Monday, December 18, 2006

لوحات عالميـة – 117

ارميـا يبكـي دمـار اورشـليـم
للفنان الهولندي رمبـرانــدت، 1630

لعبة رمبراندت المفضّلة كانت الضوء والظلّ. وقد كان شغوفا، على نحو خاص، بتصوير المشاعر الداخلية للناس من خلال الجوّ العام والملامح الشخصية.
وأحد الثيمات التي تظهر كثيرا في لوحات هذا الفنّان العظيم هو منظر الفيلسوف المستغرق في التأمّل والعزلة.
في هذه اللوحة رسم رمبراندت النبيّ العبراني ارميا الذي تذكر كتب التاريخ أنه تنبّأ بتدمير أورشليم عاصمة مملكة يهوذا.
وقد تحقّقت نبوءته عندما احتلّ البابليّون بقيادة نبوخذنصّر عاصمة مملكة اليهود الجنوبية في العام 586 قبل الميلاد ثم قاموا بتدمير المدينة والهيكل وقتل أعداد كبيرة من الناس ونفي العديد من وجهاء المدينة وسكّانها أسرى وسبايا إلى بابل.
كان ارميا يحذّر قومه اليهود من أن يحلّ بهم العذاب الوشيك نتيجة انغماسهم في الذنوب والمعاصي وبعدهم عن الله وعبادتهم الأصنام.
وعندما تواترت أنباء اقتراب الغزو البابلي تزعّم ارميا الفريق الذي كان يدعو إلى عدم مقاومة قوّات نبوخذنصّر التي كانت متفوّقة عددا وعدّة، وذلك حفاظا على أرواح الناس وتجنّبا لما هو أسوأ.
وكان ارميا يرفض فكرة كانت رائجة في زمانه وهي أن اورشليم والهيكل يتمتّعان بقوى سحرية خفيّة نظرا لقداستهما، وأن الله – لهذا السبب - قادر على أن يحميهما من الهدم والانتهاك.
لكن الملك والكهّان وجزءا كبيرا من الشعب صمّموا على المقاومة واعتبروا موقف ارميا وأتباعه انهزاميا ووصموهم بالخيانة العظمى. ثم وضع رهن الاعتقال وبقي هناك إلى أن دمّر البابليّون المدينة بالكامل.
قضى ارميا بقيّة حياته باكيا أسفا على دمار اورشليم واستعباد شعبه، وألّف في ما بعد كتابا عن تلك الحادثة أسماه "سفر الأحزان".
في العصر الذي عاش فيه ارميا كان العبرانيون منقسمين إلى مملكتين: إسرائيل في الجنوب ويهوذا في الشمال. وكانت المملكتان مجرّد حجرين صغيرين على رقعة صراعات الامبراطوريات الكبرى التي كانت تتنافس في ما بينها آنذاك من أجل المزيد من التوسّع والنفوذ.
في هذه اللوحة نرى ارميا مسندا رأسه إلى يده علامة الحزن الشديد، بينما يتّكئ مرفقه على مؤلف ضخم ُكتب عليه بأحرف صغيرة: الإنجيل.
وهناك في خلفية المشهد بناء أسطواني الشكل يرجّح أنه معبد سليمان. المكان شبه مظلم إلا من الوهج المنبعث من مباني المدينة المحترقة والذي يغمر وجه الرجل الغارق في الحزن.
واضح أن ارميا اختار أن يلوذ بهذه المنطقة الصخرية المنعزلة كي ينفّس عن أحزانه فيما المدينة تحترق خلفه. وهو هنا لا يبدي أيّ إحساس بالذهول أو الصدمة ربّما لأنه سبق وأن رأى نفس هذا المشهد مرّات عديدة في المنام.
الألوان الداكنة التي استخدمها رمبراندت بكثافة في رسم عناصر وتفاصيل هذه اللوحة تعزّز الشعور بفداحة الكارثة وعمق المعاناة والألم الدفين المرتسم على ملامح الرجل.

Thursday, December 14, 2006

لوحات عالميـة - 116

المـوت على صهـوة جـواد شـاحب
للفنان الأمريكي ألبـيرت رايـدر، 1908

كان البيرت رايدر احد أكثر الرسّامين أصالةً في أمريكا خلال القرن التاسع عشر.
وقد تلقّى تعليما أوّليا في الفنّ على يد رسّام البورتريه وليام مارشال ثم التحق بالأكاديمية الوطنية لفنّ التصميم.
ويغلب على رسوماته الطابع التعبيري، الأمر الذي دفع بعض مؤرّخي الفنّ إلى اعتباره فنّانا حداثيا.
ويقال إن لوحاته مهّدت لظهور الاتجاهات الرمزية والتجريدية في الفنّ الحديث.
ودائما ما كان يبدي شغفا شديدا بالآداب والفنون عامّة. وأكثر لوحاته تستمدّ موضوعاتها من الإنجيل والميثولوجيا ومن الأعمال الأدبية لـ شكسبير وبايرون وتينيسون وإدغار الان بو ومن موسيقى فاغنر. وقد بلغ من شغفه بالأدب انه كثيرا ما كان يكتب قصائد شعر لترافق لوحاته.
في هذه اللوحة رسم رايدر الموت على هيئة هيكل عظمي بشري يحمل منجلا ويمتطي صهوة حصان في مضمار للسباق.
التفاصيل في اللوحة تعطي إحساسا بالانقباض والكآبة. فالسماء حالكة مكفهرّة ومضمار السباق نفسه يبدو بلا نهاية. وليس هناك في المشهد كلّه أيّ أثر للحياة. حتى الشجرة الوحيدة هنا تبدو ميّتة جرداء.
وفي الأسفل تظهر أفعى طويلة وهي تتحرّك على امتداد ذلك الجزء من اللوحة.
وقد استلهم الفنّان موضوع اللوحة من قصّة رجل من نيويورك أقدم على الانتحار بعد أن فقد جميع ممتلكاته إثر خسارته في الرهان على حصان خلال أحد السباقات.
وعندما علم رايدر بما جرى للرجل، وكان يعرفه، شرع في رسم اللوحة التي عمل عليها لسنوات وعدّل فيها وغيّر كثيرا.
ربّما تكون الأفعى في اللوحة رمزا للإغراء والموت، والمضمار الأجرد صورة مجازية عن عبثية الحياة وقسوتها.
الفنّان اختار اللونين الأصفر الخفيف والرمادي وظلالهما لتكثيف الجوّ السوداوي للمشهد.
كان رايدر شخصا واسع الخيال ميّالا للعزلة مع شيء من التصوّف وبعض الرومانسية. وقد شغله طويلا التفكير في علاقة الإنسان بالقوى الغيبية وبعناصر الطبيعة وعُرف عنه حبّه لرسم المشاهد الليلية للبحر التي تعطي إحساسا بالكآبة الممزوجة بشيء من الحلم والشاعرية.
كما عُرف بتديّنه الشديد وزهده في الأمور الدنيوية. فلم يتزوّج أبدا وكان دائما يقول إن الفنّان لا يحتاج، بالإضافة إلى عدّة الرسم، لأكثر من سطح منزل ينام فوقه وكسرة خبز يعيش عليها والله يتكفّل بالباقي.
وقد زار رايدر أثناء حياته العديد من البلدان، منها ايطاليا واسبانيا والمغرب وفرنسا وايطاليا وبريطانيا. غير أن تلك الأسفار لم تؤثّر كثيرا في فنّه.
قصّة الجواد الشاحب والفارس الذي يرمز للموت لها أصل ديني. إذ يذكر الإنجيل أن رجلا يمتطي حصانا شاحبا سيظهر في الأرض قبل حلول الساعة فينشر الأوبئة والأمراض الخطيرة وأن الموت سيطبق على البشر، عدا الذين يختارون الربّ هاديا ومرشدا. وفي النهاية سيتدخّل الإله لمنع اجتثاث البشر من الأرض قبل أن ينزل المسيح من بين الغمام ليعلن قيام مملكة الربّ الأبدية.
وهناك من يربط قصّة الجواد الشاحب بأحداث معاصرة. بينما يذهب آخرون إلى القول إنها حدثت فعلا في عصور غابرة.
وقد صوّر هذه القصّة رسّامون كُثُر أهمّهم فيكتور فاسنيتسوف وألبريخت ديورر.
الجواد الشاحب الذي يذكّر بالموت أصبح أيضا موضوعا للعديد من الروايات والأعمال الأدبية. كما حوّلته الثقافة الحديثة إلى مادّة للأغاني والألعاب الاليكترونية.
توفي البيرت رايدر عام 1915 في منزل احد أصدقائه الذي كان يقوم على رعايته وذلك إثر مرض لازمه طويلا.
وبعد موته اُكملت بعض لوحاته الناقصة كما تمّ إدخال تعديلات على بعضها الآخر بحيث بدت مختلفة عن هيئتها التي رُسمت بها في الأصل.
وقد ازدادت شهرته بعد رحيله وزاد الطلب على اقتناء لوحاته التي يوجد بعضها الآن في المتاحف والغاليريهات الرئيسية في أمريكا الشمالية.

Saturday, December 02, 2006

لوحات عالميـة - 115

بورتـريه سيـسيليـا غاليـرانـي
للفنان الإيطالي ليــونــاردو دافـنـشـي، 1490

حسب بعض المصادر التاريخية، كانت سيسيليا غاليراني امرأة بارعة الجمال في زمانها، وكانت تقرض الشعر وتعزف الموسيقى وتقيم حوارات فكرية مع الفلاسفة ورجال الدين.
وقد ذاعت شهرة هذه المرأة بعد أن اصبحت خليلة للدوق لودفيكو ديل مورو الذي استطاعت أن توقعه في حبّها وأن تكسب ثقته بذكائها وجمالها الأخّاذ.
ايل مورو نفسه كان شخصا مثقّفا وطموحا، ولعله اكتسب اسمه الأخير - ومعناه "المغربي" - بسبب بشرته السمراء وملامحه العربية.
كان ليوناردو يعمل في بلاط ايل مورو كرسّام وكمشرف على المراسم والاحتفالات. لكنه كان يباشر في نفس الوقت وظائف أخرى ذات علاقة بالطبّ والهندسة والتشريح والرياضيات.
هذه اللوحة رسمها ليوناردو لسيسيليا أثناء عمله في بلاط زوجها، وفيها تظهر ممسكةً بحيوان صغير من ذوات الفراء، وكان هذا الحيوان شعارا للدوق وكان يرمز بنفس الوقت للطهر والنقاء.
أكثر ما يلفت النظر في هذا البورتريه الجميل التعابير الساحرة على وجه المرأة وكذلك حركة استدارتها من منطقة الظل إلى الضوء وهي هنا تبدو كما لو أنها تتفاعل مع شخص لا نراه في اللوحة.
كانت سيسيليا غاليراني امرأة شديدة الذكاء وقد استطاعت على الدوام أن تحافظ على مكانتها في قلب رجل كان ممسكا بالكثير من مفاتيح السلطة والنفوذ كما استطاعت بسحر شخصيتها وذكائها أن تكسب احترام وتقدير الحاشية ورجال القصر.
في ذلك الوقت، أي في القرن الرابع عشر، كانت بعض المهن تمر بتحوّلات مهمّة وبات المجتمع يعترف بالنبوغ والذكاء والتميّز الثقافي والفكري لبعض ممارسي المهن التي كان ينظر إليها باعتبارها "وضيعة". وأصبح الناس يتقبّلون فكرة أن تتحوّل الخليلة أو المحظية إلى سيّدة في البلاط وأن يتحوّل الرّسام من مجرّد كونه عاملا حرفيا يعيش على الهامش إلى شخص متفوّق ومبدع.
ليونارد نفسه كان يمرّ بشيء من ذلك التحوّل أثناء خدمته في بلاط ايل مورو. وبالتأكيد كانت له أسبابه عندما رسم سيسيليا غاليراني، ربّما لانه كان يرى في صعودها الاجتماعي والفكري مرآة تعكس ما بدأ يحسّ به هو نفسه من صعود نجمه وازدياد حظوته في بلاط الدوق.
هذه اللوحة كانت قد لحق بها الكثير من التلف نتيجة تقادم الزمن وأساليب الترميم الرديئة. وفي إحدى المرّات أخضعت لفحص بالكمبيوتر أظهر وجود ما يشبه الباب أو النافذة في الخلفيّة. ويبدو أن دافنشي اقتنع أخيرا بحذف ذلك الجزء والاكتفاء بخلفية داكنة.

Monday, November 27, 2006

لوحات عالميـة - 114

عشـاء فـي رحلـة بالقــارب
للفنان الفرنسي بييـر رينـوار، 1881

تعتبر هذه اللوحة واحدة من أعظم أعمال بيير رينوار. وقد رسمها أثناء رحلة له مع بعض أصدقائه بالقارب على ضفاف السين.
في هذه اللوحة نرى أصدقاء رينوار من الرجال والنساء الذين ينتمون إلى خلفيات ومهن مختلفة وهم مجتمعون داخل مقهى شهير في ضاحية شاتو الباريسية.
وبين هؤلاء صحفيون وممثّلات وعارضات أزياء. كما تظهر في اللوحة "الين" ذات العشرين عاما والتي أصبحت في ما بعد صديقة لرينوار ثم زوجة له.
موضوع "عشاء في رحلة بالقارب" لا يختلف كثيرا عن مواضيع لوحات رينوار الأخرى. كان رينوار يرسم رجالا ونساء يعيشون حياة بسيطة ويمتّعون أنفسهم ويستمتعون بالحياة بطريقة مرحة وتلقائية. وأماكنه المفضّلة كانت الطبيعة، وصالات الرقص حيث كان يصوّر الشبّان والفتيات وهم يسترخون ويتحدّثون ويراقص بعضهم بعضا.
لكن مؤسّسة الفنّ الرسمية في فرنسا آنذاك لم تكن تستسيغ مثل تلك المشاهد، وكانت تلحّ على الفنّانين برسم مناظر تاريخية أو دينية أو أسطورية تظهر صورا لآلهة وملوك وملكات وأبطال من الأزمنة القديمة.
ومع ذلك تحدّى رينوار هذا العرف ورسم ما كان يعتبره صورا من الحياة الحديثة في ذلك الوقت بأسلوبه المبتكر والمضيء.
أكثر ما يلفت الانتباه في هذه اللوحة الرائعة هي تلقائية الموضوع وحيوية شخوصه وألوانه المترفة، إذ يغلب الزهري والوردي وظلالهما على عموم المشهد. وممّا يفتن العين بشكل خاص في هذه اللوحة الطريقة البارعة التي اتّبعها رينوار في رسم الطاولة ذات القماش الثلجي وكذلك الزجاجات البلّلورية اللامعة والكؤوس الفضّية المتوهّجة المصفوفة على المائدة.
كان رينوار في حياته إنسانا عصبيا وقلقا رغم عشقه الكبير للحياة ومن الواضح أنه لم يكن يرتاح كثيرا لشخصيات الطبقة الراقية. ومواضيع لوحاته بشكل عام كانت قريبة من حياة الطبقة الوسطى. ومن بين كافّة الرسّامين الانطباعيين كان رينوار ينحدر من خلفية اجتماعية متواضعة، فقد كان والده خيّاطا يعول سبعة أطفال كان "بيير أوغست" سادسهم.
لوحات رينوار المرحة ومشاهده المتفائلة المليئة بالضوء والموسيقى والوجوه النضرة التي رسمها في السنوات الاخيرة من حياته لا تعكس المعاناة التي تحمّلها الفنّان في ذلك الوقت جرّاء إصابته بالتهاب المفاصل، وهو المرض الذي أدّى في النهاية إلى إصابة يديه بالشلل ومن ثم توقّفه عن الرّسم بشكل تامّ بعد ذلك.

