعة وكيف أن البشر لا يفهمونها ولا يستطيعون السيطرة عليها. وكلّ هذه العناصر ترمز إلى الدمار والمصير النهائيّ الذي حلّ ببومبي وسكّانها.
وارتباط اللوحة بالأدب الكلاسيكيّ والأفكار الرومانسية يضعها في مكان وسيط بين النيوكلاسيكية والرومانسية. ومع أن تناول الرسّام للموضوع أكاديميّ الطابع، إلا أن الصورة قُدّمت للجمهور تحت لافتة الرومانسية. والحقيقة أن فيها العديد من سمات هذه المدرسة: دراما واقعية مع مسحة مثالية، واهتمام بالطبيعة واختيار حدث تاريخيّ كموضوع.
والملاحظ أن كلّ الشخصيات في اللوحة جميلة، على الرغم من أجواء الرعب والدمار التي تصوّرها. وقد وظّف الرسّام فيها تقنية الكياروسكورو بسخاء، واستخدم ألوانا دراماتيكية حمراء وسوداء داكنة في الخلفية وصفراء وزرقاء وذهبية في المقدّمة. كما أن طبقات الطلاء السميك تضفي على نسيج القماش لمعانا وحركة.
كانت هذه اللوحة هي تحفة بريولوف بلا منازع. وكان عرضها في ايطاليا حدثا كبيرا. وقد قارن النقّاد الايطاليون الرسّام بفنّاني الماضي العظام من أمثال رمبراندت وروبنز. وأصبح معاصروه يلقّبونه بـ "كارل العظيم".
عندما عاد بريولوف إلى روسيا عام 1835 استُقبل بحفاوة وأثارت لوحته جدلا واسعا، ثم مُنح شرف لقاء القيصر نيكولا الأوّل.
وعندما رأى الشاعر بوشكين اللوحة ألهمته كتابة قصيدة. كما ألهمت الكاتب ادوارد ليتون كتابة رواية بنفس الاسم. ويقال أن السير والتر سكوت جثا أمام الصورة الضخمة وحدّق فيها لساعة واصفاً إيّاها بأنها قصيدة ملحمية بالألوان. وبهذا أصبح كارل بريولوف أوّل رسّام روسيّ يحظى بإعجاب الغربيين.
كما كتب غوغول الذي كان صديقا حميما لبريولوف مقالا عن اللوحة نوّه فيه بطابعها المسرحيّ، مشيرا إلى أنها تتضمّن قصصا متعدّدة ومشاعر كثيرة ودراما وفوضى. وأضاف أن علاقتها بالأدب والدراما والتاريخ والشعر والموسيقى هو ما يجعل منها تحفة كاملة.
ولد كارل بريولوف في سانت بطرسبورغ عام 1799 لأبوين من أصل ايطاليّ. وقد درس في أكاديمية بطرسبورغ وكان أثناء دراسته طالبا واعدا وموهوبا. وعند تخرّجه عام 1821، إبتُعث إلى أوربّا لدراسة الرسم.
وبعد عودته إلى روسيا، زاول التدريس في الأكاديمية لمدّة ثمان سنوات. وقد استمرّ يرسم، لكنه لم يستطع رسم شيء يشبه هذه اللوحة التي استغرق العمل عليها ثلاث سنوات وتحوّلت في ما بعد إلى إحدى أيقونات الثقافة الروسية.

Friday, October 13, 2017

لوحات عالميـة – 421

مدينة الحمّامات وجامعها
للفنان السويسري بـول كلـي، 1914

يُعتبر بول كلي صاحب أكثر اللوحات موسيقيةً في القرن العشرين. الكثير من لوحاته تتضمّن صورا لموسيقيين وعازفي بيانو ومغنّين وضاربي دفوف. وكثيرا ما كان يمزج صوره بعناصر موسيقية مثل الصيغ والنوتات والتواقيع، وبعناصر البناء الموسيقيّ كالنغم والهارموني والبوليفوني والإيقاع التصويري وخلافه.
ومن خلال أشكاله ورموزه التجريدية، كان كلي يعبّر عن أكثر المواضيع تنوّعا والتي كان يرسمها من مخيّلته، وفي طليعتها الموسيقى والشعر والأدب وعلاقتها بالعالم.
كان الرسّام مفتونا بالكلمات والأنغام. والأسماء الشاعرية الجميلة التي كان يختارها للوحاته تشي بشغفه هذا الذي يعكس ميله لكلّ ما هو فانتازيّ وشاعريّ وتأمّليّ.
ورغم النجاح الذي حقّقه أثناء حياته، إلا انه اعتُبر فنّانا ثانويّا. وفقط بعد موته بدأ يحصل على ثناء النقّاد ومديحهم. ونظرة متفحّصة على نتاجه تشير إلى التأثيرات العظيمة التي تركها على كلّ مدارس الرسم تقريبا.
والمعروف أن كلي قضى حياته كلّها باحثا عن الاستعارات والرموز. وكان يملأ رسوماته بالأسهم والاتجاهات وبالحروف الغامضة وأحيانا الطافية في فضاء رمزيّ. كما كان يرفض أن يضع خطوطا فاصلة بين الفنّ والكتابة.
والكثيرون يشيرون إلى أن تجربته كانت خطوة مهمّة في تطوّر الحداثة، كما ترك أثرا كبيرا على أجيال عديدة من الرسّامين التجريديين الذين أتوا بعده.
وقد عُرف كلي باهتمامه الكبير بالثقافة العربية والذي استمرّ معه طوال حياته. وفي ابريل عام 1914، قام بزيارة إلى تونس كانت الأولى له لبلد خارج أوربّا. وكان بتلك الخطوة يقتفي خطى صديقه كاندينسكي الذي كان قد ذهب إلى تونس زائرا في عام 1904.
وقد أُعجب كلي بجمال ذلك البلد وبأضوائه وألوانه. وكان واضحا أن تجربته التونسية نفذت إلى أعماق روحه وظلّت تغذّي مخيّلته لزمن طويل. كما أثّرت فيه ألوان شمال أفريقيا بعمق، لدرجة أن ألوانه بعد تلك الزيارة بدت كما لو أنها ولدت من جديد.
ذهب الرسّام أوّلا إلى مدينة الحمّامات، وهي بلدة صغيرة تقع شمال غرب تونس على ضفاف البحر المتوسّط. وقد راقت له أصوات البشر والطبيعة فيها وبدا واضحا أنها حرّكت مشاعر الموسيقيّ بداخله وصبغت رسوماته بالمزيد من الحركة والإيقاع. وشيئا فشيئا بدأ يجرّد الألوان من أوصافها وخواصّها الفيزيائية ويستخدمها بشكل منفصل.
في هذه اللوحة، يرسم كلي الحمّامات وجامعها من مكان ما خارج أسوار المدينة. واللوحة تُظهر بدايات تحوّله إلى التجريد بعد أن قرّر أن يدير ظهره إلى الطبيعة. والصورة تتألّف من عناصر تجسيدية وأخرى تجريدية. الجزء العلويّ منها يُظهر الجامع محاطا ببرجين وحديقة، أما السفليّ فيتألّف من مناطق استخدم فيها ألوانا شفّافة ونقيّة مع تبايناتها.
وقد رسم كلي للحمّامات لوحة أخرى تَظهر فيها أشجار النخيل مع بعض الرموز والأنماط التي يمزج فيها بين الأساليب الشرقية والغربية.
وخلال زيارته تلك، ذهب أيضا إلى مدينة القيروان التاريخية التي كانت عاصمة لدولة الأغالبة. وقد فتنته أبواب هذه المدينة وقبابها ونوافذها المزخرفة الألوان والأشكال. كما أُعجب بالشاطئ والزوايا والزقاقات والحدائق الشرقية والبساتين المسوّرة. وطبعت كلّ هذه العناصر رسوماته بنَفَس جديد غير أوربّي.
كما زار كلي أيضا مدينة سيدي بوسعيد الجبلية وتأمّل ميادينها وأبوابها الزرقاء وبيوتها ذات الطابق الواحد وتوقّف أمام بوّابة إحدى حدائقها ليرسم لها اسكتشا حوّله في ما بعد إلى لوحة مائيّة.
زيارة كلي إلى تونس أثارت تأمّلاته وأفكاره ومنحته نموّا روحيّا وأصبحت ألوانه بعدها متحرّرة من أيّ قيود. واستمرّ ذلك البلد يوفّر له الإلهام وظلّ يرسمه من الذاكرة لسنوات طوال. وخلال إقامته هناك رسم أكثر من ثلاثين لوحة مائية.
كان كلي عندما زار تونس في الرابعة والثلاثين من عمره. وقد وصفه من رآه بأنه يشبه العرب لأن جذور والدته تعود إلى شمال أفريقيا. وربّما كانت ملامحه السمراء سببا في ازدياد حنق النازيين عليه، فقد هاجموا فنّه ووصفوه بـ "المنحلّ"، ثم أجبروه على الهجرة إلى سويسرا عام 1933.
الجدير بالذكر أن بول كلي زار مصر أيضا في عام 1929، مدفوعا على ما يبدو بموجة الشغف بمصر التي اكتسحت أوربّا عقب اكتشاف هاوارد كارتر لقبر الفرعون توت عنخ امون. وقد قضى في مصر شهرا زار خلاله الأقصر ووادي الملوك.
وأثناء إقامته هناك رسم عدّة لوحات عبّر من خلالها عن إعجابه وتقديره الكبير للحضارة المصرية القديمة. وقد دفعه إحساسه بالارتباط بتلك الأرض العريقة لأن يضفي على لوحاته تلك شعورا بالديمومة والخلود.

Monday, October 09, 2017

لوحات عالميـة – 420

غـرفة النـوم
للفنان الفرنسي هنري ماتيس، 1921

في عام 1917، ذهب هنري ماتيس، وكان وقتها في سنّ الثامنة والأربعين، إلى نيس في جنوب فرنسا كي يتخفّف من أعراض إصابته بالتهاب شعبي حادّ.
وقد أحبّ المدينة كثيرا وأحسّ فيها بسعادة كبيرة وقّرر أن يبقى هناك حتى نهاية عمره.
وماتيس يصف نيس بقوله: معظم الناس يأتون إلى هنا من اجل الضوء والصور المشهدية. وأنا جئت من شمال فرنسا، وما أذهلني حقّا هنا هو الألوان البديعة والنهارات اللامعة في يناير خاصّة. وعندما أتذكّر أنني سأرى هذا الضوء كلّ صباح، فإنني لا استطيع التعبير عن مقدار سعادتي".
وفي نيس رسم الفنّان مجموعة من لوحاته للاستديو ضمّنها صورا لأشخاص قليلين. وقد رسم اللوحات بأسلوب واقعيّ وضمّنها بعضا من موتيفاته المفضّلة التي أراد من خلالها ربط الفراغ الداخليّ بالخارجيّ، كالأرضية المبلّطة والارابيسك والطاولة المغطّاة بالقماش والمرآة البيضاوية والشبّاك الفرنسيّ والبلكونة بالإضافة إلى امرأة أو اثنتين.
وفكرة رسم الاستديو تكرّرت في لوحاته كثيرا وبالتحديد في العشرينات وبداية الثلاثينات. وإليه يعود الفضل في ابتكار هذه الفكرة، ثم أتى بيكاسو وبنى عليها مع شيء من العمق بتوظيفه أفكارا سيكولوجية مختلفة.
في هذه اللوحة، يرسم ماتيس غرفة في فندق المتوسّط في نيس حيث كان يقيم. إلى يسار اللوحة تظهر امرأتان، واحدة واقفة بجانب ستارة نافذة والأخرى تجلس على كرسيّ.
المرأة الواقفة يُعتقَد أنها ابنته مارغريت المولودة عام 1894 والتي أقامت معه في نفس الفندق عام 1921. والمرأتان لا تنظران إلى المتلقّي وإنما باتجاه الطرف الآخر من الغرفة. وخلفهما نافذة واسعة تحيط بها ستائر بيضاء، وإلى اليمين يظهر جزء من مرآة وطاولة زينة وُضع فوقها كأس ومزهرية.
خطوط التوليف تجذب انتباه الناظر إلى خارج النافذة، أي إلى السماء وشجرة النخيل. والألوان الشاحبة تشير إلى العبور بين تكعيبية العشرية الأولى من القرن العشرين والأسلوب الجديد الذي تبنّاه ماتيس في سنوات العشرينات.
البلاط ذو اللون الزهريّ، وباقة الورد على طاولة الزينة إلى اليمين، والألوان الصفراء في تنّورة المرأة الواقفة وعلى الكرسيّ وورق الجدران، كلّها تضفي لمسة ناعمة من الدفء على الألوان البيضاء والزرقاء والرمادية.
وكلّ الأشياء في الغرفة مرسومة بالتجسيد لأنه يمكن تحديدها في عالم الواقع. وهي تضيف إلى النوعية الطبيعية للوحة. لكن الأشياء والأشخاص مرسومون بشكل مبسّط جدّا. وقد استخدم الرسّام تقنيات الفراغ والكتلة كي يحوّل فراغا مألوفا إلى حدث صوريّ.
كما استخدم ضربات فرشاة سائلة وفضفاضة، ووظّف أكثر من منظور، فالأرضية مرسومة بحيث تبدو كما لو أنها مائلة إلى فوق وليست مسطّحة. وعندما تنظر إلى أسفل تحسّ كما لو أن الغرفة مرتفعة في الهواء.
ولد ماتيس في فرنسا عام 1869. وفي صباه عمل في محلّ لبيع الأزهار كان يملكه والده. وفي سنّ الثامنة عشرة ذهب إلى باريس لدراسة القانون. وبعد أن أتمّ دراسته عاد إلى بلدته ليعمل في إحدى المحاكم.
وبعد عامين قرّر أن يكرّس نفسه للرسم. حدث ذلك أثناء قضائه فترة نقاهة بعد جراحة أجراها لعلاج الزائدة الدودية. في تلك الأثناء كانت والدته توفّر له بعض موادّ الرسم كي يقضي بها أوقات فراغه.
وقد غيّرت تلك الخطوة حياته جذريّا. وكانت والدته تريد منه أن يحافظ على وظيفته في المحاماة، لكنه تخلّى عن تلك الوظيفة في النهاية وسجّل في أكاديمية جوليان للرسم، حيث تلقّى تدريبا على يد وليام بوغرو ثم غوستاف مورو. وقد تأثّر ببعض معلّميه مثل شاردان الذي كان يعتبره أنجب طلابه، كما تأثّر بكلّ من مانيه وبُوسان.
توفّي هنري ماتيس في نيس عام 1954 قبل شهر من احتفاله بعيد ميلاده الخامس والثمانين.

Thursday, October 05, 2017

لوحات عالميـة – 419

امـرأة تقـرأ رسالـة
للفنان الهولندي جيـرارد تير بـورش، 1660

كان جيرارد تير بورش احد أشهر الرسّامين الهولنديين في القرن السابع عشر. وقد عُرف خاصّةً ببراعته في رسم البورتريهات التي يحتشد فيها مجموعة من الأشخاص. وهو من هذه الناحية يختلف عن يوهان فيرمير وبيتر دي هوك اللذين كانا يكتفيان برسم شخص أو شخصين في اللوحة والباقي عبارة عن فراغات.
ويعود إلى هذا الرسّام الفضل في ابتكار مناظر الديكور العالي المكانة الذي أصبحت له شعبية كبيرة في الربع الثالث من القرن السابع عشر. وكانت أعماله الديكورية تتّسم بمستوى عالٍ من الحسّية والنقاء.
ولوحاته في معظمها عبارة عن مناظر حميمة لرجال ونساء مستغرقين في أداء أعمالهم. وقد تميّز تير بورش بإحساسه العظيم باللون وبتعامله الرائع مع الضوء والظلّ والنسيج.
في هذه اللوحة، يرسم الفنّان غرفة تظهر فيها امرأة واقفة وترتدي فستانا ازرق وأصفر وهي تقرأ رسالة في حضور امرأة أخرى وصبيّ. الموديلات في اللوحة هم أفراد عائلة الرسّام. المرأة التي تقرأ الرسالة هي أخته غير الشقيقة والصبيّ هو شقيقه الأصغر.
اللوحة تُعتبر إحدى تحف الرسّام، وهي الأولى في سلسلة من الصور التي تتناول نفس الموضوع. وقد كانت نموذجا اتّبعه فيرمير وغيره من الرسّامين الهولنديين بعد ذلك عندما رسموا رجالا ونساء إمّا يقرؤون أو يكتبون. وكان رسْم مثل هذا الموضوع مؤشّرا على الإثارة والرومانسية في الرسم الهولنديّ.
من الأشياء التي تميّز هذه اللوحة روعة أضوائها وظلالها وكذلك الاستخدام الجميل للألوان فيها، بالإضافة إلى بساطة المنظر نفسه والذي يدفع الناظر لأن يتأمّل الجمال وتفاصيل الأشياء.
رسم تير بورش عددا كبيرا من الصور التي يظهر فيها أشخاص إمّا يقرؤون أو يكتبون رسائل. وكان هذا النوع من الصور شعبيّا كثيرا في عصره. وكتابة الرسائل كانت من الأنشطة المنتشرة في أوساط العائلات الموسرة. ورواج هذه الصور بأجوائها المسترخية وأزياء شخوصها الثمينة لم يكن مستغربا في تلك الفترة التي شهد فيها الاقتصاد الهولنديّ ازدهارا كبيرا.
وقد عُرف الفنّان بموهبته في تصوير النسيج المتعدّد الأشكال وبالإمساك بتفاصيل الثياب بطريقة يصعب تقليدها. وكان بارعا في المواضيع التي تربط بالتباهي والخيلاء. وهذه السمة لها خلفية جمالية لأنها كانت تسمح له بأن يرسم ديكورات أنيقة وملابس زاهية. واستخدامه للأزرق الفيروزيّ على قميص المرأة يشي بلمسة معلّم.
هناك الكثير من الفنّانين ممّن رسموا الساتان والحرير، لكن لا احد كان ينافس تير بورش من هذه الناحية. وربّما كان السبب كثرة أسفاره التي أتاحت له رؤية العديد من العائلات الغنيّة واطّلع عن قرب على نمط حياتها. وغالبا ما كان يرسم الأشخاص أمام خلفية مظلمة وفارغة كي لا يصرف انتباه الناظر عن ملاحظة الشخصية.
ولد جيرارد تير بورش في ديسمبر من عام 1617 في بلدة ديفنتر الهولندية وتلقّى تعليما جيّدا في الرسم على يد والده الذي كان هو أيضا رسّاما. كما تتلمذ في ما بعد على يد بيتر دي مولين في هارلم.
وفي عام 1635، ذهب إلى انجلترا وألمانيا وفرنسا. ثم زار اسبانيا حيث عمل رسّاما في بلاط الملك فيليب الرابع. لكنه قطع إقامته في مدريد وعاد إلى هولندا عام 1650 ليستقرّ في هارلم ثم في ديفنتر التي شغل فيها وظيفة عضو في المجلس البلديّ وحتى وفاته عام 1681.
وكان قد قضى قبل ذلك ثلاث سنوات في وستفاليا، حيث شهد عقد مؤتمر السلام فيها ورسم وفدي كلّ من اسبانيا وهولندا أثناء توقيعهما على المعاهدة عام 1648.