Sunday, November 19, 2006

لوحات عالميـة - 113

بحـثـاً عـن الحــبّ
للفنّان النمساوي هـانـز زاتشـكـا، 1885

لا تخلو ثقافة من ثقافات العالم من حكايات الحوريّات أو الجنّيات التي يتمّ استدعاؤها من عالم الخيال والغموض لرسم صورة مصغّرة عن الحياة وللتأكيد على قيم تربوية أو أخلاقية معيّنة.
والاعتقاد بوجود الحوريّات أمر شائع في مختلف الثقافات العالمية. ومن أشهر من كتبوا عنها شكسبير ومن الأدباء المعاصرين الكاتب الدانماركي هانز كريستيان اندرسن. كما تحفل ألف ليلة وليلة بقصص الجنّيات وعرائس البحر. وفي الأساطير الإغريقية والمصرية والهندية والصينية الكثير من الإشارات والقصص عن هذه المخلوقات الخرافية.
ومن بين الرسّامين الذين اهتمّوا بتصوير الحوريات هانز زاتشكا المولود في فيينّا بالنمسا العام 1859 م.
وتحتشد لوحات هذا الفنّان بصور لجنّيات وملائكة وبحار ومروج وغابات وغدران.
والكثير من لوحات زاتشكا مألوفة حيث تظهر كثيرا على البطاقات البريدية التي تستخدم لتبادل التهاني بالمناسبات الدينية والاجتماعية.
بعض الأساطير القديمة تتحدّث عن الحوريّات باعتبارهنّ جنسا وسيطا ما بين الملاك والإنسان، ولذا فهن يعشن في عالم أبدي موازٍ لعالم البشر في منتصف المسافة بين الدنيا والعالم الآخر.
وتذكر أساطير أخرى أن الحوريّات يعشن فوق تلال عالية بعيدة أو في جزيرة مسحورة في أعالي البحار أو في أعماق المحيطات.
في هذه اللوحة نرى عذراء شابّة تقف على شاطئ إحدى البحيرات وهي تودّع ملاكا صغيرا معتليا صدفة بحر ضخمة تجرّها إوزّة.
هنا استخدم الفنان ألوانا شاحبة قوامها الأخضر والأبيض وتدرّجاتهما وظلالهما المختلفة لكي يؤكّد على رقّة وبراءة الموضوع ولاضفاء مسحة من القداسة والفانتازية على عموم المشهد.
ويبدو أن قصص الحوريات كانت رائجة كثيرا زمن هانز زاتشكا، وربّما لهذا السبب كانت لوحاته تستمدّ موضوعاتها من قصص الجنيات وغيرها من المخلوقات الأسطورية.
وحسب بعض الثقافات الأوربية، فإن الحوريّات يوجدن في الطبيعة ويأخذن شكل شجرة أو بحيرة أو زهرة ولهنّ قدرات سحرية خارقة وارتباط وثيق بدنيا البشر وشئونهم من زواج وحبّ وميلاد وموت وخلافه.
في بعض الفترات، كانت قصص الحوريّات موضوعا مفضّلا للكثير من الأدباء والشعراء والرسّامين والموسيقيّين، بالنظر إلى أنها تقدّم صورة بريئة عن العالم وتعكس جوانب من شخصية الإنسان وتعزّز إحساسه بنفسه وبالطبيعة من حوله.
المعروف أن القرون الوسطى شهدت ذروة اهتمام الناس بقصص الحوريّات والسحرة والجان مع اشتداد حملة مطاردة وقتل الساحرات في أوربّا آنذاك.
وقد استهوت هذه القصص عددا من الشعراء والفنّانين الفيكتوريين الذين اتّخذوا منها مواضيع لاعمالهم.
لا يعرف عن الفنان هانز زاتشكا سوى أنّه تلقّى تعليمه في أكاديمية الفنون الجميلة في فيينّا وعمل لبعض الوقت مع والده في زخرفة وتزيين الكنائس.
اليوم يبدي جامعو الأعمال الفنية اهتماما متزايدا باقتناء وشراء لوحاته.

Sunday, November 12, 2006

لوحات عالميـة - 112

المجـدليـة التـائبــة
للفنان الفرنسي جـورج دو لا تــور، 1642

ظلّت شخصية مريم المجدلية موضوعا مفضّلا في الفنّ وفي الثقافة الغربية بشكل عام.
وخلال القرون الوسطى، كان ُينظر إلى هذه المرأة بكثير من القداسة والإجلال باعتبار أنها كانت الشخص الأكثر قربا من المسيح وأوّل من رآه من الناس بعد أن ُرفع.
وتذكر بعض المصادر المسيحية أن مريم المجدلية كانت تغسل قدمي المسيح بشعرها في إشارة إلى عمق العلاقة التي كانت تربطها به.
ولفترة طويلة، كانت المجدلية ُتمثّل في الفن باعتبارها تابعاً مخلصاً للمسيح، لكن في ما بعد توارت تلك الصفة شيئا فشيئا لتحلّ مكانها صورة المرأة الخاطئة التي أنقذتها تعاليم المسيح من وحل الرذيلة.
وقد ُكتب عن هذه المرأة الكثير من الأشعار والأغاني وُروي عنها العديد من القصص والأساطير واعُتبرت دموعها مقدّسة.
كما تأسّست كنائس وأديرة كثيرة بأسماء نساء سبق وأن وقعن في الخطيئة ثم تسمّين باسم المجدلية بعد أن أعلنّ توبتهن.
وهناك فكرة راجت كثيراً في بعض الأوقات عن زواج المسيح من مريم المجدلية بعد توبتها، لكن الفكرة لم ُيعبّر عنها تشكيلياً.
ويذهب بعض الكتّاب والمؤرخين إلى أن الشخص ذا الملامح الأنثوية الذي يظهر إلى جوار المسيح في لوحة دافنشي العشـاء الأخيـر هو مريم المجدلية وليس يوحنّا كما هو شائع.
ومن بين اشهر الفنانين الذين صوّروا المجدلية في لوحاتهم تيشيان و إل غريكـو وكارافاجيو.
لكن تظلّ لوحة جورج دو لا تور "المجدلية التائبة" أشهر بل وربّما أفضل عمل تشكيلي يصوّر هذه الشخصية.
واللوحة هي واحدة من سلسلة من اللوحات التي خصّصها الفنان لنفس الموضوع.
وقد رسم دو لا تور المجدلية على هيئة امرأة ذات شعر أسود طويل تجلس قرب طاولة في غرفة مظلمة إلا من خيوط ضوء واهنة تنبعث من شمعة ُغمرت في كأس.
وعلى الطاولة نرى صليباً ضخماً ونسخة من الكتاب المقدّس وسوطاً.
المرأة المرتدية قميصاً أبيض وتنّورة حمراء تضع يدها على وجهها المحجوب جزئياً عن الناظر، وتحتضن جمجمة بينما راحت تحدّق في ضوء الشمعة الذي يغمر صدرها وساقيها العاريتين والجمجمة.
على أن أهم عناصر هذا المشهد هي الشمعة ووجه المرأة والجمجمة البشرية التي تستقرّ في حضنها.
وقد رأى بعض النقاد في الشمعة صورة مجازية للصحوة الروحية وفي الجمجمة رمزاً لحالة الموت التي ينتهي إليها مصير الإنسان في النهاية.
في "المجدلية التائبة" تكثيف سايكولوجي وروحي هائل، والإحساس الذي يوحي به المشهد هو مزيج من التأمّل والسكينة والحزن. وكان فنّانو عصر الباروك، ومنهم دو لا تور، يهتمّون برسم مظاهر الحياة المتقشّفة، وتغلب على أعمالهم أجواء التأمّل والصمت.
تأثّر دو لا تور بـ كارافاجيو وانتهج أسلوبه الواقعي في الرسم. وفي كافة أعماله، نلمس تركيز الفنّان على استعراض مهارته في إبراز التباين الدراماتيكي بين الضوء والعتمة وبطريقة لا تخلو أحيانا من لمسة شاعرية واضحة.
كان دو لا تور رسّاماً ناجحاً كثيراً في زمانه، لكن بعد وفاته في العام 1652 تراجعت شعبيّته كثيراً نظرا لتحوّل الناس عن المدرسة الواقعية.
لكن مع بدايات القرن الماضي، عاد الاهتمام مجدّداً بأعماله وأعاد النقّاد والجمهور اكتشاف لوحاته التي تنطق بالكثير من التميّز وعمق الموهبة.

موضوع ذو صلة: عودة أمير الظلام

Sunday, October 22, 2006

لوحات عالميـة - 111

فتـاة باكيـة
للفنّان الأمريكي روي ليكتنـشتايـن، 1963


مثل زميله ومواطنه اندي وارهول، كان روي ليكتنشتاين يستمدّ مواضيع أعماله الفنيّة من تفاصيل النمط الاستهلاكي ومن مفردات الثقافة الشعبية التي كانت رائجة في الولايات المتحدة خلال ستّينات القرن الماضي.
كان ليكتنشتاين يتابع الأفلام السينمائية ومسلسلات التلفزيون والإعلانات التجارية ويقرأ ما ُينشر في الصحف والمجلات من قصص ورسومات كاريكاتيرية. ثمّ يحوّل اللقطات إلى أفكار وانفعالات يعبّر عنها برسومات رمزية أو تجريدية.
ولد الرسّام في نيويورك في العام 1923 لعائلة تنتمي إلى الطبقة الوسطى وأبدى ميلا للرّسم وهو بعدُ في سنّ مبكّرة. ثم تلقّى دروسا في الرسم في مدرسة بارسونز للتصميم. كما درس لبعض الوقت على يد ريجنالد مارش قبل أن يتابع تعليمه في جامعة ولاية أوهايو. وفي عام 1943، دخل التجنيد الإلزامي وخدم في أوروبّا. وعندما عاد إلى الولايات المتحدة عمل محاضرا في الجامعة.
كان ليكتنشتاين يركّز في رسوماته على استخدام الألوان الأحمر والأزرق والأصفر وأحيانا الأخضر. وكان يستعيض عن ظلال الألوان باستخدام النقاط المكثّفة. ولطالما تحدّث عن تأثّره بكلّ من مونيه، وبيكاسو في مرحلتيه الزرقاء والزهريّة. إحدى خصائص لوحاته المبتكرة ذات المضامين الاجتماعية هي أنها تمزج بين سمات العديد من الحركات الفنية التي ظهرت في أواخر القرن العشرين.
"فتاة باكية" هي مثال نموذجي على طريقة وأسلوب ليكتنشتاين في الرّسم. وهي تصوّر فتاة دامعة العينين وعلى وجهها علامات الخوف، بينما راحت تقضم أظافرها من فرط شعورها بالتوتّر والصدمة.
تفاصيل اللوحة وطريقة الفنّان في رسم الخطوط وتوزيع الألوان تذكّرنا بالرسومات الكاريكاتيرية. لكن التعابير الانفعالية هنا قويّة ودراماتيكية.
بعد أن أنهى دراسته الجامعية، رسم ليكتنشتاين لوحات تجريدية وتعبيرية. وكانت مواضيعه المفضّلة آنذاك تتراوح بين النباتات والنساء في الحدائق والحيوانات البرّية، فضلا عن تصويره لفرسان ومعارك من القرون الوسطى. وكان في بعض تلك اللوحات يحاكي أساليب كاندينسكي وبول كلي وبيكاسو وخوان ميرو. وبعض أعماله يمكن اعتبارها تفسيرا للأساليب الفنّية المتأخّرة مثل التكعيبية والمستقبلية والسوريالية.
في الثمانينات والتسعينات، بدأ الرسّام يمزج ويقارن بين أساليب مختلفة. وأصبحت أعماله تعتمد غالبا على الحيل البصرية، وكأنه يدعو المتلقّي للدخول في نقاش حول طبيعة وكنه الواقع. وكثيرا ما كانت تلك الأعمال ممزوجة بروح الدعابة والعبث التي تميّز بها دائما.
استمرّت مسيرة روي ليكتنشتاين الفنّية خمسة وثلاثين عاما تمكّن خلالها من تطوير لغة بصرية جديدة وخاصّة به، ما سهّل له الطريق نحو الشعبية والرواج. وقد تسابق على شراء لوحاته الكثير من المتاحف والمجموعات الخاصّة، الأمر الذي عُدّ اعترافا بانجازاته. كما دُرست أعماله مرارا وعُرض بعضها في العديد من المعارض والمزادات الفنية.
لوحته التي رسمها عام 1964 بعنوان "اووه.. حسنا"، والتي تصوّر بطريقة هزلية امرأة يائسة تمسك بجهاز هاتف، بيعت قبل فترة في مزاد بـ لندن بمبلغ ثلاثة وأربعين مليون دولار. وهو رقم قياسي يتفوّق على لوحة وارهول عن علبة الحساء الشهيرة.
بعض بواكير أعمال ليكتنشتاين كانت عبارة عن رسوم ساخرة عن ميكي ماوس ودونالد داك. ويبدو انه وجد في تلك الرسومات علامته الفارقة، بالإضافة إلى أنها كانت تثير في نفسه إحساسا ساحرا ببساطة وبراءة الطفولة.
الغريب انه بعكس الانطباع الذي قد يكوّنه المرء عند رؤية أعماله، كان الرسّام يمهّد للوحاته بالكثير من الدراسة والتحضير.
كان ليكتنشتاين يهتمّ كثيراً بتصوير انفعالات ونزوات الناس في حياتهم اليومية. ولهذا السبب ُيصنّف على أنه أحد الممثّلين الكبار لما أصبح ُيعرف في ما بعد بالفنّ الشعبي.
وقد تعرّف على لوحات هنري ماتيس في مرحلة مبكّرة. ووجد فيها ما يتّفق مع رغبته في تبسيط جوهر الأشياء. ومن خلال استخدامه للألوان الأوليّة والخطوط السميكة، كان يسعى لأن يجعل عمله اليدويّ أشبه ما يكون بعمل الآلة. وقد طبّق نفس هذا الأسلوب لإنتاج نسخ حديثة من أعمال كبار الرسّامين مثل بيكاسو وسيزان وموندريان.
وعلى الرغم من أن لوحات ليكتنشتاين كانت تحظى بقبول شعبي واسع، إلا انه بدأ في منتصف ستّينات القرن الماضي تجاربه مع الأساليب التجريدية والتعبيرية. لكن تلك التجارب أنتجت لوحات صعبة وضعيفة.
ظهر ليكتنشتاين في العديد من الأفلام الوثائقية وصمّم ملصقات بعض الأفلام السينمائية، بل وحتى ملصقات الحملات السياسية لبعض مرشّحي الرئاسة الأمريكية.
صور الرسّام مألوفة جدّا بالنسبة لنا اليوم. لكنّها كانت في زمنها صادمة وشاذّة، لدرجة أن إحدى الصحف في ذلك الوقت وصفته بأنه أسوأ رسّام في الولايات المتحدة. كان ليكتنشتاين دائما عرضة لهجوم وتسفيه النقّاد. وبعضهم كان يرى أن لوحاته تفتقر إلى الأصالة والجدّية.
وقد توفّي الفنّان فجأة في شهر سبتمبر من عام 1997 إثر إصابته بالتهاب رئوي حادّ. وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على وفاته، ما يزال الناس مختلفين على تقدير أثره وتقييم فنّه.

Wednesday, October 18, 2006

لوحات عالميـة - 110

تــأمـّــل صــامـــت
للفنان البريطاني جـون وليـام غـــودوورد، 1912

لا ُيعرف عن حياة جـون وليام غـودوورد سوى النزر اليسير. لكنّ طبيعة لوحاته تشير إلى أنه كان أحد رسّامي الكلاسيكية الجديدة في انجلترا.
يغلب على أعمال الفنّان الطابع الزخرفي والاهتمام بالتفاصيل الجمالية. وقد كان متخصّصا في تصوير مظاهر من الحياة الرومانية واليونانية القديمة بأسلوب لا يخلو من مسحة شاعرية واضحة.
في هذه اللوحة نرى امرأة جالسة على أريكة من رخام ومرتديةً ملابس إغريقية وهي في حال تأمّل صامت.
والطرف الأيسر من المقعد الرخامي ينتهي بتمثال لرجل تشبه ملامحه ملامح الشاعر هوميروس بلحيته الكثّة وشعره المجعّد.
طريقة تمثيل الرخام وكذلك الألوان الحيّة والمتناغمة في اللوحة، ملمحان ينبئان عن مهارة فنية فائقة.
والمشهد في عمومه نموذج للواقعية المفرطة التي يتّسم بها الفنّ النيوكلاسيكي، حيث لا اختلاف كبيراً بين اللوحة والصورة الفوتوغرافية.
في جميع لوحات غودوورد تقريبا نرى صوراً لنساء ذوات شعر فاحم ويرتدين ملابس شفافة ويجلسن في بيئة قريبة من بيئة البحر المتوسّط.
ولأن لوحاته لا تخلو من ثيمات ثابتة كالتّماثيل الرخامية والآثار القديمة، فقد كان غودوورد ُيصنّف ضمن فنّاني ما ُعرف بالمدرسة الرّخامية.
عاش الرسّام حياة بائسة وغير مستقرّة، إذ لم يتزوّج أبداً وتعرّض لسوء معاملة والده المستبدّ وأمّه الحانقة اللذين لم يكونا راضيين عن مزاولته للرّسم.
وفي بدايات القرن الماضي هاجر غودوورد إلى إيطاليا حيث مكث هناك بضع سنوات.
عندما عاد إلى لندن في العام 1921 كانت الأذواق الفنية قد تغيّرت ولم يعد النقّاد يهتمون به أو بلوحاته. وتزامن ذلك مع تراجع شعبيّة الفنّ الكلاسيكي. كلّ هذه الظروف انعكست سلبا على غودوورد وأسلمته للعزلة والشعور بالاكتئاب.
وفي السنة التالية أقدم على الانتحار خنقا داخل غرفة غاز.
ولا توجد لـ غودوورد اليوم أيّ صورة فوتوغرافية بعد أن أتلفت عائلته جميع صوره.
في السنوات الأخيرة عاد اسم جـون وليام غودوورد إلى الواجهة وتضاعفت أسعار لوحاته بفضل الاهتمام الذي تحظى به الأعمال الفنية الكلاسيكية من قبل المتاحف والمزادات الفنية وهواة اقتناء تلك الأعمال من الأفراد.

موضوع ذو صلة: عالم من جمال هشّ وغامض

Monday, October 16, 2006

لوحات عالميـة - 109

الشــتــــاء
للفنّان الإيطالي جوزيـبي أرشيمبـولــدو، 1573

كان أرشيمبولدو فنّانا مشهوراً جدّاً في زمانه.
لكن بعد موته في العام 1593 سرعان ما فقد الناس اهتمامهم بفنّه واختفت معظم لوحاته.
ومع بدايات القرن التاسع عشر ُبعث اسمه من جديد ووجد النقّاد في أعماله الكثير مما يوجب الإهتمام والإشادة.
على أن إحدى أشهر لوحاته وأكثرها انتشاراً إلى اليوم هي لوحته المسمّاة "الشتاء"، وهي واحدة من أربع لوحات تتناول رؤية الفنّان للفصول الأربعة.
في "الشتاء" نرى رأس رجل على هيئة شجرة ضخمة مليئة بالنتوءات. ملامح الرجل تبدو متجهّمة والأوراق شاحبة والأغصان جرداء. وهناك ليمونتان متدلّيتان من جهة العنق وكأنهما تؤدّيان وظيفة مشبكي المعطف.
كان أرشيمبولدو شخصا بارعا وواسع الخيال. ومن الواضح أنه لم يكن منجذباً كثيراً لطريقة فنّاني عصر النهضة في تمثيل الطبيعة في لوحاتهم، وفضّل أن يتجاوز السائد والمألوف من خلال الإتيان بلوحات تتّسم بالتجريد والفانتازيا.
في بدايات حياته عمل أرشيمبولدو مع والده، الفنّان هو الآخر، في زخرفة كاثيدرائية ميلانو. ثمّ هاجر بعد ذلك إلى فيينّا حيث عمل رسّاما في البلاط الإمبراطوري لبعض الوقت.
ولم يلبث أن ذهب إلى براغ حيث حظي برعاية الإمبراطورين ماكسيميليان الثاني ورودلف وكرّس مكانته كرسّام متميّز وناجح.
وقد قضى في خدمة رودلف إحدى عشرة سنة لقي خلالها الكثير من التكريم والإهتمام.
في تلك الفترة رسم أرشيمبولدو العديد من البورتريهات لافراد العائلة الإمبراطورية كما كلّفه رودلف بالإشراف على المسرح وغير ذلك من المهام.
أعمال أرشيمبولدو التجديدية والمبتكرة كانت محلّ إعجاب الكثير من الملوك والشخصيات البارزة في زمانه ونال عليها أرفع الأوسمة والجوائز.
اليوم ينظر الكثير من النقّاد إلى أرشيمبولدو باعتباره فنّانا سبق عصره بقرنين على الأقلّ، ويعدّه البعض أحد فنّاني السوريالية الأوائل حتى قبل أن تتبلور ملامح هذه الحركة وتأخذ شكلها النهائي في بدايات القرن العشرين.

Saturday, October 14, 2006

لوحات عالميـة - 108

الحرّيـة تقــود الشعــب
للفنان الفرنسي أوجيـن ديـلاكـــروا، 1830

كان أوجين ديلاكروا أكثر رسّام ارتبط اسمه بالحركة الرومانسية في الفنّ والأدب.
وقد اقتفى الفنّان خطى الشاعر بايرون إلى اليونان، فصوّر بخياله مشاهد عنيفة ومؤثّرة من حرب الإستقلال اليونانية التي شارك فيها الشاعر الرومانسي الإنجليزي الأشهر.
هذه اللوحة ربّما تكون أشهر أعمال ديلاكروا وأكثرها احتفاءً، وقد أصبحت رمزا للثورة والحرّية. وفيها يصوّر الفنان انتفاضة الشعب الفرنسي عام 1830 ضدّ حكم عائلة دي بوربون على أمل استعادة النظام الجمهوري الذي نشأ مباشرةً بعد اندلاع الثورة الفرنسية الأولى في العام 1789 م.
الشخصية المحورية في اللوحة هي رمز الحرّية نفسه. وقد رسمه ديلاكروا على هيئة امرأة فارعة الطول وحافية القدمين وقد انزلق رداؤها عن صدرها في خضمّ المعمعة وانشغالها بحشد الناس من حولها استعدادا للمعركة النهائية التي ستقود إلى الحرّية والخلاص.
تبدو المرأة هنا وهي ترفع العلم بيد وتمسك بالاخرى بندقية وقد أشاحت بنظرها جهة اليمين كما لو أنها غير آبهة بأكداس الجثث أمامها ولا بما يجري حولها من جموح وغضب.
ومن بين سحب الدخان في الخلفية تظهر أبراج كنيسة نوتردام التي رسخ اسمها في الأذهان بعد رواية فيكتور هوغو لتصبح في ما بعد رمزا للرومانسية الفرنسية.
ولم ينس ديلاكروا أن يرسم نفسه في اللوحة إذ يبدو في يسار اللوحة مرتديا قبّعة طويلة وممسكا ببندقية.
كانت عادة الفنّانين والشعراء منذ القدم أن يرمزوا للحرّية والعدالة بنساء جميلات. وقد كرّس الفرنسيون هذا التقليد باختيارهم "ماريان" رمزا للحرّية الفرنسية.
واختيار ديلاكروا لامرأة عارية الصدر كرمز للحرّية قد يكون أراد من خلاله الإشارة إلى أن الثورة تنطوي على "إغراء وفتنة"، وإلى أن العنف الذي يصاحبها هو جزء لا يتجزّأ من الإيمان بالتغيير الجذري وحكم الجماهير.
الثوّار المنتفضون فشلوا في إعادة الجمهورية آنذاك، لكنهم استطاعوا إنهاء الحكم الملكي المطلق واستبداله بملكية نيابية.
ومضمون هذه اللوحة، العنيف إلى حدّ ما، قد لا يعبّر عن النتيجة التي آلت إليها الثورة في النهاية، إذ انتهت بظهور نخبة بورجوازية عاقلة استلمت الحكم وأعادته تدريجيا إلى الشعب.
"الحرّية تقود الشعب" قد تكون تجسيدا للحّرية التي تخالطها الفوضى، ومن المرجّح أن يكون ديلاكروا قصد أن يكون المشهد بعموم تفاصيله وشخصياته تعبيرا عن معنى الثورة في بعدها الرمزي والفلسفي، أي ذلك المزيج من الجموح والشهوة والجريمة والعنف.

Thursday, October 12, 2006

لوحات عالميـة - 107

صـــلاة شُــكـــر
للمصوّر الأمريكي إريـك إنستــروم، 1918

تعتبر هذه اللوحة من أكثر الأعمال الفنية رواجاً وانتشاراً داخل الولايات المتّحدة وخارجها.
وقد أصبحت منذ إنجازها في بدايات القرن الماضي إحدى اللوحات الرسمية التي تزيّن مباني الحكومة ومقرّات المسئولين في أمريكا.
واللوحة مستمدّة أساسا من صورة فوتوغرافية التقطها المصوّر الأمريكي إريك إنستروم في الاستديو الخاص به في ولاية مينيسوتا قبل حوالي تسعين عاما.
وفي مرحلة لاحقة عهد إنستروم إلى ابنته رودا، وهي فنانة تشكيلية، بمهمّة تحويل الصورة الفوتوغرافية إلى عمل تشكيلي.
وتكاد تكون اللوحة نسخة طبق الأصل من الصورة. والفارق الوحيد هو أن الألوان أضيفت إلى اللوحة فيما كانت الصورة الأصلية باللونين الأبيض والأسود فقط.
الرّجل العجوز الذي يظهر في اللوحة إسمه تشارلز ويلدن وكان قد زار استديو إنستروم بالصدفة. كان ويلدن شخصا فقيرا ولم يكن له من مصدر للرزق سوى ما كان يجمعه من مال بسيط لقاء بيعه لوازم تنظيف الأحذية.
وقد طلب إنستروم من العجوز أن يلتقط له صورة فوتوغرافية بعد أن استوقفته ملامح الأخير التي تنطق بالتقوى والبساطة والورع.
واختار المصوّر أن يضع إلى جانب العجوز كتاباً وآنية حساء وسكّيناً وقطعة خبز ونظّارةً طبية.
في اللوحة يظهر العجوز وقد أمال جسمه إلى الأمام قليلا وأسند يديه إلى رأسه علامة الخشوع، بينما راح يتلو صلاة شكر خاصّة.
هذه الصورة أصبحت منذ التقاطها في العام 1918 أيقونة فنيّة ترمز إلى الفضيلة والورع والتواضع وقد ُطبعت منها ملايين النسخ لتعلّق في البيوت والمتاجر والمصانع وفصول الدراسة. كما اختيرت لتكون اللوحة الرسمية لولاية مينيسوتا.
وحتى بعد أن تحوّلت الصورة إلى لوحة فنية فقد استمرّ الطلب عليها ينمو ويزداد باطّراد.
التفاصيل في اللوحة بسيطة واعتيادية، لكنها تنطوي على فكرة عميقة المغزى والدلالة.
وربّما كانت الرسالة الكامنة في اللوحة/الصورة هي أنه برغم شعور الإنسان أحيانا بالوحدة والفقر وضنك العيش، فإنه ما يزال هناك الكثير من نعم الله التي يستحق عليها الشّكر والثناء.