Sunday, October 01, 2017

لوحات عالميـة – 418

عاشـقـان
للفنان الإيراني رضـا عبّـاسي، 1630

تأثّر الفنّ الفارسيّ في بداياته بالثقافة الصينية والهندية، لكنه طوّر سماته الخاصّة في ما بعد. وكان الفنّ وقتها يتضمّن أعمال السيراميك والهندسة المعمارية والنسيج وأعمال المعدن وكتابة الخطّ والرسم.
من ناحية أخرى، كان رسم المنمنمات مجالا صغيرا نسبيّا، لكنه كان يشكّل جزءا مهمّا من أشكال الرسم، وكان حكّام فارس يولونه أهميّة فائقة.
ومن أبرز من برعوا في رسم المنمنمات الفنّان رضا عبّاسي الذي يعدّه الكثيرون احد أعظم الرسّامين الإيرانيين في القرن السابع عشر. كان المعلّم الأوّل في مدرسة أصفهان التي تُعتبر أشهر مدرسة فارسية في رسم المنمنمات.
كان عبّاسي متأثّرا بمدرسة قزوين في الرسم، مفضّلا رسم مواضيع الطبيعة على التصوير الإيضاحي الذي كان قد هيمن على فنّ المنمنمات لأكثر من مائتي عام قبل ذلك.
وقد أحدث هذا الرسّام تغييرا جذريّا في الرسم الفارسيّ بتوظيفه المبكّر لخطّ الكتابة والألوان غير المألوفة. وكان الرسّامون في زمانه يقلّدون أسلوبه، لكنهم لم يقتربوا من مستواه، مع أن العديد منهم أنتجوا أعمالا مميّزة حتى بداية القرن الثامن عشر. ومن بين تلاميذه الذين اشتهروا في ما بعد ابنه محمد شافعي ومعين موسافار.
رسم عبّاسي هذه اللوحة/المنمنمة قرب نهاية عمله الناجح والطويل كرسّام في البلاط الصفويّ، وفيها نرى رجلا وامرأة يحتضنان بعضهما. وجها الشخصين متشابهان مع عيون ورموش طويلة وشفاه رقيقة. الرجل يجلس على ركبته بينما تجلس المرأة في حضنه في وضع غريب. ذراعاه تطوّقانها ويده اليسرى داخل إزارها المفتوح. وهي تضع يدها اليسرى حول كتفه واليمنى فوق رأسه بينما تمسك بوردة.
الرجل يرتدي ثوبا اخضر مع حزام ازرق مذهّب ويضع فوق رأسه وشاحا ازرق. والمرأة ترتدي ثوبا بنّيّاً وتلفّ كتفيها بوشاح ذهبيّ. وقطعة المجوهرات الوحيدة التي ترتديها هي سلسلة صغيرة على كاحل قدمها.
الخلفية ذهبية داكنة مع أوراق ذهبية. وعلى الأرضية هناك صحن فواكه وإناء فيه شراب، وعلى الطرف الأيسر كتابة بالخط العربي. وأحد خصائص أسلوب الرسّام هو إيلاؤه اهتماما كبيرا بالتفاصيل مثل الإبريق والصحن والفاكهة.
من الأشياء اللافتة في الصورة جمال ودقّة الأيدي والوجوه والملابس والانحناءات والشعر المنسدل على جانب الوجه.
وقد استخدم في اللوحة الحبر وماء الذهب. وقد يكون الذهب أضيف في مرحلة تالية بناءً على طلب المشتري. وإضافة الوردة في يد المرأة يشكّل لمسة جميلة ربّما أراد منها الرسّام تجنّب بقاء ذلك الجزء من الصورة فارغا.
كما وظّف التمبرا، وهو نوع من الطلاء استخدمه المصريون القدماء لكنه فقد جاذبيته اعتبارا من عصر النهضة مع أنه ما يزال يُستخدم إلى اليوم، وإن على نطاق ضيّق.
ومن خصائص التمبرا انه يجفّ بسرعة ولا يمكن وضعه إلا بضربات فرشاة صغيرة جدّا. وهذا يعني أن الرسّام أنجز اللوحة ببطء شديد وأنها أخذت منه وقتا طويلا، وهذا أيضا يفسّر كثرة التفاصيل فيها.
ظهور شخصين بجسدين متداخلين في لوحة ربّما كان يعكس موقفا جديدا ومتسامحا مع الصور الحسّية. إذ جرت العادة في العهد الصفويّ أن تُرسم النساء منفصلات عن الرجال. لكن عبّاسي وآخرين نظروا إلى الموضوع نظرة مختلفة، فرسموا النساء مع الرجال لتوضيح أفكار الشعراء الذين كانوا يكتبون قصائدهم غالبا عن الحبّ وأهمّية المرأة. وهناك احتمال بأن الفنّان رسم المرأة والرجل بهذه الكيفية كي يعبّر عن عدم ارتياحه للقيود في البلاط.
أيضا في هذه اللوحة شيء من تأثير الرسم الصينيّ والتركيّ، حيث الوجوه الشاحبة والأعين الطويلة. أما حضور الأزهار والذهب في الخلفية فربّما قُصد منهما أن يكونا رمزا للجنّة، وهي فكرة كانت رائجة عند شعراء ذلك الزمان.
ولد رضا عبّاسي في كاشان بإيران عام 1565. وكان والده علي أصغر رسّام منمنمات معروفاً. وقد تلقّى تعليما أوليّا على يد والده ثم انتظم في مدرسة إسماعيل الأوّل. ولم يلبث أن أصبح خطّاطا ورسّاما بارعا. لكنه عُرف أكثر برسم المنمنمات. ثم انتقل من رسم الكتب والمخطوطات إلى تصوير الحياة اليومية في صور مستقلّة. وفي مرحلة تالية عيّنه الشاه عباس الصفويّ رسّاما للبلاط. وفي تلك الفترة بالذات بلغ رسم المنمنمات أوج ازدهاره في بلاد فارس.
كان عبّاسي غالبا ما يوقّع أعماله، مع إضافة التواريخ وتفاصيل أخرى. ويقال انه كان من بين الرسّامين الذين شاركوا في رسم ملحمة الشاهنامة التي توجد مخطوطتها الأصلية اليوم في مكتبة دبلن بآيرلندا. وبعد وفاته في عام 1635، فقدت مدرسة أصفهان أهميّتها ثم بدأ فنّ رسم المنمنمات في إيران في الأفول.
يُذكر أن أعمال رضا عبّاسي موجودة اليوم في العديد من المتاحف حول العالم، مثل المتحف المسمّى باسمه في طهران ومكتبة قصر طوب كابي في اسطنبول ومتحف سميثسونيان والمتحف البريطانيّ ومتحف اللوفر ومتحف المتروبوليتان وغيرها.

Wednesday, September 27, 2017

لوحات عالميـة – 417

امـرأة بلبـاس فضفـاض
للفنان الفرنسي اندريـه ديـريـن، 1906

في عام 1900 ظهرت الوحوشية، وهي مدرسة فنّيّة لم تعمّر طويلا. وقد حمل لواءها مجموعة من الفنّانين الحداثيين الذين كانت أعمالهم تركّز على نوعية الرسم والألوان القويّة أكثر من القيم الواقعية والتجسيدية التي احتفظت بها الانطباعية.
وقد استمرّت الوحوشية إلى ما بعد عام 1910، واعتُبرت أحيانا نوعا من التعبيرية. وكان زعيماها هما هنري ماتيس وأندريه ديرين. لكن هذا الأسلوب الجديد قوبل بانتقادات واسعة بسبب الألوان الدراماتيكية التي كان يوظّفها والتي دفعت النقّاد للسخرية من لوحاتهم وأسماها احدهم الوحوش البرّيّة، ومن هنا اشتُقّ اسمها.
غير أن هناك أسماء أخرى ارتبطت بهذا الاتجاه، مثل موريس مارينو وموريس فلامنيك وراؤول دوفي وفان دونغن، بالإضافة إلى جورج براك زميل بيكاسو في تأسيس التكعيبية.
كانت لوحات الوحوشيين تتّسم غالبا بتوظيف الفرشاة الجامحة والألوان الغامقة، مع درجة عالية من التبسيط والتجريد. ويمكن اعتبار هذه المدرسة تطوّرا متطرّفا من "ما بعد انطباعية" فان غوخ، مع مزيج من نقطية جورج سورا وغيره من الانطباعيين الجدد. ومن بين من تأثّر بهم الوحوشيون كلّ من بول غوغان وبول سيزان.
هذه اللوحة تعتبر عملا أساسيّا من المرحلة الوحوشية، وفيها يقدّم اندريه ديرين نموذجا لقوّة التعبير الذي يمكن تحقيقه من خلال توظيف الشّكل واللون. وهي تصوّر امرأة ذات شعر أشقر وهي تجلس وتنظر إلى المتلقّي. ورغم الأسلوب التعبيريّ للوحة، إلا أنها مشيّدة من عدد من المثلثّات والتباينات التي توفّرها الألوان الحمراء والخضراء والبرتقالية والزرقاء.
وقد وظّف الرسّام في قميص المرأة الألوان المتعدّدة والفرشاة اللامعة وبالغ في تجسيد الوجه والعينين. كما استخدم جزئيّا الخطوط الخارجية لتحديد الأطراف.
ولد اندريه ديرين في يونيو من عام 1880 في شاتو في باريس. ودرس الرسم على يد اوجين كاريير. ثم قابل ماتيس الذي اقنع والده بأن يسجّله في أكاديمية جوليان. وقد عمل ديرين مع ماتيس في صيف عام 1905 في قرية كوليوري المتوسطية حيث ابتكرا معا الاتجاه الجديد.
ثم ذهب الرسّام إلى لندن ورسم بعض معالمها. وعندما عاد إلى فرنسا بدأ يتحوّل من الألوان اللامعة للوحوشية إلى ألوان باردة وظهرت عليه تأثيرات التكعيبية وشيء من أسلوب سيزان.
وأثناء الاحتلال النازيّ لفرنسا في الحرب العالمية الثانية، عاش الرسّام في باريس. وقد جامله الألمان باعتباره فنّانا ومثقّفا. ثم ذهب إلى ألمانيا عام 1941 مع رسّامين آخرين لحضور معرض في برلين. وقد استغلّت الدعاية النازية زيارته إلى هناك لمصلحتها. وبعد التحرير اعتُبر ديرين متعاملا مع العدوّ ثم عومل بالنبذ من قبل الكثيرين.
وفي أواخر حياته أصيب بمعرض معدٍ في العين لم يُشفَ منه. وتوفّي في باريس في سبتمبر عام 1954 متأثّرا بجروح أصيب بها إثر حادث سيّارة.

Saturday, September 23, 2017

لوحات عالميـة – 416

سـوق ليـلـيّ تضيـئه الشمـوع
للفنان الهولندي بيتـروس فـان شيـندل، 1863

كان بيتروس فان شيندل رسّاما متخصّصا في رسم الأسواق التي تضيئها الشموع ليلا. ويبدو أن هذا كان موضوعه المفضّل الذي لم يكن ينافسه فيه احد تقريبا.
وفي لوحاته كان ينقل، مع شيء من الدراما، أنواعا شتّى من أنشطة الناس في الليل، محاولا إبراز الفروق الدقيقة بين مستويات وتأثيرات متعدّدة من الأضواء والظلال والانعكاسات. ولكلّ لوحة من لوحاته أناقتها الخاصّة التي تجعلها مفعمة بالحركة والحيوية.
وفي ما بعد، رسم الفنّان لوحات أخرى مع مصادر ضوء إضافية غير الشموع وضوء القمر، مثل مصابيح الزيت والألعاب الناريّة والنار المفتوحة.
وخلال فترة قصيرة، أصبح فان شيندل سيّد هذا النوع من الرسم في العصر الرومانسيّ، أي في القرن التاسع عشر.
وبعض لوحاته تصلح لأن تكون سجلا عن طبيعة مدينة أمستردام وتضاريسها ومبانيها في القرن التاسع عشر. وبالنسبة إلى الذين لا يعرفون الكثير عن لاهاي أو روتردام في تلك الفترة، ربّما تُوفّر بعض تلك الصور انطباعا مُقنعا عن مشاهد الأسواق الليلية في مدن هولندا الكبيرة في منتصف القرن قبل الماضي.
وهذه اللوحة تُعتبر من أفضل أعماله، وهي توفّر نموذجا واضحا لبراعته الفنّية. وفيها يصوّر سوقا ليليّا للخضار والفاكهة والسمك في لاهاي، تظهر فيه مجموعة من النساء وهنّ يعرضن سلعهنّ على ضوء الشموع، بينما تتكدّس أمامهنّ أنواع مختلفة من الخضار والفاكهة والأسماك.
المرأة الجالسة إلى اليسار هي نقطة الارتكاز في المشهد، وضوء الشمعة يسقط على وجهها ويديها. والمرأتان الأخريان الواقفتان تحملان السّلال بينما تفاصلان البائعة الجالسة حول الأسعار.
وفي الجوار تقف مجموعة أخرى من النساء يبعن الأسماك. وفي خلفية الصورة، تظهر عدّة مبانٍ يضيئها نور القمر. ومن بين هذه المباني جزء من قاعة المدينة القديمة، بالإضافة إلى برج كنيسة كان محيطها يُستخدم في ذلك الوقت كسوق لبيع اللحوم.
ضوء القمر في اللوحة يأتي من ناحية اليسار، أي من فوق مبنى البلدية. وهناك أشخاص يتفرّجون أو يمرّون بالمكان لرؤية ما تعرضه الأكشاك الأخرى من سلع وبضائع.
منظر السماء المبهر والمباني الضخمة التي تخيّم على المكان تضيف إلى المشهد قدرا من الدراما والإثارة.
على مرّ السنوات، انتقلت هذه اللوحة من مالك لآخر إلى أن اشتراها مالكها الحاليّ من تاجر في غلاسغو عام 1916 بمبلغ زهيد لا يتجاوز الأربعين غيلدر هولنديّ.
ولد بيتروس فان شيندل في ابريل عام 1806 لعائلة من المزارعين التجّار في بلدة بريدا الهولندية. وقد ظهرت موهبته في الرسم منذ صغره، فأرسله والده إلى انتويرب كي يدرس الرسم في أكاديميّتها للفنون.
ثم انتقل بعد ذلك إلى أمستردام حيث رسم أوّل لوحة له، وكانت عبارة عن منظر لسوق ليليّ يستحمّ في ضوء الشموع. وكانت تلك صورة رومانسية أضاف إليها الفنّان من خياله، والاهمّ أنها أكسبته سمعة كبيرة في هولندا وخارجها.
تأثّر فان شيندل في بداياته بأعمال مواطنَيه الرسّامَين غودفريد شالكن وغيريت دو . وبعد ذلك تعرّف على رسّام يُدعى ماثيو فان بري. وقد علّمه الأخير المزيد من المهارات وشجّعه على أن يولي أهميّة اكبر للتفاصيل. ثم بدأ يهتمّ بالإكسسوارات والنسيج وتعلّم كيف ينتج طبقات متعدّدة من الألوان فوق سطح القماش.
وفي تلك الأثناء، تعرّف الرسّام إلى امرأة تُدعى اليزابيث غراسفيلد فتزوّجها وأنجب منها ثلاثة عشر طفلا. في ذلك الوقت، كان ما يزال يناضل من اجل تحسين أحواله المعيشية، فغادر هو وزوجته ليستقرّا في روتردام حيث عمل هناك بوظيفة معلّم للرسم.
وفي روتردام، رسم عددا من اللوحات، وكلّها كانت تؤكّد موهبته الاستثنائية في رسم الأضواء الاصطناعية. ومع مرور الوقت، صار له رعاة وزبائن وأصبح يتلقّى المزيد من طلبات الرسم.
وبعد ذلك انتقل فان شيندل إلى لاهاي التي نظّم فيها أوّل معرض لأعماله اجتذب المزيد من العملاء. وكان ذلك المعرض فرصته لاستكشاف مواهبه الأخرى التي لم يكن يعرفها الناس. وقد كوفيء على عدّة براءات اختراع في مجالات السّكك الحديد والملاحة البحرية والزراعة.
وأثناء إقامته في لاهاي، ترسّخ اسمه أكثر في سوق الفنّ وباع عدّة لوحات على بعض مجموعات الفنّ الملكية في أوربّا. وأصبح من بين زبائنه الملك وليام الثاني والملكة فيكتوريا وملك بلجيكا والعائلة الحاكمة في روسيا. كما نال عدّة جوائز من معارض أقيمت في بروكسل وباريس ومانشيستر وغيرها.
قبل وفاته بعام تقريبا، رسم فان شيندل لنفسه بورتريها يظهر فيه بهيئة شخص ملتحٍ ووقور، يرتدي ملابس أنيقة ويعتمر قبّعة، بينما يجلس متطلّعا إلى البعيد بنظرة متأمّلة.
وبعد وفاته في عام 1870، نسي الناس اسم وفنّ بيتروس فان شيندل مع ظهور مدارس الفنّ الحديث. لكن لوحاته تُقيّم عاليا هذه الأيّام وتحظى باهتمام وإعجاب خبراء الفنّ والجمهور على السواء.