موضوع ذو صلة: آدامز.. شاعر الطيف الرمادي

Tuesday, October 10, 2006

لوحات عالميـة - 106

شـارع باريـسـي ذات يـوم ممطــر
للفنّان الفرنسي غوستـاف كايـّيـبـوت، 1877

في هذه اللوحة الجميلة يحاول غوستاف كاييبوت تصوير مزاج الناس في أحد أيّام باريس الممطرة، تماما كما كان يفعل معاصروه من كبار الفنّانين الانطباعيين مثل مونيه ورينوار وديغا وغيرهم.
اللوحة تظهر ساحة واسعة للمشاة، وفي مقدّمة المشهد إلى اليمين يظهر رجل وامرأة يرتديان ملابس عصرية وهما يمشيان على الرصيف وقد أمسك كلّ منهما بمظلة تقيه المطر المنهمر.
في العام 1851 قرّرت حكومة نابليون الثالث تحويل شوارع باريس القديمة والرثّة إلى منظومة متكاملة من الشوارع والطرقات الواسعة والحديثة.
ونتيجةً لاعمال التجديد والترميم تلك، تحوّلت باريس إلى عاصمة عالمية ومركز تجاري حيويّ. واللوحة تصوّر جانبا من جادّة سينت لازار التي نالت القسط الأوفر من عمليات التطوير وإعادة البناء.
وقد أنجز مانيه ولوتريك ومونيه بعض اشهر لوحاتهم الفنية في هذا المكان.
كاييبوت كان ينتمي إلى عائلة ثريّة كانت تمتلك هي الأخرى عقارات في هذه المنطقة وتعمل في تجارة الأقمشة والأراضي.
كان الفنان في الأساس مهندسا معماريا، غير أنه كان يعشق الرسم، وقد وظّف الدروس التي تلقّاها في الهندسة وطوّعها ليطبّقها على لوحاته.
البناء العام للوحة يعتمد على منظور رياضي، كما أن طابعها لا يخلو من بعض سمات الفنّ الأكاديمي.
ويبدو واضحا أن الفنان تعمّد تشويه حجم المباني وكذلك الأبعاد والمسافات التي تفصل في ما بينها بغية خلق فضاء أكثر رحابة كي يعكس التحديث الذي طرأ على المكان.
ُعرضت هذه اللوحة لاوّل مرّة في معرض الرسّامين الانطباعيين عام 1877، ونالت اهتماما وتقديرا كبيرين رغم ما قاله بعض النقاد آنذاك عن غرابة نظامها الهندسي وبعض تفاصيل بنائها العام.
كان الرسّامون الانطباعيون، ومنهم كاييبوت، يركّزون في أعمالهم على محاولة الإمساك باللحظة الراهنة في حركة الناس والغيم والمطر وغيرها من عناصر الطبيعة التي كانوا يهتمّون برسمها مثل الأنهار والأشجار والحدائق.
ورث كاييبوت عن والده ثروة ضخمة، وقد أنفق جزءا كبيرا منها على دعم أصدقائه من الفنّانين الانطباعيين حيث كان يشتري لوحاتهم بأسعار سخيّة ويتكفّل بالإنفاق على المعارض التي تبرز نتاجاتهم وأعمالهم الفنية.
قبيل وفاته عام 1894، أوصى كاييبوت بأن تنتقل مجموعته من الرسوم الانطباعية إلى ملكية الدولة على أن ُتعرض أولا في متحفي اللوكسمبور المخصّص لاعمال الفنّانين الأحياء وفي اللوفر.

Thursday, October 05, 2006

لوحات عالميـة - 105

العـشـيـقـــان
للفنان البلجيكي رينـيـه مـاغـريـت، 1928

في لوحاته يحاول رينيه ماغريت أن يفتح للناظر نافذةً يطلّ من خلالها على الجانب المظلم من العقل.
كان الفنّان ينظر إلى العالم باعتباره معينا لا ينضب من الأسرار والرؤى الشفّافة. ولهذا السبب لم يكن يشعر بحاجة إلى أن يستمدّ من الكوابيس والسحر والهلوسات مواضيع لأعماله.
وكان يرى أيضا أن مجرّد النظر إلى اللوحة يكفي للاستمتاع بها، دونما حاجة للوقوع في فخّ التنظيرات الجامحة والتفسيرات المبتسرة.
وبرأي ماغريت أن الحياة ليست سوى لغز كبير وأن من المتعذّر كسره أو فكّ طلاسمه. وكان يعتقد أن طبيعة الإنسان تدفعه لئلا يرى إلا ما يريد أن يراه أو ما يبحث عنه. ومن ثم فإن إدراكنا مرتبط إلى درجة كبيرة بطبيعة توقعاتنا.
كانت والدة ماغريت امرأة غير سعيدة في حياتها، وقد حاولت الانتحار مرارا.
وفي عام 1912، وكان عمر رينيه لا يتجاوز الثالثة عشرة، غادرت أمّه منزلهم ليلا وعندما بلغت أحد الجسور ألقت بنفسها في مياه النهر.
عندما انتشلت جثّتها بعد أيام، كان جسدها عاريا ووجهها مغطّى بطرف فستانها الذي كانت ترتديه ليلة خروجها من المنزل للمرّة الأخيرة.
وقد رأى ماغريت جثّة والدته عند استعادتها من الماء، ولم تبرح تلك الصورة المزعجة ذاكرته حتّى وفاته.
وبعد مرور سنوات على الحادثة، أي في العام 1928، رسم الفنّان مجموعة من اللوحات التي يظهر فيها أشخاص ُغطّيت وجوههم ورؤوسهم بقطع من القماش.
في هذه اللوحة نرى شخصين يقفان متلاصقين وجها لوجه، وفي نسخة أخرى من اللوحة يظهر الشخصان وهما يقبّلان بعضهما بعضا. والقاسم المشترك بين اللوحتين هو أن الشخوص فيهما بلا ملامح، فقد ُغطّيت رؤوسهم بقطع من القماش الذي يحجب ملامح وجوههم عن الناظر.
ورغم حميمية المشهد وتلقائيته، فقد أصبح رمزا للعزلة والانسحاق والموت.
غير أن غموض اللوحة دفع الكثيرين، ولغايات مختلفة وأحيانا متناقضة، إلى تحميلها بمضامين أخلاقية معاصرة.
فدعاة المثلية الجنسية، على سبيل المثال، يوظفون اللوحة للتعبير عمّا يصفونه بعداء المجتمع تجاههم وتجاهله "لحقوقهم".
والمنظّمات المعنية بمكافحة الايدز تستخدم نفس اللوحة للتحذير من أضرار الممارسات المثلية وأخطارها الكثيرة.
في حين لا يرى بعض نقّاد الفن في اللوحة أكثر من كونها تجسيدا بسيطا ومباشرا للمقولة الشائعة "الحبّ أعمى".
كان معروفا عن ماغريت براعته في تقنية مزج الصور، وكان يردّد دائما أن الكلمات بلا معنى، وأننا نحن من نخلع عليها المعاني التي نريد وبطريقة متعسّفة أحيانا.
وبعض النقاد ممّن درسوا لوحاته قالوا بأنها انعكاس لرغبة الفنان في التعبير عن اعتراضه على رتابة وعبثية الحياة. والبعض الآخر رأوا فيها ما يمكن اعتباره حيلة هروبية ونكوصا عن مواجهة الواقع. والبعض الثالث تحدّث عن دأب ماغريت ومثابرته في توظيف فنّه من اجل كشف بعض المناطق المظلمة والمعقّدة في الطبيعة الإنسانية.
وهناك فريق آخر من النقاد ممّن لا يخفون افتتانهم بجمال مناظره وجاذبيتها رغم كون بعضها مربكا ومستفزّا.

Tuesday, October 03, 2006

لوحات عالميـة - 104

مـدرسـة أثـيــنا
للفنان الإيطالي رافـائيــل، 1509

لوحة أخرى يعتبرها الكثير من النقّاد واحدةً من التحف الفنّية العالمية.
وقد ولدت فكرة هذا العمل عندما أوعز البابا يوليوس الثاني إلى الفنّان رافائيل برسم لوحة تكون محفّزا للنقاش الفكري ورمزا لأهميّة الثقافة، لكي يعلّقها البابا في مكتبته الخاصة.
واللوحة تصوّر ما ُيفترض أنه ندوة فكرية جرت أحداثها في مدرسة أثينا باليونان القديمة حوالي سنة 380 قبل الميلاد.
رافائيل حاول أن يجعل اللوحة تجسيدا للحقيقة المكتسبة من خلال العقل، وهو لم يختر للوحة شخصيات مجازية أو أسطورية كما درج على ذلك الفنّانون في زمانه، بل فضّل أن تضمّ اللوحة شخصيات حقيقية لمفكّرين وفلاسفة مشهورين وضعهم داخل إطار معماري كلاسيكي تتّسم تفاصيله بالفخامة والمهابة والجلال.
وكل الشخصيات التي صوّرها رافائيل في "مدرسة أثينا" تشكّل اليوم ركائز ودعامات مهمّة في الفكر الغربي المعاصر.
وبفضل قدرته الوصفية الفائقة، عمد الفنان إلى توزيع الشخصيات على مساحة اللوحة بشكل متساو.
فليس هناك رمز معيّن يلتفّ حوله الباقون ويحيطونه بعلامات الاحترام والتبجيل.
بل الجميع هنا متساوون وهم منشغلون، بلا استثناء، بالحركة الدائبة والتفاعل وتبادل النقاش في ما بينهم.
في هذا العمل جمع رافائيل ممثّلين لكافّة فروع المعرفة من هندسة ورياضيات وفلك وأدب وموسيقى وفلسفة وخلافه.
واختار كلا من أفلاطون وأرسطو، اللذين يظهران في وسط المشهد وهما منهمكان في الحوار، ليكونا محكّمين للنقاشات في الندوة.
في مقدّمة اللوحة الى اليمين نرى اقليدس وهو يشرح نظريّته لتلاميذه، وفوقه مباشرة يظهر زرادشت ممسكا بكرة أرضيّة مجسّمة، بينما يبدو ديوجين في الوسط متمدّدا على الدرج.
وإلى اليسار وغير بعيد عن ديوجين يظهر هيراكليتوس الفيلسوف المتشائم مستندا إلى قالب من الرخام ومسجّلا ملاحظاته على الورق.
وهيراكليتوس هنا يأخذ ملامح ميكيل انجيلو، وهي إشارة أراد رافائيل من ورائها تكريم انجيلو والإشادة بعمله الذي كان قد أنجزه للتوّ في سقف كنيسة سيستين.
ولم ينس رافائيل أن يرسم نفسه أيضا إذ يبدو واقفا في أقصى يمين اللوحة وقد اعتمر قبّعة سوداء.
وإلى اليسار يظهر فيثاغوراس وهو يدوّن ملاحظاته في كرّاس، وغير بعيد منه نرى بن رشد وهو ينصت باهتمام إلى ما يجري.
وفوق قليلا تظهر امرأة يقال إنها هيباشيا وهي أشهر شاعرة وخطيبة وفلكية وعالمة رياضيات من النساء، وقد برز اسمها وذاعت شهرتها زمن مكتبة الاسكندرية.
في اللوحة أيضا يظهر سقراط وزينوفون وابيكوروس "أو ابيقور بالعربية" وبطليموس وسواهم.
فور إتمام رافائيل "مدرسة أثينا" حقّقت اللوحة نجاحا مدوّيا وقوبلت بحماس بالغ. وأصبحت منذ ذلك الحين صورة مجازية ترمز لحرّية الفكر وتقديس العقل وأهمية الحوار.

موضوع ذو صلة: مدرسة أثينا

Thursday, September 28, 2006

لوحات عالميـة - 103

الـعــذراء
للفنّان النرويجي إدفـارد مونـك، 1895

رسم ادفارد مونك هذه اللوحة في برلين في العام 1894 وأصبحت منذ ذلك الحين إحدى أكثر اللوحات الفنية إثارةً وغموضاً في تاريخ الفنّ الغربي.
وقد استحضر الفنّان في اللوحة رؤيته الغامضة عن الخوف والرغبة من خلال صورة المرأة التي كان يرى فيها رمزا للانوثة والموت معا. واللوحة هي بمعنى ما تجسيد للطبيعة الغامضة للحياة ومعجزة الوجود المليئة بالمشاعر والانفعالات المتناقضة.
والعذراء تمثّل محطّة بين الرمزية التي كانت رائجة في أواخر القرن التاسع عشر وبين فنّ الحداثة الذي ظهر مع بدايات القرن العشرين.
في اللوحة نرى امرأة شابة وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة باهتة، وهي هنا تكشف عن بعض جسدها، فيما اعتمرت قبعة حمراء ولفّت ذراعيها خلف ظهرها.
عينا المرأة تبدوان مغمضتين بينما يميل جسدها ناحية الضوء الذي يكشف عن المزيد من الملامح والقسمات.
المشهد يعطي الناظر إحساسا بالتجريد والعزلة، وهو يصوّر المراحل الثلاث للمرأة كما رسمها مونك في العديد من لوحاته، وهي الشباب والبراءة كما يعبّر عنهما الوجه، والحياة والعاطفة كما يعبّر عنهما الجسد، ثم الشيخوخة والموت كما ترمز لهما العينان الذابلتان والهالة الحمراء حول الرأس.
ربّما أثّرت في ذهنية مونك وفي طبيعة اختياره لمواضيع لوحاته حقيقة أنه عاش في بلد يغلب على مناخها الصقيع والظلام الذي يخيّم على النرويج واسكندينافيا عامّةً معظم فترات السنة. وربّما لهذا السبب كانت لوحاته تعالج مواضيع مثل العزلة والكآبة والموت. ومونك واحد من فنّانين وكتّاب أوربيين كثر تمتلئ أعمالهم بالمضامين الرمزية والتساؤلات الحائرة عن مصير الانسان ومعنى الحياة وكنه الوجود.
عاش مونك المتوفّى عام 1944 حياة مليئة بالحزن والقلق وعانى من نوبات المرض العقلي. وقد توفّيت والدته وهو بعدُ في سنّ مبكرة، ثم ما لبثت أن لحقت بها شقيقته الكبرى. وقد كان لهاتين الحادثتين، بالاضافة إلى علاقاته الفاشلة مع النساء، أثر مهمّ في تكوين شخصيته ونظرته إلى الحياة.
وأخيرا، ارتبطت لوحة العذراء بواحدة من أشهر عمليات السطو الفنّي، ففي أغسطس من عام 2004 دخل ثلاثة رجال مسلّحين إلى متحف مونك في اوسلو وقاموا في وضح النهار بسرقة اللوحة بالاضافة إلى لوحة مونك الاشهر الصـرخـة.
ومنذ شهرين تمكّن رجال الشرطة من القبض على اللصوص واستنقاذ اللوحتين اللتين عادتا أخيرا إلى مكانهما الاصلي بعد أن تمّ ترميمهما وإصلاح الاضرار التي لحقت بهما جرّاء عملية السطو تلك.