Saturday, September 16, 2017

لوحات عالميـة – 415

سيّـدة تكتـب رسـالة
للفنان الهولندي يوهـان فيـرميـر،1665

عاش يوهان فيرمير قبل أكثر من ثلاثمائة عام. وحتى اليوم لا يُعرف عنه أو عن حياته سوى الشيء القليل. خبراء الفنّ المعاصرون فحصوا السجلات المدنية القديمة في بلدة ديلفت حيث عاش، بحثا عن معلومات عنه أو عن عائلته، لكنهم لم يجددوا الكثير. كما انه لم يترك صورة تقول لنا شيئا عن ملامحه.
لكن من المعروف انه عمل في تجارة الفنّ لبعض الوقت في شبابه مع والده البروتستانتيّ. لكنه وقع في هوى امرأة كاثوليكية تُدعى كاترينا بولنز ثم لم يلبث أن تزوّجها، الأمر الذي دفع عائلته لأن تطرده من البيت وتتبرّأ منه. فاضطرّ لأن ينتقل إلى منزل والدة زوجته في الحيّ الكاثوليكيّ من البلدة، حيث عاش هناك بقيّة حياته.
كان يوهان وكاترينا قريبين من بعضهما كثيرا. ومعظم العائلات الهولندية في ذلك الوقت كانت تكتفي بطفلين أو ثلاثة، لكنه وزوجته أنجبا احد عشر طفلا ملئا بهم البيت وعاشوا حياة فقر وعوز. وقد اضطرّ أحيانا لأن يقايض دائنيه بلوحاته.
في ذلك الوقت، غزا الفرنسيون والألمان هولندا، وكان طبيعيّا أن يعاني الناس من تردّي الاقتصاد والأحوال المعيشة نتيجة الحرب. وعندما توفّي فيرمير عام 1675 في سنّ الثالثة والأربعين كان مفلسا تماما.
ومن الصعب تصوّر فكرة أنه كان شخصا بوهيميّا أو متعطّشا للجنس، بحسب ما تصوّره السينما وبعض الروايات هذه الأيّام. فالذين درسوا حياته يقولون انه كان زوجا محبّا وأبا حنونا. ولم يكن يشغله سوى العلوم والبصريات والرسم.
وحتى ما كان بحوزته أحيانا من مال قليل لم يكن يكفي لاستئجار محترف أو الاستعانة بموديل معروفة. لذا كان من الطبيعيّ أن تكون زوجته وبناته هنّ جليساته في لوحاته. وجوههنّ النضرة وملامحهنّ الهادئة متشابهة. ومن السهل أن ترى كاترينا، الحامل أحيانا، في بعض صوره.
في هذه اللوحة، يرسم فيرمير زوجته وهي جالسة إلى طاولة في غرفة معتمة، بينما تكتب رسالة. وهي ترتدي معطفا اصفر زاهيا يزيّنه فراء ابيض مع قرطين من اللؤلؤ وشرائط شعر بيضاء.
الضوء في اللوحة يسقط من الزاوية اليسرى، ما يجعل المرأة نقطة الارتكاز فيها. وهي تمسك في يدها اليمنى بقلم، بينما تُريح ذراعها الآخر على الطاولة. لكن اهتمامها يتحوّل بعيدا عن الرسالة كما لو أن شخصا ما قاطعها فجأة. وهي تنظر باتجاهه وعلى فمها اثر تساؤل وابتسامة خفيفة.
الطاولة مؤطّرة بقماش ازرق خفيف، وعليها يستقرّ عقد من اللؤلؤ وشريط من الحرير الأصفر. وفي الخلفية، على الجدار، لوحة بالكاد يمكن رؤية تفاصيلها.
التصميم في اللوحة محكم ويكشف عن إحساس هندسيّ دقيق، وهذه هي إحدى سمات فن فيرمير. وإذا صحّت فرضية أن المرأة الظاهرة في الصورة هي زوجته، وهذا أمر مرجّح اليوم، فإنه يصبح من السهل توقّع أنها كانت عند رسمها في منتصف الثلاثين من عمرها، بالنظر إلى أنها مولودة في عام 1631.
الألوان في اللوحة هي مزيج صامت ومتناغم من الأصفر والأزرق والبنّي. والإضاءة الساحرة والنقاء الفوتوغرافيّ والوضعية الأنيقة للمرأة والقلم المعلّق فوق الورق للحظات، كلّها تؤشر إلى النوعية الممتازة للتفاصيل والأشياء والتي أصبحت علامة تميّز فيرمير.
من الأشياء الأخرى اللافتة أيضا في اللوحة التحوّل السلس للألوان والذي ينتج حوافّ ناعمة. وليس هناك أشكال ولا خطوط محدّدة أو واضحة، هناك فقط إيحاء بالأشكال. وتنفيذ مثل هذه المهارات يتطلّب عادةً وقتا وجهدا كبيرين، حتى لو كان الرسّام بارعا فيها من الأساس.
الرسائل هي عادةً عن الحبّ والعلاقات الحميمة. واللوحة تُظهر أن الكتابة فعل مريح وممتع وله نفس أهميّة الأشياء الماديّة الثمينة التي تعامَل أحيانا كالكنوز وتُحفظ بعيدا عن متناول الآخرين. وجوّ اللوحة يعطي الانطباع بأن هذه المرأة التي عاشت قبل أكثر من ثلاثة قرون يمكن أيضا أن تنتمي إلى عالمنا.
من الأشياء اللافتة أيضا في اللوحة أن المعطف الذي ترتديه المرأة هو نفسه الذي يظهر في بعض لوحات الرسّام الأخرى مثل امرأة تعزف الغيتار . وحتى نفس عقد اللؤلؤ والخزانة الخشبية الصغيرة في الخلفية يظهران في لوحات أخرى له، ما يرجّح فرضية أن فيرمير كان يرسم من مجموعة ثابتة من الأقمشة والإكسسوارات التي كان يحتفظ بها دائما ضمن مقتنياته الخاصّة.
تجدر الإشارة إلى أن هناك ستّ لوحات أخرى لفيرمير تناول فيها نفس الموضوع وتصوّر نساءً إمّا يقرأن أو يكتبن. ويقال أن أوّل من روّج لفكرة المرأة التي تكتب هو مواطنه الرسّام جيرارد تير بورش.
المعروف أن فيرمير لم يترك توقيعا على أيّ من لوحاته، لكنه ترك تواريخ على ثلاث منها فقط. ويبدو أن تأثيره على الكثير من الرسّامين الذين أتوا بعده، بالإضافة إلى كثرة اللوحات المزوّرة المنسوبة له، شكّلا تحديّا كبيرا لخبراء الفنّ الذين حاولوا أن يثبتوا أصالة بعض أعماله وصحّة نسبتها إليه.

Tuesday, September 12, 2017

لوحات عالميـة – 414

فناء منزل في الريف الجزائريّ
للفنان الأمريكي فريـدريك آرثـر بريـدجمان، 1920

كان فريدريك آرثر بريدجمان رسّاما استشراقيا مشهورا في زمانه. لكن الكثيرين اليوم يعتبرونه منسيّا إلى حدّ ما، مع أن أعماله تظهر بانتظام وتبيع جيّدا في مزادات الفنّ العالمية.
وهناك من يقول إن السبب في أن اسمه أصبح غير متداول كثيرا اليوم هو أن ترويجه لنفسه أثناء حياته منع الآخرين من الاقتراب منه أو تناول فنّه تناولا نقديّا. ومنذ وفاته، لم يظهر كتاب يؤرّخ لسيرة حياته كما لم يقم أيّ من المتاحف الكبيرة بتنظيم معرض لأعماله.
كان بريدجمان عاشقا كبيرا لبلدان وثقافات الشرق. وقد أخذته أسفاره الطويلة إلى المغرب والجزائر ومصر وسوريا وتركيا ليطّلع على مظاهر الحياة فيها وليصوّرها.
وهو لم يكن رسّاما فحسب، بل كان أيضا شاعرا وأديبا ومؤلّفا وعازفا موسيقيّا. واهتمام جامعي الفنّ العرب، على وجه الخصوص، بفنّه وفنّ غيره من رسّامي الاستشراق مردّه في الأساس كون الرّسم الاستشراقي هو السجلّ البصريّ الوحيد المتوفّر اليوم عن حياة شعوب المنطقة في القرن التاسع عشر. لكن هناك سببا آخر يتمثّل في تقدير هؤلاء الجامعين لبراعة وإبداع بريدجمان بشكل خاصّ.
اعتبارا من عام 1870، اتّخذ الرسّام من فرنسا وطنا دائما له، حيث تعلّم فيها على يد جان ليون جيروم وكان هو الطالب المفضّل عنده. ويمكن تبيّن تأثير أستاذه عليه من خلال تبنّيه الرسم الأكاديميّ ثم المواضيع الاستشراقية. وما من شكّ في أن رحلات جيروم إلى الشرق عام 1850 شجّعت بريدجمان على أن يسافر إلى هناك مقتفياً خطى معلّمه.
رحلة بريدجمان إلى كلّ من مصر والجزائر بدأها عام 1872. وقد وفّرت له تلك التجربة مصدر إلهام دائم. ورسم خلال رحلته تلك أكثر من ثلاثمائة اسكتش كانت الأساس للعديد من اللوحات الزيتية التي نفّذها في ما بعد.
وفي عام 1890، ألّف بريدجمان كتابا بعنوان "شتاء في الجزائر" ضمّنه العديد من الرسومات والقصص التي لا تُنسى عن أسفاره وخبراته الفريدة في ذلك البلد. وقد سُمح له بدخول بيوت الحريم ورسم ما رآه تقريبا ولم يعتمد على ذاكرته مثلما فعل معاصروه من الفنّانين.
وأثناء رحلاته جمع الرسّام ملابس وأدوات فنّية وتراثية ومعمارية زيّن بها منزله في باريس، لدرجة أن بيته صار مزارا للكثير من الفنّانين. واهتمامه الشديد بالأزياء والإكسسوارات وأنماط الحياة اليومية في الجزائر خاصّة يوفّر سجلا قيّما عن بعض سمات الثقافة الجزائرية في مرحلة انفتاح بلدان المنطقة على الغرب.
في هذه اللوحة، يصوّر بريدجمان جانبا من أنشطة الحياة اليومية في فناء منزل ريفيّ زاره في ولاية بسكرة جنوب شرقي الجزائر. كانت الولاية مشهورة بصناعاتها اليدوية وبساطة الحياة فيها.
وفي اللوحة تظهر امرأتان تقومان بأعمال التطريز بصحبة امرأة ثالثة وخادمة سمراء. المرأة الجالسة أمام طاولة النسيج تعالج الخيط، بينما تراقبها الفتاة الصغيرة باهتمام. وخلفهما تقف فتاة أخرى تمسك بباقة أزهار. وإلى اليسار مائدة مذهّبة عليها عنب وتين.
وفي الخلف يمكن رؤية غزالة تستريح تحت الجدار. والرسّام يضمّنها في اللوحة باعتبارها رمزا لجمال المرأة في الثقافة العربية. وهناك أيضا نافورة وعمود من الرخام ذو طراز أنيق.
ومن الأشياء الأخرى التي تلفت الانتباه الأقدام العارية للنساء والحرّية التلقائية التي يتصرّفن بها والملابس الملوّنة واللمّاعة. وكلّ هذه العناصر فيها إشارة إلى الحواسّ الخمس وإلى جاذبية ونبل الأنثى.
كان بريدجمان قد كتب عدّة تحقيقات عن تجربته في الجزائر ونشرها في مجلّتي اتلانتيك وهاربر الأمريكيّتين. وهو كان مفتونا بالديكور المغاربيّ الذي رآه في منازل الجزائريين الأثرياء. وبعض لوحاته عن تلك البيوت تذكّر بأجواء ألف ليلة وليلة.
كما كتب بإسهاب عن التأثير الكلاسيكيّ، الإغريقيّ خاصّة، على المعمار المغاربي من خلال أشكال الأعمدة والأبواب المقوّسة. وأيضا أشار إلى أن المعماريين العرب عدّلوا وحسّنوا ما وجدوه وأضافوا إليه الكثير من الحيوية الفنّية عبر توظيف الأنماط الهندسية التجريدية والعناصر الزخرفية.
من بين أكثر أعمال بريدجمان الأخرى احتفاءً لوحته منظر لزقاق جزائريّ ولوحة أخرى بعنوان لعبة مثيرة . في اللوحة الأخيرة، يتذكّر الفنّان احد مقاهي القاهرة ويرسم تفاصيله المعمارية وأزياء روّاده. والصورة تُظهِر رجلين يلعبان الشطرنج بحضور رجل ثالث وامرأة.
وقد رسم هذا المنظر عندما عاد إلى باريس، وضمّنه تذكارات أخذها معه من رحلاته إلى الجزائر. تَعامُل بريدجمان البارع مع الضوء والظلّ في هذه اللوحة وتصويره غير النمطيّ للأشخاص، بتوظيفه الحركات والأوضاع والإيماءات كأدوات تعبيرية، كلّ ذلك أكسبه ثناء وإعجاب النقّاد.
ولد فريدريك آرثر بريدجمان في ولاية الاباما الأمريكية عام 1847 لأب كان يعمل طبيبا. وفي البداية درس الرسم في مدرسة بروكلين للفنون، ثم سافر إلى باريس عام 1866 حيث تعرّف فيها إلى جان جيروم الذي كان له تأثير كبير في توجيه مساره الفنّي.
بعد الحرب العالمية الأولى، استقرّ بريدجمان في منطقة النورماندي. ورغم انه استمرّ يرسم هناك، إلا انه توقّف عن عرض أعماله على الجمهور. وقد توفّي في روين عام 1928 وسط تجاهل تامّ تقريبا من النقّاد والصحافة.