Sunday, September 10, 2006

لوحات عالميـة - 102

الموجة الكبيرة قبالة شاطيء كاناغاوا
للفنان الياباني كاتسوشيكا هوكوساي، 1831

يعتبر بعض النقّاد هذه اللوحة أشهر لوحة فنية في آسيا، كما أنها أصبحت منذ إنجازها قبل أكثر من 180 عاما أيقونة ترمز للفن الياباني في العالم.
أما هوكوساي فهو أحد الأسماء الكبيرة في الفنّ التشكيلي في اليابان. وقد تلقّى تعليمه على يد مواطنه شونشو الذي اكتسب منه مهارات الحفر والرسم على الخشب.
وقد ظلّ هوكوساي يحظى بشهرة في الغرب أكثر من تلك التي حصل عليها في بلده اليابان.
وحوالي منتصف القرن التاسع عشر وصلت أعماله إلى باريس ولقيت احتفاءً كبيرا من الرسّامين الانطباعيين آنذاك أمثال مونيه وديغا وتولوز لوتريك.
في "الموجة الكبيرة" نرى ثلاثة قوارب تتأرجح وسط الأمواج المضطربة. وهناك بشر صغار قد يكونون بحارة أو صيّادين يحاولون مستميتين الإفلات من قبضة الموجة الكبيرة التي تتكسّر لتشكّل ما يشبه المخالب الضخمة التي تطبق على الصّيادين.
ومن بعيد تلوح للناظر قمّة جبل فوجي المقدّس وقد كلّلتها الثلوج.
لكن رغم العاصفة البحرية وثورة الموج، تبدو الشمس مشرقة والجوّ صحوا.
كان هوكوساي فنّانا قويّ الملاحظة. وقد صوّر في لوحاته التي تجاوز عددها الثلاثين ألفاً الطبيعة والبشر واستمدّ مواضيع أعماله من حضارة اليابان الخصبة وتقاليدها العريقة وأساطيرها المدهشة.
لكنه لم يهتم بتصوير الساموراي والنبلاء والجنرالات أو الشوغنز Shoguns ، بل أبدى تركيزا خاصّا على رسم الناس العاديين ومظاهر حياتهم اليومية."الموجة الكبيرة" هي واحدة من سلسلة من ستّ وثلاثين لوحة رسمها الفنان تحت عنوان: ستّة وثلاثون منظرا لجبل فوجي".
واللوحة كما هو واضح تصوّر جبروت الطبيعة وصراعها الأزلي مع الإنسان الذي ينتصر على هشاشته وضعفه بامتلاكه العزيمة والإرادة القويّة.
لكن اللوحة أصبحت اليوم ترمز أيضا إلى طوفان المعرفة وصراع العالم المعاصر مع السّيل الجارف والمنهمر من الأخبار والمعارف والمعلومات التي تستجدّ كلّ ساعة وكلّ دقيقة.
كان هوكوساي يميل إلى حبّ الطبيعة. والكثير من رسوماته تتضمّن صورا لطيور وحيوانات وأعشاب وأشجار وأزهار.
لكنه كان مفتونا أكثر بحبّ البحر. وكان يصوّر الماء في حالة حركة. وبخلاف معاصريه من الرسّامين، لم يكن مغرما بتصوير حياة الأعيان والأغنياء، بل كان يفضّل رسم صيّادي السمك في حياتهم اليومية البسيطة، رغم حقيقة انه ما كان يجرؤ فنان في ذلك الوقت على رسم هذه الطبقة التي كان ينظر إليها المجتمع الياباني آنذاك نظرة دونية واحتقار.
ثمّة من يقول إن "الموجة الكبيرة" لوحة غربية رُسمت بعيني فنّان ياباني. إذ لم يُعرف عن الفنانين اليابانيين في ذلك الوقت اهتمامهم بتصوير الطبيعة كما لم يكونوا يهتمون بالمنظور أو رسم الأشخاص.
وهناك من النقاد من يرى أن الرسّامين اليابانيين استفادوا من لوحات الريف الهولندية فكيّفوها وأعطوها نكهة وطابعا يابانيا.
ومع ذلك، فمنذ منتصف القرن قبل الماضي كانت الأعمال التشكيلية اليابانية قد غزت عواصم الفنّ والثقافة الغربية ووجد فيها فنانون مثل جون ويسلر وفان غوخ ما أثار اهتمامهم فاقتبسوا في أعمالهم بعضا من أساليبها وتقنياتها المميّزة.
خلال حياته، كان هوكوساي شخصا غريب الأطوار وذا نزوات كثيرة. فقد كان يرسم لوحات كثيرة غير انه كان يتلف ما رسمه، ربّما سعيا وراء المزيد من الإجادة والكمال. كما قام بتغيير بيته أكثر من تسعين مرّة واتخذ له أكثر من عشرين اسما مختلفا طوال حياته.
ويُحكى انه عندما حضرته الوفاة، وكان في سنّ التسعين، تمنّى لو منحته السماء خمس سنوات إضافية كي يرسم أفضل وأجمل.

Sunday, August 20, 2006

لوحات عالميـة - 101

ممـلـكـة الســلام
للفنـان الأمريكي ادوارد هيكــس، 1833

ادوارد هيكس رسّام وواعظ أمريكي، وشهرته كفنان تعتمد في الأساس على هذه اللوحة. وقد رسم منها حوالي المائة طبعة.
هيكس كان شخصا متديّنا بطبيعته، وكان يحبّ الحيوانات والأطفال.
لكن باستثناء هذا لا أحد يعرف الكثير عن حياته أو معتقداته.
البعض يراه مجرّد فنان كولونيالي والبعض الآخر ينظر إليه باعتباره رساما فولكلوريا ساذجا.
كان هيكس يؤمن بالمفاهيم القديمة حول رمزية الحيوان وعلاقته بالشخصية الإنسانية. ومملكة السلام هي آخر لوحة رسمها قبل وفاته. ويعدّها كثير من النقّاد إحدى روائع الفن العالمي.
فكرة اللوحة مستوحاة من إحدى آيات الإنجيل التي تتنبّأ بعودة المسيح وبأن يسود السلام الأرض ويعيش البشر والحيوان جنبا إلى جنب في سلام ووئام.
واللوحة تترجم بدقّة ما ورد في تلك النبوءة، فالذئب يتعايش مع الحمل والنمر يرقد إلى جوار الطفل والغزال مع الأسد والبقرة مع الدبّ الخ.
لكن هيكس اختار أن يضمّن اللوحة حدثا معاصرا، ففي الخلفية إلى اليسار يظهر ويليام بن - مؤسّس ولاية بنسلفينيا وزعيم جماعة الكويكرز المتديّنة التي كان هيكس ينتمي إليها – وهو يوقّع اتفاقية سلام مع الهنود الحمر سكّان أمريكا الأصليين.
وقد كان هيكس يعتقد أن تلك الحادثة هي جزء من تأسيس مملكة السلام على الأرض.
كان هيكس يؤمن بقوّة النور الذي يشعّ داخل الإنسان وكان يحسّ به ويراه في نفسه وفي الآخرين.
كان العالم بالنسبة إليه كتلة من النور، والمخلوقات من بشر وحيوان ممتلئة بهذا النور.
وإحدى لوحاته التي أنجزها في أخريات حياته تصوّر حقلا اخضر تعلوه سماء مغمورة بالضياء.
كانت رسومات هيكس تعالج موضوعات دينية وتاريخية وحيوانات فيما خصّص البعض الاخر لتصوير حياة المزارعين في ولايته بنسلفينيا.

Saturday, June 24, 2006

لوحات عالميـة - 100

وصـيفــات الـشّـــرف
للفنان الإسباني دييـغـو فـيلاســكيــز، 1656

تعتبر هذه اللوحة واحدة من أعظم الأعمال التشكيلية في تاريخ الفنّ الغربيّ كلّه، كما أنها إحدى اكثر اللوحات إثارةً للغموض والنقاش والجدل.
وبعض النقّاد لا يتردّد في وضعها في منزلة متقدّمة حتى على الموناليزا أو الجيوكندا.
ومنذُ أن رسم دييغو فيلاسكيز اللوحة قبل ثلاثة قرون ونصف وهي تتبوّأ موقع الصّدارة في كافة القوائم المخصّصة لافضل الأعمال التشكيلية في العالم.
فيلاسكيز نفسه يُعتبر أهمّ رسّام إسباني على الاطلاق وأحد أعظم الرسّامين في التاريخ، بل إن مانيه وبيكاسو مثلا يعدّانه الأعظم. وقد كتب بيكاسو عدّة دراسات عن هذه اللوحة ورسم سلسلة من اللوحات التي تعطي "وصيفات الشرف" تفسيرات متباينة.
ُعرف عن فيلاسكيز مهارته الفائقة في مزج الألوان وتعامله المبهر مع قيم الضوء والكتلة والفراغ.
وقد رسم هذه اللوحة في قصر الكازار في مدريد عام 1656 حيث كان يعمل رسّاما أوّل في بلاط الملك فيليب السادس ورئيساً لتشريفات القصر.
واللوحة تصوّر "انفانتا مارغاريتا" كبرى بنات الملك وهي محاطة بوصيفاتها وكلبها. لكن فيلاسكيز عمد إلى رسم نفسه ايضا في اللوحة، وهو يظهر هنا منهمكاً في الرّسم ومرتدياً ملابس محاربي القرون الوسطى. بيد أن اللوحة التي يفترض أن الفنّان يرسمها مخفية تماماً عن الأنظار.
ووسط الجدار الخلفي ثمّة مرآة تعكس صورة الملك والملكة. والى يمين اللوحة في الخلفية بدا الحاجب كما لو انه يهمّ باستقبال زوّار ما.
الوصيفتان تظهران في وضع انحناء دليلاً على احترامهما وتقديرهما للأميرة الصغيرة التي ترتدي تنّورة واسعة ومزركشة. ومع ذلك فإن الأميرة ووصيفاتها يبدين كالدّمى أو كالتماثيل الشمعية مقارنةً بالحضور الطاغي والقويّ الذي يفرضه الفنان نفسه على المشهد بأكمله.
ولد دييغو فيلاسكيز "أو فيلاثكيث كما ينطق اسمه بالاسبانية" في اشبيليه عام 1599 وعاش سنوات حياته المبكّرة في أوج عصر النهضة في أوربا. في تلك الفترة بالذات كان سيرفانتيس وشكسبير يعكفان على كتابة أعمالهما الإنسانية العظيمة.
على المستوى الشخصي، ُعرف عن فيلاسكيز تواضعه الجمّ وتعاطفه الكبير مع فئة الفقراء والمهمّشين.
وقد اعتنق منذ بواكير شبابه الأفكار الديمقراطية والإنسانية وتعزّزت تلك الأفكار لديه اكثر عندما دخل دائرة المجتمع الأرستقراطي الذي عرف بتهتّكه وانغماسه في الملذات.
وكان فيلاسكيز يقارن حياة الترف والتخلّع تلك بالمعاناة الشديدة التي كان يكابدها العامّة من أفراد الشعب.
ويبدو أنّ أحد الاسباب المهمّة في شهرة هذه اللوحة يعود إلى غموضها الذي ما يزال يتحدّى إلى اليوم أكثر النقّاد قدرةً على قراءة الأعمال الفنية وتفسيرها.
ترى هل كان فيلاسكيز يبغي من وراء رسم هذه اللوحة جعل الناظر أهمّ من اللوحة وشخوصها، أم أراد أن يقول إن الشخوص ليسوا اكثر من أفراد افتراضيين ولا يوجدون سوى في عقولنا؟
ثمّ ما الذي كان يرسمه الفنّان على وجه التحديد؟ هل كان يرسم نفسه أم الملك والملكة المنعكسة صورتهما في المرآة المعلّقة على الحائط؟
ولماذا رسم الأميرة والوصيفات في محترفه وبين لوحاته الأخرى ولم يرسمهنّ في إحدى قاعات أو أروقة القصر الفخمة على غرار ما كان يفعل الفنّانون في ذلك الزمان؟
وهل أراد فيلاسكيز أن يشير ضمناً إلى حضور ذهني وسيكولوجي للأفراد مقابل حضورهم الفيزيائي أو الجسدي؟
كلّ تلك الأسئلة وغيرها ما تزال ُتثار إلى اليوم حول طبيعة ومضمون هذا الأثر الفنّي الهام الموجود حالياً في متحف ديل برادو بمدريد.