Thursday, September 07, 2017

لوحات عالميـة – 413

بورتريه مدام ريمسكي كورساكوف
للفنـان الألمـانـي فرانـز ونتـرهـولتـر، 1864

من العوامل التي أكسبت الرسّام فرانز ونترهولتر ثناء النقّاد اهتمامه الشديد بتفاصيل الملابس والمجوهرات وعناصر الزينة الأخرى في لوحاته.
كان يميل إلى إضفاء قدر من اللمعان على صوره، ما يشي بمعرفته التامّة بوظائف الألوان والظلال. كما كان يخلع على شخوصه مظهرا ملوكيّا وحضورا مميّزا.
وقد عمل الفنّان معظم حياته على رسم بورتريهات للعائلات الملكية في اسبانيا وبلجيكا وروسيا وألمانيا. ومعرفته وخبرته واضحة في هذه اللوحة التي رسمها بعد أن تجاوز الستّين من العمر، وهي تُعتبر إحدى أشهر لوحاته.
وفيها يصوّر باربرا "باربي" ريمسكي كورساكوف، سليلة إحدى العائلات الروسية الكبيرة. وقد ساد اعتقاد لبعض الوقت أن المرأة كانت زوجة الموسيقيّ الروسيّ المشهور نيكولاي ريمسكي كورساكوف، ربّما لأن الشخصيتين عاشتا في عصر واحد. لكن الأمر لا يعدو كونه مجرّد تشابه في الأسماء.
كانت باربرا كورساكوف إحدى جميلات القرن التاسع عشر. وقد ولدت عام 1833 لعائلة موسرة من كوستروما في روسيا، وتزوّجت في عام 1850 من نيكولاي كورساكوف الذي كان ضابطا طموحا في الجيش الروسيّ.
كانت وقتها في السادسة عشرة من عمرها وهو في العشرين. وقد أنجبا ثلاثة أطفال، وكانا نجمين لامعين في حفلات الطبقة الرفيعة في روسيا. كانت عائلة الزوج مشهورة، والكثير من أبنائها تقلّدوا مناصب مهمّة في الدولة وفي قيادة الجيش.
وقد ذكر تولستوي الزوج في رواية آنا كارينينا بعد أن حرّف اسم عائلته إلى كورسنسكي، كما امتدح جمال الزوجة ووصفه بطريقة بليغة.
لكن زواج باربرا من كورساكوف لم يكن سعيدا كثيرا. لذا انتهت علاقتهما بالانفصال وقرّرت هي أن تهاجر إلى فرنسا في عهد الإمبراطورية الثانية. وعندما وصلت إلى باريس في شتاء عام 1863 ظهرت في العديد من الحفلات الخاصّة. وأصبحت معروفة في كلّ فرنسا وأسماها الفرنسيّون فينوس التتارية بسبب جمالها الغرائبيّ.
كان نابليون الثالث، ملك فرنسا وقتها، معروفا بشخصيته المزاجية وكان ينفق المال ببذخ على الحفلات الصاخبة كي يدهش جيرانه الأوربيّين. ولم تكن باربرا تفوّت حضور تلك الحفلات.
ومع مرور الوقت أصبحت مقرّبة من اوجيني زوجة نابليون. وكان ونترهولتر يعرف اوجيني وزوجها عن قرب. وقد رسم للزوجة العديد من البورتريهات صوّر فيها جمالها وأناقتها وكذلك افتتانها باقتناء المجوهرات، لذا جعلت منه رسّامها المفضّل.
رسم ونترهولتر هذه اللوحة لباربرا كورساكوف في باريس، ولم يكن عمرها قد تجاوز آنذاك الحادية والثلاثين. وفيها تظهر مرتديةً فستانا فضفاضا وشفّافا، وبلا مجوهرات، كما أنها بعيدة عن مواصفات الجمال المثاليّ. وملامحها تبدو مثل ملامح أسلافها من التتّار.
وربّما كان نسبها وبذخها وجرأتها من العوامل التي جعلت من هذه المرأة شخصية لا تُنسى في مجتمع باريس آنذاك. ويقال أنها لم تكن تذهب إلى مكان دون أن تلفت اهتمام الناس، وقد عُرفت بميلها لارتداء ملابس شفّافة. لكنها من خلال هذا حقّقت هدفها بأن تصبح شخصية مشهورة.
كان المعجبون بها كثيرين، وأشيع الكثير عن قصص حبّها المتعدّدة. لكنها كانت تفضّل أن تظلّ وحيدة ومستقلّة، وهذا كان امرأ غريبا على امرأة من القرن التاسع عشر.
توفّيت باربرا ريمساكوف في بلدة نيس وهي في عمر الخامسة والأربعين ودُفنت في المقبرة الروسية. وبعد وفاتها، ألّف الموسيقيّ الفرنسيّ اميل والدتيوفيل قطعة موسيقية بعنوان تذكار من بياريتز إحياءً لذكراها.
الرسّام فرانز ونترهولتر كان يعرف كيف ينقل إلى صوره تفاصيل الوجه والشعر ولمعان العيون. وقد انتُقد لهذا السبب بالذات، أي لأنه كان يطبّق مذهب الفنّ للفنّ. ومع ذلك لم يمنع كلام النقّاد رجال ونساء ذلك العصر من الاستمرار في تكليفه برسمهم.
ورغم أن اسم ونترهولتر سقط في غياهب النسيان بعد وقت قصير من وفاته، إلا أن الاهتمام به وبفنّه بُعث مجدّدا اعتبارا من منتصف القرن الماضي.

Sunday, September 03, 2017

لوحات عالميـة – 412

زوجـان في الشـارع
للفنان الفرنسي شـارل أنغـرانـد، 1887

كان شارل أنغراند احد رموز تيّار الانطباعية الجديدة أو النُقَطية الذي ابتكره كلّ من جورج سورا وبول سيغناك في نهاية القرن التاسع عشر.
ومع ذلك كان أسلوب أنغراند مختلفا عن زملائه، فقد كان يرسم بألوان باردة أكثر من سيغناك وسورا اللذين كانا يستخدمان ألوانا ذات تباينات ساطعة في الغالب.
كان أنغراند مؤمنا بالفوضوية، وهي فلسفة سياسية تدعو لأن تحكم المجتمعات نفسها، وتعتبر أن الحكومات غير ضرورية، وأحيانا ضارّة، وأن الأفراد قادرون على تدبير شئونهم بأنفسهم من خلال التعاون والاحترام المتبادل.
والتزام الرسّام بمثل هذه الأفكار التي تبدو مستعصية على التطبيق دفعه لأن يولي أهمّية خاصّة بحياة الناس العاديّين، وخاصّة مواطني الطبقة الكادحة في الضواحي الذين كان يعتقد أن من حقّهم أيضا أن ينالوا نفس الاهتمام الذي يناله الارستقراطيون والأثرياء.
وكان أنغراند يعامل أفراد هذه الطبقات البسيطة بعاطفة وسخاء بالنظر إلى فقرهم وتدنّي مستوى معيشتهم.
وهذه اللوحة تعكس أفكار الرسّام، وفيها يرسم زوجين من أبناء الطبقة العاملة وهما يمشيان في احد شوارع باريس المتربة.
طريقة تصوير ملابس الزوجين البسيطة والشارع الرثّ الذي يمشيان فيه تنطوي على انتقاد ضمنيّ للفنّ الأكاديميّ الذي كان يميّز الصالون الرسميّ.
وعندما تنظر إلى تفاصيلها عن قرب سترى أنها تخلو من الألوان الأساسية اللامعة التي يستخدمها الرسّامون من نفس المدرسة عادةً. وقد وظّف الرسّام في اللوحة ألوانا ترابية فاتحة وباردة كالأخضر والأزرق والأحمر لتعميق الظلال، مع انعدام أيّ وجود للّون البنفسجيّ الذي يميّز لوحات الانطباعيين الجدد عادةً.
ومع ذلك فإن اللوحة تشعّ بالدفء والحميمية والبساطة. والاستخدام الرائع للضوء والظلّ هو نموذج للوحات أنغراند التي سبق أن وصفها زميله سيغناك بأنها قصائد من ضوء.
ومع أن هذه اللوحة لم تُعرض في حياة الرسّام، إلا أنها تمثّل نقطة تحوّل مهمّة في مساره الفنّي كرسّام. وكان قبلها قد رسم مناظر ريفية تشبه لوحات غوستاف كوربيه وجان فرانسوا ميليه مع مسحة انطباعية.
ولد شارل أنغراند في النورماندي في ابريل 1854 لأب كان يعمل مديرا لمدرسة. وبعد أن درس الرسم ليصبح معلّما، انتقل من روين إلى باريس التي رأى فيها لأوّل مرّة معرضا للوحات كميل كورو الذي يمكن رؤية تأثيره على أنغراند في لوحات الأخير المبكّرة.
ثم أصبح مدرّسا للرياضيات ليعيل نفسه في منطقة قريبة من المقاهي التي كان يؤمّها الفنّانون والكتّاب الطليعيون في باريس. وقد تقبّله هؤلاء بسرعة ضمن دائرتهم، وأصبح صديقا لفان غوخ وسورا وسيغناك وماكسيميليان لوس وهنري كروس وأوديلون ريدون. وفي عام 1884، أصبح احد الأعضاء المؤسّسين لصالون الرسّامين المستقلّين.
كان أنغراند يتمتّع بالقدرة على تحويل المناظر البسيطة إلى شعر. وقد تأثّر به فان غوخ في استخدامه للفرشاة السميكة وفي التوليف المتناظر المستوحى من الرسومات اليابانية.
لكن رغم نجاحات لوحاته التي رسمها بالأسلوب الانطباعيّ الجديد، إلا انه تخلّى عنه مع انتقاله إلى خارج باريس في عام 1896.
وقد قضى أنغراند آخر ثلاثين عاما من حياته في عزلة تامّة كان أثناءها يزاول الرسم باستخدام ألوان الباستيل التي كان صديقه سيغناك معجبا بها.
توفّي الرسّام في ابريل من عام 1926. ويمكن رؤية أعماله اليوم في عدد من المتاحف حول العالم مثل متحف كليفلاند ومتحف انديانا بوليس ومتحف المتروبوليتان.

Wednesday, August 30, 2017

لوحات عالميـة – 411

بورتريه ألمينا، ابنة آشر ورتهايمر
للفنان الأمريكي جون سنغر سارجنت، 1908

تصوير نساء أوربّيات أو أمريكيات بملابس شرقية كان موضة فنّية في أوربّا في بدايات القرن الماضي. ويبدو أن أصل هذا التقليد يعود إلى رسومات الهولنديّ فان دايك ولوحات الرسم الاستشراقيّ الفرنسيّ في القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر.
في عام 1898، طلب الثريّ الأمريكيّ آشر ورتهايمر من الرسّام جون سارجنت أن يرسم اثني عشر بورتريها لأفراد عائلته. وفي عام 1908، أكمل الرسّام تلك المهمّة وتقاضى على كلّ بورتريه حوالي مائة وعشرين ألف دولار بمعدّلات هذه الأيّام. وأصبح بعدها ورتهايمر اكبر راعٍ لسارجنت، كما ربطت بين الاثنين صداقة قويّة، وكان سارجنت يحبّ راعيه الجديد ويقدّره عاليا.
وهذه اللوحة هي آخر لوحة رسمها الفنّان لعائلة صديقه. وحدث أنها أصبحت أشهر تلك اللوحات على الإطلاق، وفيها يصوّر سارجنت ألمينا الابنة الخامسة لورتهايمر. وقد رسمها وهي ترتدي فستانا فارسيّا ابيض وعمامة تركيّة مزيّنة باللآليء، بينما تمسك بـ "سارود" وهو آلة موسيقية معروفة في مناطق شمال الهند. أي أن الفنّان مزج في البورتريه عناصر مختلفة من عدّة ثقافات شرقية.
الوشاح الخارجيّ الأبيض والأخضر، بالإضافة إلى الآلة الموسيقية، جلبهما سارجنت من محترفه حيث كان يحتفظ بهما مع الكثير من الملابس والإكسسوارات الشرقية الأخرى.
كانت ألمينا ورتهايمر في الثانية والعشرين من عمرها عندما رسمها سارجنت. وتبدو في الصورة مستمتعة بلعب دور أميرة شرقيّة. كما أن الخلفية اليهودية للمرأة تضيف طبقة أخرى من المعنى للبورتريه. إذ جرت العادة أن النساء اليهوديات غالبا ما يُضفى على صورهنّ طابع شرقيّ.
صورة سارجنت هذه لألمينا كان يُنظر إليها دائما باعتبارها مثالا على براعة الرسّام ومقدرته الفنّية. وحتى صوره الأخرى لأفراد هذه العائلة كانت تمثّل بالنسبة للكثير من النقّاد ذروة قوّة الفنّان في رسم البورتريه.
وقد أوصى ورتهايمر قبل وفاته بأن تؤول ملكية تسع من هذه اللوحات إلى متحف تيت البريطانيّ. ثم اشترى نفس المتحف اللوحة العاشرة عام 1996، بينما ذهبت اللوحتان الأخريان إلى إحدى المجموعات الفنّية الخاصّة في الولايات المتحدة.
عندما كان سارجنت يرسم صور عائلة ورتهايمر، لم يكن يُظهر أيّ بوادر إعجاب أو نقد. كان ينظر إلى كلّ منهم بعين الملاحظ البارد ثم ينقل ملامحهم إلى رقعة الرسم. وقد بدأ برسم الأب فالأمّ ثم الباقين.
رسم سارجنت في حياته حوالي تسعمائة لوحة زيتية وأكثر من ألف لوحة بالألوان المائيّة. وبعض أعظم انجازاته كانت لوحاته المائيّة التي تتّسم بشفافيتها ولمعانها وتنفيذها الرائع. وقد رسم معظمها أثناء رحلاته إلى ايطاليا واسبانيا.
ورغم انه رسم نساءً أكثر من الرجال، إلا أن احد انجازاته الكبيرة كانت رسمه للورد ريبلزديل . كما رسم صورة لدوقة ديفونشاير و دوقة ساذرلاند ولعشرات النساء الأخريات بنفس الأسلوب الأنيق والرائع. ولا يمكن أيضا إغفال بورتريهاته الجماعية ومن أشهرها عائلة مارلبورو والأخوات ويندهام .
كان سارجنت يُلقّب في حياته بموزارت الرسّامين. وكان العبقريّ الذي دفعت براعته الرسّامين المنافسين لكراهيّته وإضمار الحسد له. وفي عام 1907 كان أكثر رسّام يسعى الناس وتجّار الفنّ وراء بورتريهاته. وكان وقتها قد قرّر أن يتوقّف عن رسم البورتريه نهائيّا.
وسارجنت لم يعش أبدا في وطنه الأمّ أمريكا، بل لم يرها إلى أن بلغ السادسة عشرة من عمره. ورغم ترحاله الطويل في أوربّا، لم يساوره يوما شعور بأنه ينتمي إلى وطن بعينه.
كان صديقا للعديد من الشخصيات الفنّية والأدبية بمن فيهم اوسكار وايلد الذي امتدّت صداقته معه إلى أن اعتُقل الأخير عام 1895. وهو لم يتزوّج أبدا لأنه كان على ما يبدو منشغلا كليّا بعمله.
توفّي جون سارجنت في ابريل من عام 1925 بعد إصابته بنوبة قلبية بينما كان نائما في شقّته في لندن حيث كان يقيم. وبعد رحيله بعشر سنوات عانت لوحاته من الإهمال والنسيان عندما ظهر الرسم التجريديّ.
لكن هذه الأيّام بُعثت أعماله من جديد وأصبحت تحظى بالتقدير المتزايد في أوساط النقّاد والجمهور على السواء.

Saturday, August 26, 2017

لوحات عالميـة – 410

على الشـاطئ في تروفيـل
للفنان الفرنسي اوجيـن بُـودان، 1887

كان اوجين بُودان أوّل رسّام فرنسيّ يرسم في الطبيعة المفتوحة. وقد لعب دورا مهمّا في ظهور الانطباعية. كما علمّ كلود مونيه الذي اعترف بفضله عليه في ما بعد عندما قال: إذا كنت قد أصبحت رسّاما ذا شأن فإني أدين بذلك لأوجين بُودان وليس لأيّ شخص آخر. بفضله فتحت عينيّ على الطبيعة وفهمتها وتعلّمت في نفس الوقت أن احبّها".
كان بُودان رسّام النورماندي في سنوات ما قبل مونيه. كما أنه يُعتبر الزعيم الروحيّ لانطباعية شاطئ البحر. وهو مشهور خاصةً بلوحاته التي رسمها لشواطئ النورماندي في أواخر القرن التاسع عشر. وقد رسم تلك الشطآن مرّات عديدة كي يلفت الأنظار إلى التغيير الجديد المتمثّل في ازدهار السياحة النهرية والذي لم تكن تعرفه الأجيال السابقة. ووفّر له توافد السيّاح والمصطافين على المنطقة فرصة لمزج الطبيعة بالحياة اليومية.
وفكرة بُودان الأساسية، شأن كلّ الرسّامين الانطباعيين، كانت تصوير التفاعل المتبادل والسريع بين الضوء والظلّ وتأثيرهما على الماء والغيوم.
في الكرّاس الخاصّ بصالون عام 1869، كتب احد النقّاد يقول إن بُودان ابتكر نوعا جديدا من رسم البحر برسمه الشواطئ وأفراد الطبقة الرفيعة الذين يجتذبهم الصيف إلى المنتجعات السياحية.
وخلال أكثر من ثلاثين عاما، رسم لتلك الشواطئ حوالي ثلاثمائة لوحة، وكانت أعماله تحظى بشعبية كبيرة لدى النقّاد والمهتمّين بالرسم عموما.
في هذه اللوحة التي تغلب عليها الألوان الترابية وتدرّجاتها، يرسم بُودان منظرا للشاطئ في تروفيل، وهي منتجع صيفيّ اعتاد أغنياء المدينة المجيء إليه للاستمتاع بوقت العطلة ولمزاولة السباحة والتمتّع بمرأى وهواء البحر.
الأشخاص في اللوحة، وكلّهم نساء، لم يُعطَوا اهتماما كبيرا، فقط وجوههم هي الظاهرة، مع أن الملامح أشبه ما تكون بأقنعة الطلاء أو البقع اللونية الصغيرة. والتركيز هو على البحر والضوء والسماء وعلى الطقس والرياح.
أيضا هناك تركيز على ملابس النساء السوداء والحمراء والصفراء والبيضاء التي تتباين في ألوانها الساطعة مع الألوان الشاحبة للسماء التي تتغيّر مع حالات الطقس المتغيّرة. ومن اللافت أن الفنّان اختار أن يرسم المنظر من زاوية منخفضة لدرجة أن البحر في الخلفية لا يكاد يُرى.
المعروف أن منطقة النورماندي ارتبطت بشكل وثيق بالحركة الانطباعية بمثل ما ارتبطت بروفانس بكلّ من فان غوخ وغوغان. وقد بدأ بُودان الرسم في المنطقة اعتبارا من عام 1862. كان يرسم بسرعة في الهواء الطلق، ومعظم مناظره تصور نساءً ورجالا يمشون على الشاطئ أو يتفرّجون على القوارب المارّة في الخليج.
ولد اوجين بُودان في اونفلير في يوليو عام 1824. ولأن والده كان يعمل في البحر، فقد اشتغل الابن في صباه على قارب بخاريّ ثم عمل في محل لبيع إطارات الصور.
وفي ذلك المحلّ تعرّف على لوحات الرسّامين الذين كان يقابلهم مثل جان فرانسوا ميليه وتوما كوتور وغيرهما. وقد شجّعوه على دراسة الرسم، لذا ذهب إلى باريس للدراسة، وتأثّر في بداياته بأعمال الهولنديين الأوائل، وخاصّة يوهان يونكند الذي كان يعمل وقتها في باريس وترك بصمته على أوساط الرسم فيها.
وكان الشاعر بودلير أوّل من أشاد بموهبة بُودان عندما عرض أولى لوحاته في الصالون. وفي مرحلة تالية سافر إلى بلجيكا وفينيسيا كي يطّلع على أعمال كبار الرسّامين الفلمنكيين والايطاليين.
في أواخر حياته، عاد بُودان إلى منزله في دوفيل في جنوب فرنسا بعد أن داهمه المرض. وبقي هناك إلى أن توفّي في أغسطس من عام 1898 بالقرب من مياه القنال وتحت السماء التي طالما رسمها في لوحاته.

Monday, August 21, 2017

لوحات عالميـة – 409

بورتـريه إميـل زولا
للفنان الفرنسي إدوار مانيه، 1868

كان إميل زولا كاتبا متنفّذا في زمانه. وقد أولى الكثير من الاهتمام للتغييرات الاجتماعية التي جلبها العصر الصناعيّ في بداية عهد الإمبراطورية الثانية في فرنسا.
كما كان معروفا بكتاباته في النقد الفنّي وبقربه من الرسّامين الحداثيين، وخاصّة الذين كانت تُرفض أعمالهم من قبل المؤسّسة الرسمية والنقّاد التقليديين.
وكان قد اصدر للتوّ روايته المسمّاة "تيريز راكون" التي تناول فيها قصّة حبّ بين زوجة عامل في السكك الحديد ورسّام يُدعى لوران.
وفي تلك الفترة أيضا، اصدر زولا كتيّباً امتدح فيه الرسّام إدوار مانيه الذي رفضه النقّاد، كما تنبّأ له بأن يصبح احد اكبر الرسّامين في المستقبل وبأن لوحاته ستحتفظ بمكان خاصّ في متحف اللوفر.
كان الاثنان، زولا ومانيه، صديقين منذ الصغر وكان مانيه يتعرّض في ذلك الوقت للنقد الشديد في دوائر الفنّ الباريسي بسبب تجاهله لتقاليد الرسم السائدة آنذاك. لكن وقوف زولا إلى جانبه ودعمه القويّ له منحه دفعة معنوية كبيرة وحفّزه على الاستمرار في عمله.
ولكي يردّ مانيه لزولا الجميل، رسم له هذا البورتريه الواقعيّ الذي حشد فيه أشياء مختلفة تشير إلى سمات شخصية زولا وميوله ووظيفته وذوقه.
كان زولا وقتها الروائيّ الصاعد والمدافع العنيد عن الانطباعية، وكان عمره في ذلك الحين لا يتجاوز السادسة والعشرين. وهو يظهر في الصورة ناظرا إلى البعيد ومستغرقا في التفكير بينما يمسك بيده كتاب "تاريخ الرسم" لشارل بلانك، كشاهد على اهتمامه بالفنون والآداب.
وعلى الطاولة التي يجلس إليها، هناك محبرة وقلم ريشيّ ومجموعة من الكتب يبرز من بينها بروشور غلافه اخضر، وهو نفسه الذي ضمّنه زولا كلمات إطراء لمانيه.
وعلى الجدار الخلفيّ للمكتب، يظهر عدد من المقتنيات الفنّية منها نسخة مصغّرة من لوحة مانيه الإشكالية أوليمبيا التي رسمها عام 1863، ونسخة من لوحة انتصار باخوس لدييغو فيلاسكيز والتي تشير إلى إعجاب زولا ومانيه بالفنّ الاسباني. وكان مانيه قد رأى لوحة فيلاسكيز الأصلية قبل ذلك بعام أثناء زيارة له إلى متحف برادو في مدريد.
وعلى الجدار أيضا، تظهر لوحة يابانية مشهورة اسمها المصارع للرسّام اوتاغاوا كونياكي. وفي الجانب الأيسر من الجدار، هناك أيضا لوحة يابانية أخرى منقوشة على الخشب من القرن التاسع عشر.
في تلك الفترة، كان الاهتمام بالفنّ الياباني في ازدياد وكان كلّ من زولا ومانيه معجبَين به كثيرا. وبشكل عام كان الأوربّيون مفتونين بالثقافة اليابانية التي كانت محجوبة عنهم وبدءوا للتوّ يتعرّفون عليها بعد أن فتحت اليابان أبوابها أمام الغرب ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر بعد عزلة دامت مائتي عام.
استخدم مانيه في هذه اللوحة ألوانا محدّدة هي الأصفر والبنّي مع شيء من الأخضر الخفيف كي يضيف إلى جوّها إحساسا بالحيوية والتلقائية. والأنماط الصفراء على الكرسي تبدو في حالة تناغم مع الأشياء الموضوعة فوق الطاولة.
كما أن هناك حالة من التوازن بين الألوان الخفيفة والداكنة في اللوحة. والضوء يسقط على وجه الشخصية وعلى صفحات الكتاب المفتوح أمامه تاركا الجدار الخلفيّ في الظلّ.
زولا يبدو في الصورة متحفّظا وثابتا كتمثال، بينما يحدّق في البعيد، وملامح وجهه ووضعية يديه تضفي عليه مظهرا من الهدوء والوقار.
ومن الواضح أن البورتريه يكرّس علاقة الوفاء والصداقة التي ربطت بين شخصين كان كلّ منهما يطمح لتحقيق قدر من النجاح والشهرة. وواضح أيضا أن البورتريه يعطينا لمحة عن الجوهر الداخليّ لزولا وعن اهتماماته وشخصيّته.
كان زولا داعما كبيرا لصديقه مانيه ولطالما أشاد بموهبته وأصالة فنّه. وقد قال عنه ذات مرّة انه ساير ميوله الخاصّة في الرؤية والفهم وبدأ يرسم بطريقة مخالفة للقواعد المقدّسة التي تُعلَّم في المدارس، ومن هنا استطاع أن ينتج فنّا مبتكرا وأصيلا".
وهذا البورتريه قد لا يكون احتفاءً من رسّام بصديقه الناقد بقدر ما هو إضاءة على العالم الجديد الذي أصبحت فيه حياة الفنّانين ثريّة بفضل سهولة وسرعة وصولهم إلى الإصدارات الأدبية والفنّية والمنشورات والمجلات والكتب.
ومع ذلك لم يكن زولا راضيا تماما عن البورتريه بدليل انه قام بتعليقه، ليس في صالون البيت كما كان يُفترَض، وإنّما في ركن متوارٍ قرب الباب الخارجيّ لشقّته.
كما استقبلت الصحف اللوحة بفتور، وعلّق عليها احد النقّاد بقوله: لقد رسم مانيه الكاهنَ الأكبر لشلّة كارهي الطبيعة "يقصد زولا" باكسسوارات غريبة وبنطال يمكن أن يكون مصنوعا من أيّ شيء عدا القماش". أما الرسّام اوديلون ريدون فقد وصفها ساخرا بأنها "لوحة حياة صامتة أكثر منها تعبيرا عن شخصيّة إنسان".

Thursday, August 17, 2017

لوحات عالميـة – 408

امـرأة مع زهـرة قرنفـل
للفنان الهولندي رمبـرانــدت، 1660

قال احد النقّاد ذات مرّة: أحيانا أحبّ رمبراندت، وأحيانا أريد أن أركله! أن تحاول الدخول إلى عقل هذا الرسّام كي تعرف ما الذي كان يحاول فعله هو نوع من التحدّي والتجربة الرائعة".
لكن ما من شكّ في أن رمبراندت يُعتبَر بنظر الكثيرين أعظم رسّام هولنديّ على مرّ العصور وأحد أشهر الرسّامين في تاريخ الفنّ الأوربّي والعالميّ. ولم يكن من قبيل المصادفة أن الزمن الذي عاش فيه سُمّي بالعصر الذهبيّ للرّسم الهولنديّ.
لم يكن رمبراندت بطبيعته ميّالا إلى التنظير. ولم تكن تشغله فكرة النبل التي كانت مهمّة جدّا في حياة بعض الرسّامين مثل الاسبانيّ دييغو فيلاسكيز والهولنديّ بيتر بول روبنز. كما لم يكن يشعر بأن عليه أن يجعل شخوصه الذين كان يرسمهم في لوحاته يبدون نبلاء أو كاملين. لذا اعتُبر ثاني رائد للواقعية بعد كارافاجيو.
وقد أتى من طبقة بسيطة في هولندا، فأبوه كان طحّانا وأمّه ابنة خبّاز. وكان ثاني اكبر إخوته العشرة. وعلى الرغم من كثرة أعباء والتزامات والديه، إلا أنهما أرسلاه إلى مدرسة مرموقة لدراسة التاريخ والأدب الكلاسيكيّ.
وكان رمبراندت متماهيا مع الناس البسطاء الذين كان يعرف انه جاء من وسطهم. وكانت أيّام عمله مزدحمة بالناس وبالتلاميذ والمساعدين، لأنه كان بحاجة ماسّة إلى وقتهم ومالهم. وفي أوج شهرته كان لديه أكثر من ثلاثين تلميذا يعملون معه ويعلّمهم.
هذه اللوحة "امرأة مع زهرة قرنفل" رسمها رمبراندت في أواخر حياته، وصوّر فيها اليزابيث ديليفت زوجة بيتر هارنغ الذي كان محاميا في مدينة اوتريخت وتاجر عقارات في أمستردام. وهارنغ هو نفس الرجل الذي يظهر في لوحة رمبراندت الأخرى بعنوان رجل مع زجاج مكبّر (1660).
مجوهرات المرأة في اللوحة تبدو غريبة، كما أن لباسها قديم. وعلى الرغم من كثرة الزينة التي ترتديها، إلا أن العين تنجذب أكثر إلى الزهرة الجميلة التي تمسك بها، وهي زهرة القرنفل التي عادةً ما ترمز للحبّ والزواج.
ولا بدّ وأن زوجها، أي هارنغ، بحكم كونه تاجرا، كان يتعامل مع الأعمال الفنّية والمجوهرات والأقمشة. والصورة التي يظهر جانب منها في خلفية اللوحة، بالإضافة إلى نوعية لباس المرأة، تؤكّد ارتباط الزوجين بالسلع الغالية والمرفّهة.
كان رمبراندت كثيرا ما يأخذ الأشياء البسيطة إلى نهاياتها. وبورتريهاته كانت تمنح زبائنه ما يريدونه، أي التصوير الحقيقيّ، لكنه يحوّله إلى بحث متسامٍ في الشخصية. كما كان يوظّف معرفته العميقة بالتاريخ ويمزجها برسوماته، موسّعاً انجازات الرسّامين الذين سبقوه.
كان العديد من الرسّامين الهولنديين قد ذهبوا إلى روما وأحضروا معهم تأثيرات كارافاجيو في إظهار التفاعل الدراماتيكيّ بين الضوء والظلّ ووظّفوها في أعمالهم.
لكن رمبراندت لم يفعل، بل مزج تقنيات كارافاجيو بالأساليب الأكثر نعومة لتيشيان وجورجيوني، خالقاً أجواءً مشعّة من الألوان الذهبية والبنّية والبرونزية والسوداء.
وكان يعبّر عن الحركة غالبا بضربات الفرشاة السريعة والفضفاضة. ولوحاته تتضمّن الكثير من الانفعالات والعمق السيكولوجيّ.
وعندما توفّي، كان قد رسم حوالي ثلاثمائة لوحة تتناول مواضيع شتّى. وقد أنجز بعض أفضل أعماله، مثل هذه اللوحة، في نهايات حياته.
في ذلك الوقت، كان رمبراندت قد ترمّل وأفلس بعد أن انفق كلّ ما يملك لشراء منزل مكلّف في أمستردام. ثم أحسّ بالعار بعد أن وُلد له ابن غير شرعيّ. وعندما أنهكته الديون، أقفل محترفه بينما بدأ الرعاة والتلاميذ ينظرون في اتجاهات أخرى. لكنه لم يستسلم ولم يغيّر أسلوبه، بل استمرّ يعمل حتى وفاته كي يتمكّن من دفع ديونه المتراكمة.
وفي آخر أربع سنوات من حياته، كان مجده قد أفل بالنسبة للعديد من الهولنديين وأصبح سحره خارج الموضة مع تغيّر الأذواق وميل الجمهور أكثر إلى الأسلوب الفلمنكيّ الناعم.

Friday, August 11, 2017

لوحات عالميـة – 407

امرأتـان فـي نـافـذة
للفنان الاسباني بـارتولـومي مـوريللـو ، 1660

يعكس فنّ بارتولومي موريللو معرفته الواسعة بالعديد من الأساليب الفنّية وثقافته المتنوّعة التي أهّلته لأن يكون رمزا لرسم عصر الباروك الاسبانيّ.
قضى موريللو حياته كلّها تقريبا في مدينته اشبيلية، مع انه زار البلاط الملكيّ في مدريد مرّة واحدة على الأقلّ. ووجوده في اشبيلية عزّز مكانة هذه المدينة كحاضنة للفنّ والإبداع. وفي أيّامه، كان سوق لوحاته كبيرا ومربحا لدرجة أن ملك اسبانيا رفض أن يسمح بأن تغادر رسوماته إلى خارج البلاد.
وغالبا كان موريللو مهتمّا برسم الجوانب المشرقة والخفيفة من الحياة، من خلال أشكاله الناعمة وألوانه الغنيّة وفرشاته الفضفاضة.
وحتى صوره الدينية لكهّان وقساوسة لا تبدو متجهّمة أو مليئة بغضب الربّ كما هي لوحات غيره، بل تُظهر التسامح والمحبّة التي تخلع على الشخوص طابعا من الجمال والتسامي.
وعندما تتأمّل بعض أعماله تحسّ أنها مليئة بالقصص والحكايات، كما أنها عن بشر حقيقيين وليسوا من نسج خيال الرسّام.
رسم موريللو عددا من اللوحات الدينية للكنائس والأديرة ولعدد من رعاته وأصحاب المجموعات الفنّية الخاصّة. ورغم كثرة أعماله الدينية، إلا انه رسم أيضا عددا من اللوحات التي تصوّر فلاحين وأنشطة مختلفة من الحياة اليومية.
ومن أشهر أعمال الرسّام هذه اللوحة التي تبرهن على اهتمامه بتصوير حياة الناس وعلى براعته في استخدام الألوان والضوء والظلّ.
واللوحة تصوّر امرأتين تطلان من نافذة كبيرة في احد البيوت. وليس هناك في الصورة ما يشير إلى ماذا تنظران، أي أن الرسّام ترك للناظر حرّية أن يتخيّل ما الذي يحدث في الخارج.
ملامح المرأة الشابّة تنطق بالبراءة، ويُرجّح أنها تنتمي إلى الطبقة الاجتماعية الرفيعة. أما المرأة الكبيرة التي تغطّي فمها فيُحتمل أنها خادمتها، وهذا كان أمرا شائعا في الطبقات الغنيّة.
المنظر نفسه ينطوي على شيء من الحميمية والسعادة وروح المرح. وتغطية الوجه أثناء الضحك كان جزءا من ايتيكيت الارستقراطية الاسبانية في ذلك الوقت.
من اللافت أن الرسّام استخدم نافذة مفتوحة كإطار للمنظر، وفي هذا محاكاة للرسم الهولنديّ. ومن المهمّ أن نلاحظ أيضا أن المرأتين رُسمتا بحجمهما الطبيعيّ ونفّذ الفنّان ذلك براعة ودقّة.
بورتريهات موريللو المفعمة بالحياة والتي صوّر فيها فتيات يبعن الأزهار وشوارع ومتسوّلين تشكّل سجلا جذّابا ومكثّفا عن الحياة اليومية في عصره. وبسبب تلك النوعية من اللوحات التي تصوّر فئات من الطبقة المتدنّية، أصبح له معجبون كثر خارج اسبانيا.
ولد بارتولومي موريللو في ديسمبر عام 1617. كان اصغر إخوته الأربعة عشر. وقد توفّي والده وهو صغير فتولّى عمه رعايته. وبدأ دراسة الرسم على يد خوان كاستيللو الذي عرّفه على الرسم الهولنديّ وكلّفه باستنساخ بعض أعمال روبنز وفان دايك.
تأثّر موريللو في لوحاته المبكّرة بالرسّامين الإسبان العظام من أمثال زورباران وريبيرا. ويُحتمل انه رأى بعضا من لوحات فيلاسكيز عندما انتقل للعيش في مدريد عام 1642.
وقد تمتّع الرسّام بشهرة واسعة في عموم أوربّا، وقيل إن شهرته في بعض الأحيان كانت تغطّي على تلك التي لفيلاسكيز. كما كان له تأثير كبير على رسّامي المستعمرات الاسبانية في الأمريكتين. وفي عام 1660 عُيّن رئيسا لأكاديمية اشبيلية للرسم.
كانت آخر لوحة رسمها موريللو الزواج الغامض لسانت كاثرين ، وكان مفترضا أن تُعلّق اللوحة في دير بمدينة قادش. لكن بينما كان يعمل على المشروع، زلّت قدمه من أعلى سلّم، ومات متأثّرا بإصابته بعد بضعة أشهر.
في بداية القرن التاسع عشر اختفى اسم موريللو من التداول أو كاد، بسبب تغيّر أذواق الناس وانصرافهم عن الأعمال التعبيرية والعاطفية، وتحوُّل الاهتمام إلى لوحات مواطنَيه دييغو فيلاسكيز وإل غريكو، مع انه لم يكن هناك شكّ في مدى براعته وأصالة موهبته في الرسم.