موضوع ذو صلة: التاريخ والسياسة والفنّ في لوحة

لوحـات عالميـة - 99

بورتـريه جيـرولامـو سـافـونــارولا
للفنان الإيطالي فــرا بـارتــولـوميــو، 1488

تكمن شهرة وأهميـة هذا البورتريه في كونه يصوّر شخصيّة غير عادية وطالما أثارت جدلا واسعاً بين المؤرّخين.
فقد لعب هذا الراهب دوراً محورياً في الأحداث التي عصفت بفلورنسا وبالكنيسة الكاثوليكية على وجه الخصوص حوالي منتصف القرن الخامس عشر.
كان سافونارولا ثائرا على طغيان الكنيسة وفساد رجال الدين واستبداد الساسة آنذاك.
وقد ُعرف عنه احتقاره للأمور الدنيوية وتقديسه للقيم الدينية من خلال خطبه الحماسية القوية التي كان يضمّنها نبوءاتٍ وتهديداتٍ مبطنة للكنيسة في روما وللحكاّم في فلورنسا.
ورغم تحذيرات الكنيسة له، فقد استمرّ سافونارولا في حشد الأنصار من حوله وتهييج العامّة ضدّ رجال الدين، وشرع يبشّر باقتراب الثورة الموعودة التي ستجدّد الدين والأخلاق.
وبعد انهيار حكم أسرة ميديتشي في فلورنسا في العام 1494، اصبح سافونارولا الحاكم الفعلي للمدينة، فنصّب حكومة ديمقراطية وبدأ في إصلاح الجهاز البيروقراطي وتعهّد بإزالة كافّة مظاهر الفساد من الحكومة والكنيسة.
لكن ما كان لذلك أن يمرّ بسهولة، إذ أن إصلاحات الرجل أوغرت عليه صدور أعدائه الأقوياء وخصومه الكثر.
وأمام ازدياد نفوذ الراهب وتعاظم تأثيره على الناس، اضطرّت الكنيسة لاستدعائه ومحاكمته ثم اتّهامه بالزندقة. وعلى خطّ موازٍ كانت هناك حملة منظّمة لتدمير سمعته وإبعاد الناس عنه.
وفي عام 1498 نفذّت الكنيسة حكم الموت شنقا في سافونارولا وفي اثنين من كبار اتباعه وأمرت بإحراق جثثهم جميعا.
الفنان فرا بارتولوميو كان أحد اتباع سافونارولا المقرّبين وقد رسم له هذا البورتريه خلال حياة الأوّل على الأرجح.
في البورتريه يبدو سافونارولا في مظهر يغلب عليه الزهد والتقشّف وقد اعتمر عمامة سوداء.
الخلفية أيضا اختار لها الفنان لونا اسود، ربّما لإضفاء شئ من الغموض والقداسة والوقار على هيئة الرجل الذي يبدو مستغرقا في التفكير والتأمّل.
أما العبارة المنقوشة باللاتينية اسفل اللوحة فتقول: بورتريه النبيّ جيروم المرسل من الله". وجيروم هو الاسم الكنسيّ لسافونارولا، والعبارة تثبت أن اتباع الراهب كانوا يعتبرونه نبيّا فعلا، وهي الصّفة التي استغلتها الكنيسة لوصمه بالزندقة ومن ثم الحكم عليه بالموت.
بارتولوميو كان متخصّصا في رسم المواضيع الدينية. وفي هذا تنفيذ لوصيّة سافونارولا الذي استنكر ما اسماه بفساد وانحلال الفن آنذاك مؤكّدا على أهمية أن يكون الفن مرآة لتعاليم الإنجيل فينشر الفضيلة ويعلّم الأمّيين.
اليوم وبعد انقضاء خمسة قرون على إعدام جيرولامو سافونارولا، ما يزال المؤرّخون منقسمين حول أهمّية الرّجل وطبيعة وحجم الدور الذي قام به.
البعض يقول إن أفكاره كانت الشّرارة التي أدّت في ما بعد إلى ظهور المصلح البروتستانتي مارتن لوثر.
وهناك من ينظر إلى سافونارولا باعتباره أحد المدافعين الكبار عن الحقوق المدنية وحريّة الضمير، مؤكّدين على شجاعته وعظم تضحيته في التصدّي لطغيان الكنيسة وفساد الساسة في زمانه.
في ما بعد، أعادت الكنيسة الاعتبار إلى سافونارولا فوصفته بالمسيحيّ الصالح الذي احبّ الكنيسة بإخلاص ووقف في وجه المظاهر الوثنيّة التي كانت رائجة في ذلك الحين.

Tuesday, June 06, 2006

لوحـات عالميـة - 98


القـــط الأســـود
للفنان السويسري تيوفيـل شتـاينـليـن، 1890

رغم بساطة هذه اللوحة وطبيعتها الكاريكاتورية الواضحة، فإنها أصبحت منذ ظهورها في نهايات القرن التاسع عشر أحد أشهر الأعمال الفنية العالمية وأكثرها انتشاراً ورواجاً.
واللوحة هي عبارة عن بوستر ُكلّف تيوفيل شتاينلين برسمه ليروّج لجولة لأحد أصدقائه الفنّانين نظّمها مقهى مشهور في باريس.
وكان المقهى، واسمه القطّ الأسود، ملتقى للفنّانين والشّعراء في ذلك الوقت وفيه كانت ُتقام حفلات موسيقية وعروض لمسرح الظلّ.
في اللوحة يطلّ قطّ بشعر مجعّد وعينين صفراوين متوهّجتين وهو جالس أمام خلفية برتقالية اللون.
وقد رسم الفنان البوستر في وقت شهد إعادة الاعتبار للقطط بعد أن كانت تُقرن في أوربا بطقوس السحر والشعوذة.
ومثل مود لويس، كان شتاينلين يحبّ القطط كثيرا وقد ظهرت في العديد من رسوماته.
ولد الفنان في لوزان بسويسرا عام 1859 ثم انتقل إلى باريس عام 1882 وأصبح جزءاً من مجتمع الفنانين والأدباء في حيّ مونمارتر الشعبي. وكان معاصراً لبيكاسو وموديلياني وماتيس ورينوار.
في باريس عمل شتاينلين لأكثر من عشرين عاما مستشاراً ورسّاماً لعشرات المجلات الثقافية في ذلك الوقت. وتتضمّن لوحاته مشاهد لنساء وطبيعة وحيوانات. لكنه كان يركّز بشكل خاصّ على الهموم الاجتماعية والقضايا السياسية مثل العدالة والفقر والحروب والمجاعة.
وفي مرحلة من المراحل أنجز رسومات تنتقد بقسوة بعض العلل والآفات الاجتماعية وكان يذيّل تلك الرسومات باسم مستعار لكي يتجنّب غضب الساسة ورجال الدين.
توفي شتاينلين عام 1923 وتوجد أعماله اليوم في عدد من المتاحف الفنية الكبرى في العالم مثل متحف الارميتاج في روسيا والناشيونال غاليري في لندن.
المعروف أن القط الأسود هو فصيلة من القطط الهجينة التي تتصف بفروها الأسود. وتذهب بعض المعتقدات التي كانت شائعة في العصور الوثنية إلى أن القط الأسود هو بشير فأل وعلامة على الحظ الحسن.
لكن في بعض ثقافات العالم يقترن القط الأسود بالشرّ نظرا لارتباطه بطقوس ممارسة السحر.
ومنذ نهاية القرن الثامن عشر أصبح رمزا للأفكار والدعوات الفوضوية.
في العصر الحديث أصبح القطّ في الثقافة والفنّ يرمز للشِعر وأحيانا للرّغبة.
وقد اختار الشاعر والأديب الأمريكي إدغار آلان بو القطّ الأسود عنوانا لإحدى قصصه القصيرة.

Wednesday, May 31, 2006

لوحـات عالميـة - 97


تمـريــن فـي الرقــص
للفنان الفرنسي إدغــار ديغـــا، 1874

لم يرتبط اسم فنّان تشكيلي بصور الرقص والراقصات مثلما ارتبط اسم ادغار ديغا. وقد كرّس اكثر من نصف أعماله لرسم راقصات الباليه.
وبلغ من شغف ادغار ديغا بتصوير حركات الرقص انه كان يحضر إلى دار اوبرا باريس بانتظام ويراقب دروس وتمارين الرقص وحركات الراقصات على المسرح وخلف الكواليس.
كما كان يشكّل الصلصال والشّمع وينشئ نماذج من الطين في محاولة لفهم حركات الراقصات.
"تمرين في الرقص" هي إحدى افضل وأشهر لوحات ديغا وفيها يصوّر مجموعة من الراقصات وهنّ يؤدّين بروفة في الرقص.
بالإضافة إلى حيوية وتناغم الألوان في اللوحة، ثمّة تركيز خاص على إبراز أشكال الرّؤوس والأذرع من خلال استخدام الخطوط القاتمة.
وفي هذا العمل، كما في جميع أعماله الأخرى، لا يبدو ادغار ديغا مهتمّا بتصوير التعابير على وجوه راقصاته أو إبراز جمالهن، بل كان حريصا على تصوير سحر الباليه فحسب.
ولد ديغا في باريس عام 1834 واظهر ميلا مبكّرا لقراءة الكتب كما كان معجبا برسومات انغـر.
وفي إحدى المراحل ذهب إلى إيطاليا وأقام في روما ثلاث سنوات اطلع خلالها على لوحات عصر النهضة. وعاد إلى باريس عام 1861 ليرسم لوحات تاريخية وبورتريهات لأصدقائه.
في بداياته، كان ادغار ديغا ينفر من الانطباعيين ومع ذلك فضّل أن يتحالف معهم احتجاجا على تقاليد الفنّ الأكاديمي الصارم.
كان من عادة ديغا ألا يرسم في عين المكان، بل كان يدوّن ملاحظاته ومشاهداته على الورق ومن ثم يرسم اعتمادا على ذاكرة بصرية قويّة.
ابتداءً من العام 1870 كان ديغا قد بدأ يعاني من ضعف بصره. وبعد ذلك بعشر سنوات كان قد فقد البصر نهائيا تقريبا. وفي أخريات حياته كان يجوب شوارع باريس على غير هدى وعانى من الفقر والتشرّد إلى أن توفّي في شهر سبتمبر من عام 1917 م.

Sunday, May 21, 2006

لوحـات عالميـة - 96


العــاريـة الــزرقــاء
للفنّان الفرنسي هنـري مـاتيــس، 1952

عندما ظهرت هذه اللوحة لأول مرّة اعتبرها النقّاد عملا قبيحا وشاذّا.
لكنها اليوم تعتبر واحدة من أهمّ الأعمال الفنية التي أنجزت خلال القرن العشرين.
وقد ولدت فكرة اللوحة في ذهن هنري ماتيس عندما كان في زيارة لشمال أفريقيا، واراد أن تكون المرأة فيها رمزا لقوّة وعنفوان الأرض التي زارها، كما أراد من خلال اللوحة تحدّي فكرة العارية المثالية التي كان رسمها رائجا في زمانه. وفي ما بعد رسم ماتيس نسخا أخرى من اللوحة بدرجات متفاوتة من التحوير والاختلاف.
في بدايات حياته اشتغل ماتيس بالمحاماة وعندما بلغ العشرين من عمره اكتشف ميله للفن التشكيلي. ومنذ ذلك الوقت اصبح الرسم مهنته التي لازمته حتى نهايات حياته.
درس الفنان في مدرسة الفنون الجميلة في باريس، وفي البداية جرّب أساليب فنية شتّى، لكنه كان متأثرا بفان غوخ وسيزان على وجه الخصوص. كما استهوته كثيرا لوحات الفنان البريطاني جوزيف تيرنر.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت شهرة ماتيس قد بلغت اوجها واصبح فنانا معترفا به عالميا.
أهمية "العارية الزرقاء" تكمن في التكنيك الفني المبتكر الذي وظّفه ماتيس في رسمها. وقد كان مقدّرا لها في البداية أن تكون عملا نحتيا، لكن ماتيس قرر تحويلها إلى لوحة.
وسمات الأعمال النحتية واضحة في اللوحة من خلال الأشكال والكتل والأبعاد التي تحكم بناءها العام.
وهناك ملمح مهمّ في اللوحة يتمثّل في تعمّد ماتيس فصل الأعضاء عن بعضها البعض، وقد فعل ذلك حتى قبل أن تظهر التكعيبية التي كان رموزها يميلون لتصوير الجسم البشري باستخدام أشكال مجرّدة ومجزّأة.
في العام 1941 أصيب ماتيس بمرض السرطان وكان لذلك اثر كبير على صحّته وعلى قدرته على الرسم.
ومع ذلك، ظلّ يرسم ويجرّب ويبدع إلى أن توفّي في شهر نوفمبر من عام 1954م.

موضوع ذو صلة: ثلاثة كُتُب

Saturday, May 20, 2006

لوحـات عالميـة - 95


مــدام إكـــس
للفنان الأمريكي جـون سنغـر سـارجنـت، 1884

لوحة أخرى تعتبر من اكثر اللوحات شهرةً في تاريخ الفنّ التشكيلي العالمي. وقد كانت هذه اللوحة موضوعاً للكثير من الدراسات النقدية كما أنها أصبحت مألوفة لكثرة ما ظهرت على أغلفة العديد من الكتب والمجلات والمطبوعات المتنوّعة.
ولدت مدام إكس – واسمها الأصلي فيرجيني افنيو - في لويزيانا بالولايات المتحدة في العام 1859 لأبوين من أصول إيطالية. وبعد وفاة الأب هاجرت الأمّ وبناتها إلى باريس.
في باريس أصبحت فيرجيني محطّ اهتمام أوساط الطبقة الأرستقراطية الفرنسية وذلك بفضل جمالها الآسر وجاذبيتها الطاغية. ولم تلبث أن تزوّجت من مصرفي فرنسي يدعى بيير غوترو.
ويقال إن الحضور المدروس والواثق لمدام غوترو – كما أصبحت تسمّى الآن - كان كافيا لان يوقف الحفلات ويشلّ الحركة في الشوارع والأماكن العامة. وقد قابلها جون سارجنت في باريس عام 1881 وأبدى رغبته في رسمها.
سارجنت كانت تحدوه الرغبة في أن يشتهر ويذيع اسمه اكثر، وقد التقت تلك الرغبة مع طموح مدام غوترو في أن تؤكّد ذاتها في عمل فنّي يخلّد اسمها ويحفظ ذكراها في أذهان الناس.
في البداية واجه سارجنت صعوبة في اختيار الوضعية المناسبة التي ستظهر عليها السيّدة في البورتريه. وبعد ثلاث سنوات أنجز الفنان البورتريه وعرضه في صالون باريس.
وقد اختار الفنان أن يرسم السيّدة جانبياً في فستان من الساتان الأسود المزيّن بالمجوهرات، وكان في ذهنه أن البروفايل يدلّ على التفكير والتأمّل.
ورغم أن الناظر لا يرى سوى نصف الوجه فإن الجزء الظاهر يعطي انطباعا بما يكفي عن شخصية صاحبته. والانطباع هو مزيج من التباهي والثقة بالنفس والحياة المرفّهة والباذخة التي كانت تحياها المرأة.
وقد اختار سارجنت ألوانا دافئة كالزهري والأحمر الخفيف والبنّي البارد، ومما يلفت الانتباه بشكل خاص شكل الأنف الممتدّ قليلا إلى الأعلى دلالةًً – ربّما – على العنفوان والكبرياء.
أثار بورتريه مدام غوترو إثر عرضه في صالون باريس عام 1884 سخط واحتجاج الطبقة الارستقراطية التي رأت فيه إساءة لا تغتفر، ما دفع الفنان إلى سحبه ومن ثمّ مغادرة فرنسا.
والسبب هو أن تلك كانت المرّة الأولى التي ُيعرض فيها بورتريه لامرأة تنتمي إلى تلك الطبقة بكتفين عاريين مع ما يحمله ذلك من إيحاءات ايروتيكية.
ومع ذلك كان سارجنت يعتبر البورتريه أحد افضل أعماله على الإطلاق. وعندما ابتاع متحف المتروبوليتان اللوحة عام 1916 اقترح سارجنت تغيير اسمها إلى "بورتريه مدام اكس" لنزع السمة الشخصية عنها ولتصبح في ما بعد رمزاً مطلقا لجمال المرأة وغموضها.
أما المرأة نفسها فيقال إنها - بعد أن طلّقت من زوجها بعد الضجّة التي أثارتها اللوحة - كانت تتمشّى على شاطئ "كان" في أحد الأيام، وسمعت امرأة تقول لصاحبتها إن شمس مدام غوترو قد آذنت بالغروب بعد أن أفل جمالها وتلاشى سحرها. فما كان منها إلا أن اتّجهت إلى فندقها وأخذت أمتعتها وغادرت سريعا في القطار المتّجه إلى باريس.
هناك أغلقت على نفسها باب بيتها وأمضت بقيّة حياتها وحيدةً منعزلة في غرفة شبه مظلمة ومنزوعة المرايا.
بالنسبة لمتحف المتروبوليتان، ظلّت هذه اللوحة تتمتّع برعاية واهتمام خاص، فهي اكثر الأعمال الفنية طلبا للإعارة وقد طافت حتى الآن معظم المتاحف والغاليريهات الكبرى في العالم.