Sunday, August 06, 2017

لوحات عالميـة – 406

قافلـة فـي الصحـراء
للفنان السويسري اوجيـن جيـرارديه، 1894

تكثر صور القوافل في الرّسم الاستشراقي. وبدايةً، أصل كلمة قافلة فارسيّ "كارافان"، وتعني جماعة من الناس الذين يسافرون في الصحراء، غالبا لمهامّ تجارية.
وقد اعتاد الناس منذ القدم السفر في جماعات وذلك لأغراض الدفاع عن النفس في وجه العصابات وقطّاع الطرق. ومن أجل القوافل كانت تُنشأ محطّات خاصّة على طول الطريق للتزوّد بالماء اللازم للبشر والحيوانات ولأغراض الغسيل وغير ذلك.
وما تزال القوافل تُستخدم إلى اليوم في الأماكن الأقلّ نموّا في العالم، مثل الأطراف الجنوبية للصحراء الكبرى وفي بعض أنحاء آسيا وأفريقيا.
في هذه اللوحة، يرسم الفنّان اوجين جيرارديه أفراد قبيلة من الأمازيغ مع قافلتهم من الجمال والخيول والماشية وهم يجتازون الصحراء سالكين مسار وادٍ جافّ يُفترَض انه سينقلهم إلى المعسكر التالي.
المنظر مرسوم بأسلوب شديد الواقعية مع ألوان لامعة. والظلال تغطّي المقدّمة بينما يسطع ضوء الشمس في الخلفية مضيئا ذرّات الغبار الذي تثيره الدوابّ أثناء حركتها. ألوان السماء تبدو حالمة، وهي تضفي على الصورة شيئا من الرقة والنعومة مقابل الأرض الوعرة والقاسية تحت.
ويمكن اعتبار اللوحة احتفالا بحياة البدو المتقشّفة والبسيطة وبكرامة ونبل رجال ونساء القبيلة المكتفين بما عندهم والمترحّلين دوما عبر دروب الصحراء بحثا عن الماء والكلأ.
كان جيرارديه متأثّرا كثيرا بسحر ألوان شمال أفريقيا. ومثل الرسّامين الذين سبقوه إلى هناك، كان توّاقا لرؤية المدن الغرائبية والواحات البعيدة. وكانت تداعب مخيّلته الصور الرومانسيّة عن أشجار النخيل ومناظر الغروب والقوافل التي تعبر الصحراء.
كما كان يتطلّع لاستكشاف ثقافات لم يمسسها الاستعمار الأوربّي تشبه الثقافات التي أغرت من قبل بعض زملائه بالذهاب إلى مقاطعة بريتاني للبحث عن جزء من فرنسا لم تمتدّ إليه يد العمران والحضارة بعد.
كان حبّ السفر والترحال متأصّلا في نفس الرسّام منذ أن كان طفلا بسبب القصص الغريبة التي كان يرويها له عمّه الذي كان قد سافر إلى مصر ووالده الذي سبق أن رسم جانبا من حرب استقلال الجزائر عن فرنسا.
وقد شجّعه معلّمه الرسّام جان ليون جيروم على أن يمشي على خطاه، فزار أوّلا بلاد المشرق واطّلع على ثقافتها ورسم طبيعتها. وفي عام 1874 قام بزيارة إلى كلّ من اسبانيا والمغرب واطّلع على ثقافة البلدين وعاداتهما وتقاليدهما وأعجب كثيرا بمظاهر الحياة فيهما.
بعد ذلك ذهب جيرارديه إلى الجزائر، حيث زار واحات الجنوب مثل بسكرة والقنطرة. كما زار واحة بوسعادة التي قابل فيها مواطنه الرسّام ايتيان دينيه الذي كان قد سبقه إلى هناك واختار أن يقيم في الجزائر بصفة دائمة.
كان دينيه هو الآخر مفتونا برسم الحدود الحرّة والبعيدة للطبيعة الصحراوية. وقد اعتنق الإسلام بعد أن عاش سنوات عديدة مع السكّان المحليّين الذين طالما رسمهم في لوحاته.
أثناء إقامته في الجزائر، رسم جيرارديه بعض ما رآه فيها من مظاهر الحياة اليومية، مثل القوافل وقطعان الماشية والصلاة في الصحراء والمقاهي الشعبية وخلافه.
وفي كلّ أعماله ظلّ متأثّرا بالتقاليد الأكاديمية للرسم التي كانت سائدة في زمانه. ومع ذلك كان في الغالب يركّز على ما يراه هو لا على ما كان الرسم الأكاديميّ يريد منه أن يراه.
ولد اوجين جيرارديه في باريس في مايو عام 1853 لعائلة فنّية سويسرية الأصل، وكان العديد من أسلافه يشتغلون بالرسم ومنه يكسبون رزقهم.
وقد تعلّم الفنّان الرسم منذ صغره وظهرت موهبته مبكّرا، إذ بدأ يبيع رسوماته بعد بلوغه السابعة عشرة. ثم تلقّى تعليما رسميّا في معهد الفنون الجميلة في باريس بتوجيهات أستاذه جيروم الذي كان جيرارديه مفتونا كثيرا بمناظره عن الحياة في الشرق.
وخلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، واصل الفنّان رحلاته إلى بلاد الشرق، فزار كلا من مصر وفلسطين ورسم فيهما العديد من لوحاته.
وفي تلك الأثناء بدأ يَظهِر في لوحاته تأثّره بالانطباعيين، من قبيل توظيفه للفرشاة الفضفاضة وإبدائه اهتماما متزايدا بتأثيرات الضوء والظلّ.

Monday, July 31, 2017

لوحات عالميـة – 405

الحـلـم
للفنان الإسباني بابلـو بيكـاسـو، 1932

رسم بابلو بيكاسو هذه اللوحة وهو في سنّ الخمسين. وفي تلك الفترة أنجز بعض أفضل صوره، من البورتريهات المشبعة باللون إلى الرسومات السوريالية، بينما كان منهمكا في حياته الخاصّة والمعقّدة.
واللوحة تنتمي إلى مرحلة الرسومات المشوّهة بخطوطها المبسّطة وألوانها المتباينة التي تشبه بدايات الوحوشية. ويقال أن بيكاسو رسمها في ظهيرة يوم واحد.
المرأة الظاهرة في اللوحة هي الأمريكية ميري تيريز والتر التي كان بيكاسو قد التقاها عام 1927 في باريس. كانت هي في سنّ الثامنة عشرة وهو في الخامسة والأربعين. وقد ربطتهما فورا علاقة عاطفية، ثم أصبحت ملهمته الأكثر شهرة وموضوعا لعدد من أهمّ لوحاته وتماثيله.
والتر تبدو في الصورة نائمة على كرسيّ، بينما يميل رأسها إلى طرف، وجزء من صدرها مكشوف وعلى شفتيها ابتسامة. وثمّة احتمال بأنها ربّما كانت تحلم بحبيبها الأكبر سنّا، أي بيكاسو، وهو الذي يشغل عقلها ويجعلها تبتسم.
الأسلوب الذي رسم به بيكاسو اللوحة قريب من الوحوشية التي كانت تستخدم ألوانا شديدة التباين. ورغم أنه اتّبع في رسمها أسلوبا مبسّطا جدّا، إلا أن الإحساس فيها رائع والتوليف والألوان وحتى التباينات ناعمة.
قيل في بعض الأحيان أن بيكاسو لم يكن يرى في والتر سوى أداة لتفريغ عواطفه، إذ لم تكن مكافئة له ولا زوجة ولا حتى صديقة، بل كانت مجرّد دمية ومصدرا لإشباع رغبة رسّام في منتصف عمره.
و"الحلم" ليست أفضل لوحاته، فهناك من بين أعماله من المرحلة الزرقاء ما هو أفضل منها بكثير. لكن هذه اللوحة أصبحت مشهورة جدّا عندما اشتراها قبل أربع سنوات ثريّ أمريكيّ يُدعى ستيفن كوهين بمبلغ مائة وخمسة وخمسين مليون دولار أمريكي، مسجّلة أعلى رقم بيعت به لوحة لبيكاسو حتى اليوم.
وقد ابتاعها كوهين من مالكها القديم ستيف وين، وكلا الرجلين متخصّصان في جمع واقتناء الأعمال الفنّية. وكان وين يعاني من اختلال في العين يؤثّر على نظره وعلى تفاعله مع الأشياء القريبة منه. وذات يوم، في عام 2006، دعا بعض أصدقائه إلى بيته ليطلعهم على اللوحة بعد يوم واحد من موافقته على بيعها لكوهين.
وبينما كان يشرحها لهم بفخر، أخذ خطوة إلى الوراء ثم حرّك يده اليمنى لاإراديا فاخترق كوعه اللوحة مُحدِثا فيها ثقبا ناحية الذراع الأماميّ للمرأة.
وقال وين وقتها معلّقا على ما حدث: لقد استغرق الأمر خمس ساعات من بيكاسو لرسمها وسنصلحها بأسرع وقت ممكن". وقد كلّف إصلاح الثقب تسعين ألف جنيه استرليني وثمانية أسابيع عمل.
إرث بيكاسو ضخم والجدل حول شخصيّته كبير، لدرجة أن تلك الحادثة لم تمنع الناس من النظر إلى اللوحة كقيمة فنّية.
أما كوهين، الذي بدأ جمع الأعمال الفنّية ابتداءً من عام 2001، فيمتلك مجموعة تزيد قيمتها على البليون دولار وتتضمّن لوحات لفان غوخ وإدوار مانيه ودي كوننغ.
وقد تغيّرت ذائقته من الانطباعية إلى الفنّ الحديث. وكان قد اشترى إحدى لوحات مونيه ثم باعها في وقت لاحق.
و"الحلم" ليست أغلى لوحة في العالم، ففي عام 2011 اشترت شخصية من قطر لوحة لاعبو الورق لـ بول سيزان بأكثر من مائتين وخمسين مليون دولار.
في عام 1935، ولد لبيكاسو من ميري تيريز والتر ابنة أسمياها مايا. وبعد أن علمت زوجته الروسية اولغا كوكلوفا بالخبر، قرّرت هجره والانتقال إلى جنوب فرنسا. ثم لم تلبث أن طلبت الطلاق. لكنه رفض تطليقها؛ ليس لأنه يحبّها، وإنما لأن قانون الأحوال الشخصية في فرنسا يُلزمه بأن يتقاسم ثروته معها.
ولم يشعر الرسّام بالارتياح إلا بعد وفاة اولغا عام 1955، أي عندما أصبحت ممتلكاته في أمان. أما ميري والتر فقد عانت من إهمال بيكاسو لها بعد أن أصبحت أمّا. لكنه ظلّ على اتصال بها وبابنتهما واستمرّ في دعمهما ماليّا، لكنهم لم يعودوا يعيشون كأسرة واحدة.
وبعد فترة، قابل دورا مار؛ المرأة التي أبطلت رسميّا أيّ دور لميري والتر في حياة بيكاسو. وفي عام 1977، أي بعد أربع سنوات من وفاة بيكاسو، شنقت ميري نفسها في منزلها في جنوب فرنسا وتوفّيت عن ثمانية وستّين عاما.

Tuesday, July 25, 2017

لوحات عالميـة – 404

بورتريه جـورج جيـزي
للفنان الألماني هانـز هـولبـين الإبن، 1532

كان هانز هولبين الإبن واحدا من أربعة رسّامين كانوا الأكثر شهرة في ألمانيا خلال عصر النهضة، وبالتحديد في القرن السادس عشر. والثلاثة الآخرون هم ماتياس غرونفالد وألبيرت ديورر ولوكاس كاراناك.
وقد سيطر هولبين في زمانه على رسم البورتريه في انجلترا وسويسرا، وبذا أكّد مكانته كخليفة لفان ايك وبيتروس كريستوس.
تعلّم هولبين الرسم في ورشة والده في اوغسبيرغ، وقضى معظم سنوات مهنته يعمل في بازل كرسّام جداريات ومواضيع دينية وكمصمّم للزجاج ورسّام للكتب.
لكن عندما جرّب رسم البورتريه أصبح أيقونة ثقافية ونال الكثير من الثناء على العديد من لوحاته الناجحة.
كان في أسلوبه شيء من سمات العصر القوطيّ المتأخّر، لكنه تأثّر تدريجيا بالاتجاهات الفنّية التي ظهرت في ايطاليا وانجلترا وفرنسا وهولندا، وكذلك بالأفكار الإنسانية لعصر النهضة.
رسم هولبين هذا البورتريه في لندن لجورج جيزي الذي كان تاجرا معروفا تعود أصوله إلى مدينة دانزيغ الألمانية. وكان جيزي عضوا في رابطة تضمّ مجموعة من تجّار أوربّا الكبار العاملين في تجارة السفن وشحن البضائع عبر القارّة.
كان التاجر في سنّ الرابعة والثلاثين عندما كلّف هولبين بأن يرسم له هذا البورتريه، ويظهر فيه جالسا في مكتبه بلندن وسط أشياء عديدة تدلّ على مهنته ومكانته.
على الطاولة التي أمامه، نرى أدوات كتابة وآنية زجاجية مع خاتم ومقصّ وعملات ذهبية. آنية الزجاج الفينيسية تحتوي على زهر القرنفل، وهو رمز قروسطيّ للخطوبة. ويُرجّح أن التاجر أراد من هذا البورتريه أن يكون تذكارا لمناسبة زواجه الوشيك.
تتضمّن اللوحة أيضا بعض الرسائل الأخلاقية من النوع الذي نراه أحيانا في لوحات الفانيتا الهولندية من القرن السابع عشر. فالأزهار الذابلة تشير إلى قصر الحياة. وعلى الجدار بجوار الميزانين إلى اليسار نلمح الشعار اللاتينيّ: لا سعادة من دون ألم".
ومن الأشياء الأخرى اللافتة في البورتريه القماش السميك فوق الطاولة والذي يحمل أنماطا تجريدية جميلة. وهنا نلمس أثر الفرشاة الفائقة التفاصيل التي ظهرت في القرن الخامس عشر على يد الرسّامين الهولنديين واستخدمها هولبين أيضا في رسم تفاصيل لباس الرجل.
نظرات التاجر حذرة وكأنه يبدي حرصه على ألا يغزو خصوصيّته احد. ويظهر أن لديه هاجسا بالتواقيع والأختام والمفاتيح، فهناك الكثير منها في اللوحة.
كما انه مهتمّ بإظهار رسائله ومكاتباته في إشارة، ربّما، إلى علاقته القويّة والمستمرّة بأسرته. كما أنه يمسك في يده برسالة كان قد تبلّغها للتوّ من أخيه مكتوب عليها عبارة باللغة الألمانية القديمة تقول: تُسلّم ليد أخي جورج في لندن".
أيضا من الأشياء التي تلفت الانتباه كثرة اللافتات التي تحمل اسم التاجر ومعلومات عن حياته. وفوق رأسه لوحة تعرّفه بالاسم وتذكر انه رُسم في عام 1532 وهو في سنّ الرابعة والثلاثين. ويتصل بهذه الجزئية وجود عقود مكتوبة باليد وفواتير وحبر.
عندما غادر هولبين لندن عائدا إلى سويسرا، كانت ثورة المصلح البروتستانتيّ مارتن لوثر في أوجها. وقد شرع أتباعه المتشددّون في تحطيم الصور والتماثيل الفنّية على أساس أنها تتناقض مع صحيح الدين.
ولسوء الحظّ كان لتلك الأفكار أثر مدمّر على الفنون. فكسدت سوق الفنّ ووجد الرسّامون، ومنهم هولبين، أنفسهم بلا عمل. لكنه أنجز في تلك الفترة واحدة من لوحاته المهمّة هي "عائلة الرسّام" التي رسم فيها وزوجته وولديه.
في مرحلة تالية، انتقلت لوحة التاجر جورج جيزي إلى مجموعة دوق اورلينز. ثم عُرضت المجموعة بأكملها في الأكاديمية الملكية بلندن عام 1793.
وبعد ذلك عُرضت للبيع بالمزاد فاشتراها ناشر سويسريّ. وبقيت اللوحة عشرين عاما في سويسرا إلى أن اشتراها تاجر فنون يُدعى ادوارد سوللي.
لكن في العام 1821 وجدت اللوحة طريقها إلى متحف برلين الذي اشتراها من صاحبها وظلّت من مقتنياته إلى اليوم.

Tuesday, July 18, 2017

لوحات عالميـة – 403

ديكور منزليّ مع امرأتين وخزانة ملابس
للفنان الهولندي بيتـر دي هـوك، 1663

عُرف عن الهولنديين منذ القدم افتتانهم برسم الصور واقتناء اللوحات الفنّية وتعليقها في بيوتهم. وكانت مداخيل نسبة كبيرة من سكّان المدن والبلدات الهولندية تسمح لهم بأن ينفقوا الفائض من دخلهم على أثاث البيوت، بما فيه الصور واللوحات الفنّية.
كان حبّهم للصور والفنون نتيجة مباشرة لارتباطهم القويّ بأرضهم وحبّهم الكبير للحياة واهتمامهم بالبيئة. ويقال أن كلّ منزل هولنديّ لم يكن يخلو من لوحة واحدة على الأقلّ، وأن ما يُقدّر بثمانية ملايين عمل فنّي أنتج هناك خلال ما عُرف بالعصر الذهبيّ للرسم الهولنديّ والذي دام حوالي مائة عام.
كان كلّ شيء في المجتمع الهولنديّ له مكانته المميّزة والخاصّة. وكانت منازلهم مثالية إلى حدّ كبير، وكانوا يحبّون أن يروا أنفسهم كمواطنين محترمين يعيشون في بيوت نظيفة ومرتّبة، وليس من الضروريّ أن تكون فخمة أو فارهة.
اهتمام الهولنديين بالبيوت وهَوَسُهم بالنظافة كان من بين العوامل المهمّة التي أدّت إلى رواج وانتشار ما عُرف بلوحات الديكور المنزليّ التي تؤكّد على أهميّة ومركزية الحياة المنزلية في ذلك العصر.
وقد ظهرت هذه النوعية من اللوحات لأوّل مرّة في هولندا في القرن السابع عشر. وبرأي بعض مؤرّخي الفنّ أنها كانت امتداد وتطوّرا لرسم المواضيع الدينيّة.
والمواضيع المفضّلة لرسّامي الديكور كانت متنوّعة، كالموسيقى والقراءة وإعداد الطعام وممارسة الحرف اليدوية وخلافها. وكانت هذه الأنشطة وغيرها تُصوَّر ضمن التفاصيل الداخلية للبيت وبما يسمح للرسّام أن ينقل في عمله فكرة عن الفضائل المنزلية ورفاهية الأسرة.
ومن أشهر من رسموا مناظر الديكور المنزليّ بيتر دي هوك الذي كان معاصرا لفيرمير. وكان الاثنان متخصّصين في رسم هذا النوع من المناظر، كما عملا في نفس المدينة، أي ديلفت.
في هذه اللوحة، يرسم دي هوك جزءا من ديكور منزل تظهر فيه إلى اليسار امرأتان تضعان ملابس غُسلت وكُويت للتوّ داخل خزانة خشبية. وطبيعة لباس كلّ من المرأتين يوفّر دليلا على دور كلّ منهما. فالمرأة إلى اليسار ترتدي معطفا ومريولا اسود، ما يوحي بأنها خادمة. وهي تتناول الملابس من المرأة الأكثر أناقة والتي يُرجّح أنها سيّدتها، أي ربّة البيت.
في زمن الرسّام، كانت مثل هذه المناظر تجسّد الفضائل والقيم المنزلية في بيوت الهولنديين. فالسيّدة التي تساعد خادمتها كانت تُعتبَر ربّة بيت مخلصة وحريصة. ومثل غيره من الرسّامين الهولنديين، كان دي هوك يحرص على إيصال مثل هذه الرسائل الأخلاقية في لوحاته.
أيضا في اللوحة يركّز الرسّام على العناصر المعمارية ويوظّف تفاصيلها، من بلاط وأثاث وشبابيك بالإضافة إلى طريقة وقوف المرأتين، ليشيّد اللوحة ويرتّب فراغاتها.
ورغم أن الصورة تفتقر للتأثيرات اللامعة والمضيئة التي اشتهر بها دي هوك، إلا أن تفاصيلها لا تخلو من سحر المظهر الواقعيّ وجمال ومثالية الرسم والتشطيب.
والديكور في اللوحة يتألّف من عدّة طبقات عبارة عن ممرّات ضيّقة وأبواب وصور ضمن صور تفصل العالم الخاصّ عن الخارجيّ.
لعبة دي هوك المفضّلة كانت تتمثّل في خلق عمق في اللوحة يسمح للممرّات بأن تلتقط جزءا من منزل على الطرف الآخر في الخلفية، من خلال نافذة مفتوحة أو باب مُشرع، مثلما فعل في هذه اللوحة.
لاحظ أيضا المتضادّات في الصورة: عالم الكبار مع عالم الطفولة، والعمل واللعب، والديكور الداخليّ والعالم الخارجيِّ.
لوحات الديكور المنزليّ توفّر فكرة عن طبيعة الحياة اليومية للناس من مختلف الطبقات في هولندا القرن السابع عشر. وبعضها عبارة عن ترجمة للأمثال والأقوال الهولندية التي كانت شائعة آنذاك وتتضمّن رسائل أخلاقية من نوع ما.
وجزء كبير من تلك اللوحات تستعرض الأنشطة اليومية لربّات البيوت، مثل قراءة أو كتابة الرسائل وأداء الموسيقى أو رعاية الأطفال وشغل الخياطة والإشراف على العمالة المنزلية.. إلى آخره.
وكان فيرمير أوّل من بدأ تقليد رسم الديكور المنزليّ. في ذلك الوقت كان اقتصاد هولندا قد بدأ في التعافي بعد انتهاء الحرب مع اسبانيا وسيصل إلى أوج ازدهاره في السنوات القليلة التالية.
في القرن العشرين، تضاءل اهتمام رسّامي الحداثة بتصوير المنازل والديكور، ربّما لأنهم كانوا يرون في الديكور الداخلي انعكاسا لحالة لزوم الناس لمنازلهم معظم الوقت خلال القرن السابع عشر وما بعده.
كان من عادة الناس وقتها أن يقفلوا أبوابهم على أنفسهم ويعيشوا لوحدهم. ولهذا السبب لم يظهر الديكور المنزليّ كثيرا في لوحات القرن الماضي. وعندما يُرسم، فإنه لا يُرسم كملاذ داخليّ، ولكن باعتباره مكانا محكوما بقوى خارجية وكصورة لعلاقة مضطربة مع العالم ومع الذّات.
وبالنسبة للفنّانين الحداثيين، ينبغي أن يكون رسم الديكور المنزليّ بيانا عن حالة الشخص الذهنية ومكانا يشيّد نفسه بنفسه، والفرد فيه موجود في عالم خاصّ به ومن صنعه.

Wednesday, July 12, 2017

لوحات عالميـة – 402

الفرسان الثلاثة
للفنان الروسي فيكتور فاسنيتسوف، 1898

للوهلة الأولى، قد لا تثير هذه اللوحة اهتمامك، وربّما ظننت أنها صورة عاديّة لثلاثة فرسان ينتظرون شيئا ما أو أنهم في طريقهم إلى مكان ما.
لكن اللوحة، وباتّفاق كثيرين، تُعتبر أشهر صورة في روسيا. وشعبيّتها لدى الروس كبيرة جدّا، بحيث لا يمكن أن تنافسها لوحة أخرى. وتأتي بعدها مباشرة من حيث الشعبية لوحة ايفان شيشكين الصّباح في غابة الصنوبر .
وموضوع اللوحة مستمدّ من ملحمة سلافية قديمة تتضمّن أساطير وقصصا ملحمية من القرون الوسطى، وتتحدّث عن فرسان روس عاشوا زمن فلاديمير الأوّل الذي كان ملكا على كييف في القرن الحادي عشر.
ومعظم بطولات هؤلاء الفرسان خيالية وتتناول قصص معاركهم مع عمالقة وحيوانات تنّين ومخلوقات أسطورية أخرى.
لكن الفرسان أنفسهم حقيقيون، وأشهرهم هؤلاء الثلاثة الذين يظهرون في اللوحة.
الأوّل في الوسط، واسمه ايليا، هو ابن فلاح صحا ذات يوم وأراد أن يفعل شيئا مفيدا. وقد اشتهر بقوّته الجسدية واستقامته.
والثاني إلى اليمين اسمه دوبرينيا، وهو ابن أمير ومشهور بذكائه وببراعته في الخطابة.
أما الفارس الثالث فاسمه ايليوشا، وهو ابن كاهن، وهو ليس فارسا فحسب، وإنما دبلوماسيّ وخطيب وموسيقيّ أيضا.
وإيليوشا هو الفارس المفضّل عند الملك فلاديمير حاكم السهوب الذي يلقّبه الناس بالشمس المشرقة.
والفرسان الثلاثة جميعهم مقاتلون شجعان وأقوياء، والفنّان لم يرسم شخصيّاتهم فقط، وإنما ميّز كلا منهم بحسب خلفيّته الاجتماعية والعائلية.
فالنسب الأميريّ لدوبرينيا، مثلا، واضح من هيئته، فسلاحه ثمين ومصنوع بعضه من الذهب. كما انه يوشّح صدره بترس من الفضّة، وغِمد سيفه مرصّع بالذهب، وحصانه مختلف عن حصاني زميليه.
أما إيليا فيأخذ هيئة الفلاحين، تفكيره عميق وحسّه متنبّه، ومغامراته البطولية تحكي عنها أشعار أشهر شعراء روسيا.
وأما إيليوشا، ابن الكاهن، فملابسه متواضعة نوعا ما. ولكونه ابن راهب، فليس من حقّه أن يرتدي الذهب.
والفرسان الثلاثة معروفون بإرادتهم القويّة وعزمهم على تحقيق النصر، وكلّ منهم يكمل ضعف الآخر ويؤدّي مهامّ مختلفة عن تلك التي يقوم بها زميلاه.
كما أنهم جميعا يحظون بمحبّة وإعجاب الناس. والفنّان لا يرسمهم في معركة أو أثناء قتال محتدم، وإنما بوضعيّة التأهّب والاستعداد لصدّ أيّ هجوم محتمل.
ورغم أن كلا من الثلاثة له مغامراته الخاصّة، إلا أنهم جميعا يدافعون عن ارض الوطن ويتعاطفون مع الفقراء ويحمون حدود روسيا من الغزاة.
ومن الواضح أن الثلاثة قطعوا مسافة طويلة قبل أن يصلوا إلى هنا، أي إلى ابعد نقطة على الحدود. والطبيعة التي وضع فيها الرسّام الفرسان بسيطة، وهي عبارة عن ارض عشبية تشبه السهل، مع أشجار وبعض التلال الخضراء.
ويُفترض أن الفرسان هم العيون الحذرة والمتيقّظة التي تحمي حدود السهوب من خطر جماعات البدو الذين دأبوا على إثارة المشاكل في تلك المناطق.
ووظيفة الفرسان هي تلقّي التقارير التي ترصد تحرّكات المتسلّلين ومن ثمّ إبلاغها للجنود الذين يكمنون في مكان ما خلفهم بين التلال.
لوحة الفرسان الثلاثة مألوفة لكلّ روسي، وقد استُنسخت في المناهج المدرسية، على أساس أنها تقدّم درسا في الوطنية يجب أن يتعلّمه كلّ تلميذ في روسيا.
كان الرسّام فيكتور فاسنيتسوف منذ طفولته يحبّ الحكايات الشعبية وقصص الملاحم الوطنية. وكان يجد أفكارا سامية ومثالية في تاريخ البلاد القديم، وكان يقدّر تلك الحكايات ويتأثّر بها. وقد أسرت رسوماته للأبطال الملحميين أجيالا متعاقبة من الروس.
بدأ فاسنيتسوف رسم هذه اللوحة عندما كان يقيم في منزل راعيه وصديقه الوجيه سافا مامونتوف. والخيول الظاهرة في اللوحة هي نماذج لخيول صديقه.
وقد اشتغل على اللوحة طوال تسعة عشر عاما، رغم أن الناظر إليها قد يظنّ انه رسمها بضربة فرشاة أو خلال ساعات على الأكثر.
ولد فاسنيتسوف لعائلة من الكهنة في إحدى قرى الريف الروسيّ. لكنه لم يصبح كاهنا كما كان يرغب والده. وقد بدأ يرسم وهو في سنّ مبكّرة. وكان لريف بلدته، بتلالها الخضراء وغاباتها الكثيفة وأنهارها وأوديتها الواسعة، وقع السحر في نفسه.
وفي مرحلة تالية، ذهب لدراسة الرسم في أكاديمية سان بطرسبورغ. وهناك تعرّف إلى ايليا ريبين وايفان كرامسكوي اللذين سيصبحان في ما بعد من أشهر رسّامي روسيا. وقد لمس أساتذة فاسنيتسوف ذكاءه وموهبته ودقّة ملاحظته فشجّعوه وساندوه.
لوحة "الفرسان الثلاثة" حصلت على وسام الشرف من متحف تريتيكوف. كما وُصفت بأنها إحدى أعظم اللوحات في تاريخ روسيا، فهي من ناحية تجسيد حيّ لأساطير الفرسان في الثقافة الروسية، كما أنها تعبّر بصدق عن قوّة الشعب وتثير في النفوس مشاعر الانتماء للأرض والولاء للوطن.

Friday, July 07, 2017

لوحات عالميـة – 401

أمسيـة صيفيـة
للفنان النرويجي إدفـارد مونـك، 1889

اعتاد الكثيرون على أن ينظروا إلى بعض الفنّانين على أنهم شخصيات غير مستقرّة، يعانون في حياتهم كثيرا وينتجون فنّا معقّدا، لكنّ فيه تميّزا وإبداعا.
وهناك أمثلة كثيرة على هذه النوعية من الفنّانين، منهم على سبيل المثال لا الحصر، فان غوخ وفريدا كالو وجاكسون بولوك وغيرهم.
ونموذج الفنّان الرومانسيّ الذي يعاني ويتألّم أصبحت توقيعا مألوفا في تاريخ الفنّ وفي الثقافة الشعبية. وهو نموذج مغرٍ كثيرا بالإضافة إلى انه يسهل تسويقه.
وإدفارد مونك كان، هو الآخر، نموذجا للفنّان الذي يدفعه القلق والنظرة السوداوية للحياة لأن ينتج فنّا مبتكرا وحقيقيّا. وقد شُيّدت أسطورته أثناء حياته على يد بعض المؤرّخين والنقّاد، وعلى يد الرسّام نفسه. ثم تعزّزت تلك الصورة من خلال افتتان الناس بلوحاته ومناظره عن الألم واليأس وتعذيب الذات.
ومنذ مرحلة مبكرة من حياته، اهتمّ مونك بأن يوصل من خلال رسوماته مشاعر الحزن والعزلة والاستلاب التي يتّسم بها إنسان العصر الحديث.
وهذه اللوحة تعكس ذلك الاهتمام بوضوح. وهي من أولى لوحات مونك التي تناول فيها موضوع الحزن والذي سيتكرّر كثيرا في توليفاته المستقبلية الأكثر رمزيةً.
كان مونك مهجوسا طوال حياته بالعزلة وبعلاقات الحبّ المعقّدة سيكولوجيّا. وقد بدأ التعبير عن تلك الأفكار المظلمة بهذه اللوحة التي حاول فيها الإمساك بشخصيّة الأنثى المنعزلة والضائعة في أفكارها في طبيعة هادئة.
في صيف عام 1889، استقرّ الرسّام في قرية للصيّادين تقع على الطرف الغربيّ لـ فيورد اوسلو. كانت القرية مشهورة ببساطة الحياة فيها وبكونها تؤوي مجتمعا للبوهيميين.
وفيها تخيّل حكاية غياب وفقد ووحدة جسّدها في هذه اللوحة التي استخدم فيها ناقدا مسرحيّا يُدعى سيغورد بوتكر مع شقيقته كـ موديلين.
ولم يهتمّ مونك كثيرا بالتجسيد الدقيق للشخصيتين، فرسم المرأة بحيث بدت اكبر سنّاً من عمرها الحقيقي. وهي في الصورة تبدو صامتة ومتحفّظة وباردة. ووظّف في أكثر من مكان في اللوحة ألوانا شفافة وحرّة، كما قسّم سطح الصورة تقسيما عموديّا. والتباين بين الطبيعة المفتوحة والمضاءة بالشمس والشرفة المظلمة جزئيّا التي يقف عليها الشخصان استُخدم بطريقة رمزية لإيصال الجوّ المكثّف.
منظر المزاج الأزرق والحزين، مثل الذي يظهر في هذه الصورة، هو احد التقاليد الطويلة في الفنّ النرويجيّ. والأزرق مرتبط، على وجه الخصوص، بطبيعة شمال النرويج وجبالها وليالي الصيف الطويلة فيها عندما لا تفقد السماء لونها الأزرق كليّاً.
وهذا الربط بين الهويّة الوطنيّة والسمات الطبيعية من مناخ وتضاريس وخلافه، كان جزءا من الحركة الوطنية النرويجية التي كانت ترى أن النرويجيين متمايزون عن السويديين، وتتطلّع بالتالي لأن تنال النرويج استقلالها عن السلطة السويدية الحاكمة.
بعض صور مونك الأكثر إشكاليةً تصوّر النساء كمصّاصات للدماء وكشخصيّات منعزلة تسيطر عليهنّ مشاعر الشوق والرغبة. وقد قيل في بعض المرّات أن تلك الصور كانت انعكاسا لخوف الرسّام نفسه من جنسانية الأنثى وسلطتها. وتلك الصور تتضمّن جميع الصفات الخطرة المرتبطة بالنساء كالجمال والرغبة والنأي والانتحار.
في إحدى لوحاته الأخرى بعنوان عروس البحر ، يصوّر مونك شاطئا صخريّا بالقرب من منزله الصيفيّ. وهو يمزج بأسلوب فاتن بين الأسطورة والواقع كي يقنع المتلقّي بأن عرائس البحر هي مخلوقات طبيعية وحقيقية تماما في ارض شمس منتصف الليل.
بعض النقّاد يشيرون اليوم إلى أن فكرة مونك المجنون والمعذّب ربّما كانت حيلة ذكيّة ومقنعة من الرسّام لتوظيف معاناته الشخصية بفقده شقيقتيه من اجل أن يسوّق لاسمه وفنّه.
واعتبارا من ربيع عام 1892، كان مونك قد بدأ فعليّا عملية التفكير في أفضل الطرق لتسويق لوحاته، وكان من ضمنها ترويج صورة له على انه فنّان منحلّ وغير مستقرّ ومعذّب. ومذكّراته من تلك الفترة تتضمّن شروحا سيكولوجية وشخصية لصوره، وكلّها توحي بأن تلك المذكّرات كانت ترمي إلى تكريس هذا الانطباع عنه في أذهان الجمهور.
استمرّ إدفارد مونك يرسم حوالي ستّين عاما، وعندما توفّي كان بحوزته أكثر من ألف لوحة، وقد وهبها جميعا إلى بلدية أوسلو عندما كتب وصيّته في ابريل من عام 1940، أي بعد وقت قصير من احتلال الألمان للنرويج.
وتوفّي بعد ذلك بأربع سنوات، أي في يناير من عام 1944. وجميع لوحاته التي تركها موجودة اليوم في المتحف الذي يحمل اسمه في أوسلو، لكن ليس من بينها لوحته الأشهر الصرخة الموجودة في متحف أوسلو الوطني مع مجموعة من أعماله الأخرى.