موضوع ذو صلة: أشهر عشر نساء خلّدهن الرسم

Wednesday, May 03, 2006

لوحـات عالميـة - 94


شـرفـة على شاطـئ سينـت آدريـس
للفنان الفرنسي كـلـود مـونيـه، 1867

لوحة جميلة أخرى لـ كلود مونيه رسمها في العام 1867 أثناء إقامته الممتدّة في منطقة سينت آدريس، يصوّر فيها انطباعه صباح يوم صيفي دافئ.
هنا أيضا يظهر اهتمام مونيه بتأثيرات الضوء والجوّ الخارجي.
عندما كان مونيه يعكف على رسم اللوحة كان ما يزال يعاني من الفقر المدقع. لكنه كان يظهر قدرة كبيرة على مواجهة الصعاب والتكيّف مع الظروف.
اللوحة تصوّر منظراً لشرفة على شاطئ البحر وفيها يظهر أربعة أشخاص. في خلفية المشهد يبدو شقيق الفنان وشقيقته وهما جالسان على ارض الشرفة يتأمّلان البحر أمامهما.
وفي مقدّمة اللوحة تقف ابنة عمّ الرسّام مرتديةً ملابس فاتحة اللون وهي تتحدّث إلى رجل يعتمر قبّعة طويلة.
والمشهد بعمومه يعكس أجواء العطلة في منطقة سينت آدريس وينقل إحساساً بالهدوء وجمال الطبيعة.
في اللوحة أيضا يبدو افتتان مونيه بالضوء، والحقيقة أن هذا ملمح يكاد يطغى على جميع لوحاته.
ظلّ مونيه يرسم بدأب ونشاط معظم حياته. لكن في عام 1908 توقّف عن مزاولة الرسم بعد أن أصيب بمرض في عينيه.
الحدائق العامرة بجداول الماء وأزهار السوسن والجسور اليابانية كانت ثيمة ثابتة في معظم أعمال مونيه، كما خصّص بعض لوحاته لرسم حديقة منزله. واستمرّ بعض الفنانين إلى اليوم يرسمون مناظر للطبيعة، وللحدائق خاصّة، مستعيرين ألوان مونيه القشيبة وأسلوبه البديع والمتفرّد.

Tuesday, May 02, 2006

لوحـات عالميـة - 93


مـذبحــة الأبــريــاء
للفنان الهولندي بيتـر بـول روبنــز، 1612

تعتبر هذه اللوحة رابع أغلى لوحة في العالم، إذ ابتاعها زبون مجهول بمبلغ سبعة وسبعين مليون دولار في مزاد سوذبي اللندني قبل أربع سنوات.
موضوع اللوحة مستمدّ من حادثة تاريخية ورد ذكرها في الإنجيل، وإن بشكل عابر.
إذ تروي بعض المصادر التاريخية أن هيرود الروماني ملك يهوذا أمر جنوده بذبح كافة الأطفال المولودين في بيت لحم في ذلك الوقت خوفا من أن يكون أحدهم هو المسيح الذي سينازعه الحكم ويؤلّب عليه الناس.
وقد فعل هيرود هذا بعد أن ابلغه جماعة من السحرة قدموا من بلاد فارس انهم رأوا نجما في الأفق الشرقي يشير إلى قرب ولادة نبيّ اليهود المنتظر.
ُرسمت اللوحة في ما بين عامي 1609 و 1611 ، وهي عبارة عن كتلة مضطربة من الدم والمعاناة والوحشية والألم.
في اللوحة نرى جنود هيرود المسلّحين بالسيوف والخناجر وهم منهمكون في ذبح الأطفال وسط استماتة أمهاتهم في الدفاع عنهم ومحاولة استنقاذهم من القتل.
وقد بذل روبنز جهدا كبيرا في تصوير المشهد بتفاصيله الكثيرة وبما يفرضه من تعامل مع تشكيلات مركّبة وانفعالات عديدة ومتباينة تتراوح ما بين الحزن والعنف واليأس والصدمة.
وفي ما بعد استعار بيكاسو من "مذبحة الأبرياء" مشهد المرأة التي تحتضن طفلها لحمايته من القتل وضمّنها لوحته الذائعة الصيت غورنيكا التي تصوّر هي الأخرى همجية الحرب وبشاعتها.
يرى بعض النقاد أن روبنز كان داعية سلام وكارها للحروب، يشهد على ذلك مشاركته في مفاوضات السلام بين اسبانيا وبريطانيا في ذلك الحين. ويرجّح أن يكون قد رسم اللوحة مستذكرا ما حدث منذ سنوات قليلة قبل ذلك في مدينته انتورب عندما لقي حوالي سبعة آلاف شخص حتفهم في عمليات قتل واغتصاب ونهب واسعة النطاق.
روبنز كان أحد اشهر فناني الباروك وقد تتلمذ على كبار الفنانين الإيطاليين أمثال رافائيل ومايكل انجيلو ودافنشي. وبالإضافة إلى شهرته كفنان تشكيلي، كان روبنز مهندسا معماريا بارعا وديبلوماسيا محنّكا. وقد ُعرفت لوحاته بضخامة حجمها وبألوانها الزاهية وعمقها العاطفي والانفعالي.
ولد بيتر بول روبنز في المانيا قبل أن تعود عائلته إلى مدينتهم انتورب حيث تعلّم هناك الرّسم منذ صغره. وفي العام 1600 رحل إلى إيطاليا حيث درس فيها الفن وأصاب الكثير من الشهرة وحظي برعاية بعض الأمراء والأعيان.
لوحات روبنز تتّسم بالضخامة والتنوّع والثراء. وهي اليوم موجودة في اشهر المتاحف العالمية.

Sunday, April 23, 2006

لوحـات عالميـة - 92


بـورتــريه شخـصــي
للفنان الهولندي فنسنـت فــان غــوخ، 1889

في السنوات الأخيرة من حياته اصبح فان غوخ يهتمّ برسم بورتريهات لنفسه.
وربّما تأثّر في تلك الخطوة بـ رمبراندت الذي رسم اكثر من مائة بورتريه لنفسه حاول من خلالها تصوير المراحل المهمّة في حياته. وهناك اكثر من ثلاثين بورتريه صوّر فيها فان غوخ نفسه في أوضاع وأمزجة شتّى.
وقد رسم فان غوخ معظم هذه البورتريهات خلال عامين فقط. وهي تكشف عن شخص كان في حالة صراع دائم مع الحياة وربّما كان يبحث من خلال تلك الرسومات عن إجابات لأسئلة كانت تؤرّقه وتثقل على عقله.
وتتفاوت الانفعالات التي ضمّنها تلك البورتريهات من الحيرة إلى الصدمة ومن الشعور النسبي بالطمأنينة إلى الإحساس بالتشوّش والارتباك.
في هذا البورتريه الجميل والمعبّر الذي أنجزه فان غوخ أثناء إقامته في سان ريمي عام 1889 ، يبدو الفنان هادئا ومسترخيا ظاهريا، لكن ملامحه ونظراته تشي بقلق داخلي.
يغلب على هذا البورتريه اللون الأزرق وقد رسم الفنان خلفية متموّجة استخدم فيها خطوطا حلزونية وملتفّة لإضفاء حركية وديناميكية على اللوحة، لكن طريقته في استخدام الفرشاة هنا تعبّر عن قدر كبير من العصبيّة والتوتّر.
الملمح الأهم في بورتريهات فان غوخ عن نفسه هي قوّتها التعبيرية الهائلة كما تنطق بها الملامح والعينان بشكل خاص.
وفان غوخ، شانه شأن رمبراندت وغيره من فنّاني البورتريه الكبار، لم يكن يهتم كثيرا بتمثيل مظهره الخارجي بل بإظهار انفعالاته الداخلية. وكان يفعل ذلك بمنتهى البراعة والصدق.
في السنوات الأخيرة من حياته، رسم فان غوخ أشهر لوحاته على الإطلاق. وقد أمكن التعرّف على الكثير من تفاصيل حياته وجوانب فنّه بفضل السجلّ الضّخم من الرسائل التي بعثها إلى شقيقه ثيـو.

موضوع ذو صلة: كرسيّ

Wednesday, April 19, 2006

لوحـات عالميـة - 91

شـارع فـي بريتـانـي
للفنان البريطاني ستانهـوب فوربـس، 1881

تُعتبر هذه اللوحة أشهر لوحات ستانهوب فوربس، وهي أحد الأعمال الفنّية المفضّلة لدى الكثيرين. كما أنها هي التي أدّت إلى ذيوع اسم صاحبها كرسّام مرموق. هو نفسه وَصف نجاحها ذات مرّة بأنه نقطة تحوّل رئيسية في حياته.
وعندما عُرضت للمرّة الأولى في الأكاديمية الملكية عام 1882م، لقيت نجاحا كبيرا واستُقبلت استقبالا حسنا، ثمّ بيعت في نفس السنة إلى غاليري ووكر للفنّ في ليفربول.
رسم فوربس هذه اللوحة عام 1881 أثناء إقامته في كانكال عاصمة مقاطعة بريتاني الفرنسية. وفيها يصوّر شارعا، أو بالأحرى زقاقا صغيرا، يصطفّ على جانبيه عدد من النساء والفتيات المنهمكات في صنع وتجهيز المكانس وأدوات الجلي المنزلية.
كان الفنّان غالبا يرسم مناظر طبيعية وأنشطة من الحياة اليومية. ولوحاته تعكس حبّه للحياة وتعاطفه مع الإنسان وتماهيه مع الناس الذين كان يرسمهم.
وأثناء إقامته في فرنسا، زار فوربس مقاطعة بريتاني ورسم فيها مناظر في الهواء الطلق. وفي بريتاني أيضا استطاع أن يجد كلّ ما كان يرغب به من أناس بسطاء وتقاليد متوارثة ولغة قديمة وأسلوب حياة محافظ.
كان الرسّام منشدّا بقوّة إلى طبيعة الحياة في الريف، وكان يرسم بطريقة بسيطة وشفّافة كلّ ما كانت تقع عليه عيناه. وقد اخذ عليه البعض انعدام الرؤى والأحلام في أعماله، بالرغم من أنها تروق لكلّ شخص تقريبا ببساطتها وصدقها.
في بريتاني، سكن فوربس في نفس هذا الزقاق الظاهر في اللوحة، واسمه اليوم ريو كتشينر. وقد صادفته نفس المشاكل التي تواجه عادة رسّامي المناظر الطبيعية، مثل تغيّر ضوء الشمس والرياح والأتربة والناس المتطفّلين.
الموديل في اللوحة فتاة من هذه البلدة اسمها "ديزيريه" كانت تعمل في الفندق الذي يقيم فيه، لكنها طُردت منه بعد اتهامها بالسرقة. وقد طلب منها الفنّان أن تجلس أمامه لكي يرسمها مقابل اجر يوميّ ووافقت.
وبعد أن فرغ من رسم اللوحة، أبدى ارتياحه لها، لكنه كان متخوّفا من أن لا تعجب النقّاد في انجلترا. كان في ذهنه أن الفتاة في مقدّمة اللوحة ليست متناسبة في الحجم مع بقيّة الأشخاص في الزقاق، كما أن آثار ضربات الفرشاة واضحة أكثر من اللازم.
غير أن اللوحة أصبحت محطّ إعجاب النقّاد آنذاك وإن كان بعضهم عاب عليها ضعف تمثيل الظلال وغلبة اللون الأزرق على البناء العام للوحة، لدرجة أن بعضهم قال إن فوربس كان ينظر إلى الطبيعة بنظّارات زرقاء.
ولد ستانهوب فوربس في دبلن عام 1857 لأب آيرلنديّ وأمّ فرنسية. وعندما انتقلت عائلته إلى انجلترا عام 1878، درس الرسم في الأكاديمية الملكية التي كانت تحت إدارة الرسّامين فريدريك ليتون وجون ميليه. ثمّ سافر بعد ذلك إلى فرنسا وقضى فيها سنتين تتلمذ خلالهما على يد كلّ من ليون بونا وجول باستيان ليباج الذي اشتُهر بلوحاته التي تصوّر مشاهد من الريف وحياة الفلاحين.
في عام 1915 تزوّج فوربس من رسّامة زميلة تُدعى اليزابيث ارمسترونغ. وبعد أن اكتشف أن صوره ليس لها شعبية في انجلترا، انتقل هو وزوجته عام 1884 إلى بلدة صغيرة في كورنوول بعد أن جذبه اعتدال هوائها ونوعية الضوء والبيئة المشهدية فيها.
وهناك افتتح الاثنان مدرسة للرسم اشتهرت في ما بعد باسم "مدرسة نيولين" وأصبح فوربس الشخصية الأولى فيها. وقد دفعته موهبته الفنّية وقوّة شخصيّته إلى أن يُشرك معه رسّامين آخرين في المدرسة.
في عام 1912 توفّيت زوجته اليزابيث، وبعد وفاتها تزوّج مرّة أخرى من تلميذته السابقة مودي بالمر التي كانت تعمل مساعدة لعائلته. ثم قُتل ابنه الوحيد عام 1916 في إحدى معارك الحرب العالمية الأولى.
عمل ستانهوب فوربس محاضرا لبعض الوقت في الأكاديمية الملكية، واستمرّ يرسم بقيّة حياته التي امتدّت تسعين عاما وإلى أن توفّي في مارس من عام 1947.