Sunday, July 02, 2017

لوحات عالميـة – 400

طبيعـة قمـريّة مع جسـر
للفنان الهولندي آرت فانـدر نيـر، 1648

المشاهد الليلية أمر مألوف في الرسم الغربيّ. ومعظم اللوحات التي تصوّر الليل كانت تتضمّن أفكارا دينية في الأساس وتستخدم ضوء القمر الخافت لخلق جوّ من الغموض والرهبة والقداسة.
ومن الواضح أن الرسّامين القدامى كانوا يجدون متعة كبيرة في رسم السماء الليلية في زمن لم تكن قد ظهرت فيه الأنوار الاصطناعية التي نعرفها اليوم. وربّما بسبب كثرة أضواء العالم اليوم، لم يعد الليل ملهما للرسّامين الآن ويندر أن تجد فنّانا يرسم طبيعة ليليّة.
بدايةً، هناك رمزية خاصّة لرسم المشاهد الليلية، فالألوان البنّية والرمادية والسوداء التي تغلب على هذا النوع من الرسم ترمز عادة للحزن أو الخوف أو الغموض أو الشرّ أو الموت أو الخرافة. أما ضوء القمر فيها فيرمز غالبا إلى الهداية والقداسة أو الأمل.
وفي بعض اللوحات الليليّة المرسومة قديما، نرى الحضور القويّ للألوان الرمادية التي تهيمن على المنظر مع لمحة بسيطة من لون دافئ يحيط بهالة لقمر مكتمل. وأحيانا ينعدم وجود تفاصيل في منطقة الظلّ، وكلّ ما نراه هو صورة ظلّية للمنازل والأشخاص أو القوارب المستقرّة على الماء.
وفي لوحات أخرى مثل رسومات الروسيّ ايفان ايفازوفسكي، يظهر القمر بضوء ذهبيّ بينما الماء والسماء والظلال تغرق كلّها في ظلال الألوان الزرقاء والخضراء التي لا تُظهِر سوى القليل من التفاصيل.
تقليد رسم السماء الليليّة بدأ في عصر النهضة، مع مناظر ليليّة متخيّلة من أحداث التاريخ أو القصص الدينية. وفي عصر الباروك، بدأ رسّامون مثل كارافاجيو وإل غريكو ورمبراندت وغيرهم تصوير مناظر ليليّة تُوظّف فيها قصص من صميم الحياة اليومية.
ومن أشهر الرسّامين الذين رسموا طبيعة ليليّة كلّ من جوزيف تيرنر وفان غوخ وبيتروس فان شندل وكاسبار فريدريش وايفازوفسكي وجورج دي لاتور وغيرهم.
وفي هولندا اشتهر الرسّام آرت فاندر نير الذي كان احد أهمّ رسّامي الطبيعة الليليّة في أوربّا القرن السابع عشر. كان هذا الرسّام متخصّصا في رسم مشاهد ليليّة مهيبة يضيئها ضوء القمر بطريقة غامضة، منعكسا على مياه نهر أو بحيرة هادئة ومصحوبا أحيانا بنار صغيرة مشتعلة.
وأعمال الرسّام في عمومها عبارة عن انطباعات بانورامية للطبيعة، حيث تبدو السماء والغيوم بألوان متعدّدة ولامعة. كما انه في لوحاته يحاول استكشاف التأثيرات المتغيّرة للضوء في أواخر المساء عندما يظهر منعكسا على الأنهار والبحيرات والمروج.
في لوحته الجميلة هذه، نرى الغيوم الكثيفة الداكنة في السماء وقد تباعدت عن بعضها لتكشف عن قمر مكتمل يرسل ضوءه إلى أسفل ويبدو منعكسا فوق مياه النهر الهادئ الذي يقسم القرية إلى نصفين.
وعلى الأرض، نرى انعكاسات ضوء القمر على نوافذ البيوت والأشجار، بينما يظهر في أقصى يمين المنظر امرأة ورجل يقفان بالقرب من بوّابة ومن جسر يوفّر ممرّا للناس الذي يعبرون إلى الجهة الأخرى.
اللوحة تُبرز مهارة فاندر نير الفريدة في جعل هذا المنظر الليليّ ينتج لمعانا أخّاذا ومدهشا وذلك بإضافة عدّة طبقات من الطلاء، وكذلك في إضفاء نوع من الشفافية التي تتيح للأشياء، حتى البعيدة، أن تظهر في الظلام مع تنويعات الألوان البنّية والرماديّة.
عُرف فاندر نير أيضا بلوحاته التي يصوّر فيها طبيعة ثلجية مع نهر أو قنال. وهي تشي بمعرفته بالقنوات والأنهار والغابات في هارلم وليدن التي يرسمها غالبا عند مغيب الشمس أو بعد حلول الظلام.
المعروف أن فاندر نير كان معاصرا لالبيرت كاب، وقد ربطتهما صداقة طويلة واشتركا معا في رسم أكثر من لوحة، وكان كلّ منهما يترك بصمته الخاصّة على الجانب الذي يرسمه.
لكن كاب كان أكثر شهرة، وكان من عادة فاندر نير أن يطلب مساعدة صديقه كي يضيف إلى مناظره صور أشخاص أو ماشية.
وعلى الرغم من أن لوحاته تُعتبر اليوم اقلّ قيمة من لوحات الكثير من معاصريه، إلا أنه يُعتبر من أكثر الرسّامين الذين تُقلَّد أعمالهم هذه الأيّام. ولوحاته ما تزال تحتفظ بسحرها الخاصّ، كما أن جامعي الأعمال الفنّية يبحثون عنها لاقتنائها.
ولد فاندر نير في عام 1604 في بلدة دوردريخت، وعمل في شبابه مضيفا في منزل احد أعيان بلدته قبل أن ينتقل إلى أمستردام.
ولا يُعرف أين درس الرسم أو على يد من، لكن أولى لوحاته تعود إلى عام 1632، وفيها يظهر تأثّره بأسلوب مدرسة هارلم في رسم الطبيعة.
والغريب أن فاندر نير في زمانه لم يكن احد ينافسه كرسّام لضوء القمر والليل في الفنّ الهولنديّ. ومع ذلك لم يكن قادرا على إعالة أسرته لأن رسوماته لم تكن تبيع جيّدا.
وعندما توفّي في أمستردام عام 1677 كان في حالة فقر وعوَز. وبعض لوحاته توجد اليوم في متحف المتروبوليتان في نيويورك وفي الناشيونال غاليري في لندن وكذلك في متحفي لاهاي وريكس الهولنديين.

Tuesday, June 27, 2017

لوحات عالميـة – 399

الصلاة فوق سطح منزل في القاهرة
للفنان الفرنسي جـان ليـون جيـروم، 1865

تغيّرت مواضيع الرسم الاستشراقي على امتداد القرن التاسع عشر. في البداية، أتى إلى المنطقة فنّانو التضاريس مثل الاسكتلنديّ ديفيد روبرتس وغيره، فوثّقوا من خلال رسوماتهم السمات الطبوغرافية لبلدان المشرق، مثل مناظر الصحراء والآثار والصروح القديمة والأنهار والأراضي الزراعية وغيرها.
وفي المرحلة التالية، توافد على المنطقة رسّامو الحياة اليومية، فقدّموا صورا للثقافات المتنوّعة للشعوب، من البازارات إلى المنازل وخلافها.
وإلى هذا النوع الأخير من رسّامي الاستشراق ينتمي جان ليون جيروم الذي كان احد أشهر وأنجح الرسّامين الفرنسيين الذين سافروا إلى بلاد المشرق وأقاموا فيها في القرن التاسع عشر.
وجيروم لم يكن رسّاما فحسب، بل كان رحّالة ورجل أعمال ناجحا أيضا، وكان على اتصال مع تجّار الفنّ الذين كانوا يتهافتون على شراء لوحاته لأنها كانت تناسب تنوّع أمزجتهم بالإضافة إلى أنها كانت تتمتّع بشعبية كبيرة.
وكان جيروم أيضا معلّما مرموقا درّس الآلاف من الطلبة ومارس نفوذا واسعا على جيل كامل من الرسّامين، ومنهم من أصبحوا متخصّصين في رسم الشرق وثقافاته.
وقد تركت صوره المشرقية بصمة مميّزة على المخيّلة الشعبية للأوربّيين والأمريكيين واستُخدمت تلك الصور كثيرا في أعمال المسرح وفي الأفلام وفي كتب التاريخ والأدب. وإحدى أهمّ صوره واسمها "حاوي الثعابين" أصبحت غلافا لكتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد.
كانت لوحات جيروم مثيرة للاهتمام والفضول. والشرق الذي رسمه كان ترجمة لحلم العديد من معاصريه من الكتّاب والأدباء الأوربّيين الذين صوّروا الشرق في أعمالهم الشعرية والروائية.
وقد عاش الرسّام في عصر ازدهار الفنون والآداب في فرنسا. وكان من بين الشخصيات المهمّة التي عرفها في باريس كلّ من الأديبة الفرنسية جورج صاند والكاتب الروسيّ ايفان تورغينيف، بالإضافة إلى بعض مشاهير الموسيقى آنذاك مثل هيكتور بيرليوز وروسيني ويوهان برامز وفريدريك شوبان وغيرهم.
في ذلك الوقت، كانت أرض مصر قد أصبحت مركز جذب للكثير من الرسّامين الذين قدموا إليها مفتونين بعمارتها الإسلامية وسحر الحياة اليومية لأهلها. ومنهم من أقام فيها أشهرا وأحيانا سنوات.
في عام 1860، وصل جيروم إلى القاهرة وبدأ رسم سلسلة من انجح لوحاته الاستشراقية وصوّر فيها جموع المؤمنين وهم يؤدّون الصلاة داخل الجوامع أو فوق أسطح البيوت أو في الزوايا حيث يعيش أصحاب الطرق الصوفية.
وهذه اللوحة هي أحد أشهر أعماله من تلك الفترة، وقد ظهرت، هي أيضا، على أغلفة العديد من كتب التاريخ والأدب التي تتحدّث عن ثقافات الشرق.
وفيها نرى مجموعة من الرجال وهم يؤدّون صلاة المغرب على سطح احد المباني في القاهرة تحت سماء ضبابية يضيئها هلال فضّيّ مع بدايات المساء. وعلى مسافة، تظهر منارتان مملوكيّتان من مسجد محمّد علي، وخلفهما يلوح مبنى القلعة المشهورة.
المصلّون يؤدّون الصلاة إما جماعة أو فرادى وبعضهم وقوف أو جلوس. ومن الملاحظ أنهم يواجهون الشمال في صلاتهم، وليس جهة الجنوب الشرقيّ، إي مكّة المكرّمة، كما يقتضي الحال.
لكن ربّما تعمّد الرسّام عكس اتجاه القبلة كي يتمكّن من تصوير المصلّين جانبيّا. وربّما أراد أن يضفي على الصورة قدرا من الخيال والفتنة والغرائبية.
كان جيروم يرى أن الدقّة غير ضرورية في الرسم، وكان من عادته أن يضحّي بالواقع لمصلحة الاعتبارات الجمالية، فيتلاعب قليلا أو كثيرا بالتفاصيل. وكان يشعر بأنه حرّ في أن يترجم ما يراه على طريقته، فيضيف إلى الصورة ملاحظاته وانطباعاته الشخصية ويعدّل فيها ويعيد ترتيب أجزائها لتخدم فكرة أو غرضا جماليّا، تماما كما يفعل كلّ رسّام خبير.
كان جيروم مفتونا بشكل خاصّ بصلاة المسلمين وبمعمار الجوامع التاريخية. وعندما يرسم صورة لمسجد، كان كثيرا ما يغيّر في شكل المنارة ويضخّم القبّة، كي يبدو الجامع كصرح معلميّ وفخم. كما كان يُلبّس المصلّين ثيابا أنيقة وأحيانا باذخة.
وغالبا ما كان يفعل هذا وفي ذهنه اعتبارات أخرى، مثل متطلّبات السوق ورغبات الزبائن والمشترين الذين كان أكثرهم من أثرياء أمريكا ممّن كانوا يرون في بلاد الشرق مهربا من آثار التصنيع والأعراف المملّة للبورجوازية الغربية.
صور جيروم لمدينة القاهرة ما تزال لها قيمة عالية إلى اليوم، تتمثّل في الذكريات التي تثيرها عن الأيّام الخوالي. وأيّا تكن نظرتك إلى فنّ الاستشراق، فإن ممّا لا شكّ فيه أن تلك الصور هي التجسيد الصوريّ الوحيد المتبقّي حتى اليوم عن عالم كان له وجود في الماضي ثم تلاشى واختفت معالمه أو كادت بفعل تقادم الزمن.
ظلّ جيروم نشطا طوال خمسين عاما وحتى نهاية القرن التاسع عشر. وقد ساعد على ترسيخ مكانة الرسم الأكاديميّ وكان واحدا من أهمّ أقطابه. لكن مشكلته انه أصبح خصما عنيدا لحركات الفنّ الحديث التي ظهرت في بدايات القرن الماضي، مقابل دفاعه المستميت وغير المبرّر أحيانا عن الفنّ الأكاديميّ.
وقد حرمه أسلوبه المحافظ والصارم من تحقيق عظمة فنّية حقيقية في فنّه، وفي نفس الوقت منعه ذلك الموقف من تبيّن وتقدير عظمة الآخرين.
ولد جان ليون جيروم في مايو من عام 1824 في بلدة فرنسية قرب الحدود مع سويسرا. كانت عائلته تنتمي للطبقة المتوسّطة وكان والده يعمل في تجارة المجوهرات.
وقد درس الرسم وهو في سنّ السادسة عشرة على يد بول ديلاروش، ثم ذهب الاثنان إلى ايطاليا حيث زارا فلورنسا وروما والفاتيكان.
في عام 1869، اختير الرسّام عضوا شرفيّا في الأكاديمية الملكية البريطانية، ثم أنعم عليه ملك بروسيا بوسام، وكان من ضمن الشخصيات الفرنسية التي دُعيت لحضور حفل افتتاح قناة السويس عام 1869.
عندما توفّي جيروم في محترفه في يناير من عام 1904، وُجد أمامه احد بورتريهات رمبراندت بالإضافة إلى إحدى لوحاته الخاصّة. وبناءً على طلبه، رُتّبت له جنازة مختصرة وبلا أزهار، وكان من بين شاركوا في تأبينه رئيس سابق للجمهورية وساسة بارزون وكتّاب ورسّامون كبار.
ورغم أن النقّاد اليوم لا يستسيغون فنّه كثيرا ويصفونه بالرجعية، إلا أن جيروم يظلّ رسّاما مبدعا ومتميّزا. كان يدرس ويعمل دون كلل أو ملل ضمن حدود الذوق السائد في زمانه.
وصوره كانت لها شعبية طاغية في أوساط جامعي الفنّ وكانت مقنعة كثيرا. ولم يكن هناك من ينافسه في إحساسه بالتوليف واللون والواقع. انضباطه الشخصيّ وثقته بنفسه كانت كبيرة جدّا، وهذه الأشياء لا تناسب منطق الفنّ الحديث.
غير أن الصور التاريخية والاستشراقية التي رسمها جيروم في القاهرة وفي غيرها من المدن ما تزال تفتن الأعين بواقعيّتها الغريبة. وقد نجح في رسم صورة للشرق كمكان حسّيّ ومثير وغرائبيّ وعنيف ولا يمكن محاكاته، ثم قدّمها للجمهور الغربيّ الذي أحبّها وتفاعل معها.