Tuesday, April 11, 2006

لوحـات عالميـة - 90


راقـصـون في بـوجيفــال
للفنان الفرنسي بييـر رينـوار، 1883

يعتبر رينوار أحد اكثر الرسامين الانطباعيين شعبية وشهرة. وتحتشد لوحاته بصور الأطفال والنساء ومناظر الطبيعة الخلابة.
وبخلاف غالبية الفنانين الانطباعيين، لم يركّز رينوار على رسم المناظر الطبيعية فقط، بل أنجز لوحات عديدة تظهر الناس في لحظات انسهم وصفائهم.
في لوحاته الأولى يبدو جليا تأثّر رينوار بـ اوجين ديلاكروا، غير انه تأثّر اكثر بصديقه الحميم كلود مونيه الذي ابتكر معه المدرسة الانطباعية في الرسم.
وقد رسم الاثنان معا في البداية، ويصعب أحيانا تمييز أعمال كل منهما عن الآخر خاصة في مراحلهما المبكّرة.
عرف عن رينوار براعته في الحديث ووفاؤه لأصدقائه وعائلته، واشتهر عنه قوله: إذا لم يتضمّن الفن عنصر المتعة فمن الأفضل للفنان أن يمتهن وظيفة أخرى.
ومشاهد لوحاته العامرة بأجواء السعادة والأضواء المبهرة والحسية الدافئة جعلها من بين اكثر الأعمال الفنية شعبية واستنساخا في تاريخ الفن.
راقصو بوجيفال هي من بين أجمل لوحات رينوار وأكثرها احتفاء. وتصوّر اللوحة رجلا يراقص امرأة بمنتجع بوجيفال الباريسي. أما الأشخاص في الخلفية فهم مجموعة تنتمي إلى مستويات اجتماعية مختلفة بينهم فنانون وتجار وأدباء.
والمرأة التي استخدمها الفنان كموديل في اللوحة هي سوزان فالادون، وهي سيدة مثقفة كانت تتمتّع بجمال باهر وكانت حديث أوساط الثقافة والفن وقتذاك، كما ربطتها برينوار أحوال صداقة وعشق.
في اللوحة يبدو واضحا تناغم الخطوط وجمال الألوان ودفء المشهد وآنيّته، وكلها عناصر استخدمها الفنان لتصوير سعادة الناس ورضاهم عن الحياة.
كان رينوار يركّز في لوحاته على القيم الزخرفية والمتعة البصرية، ومنذ البدايات فهم الرسم على انه وسيلة لمنح الإحساس بالسعادة وابراز مواطن الجمال في الطبيعة وفي الحياة. وكان ينفر دائما من فكرة توظيف الفن لأغراض سياسية أو أيديولوجية.
راقصو بوجيفال عمل فني متميّز جدا يجمع بين الحميمية والرومانسية، وقد طافت اللوحة على اكبر متاحف العالم إلى أن استقرّت منذ سنوات في متحف بوسطن للفنون التشكيلية.

Sunday, April 02, 2006

لوحـات عالميـة - 89


عصــر غــامــض
للفنان اليوناني جيـورجيـو دي كيـريكــو، 1914

في هذه اللوحة المشهورة، يحاول الفنان دي كيريكو ابتداع لغة مرئية عن عبثية الوجود وهشاشة الحياة وغموض المصير.
وقد استخدم الرسّام في اللوحة المنظور المائل والطويل والفراغات الكبيرة والظلال السوداء والممتدّة، ولجأ إلى تصغير الأشخاص وجعلهم يتوارون في خلفية المشهد. كما وظّف الأشكال والأجسام خارج سياقاتها الطبيعية من اجل خلق أجواء من الغموض والعزلة والترقّب.
ارتبط اسم دي كيريكو بمفهوم الرسم الميتافيزيقي. وتغلب على لوحاته مشاهد لأماكن مقفرة ومهجورة ودخان غامض وعربات أشبه ما تكون بالتوابيت، وذلك لتكثيف الشعور بعالم الماورائيات والغيب.
يقول بعض النقّاد إن لوحات دي كيريكو أسهمت بشكل كبير في نشوء السوريالية. وقد قرأ السورياليون لوحاته من منظور فرويدي في الغالب ووظّفوا في أعمالهم بعض الثيمات التي استخدمها في لوحاته كالجوّ السكوني والصمت المطبق والتماثيل والأعمدة القديمة والأضواء الخفيّة التي تبعث في النفس إحساسا بالتوجّس والرهبة.
ولد دي كيريكو (أو تشيريكو كما ينطق اسمه أحيانا) في اليونان لأبوين ايطاليين. لكنه عاش الجزء الأكبر من حياته في إيطاليا. وقد كان قارئا نهما للفلسفة وتأثّر كثيرا بأفكار نيتشه الذي كان يرى في كل شئ محسوس معنى خفيّا. كما تأثّر بفلسفة شوبنهاور الذي دعا الإنسان لأن يكتشف الجوهر الحقيقي للأشياء وذلك بعزل نفسه عن العالم كي يبدع أفكارا خلاقة وخالدة.
علاقة دي كيريكو الوثيقة باليونان القديمة وبالثقافة الهيلينية تزاوجت مع تقديره وشغفه بالفنّ الكلاسيكي الايطالي. وكان للأساطير الإغريقية تأثير عظيم عليه خاصّة في مستهلّ حياته، حيث رسم العمالقة ومخلوقات القنطور وآلهة الأوليمب. وبعض لوحاته المبكّرة رسم فيها مناظر للخيول التي سبق وأن رآها في مسقط رأسه باليونان. وفي ما بعد، تكرّرت صور الخيول في أعماله ومن بينها منحوتة برونزية صوّر فيها منظرا لخيول قديمة تقف في البرّية.
عندما زار دي كيريكو باريس سنة 1911 لم ينجذب للتكعيبية أو التجريدية اللتين كانتا في حالة صعود آنذاك. وقد نالت أعماله التي عرضها هناك بعض الثناء من شخصيات بارزة مثل الشاعر ابولينير الذي وصف دي كيريكو بأنه "عدوّ الأشجار وصديق التماثيل".
أهم ملمح في هذه اللوحة هو المنظور الذي استخدمه الرسّام كأداة فلسفية وشعرية وانفعالية. وهناك أيضا العلاقة بين الفضاءات حيث الأبنية والتماثيل والأشخاص منفصلة تماما عن بعضها البعض وعن الواقع، وتعطي شعورا باللانهائية وانعدام الإحساس بالزمن.
"غموض العصر" ليست منظرا طبيعيا بل صورة ذهنية عبّر الفنّان من خلالها، وباستخدام التجريد والمجاز، عن قلق الإنسان وخواء الحياة.
من أشهر لوحات الرسّام الأخرى أغنية الحبّ التي يقال بأنها مهدّت لظهور المدرسة السوريالية في الفنّ.

Friday, March 31, 2006

لوحـات عالميـة - 88


درس فـي آلــة البـانجــو
للفنان الأمريكي هنــري تانــر، 1893

في هذه اللوحة الجميلة، تتجلى القوّة التعبيرية والانفعال المكثّف في أسمى معانيهما. وليس بالمستغرب أن تصبح اللوحة مع مرور السنوات ايقونة للفنّ الأفريقي في العالم وصورة للعاطفة الأبوية والقيم العائلية بشكل عام.
لكن الأهم من ذلك أنها أصبحت رمزا للأمل والإلهام والصبر بالنسبة لزعماء الأفارقة الأمريكيين والفنّانين السود الشباب.
كان هنري تانر أهمّ فنان أمريكي اسود في القرن التاسع عشر، كما انه أول فنان من أصول أفريقية يحقّق شهرة عالمية.
ولد في العام 1859 في بنسلفانيا لاب كان يعمل قسّيسا بإحدى الكنائس، ودرس الرسم في أكاديمية بنسلفانيا للفنون الجميلة وتتلمذ على يد توماس ايكنز الذي كان له ابلغ الأثر في تعليم تانر واختيار أسلوبه الفنّي.
وفي عام 1996 أصبحت لوحته "كثبان رملية عند المغيب" أول عمل فنّي لرسّام اسود ُيضمّ إلى المجموعة الفنية الدائمة الخاصّة بالبيت الأبيض.
سافر تانر إلى روما ولندن، ثم حلّ أخيرا في باريس حيث درس لبعض الوقت في اكاديمية جوليان. وفي باريس أنجز لوحته الأشهر "درس البانجو" المستوحاة من قصيدة للشاعر بول لورنس دونبار. واللوحة تصوّر رجلا مسنا يعلم حفيده كيفية عزف البانجو وهي آلة موسيقية أفريقية صميمة.
في باريس أيضا رسم تانر لوحته المعروفة "دانييل في عرين الأسد" التي استقبلت بترحاب كبير في أوساط صالون باريس ونال الفنان عليها جائزتين مرموقتين.
عاد الفنان مرة أخرى إلى الولايات المتحدة ومكث هناك بضعة اشهر، لكنه قرّر العودة ثانية إلى باريس بعد أن اقتنع باستحالة العيش في ظلّ أجواء التمييز العنصري التي كانت سائدة في أمريكا في ذلك الحين.
وبمجرّد عودته إلى فرنسا تزوّج من مغنية أوبرا بيضاء من سان فرانسيسكو كان قد التقاها من قبل في باريس. وبسبب ذلك الزواج قرّر تانر أن يعيش في فرنسا بشكل دائم.
زار هنري تانر فلسطين مرارا واستمدّ من أجوائها الروحية مواضيع للعديد من لوحاته الدينية. وتوفي في باريس في عام 1937م.

Wednesday, March 29, 2006

لوحـات عالميـة - 87


بورتريـه نبيــل عجــوز
للفنان الإسبـاني إل غـريكــو، 1595

ولد إل غريكو "ومعنى الاسم باللاتينية: اليوناني" في العام 1541 بمقاطعة كريت التي كانت في ذلك الوقت جزءا من فينيسيا الإيطالية.
بدأ الفنان تجربته الفنية برسم لوحات ذات مضامين دينية مستمدّة من العصر الروماني. وكانت تلك اللوحات، كما هو الحال مع بقية أعماله التي أنجزها في ما بعد، مكثّفة بالانفعالات القويّة.
ُعُرف عن إل غريكو تركيزه على نقل التعبير الانفعالي لشخصياته والتأكيد على الملامح الروحية لتلك الشخصيات. ويمكن النظر إلى لوحاته باعتبارها دراسات معمّقة عن حياة المجتمع الإسباني الذي عاش فيه معظم حياته.
وله من الأعمال حوالي 84، معظمها بورتريهات لأشخاص.
في مستهلّ حياته هاجر إل غريكو إلى فينيسيا ثم إلى روما حيث درس أعمال تيشيان واعجب بألوانه الساطعة واطلع عن كثب على لوحات ميكيل انجيلو واعماله النحتية.
ولم يلبث الفنان أن انتقل بعد ذلك إلى مدريد. وعندما لم يحصل على الحظوة التي كان يطمح إليها في بلاط الملك فيليب الثاني انتقل إلى طليطلة حيث عاش هناك بقية حياته. وفي طليطلة أنجز أهم أعماله الفنية ومن ضمنها لوحته الشهيرة منظر لطليطلة.
بعض النقاد ينظرون إلى إل غريكو باعتباره رائد عصر النهضة الإسباني بلا منازع.
وحتى منتصف القرن التاسع عشر، كان إل غريكو قد ذهب في غياهب النسيان ولم يعد يذكره أحد إلا بالكاد. لكنه ما لبث أن عاد إلى دائرة الاهتمام من جديد مع ظهور المدرسة الانطباعية التي كان بعض رموزها ينظرون إليه باعتباره فنانا ثوريا ومجدّدا.
بورتريه رجل نبيل هو أحد اشهر أعمال إل غريكو، وهو يصوّر رجلا مجهولا يرتدي ملابس قاتمة وبسيطة، وهيئته تخلو من الفخامة والبذخ الذي كان يميّز بورتريهات ذلك الزمان.
ملامح الرجل البسيطة وهيئته الوقورة تعكس بوضوح رؤية إل غريكو وأسلوبه الفني. إذ كان يركّز على قيمة الشخص كهويّة متفرّدة وكإنسان أولا. هنا أيضا تبدو بعض ملامح أسلوب ال غريكو من قبيل إبرازه للتباينات الحادّة بين الألوان ودرجات الضوء وميله إلى إطالة وجوه وأنوف وذقون شخصياته. كما رسم العينين ببؤبؤين واسعين نسبيا وكأنهما تدعوان الناظر للولوج إلى روح الشخص وعالمه الداخلي.
مظهر الرجل في اللوحة يعطي انطباعا بالكرم والمروءة والتضحية والشهامة والعطف على الفقراء، وتلك كانت خصال الوجهاء والأشراف الذين يظهرون كثيرا في لوحات إل غريكو وأدب سرفانتيس بشكل خاص.

Tuesday, March 28, 2006

لوحـات عالميـة - 86


الجـواد ويسـل جـاكيــت
للفنان البريطاني جــورج ستـبــس، 1762

يعتبر جورج ستبس اشهر من رسم الحصان من الفنانين القدامى والمعاصرين على حدّ سواء. وقد رسم هذه اللوحة الضخمة والشهيرة في حوالي العام 1762 بناءً على طلب الماركيز بروكنغهام صاحب الجواد.
هذه اللوحة ما تزال تفتن الفنانين ودارسي الفن. ويعتقد بعض النقاد أنها لم تكتمل، إذ يُفترض أن ستبس الذي اشتهر أيضا برسم مناظر طبيعية وبوتريهات لاشخاص كان ينوي ملء الخلفية بمنظر طبيعي وبصورة لجورج الثالث ملك انجلترا في ذلك الوقت.
لكن الخلافات السياسية بين الماركيز والملك فرضت على الفنان أن يترك اللوحة فارغة إلا من صورة الجواد.
في تلك الفترة أنجز ستبس سلسلة من اللوحات لجياد جماعية أو بصحبة كلاب صيد. ثم رسم لوحات أخرى لأسود ونمور وزراف صوّرها من خلال المشاهدة والملاحظة. لكن الفنان ما لبث أن انشغل بفكرة رسم جياد في حالة صراع مع اسود مفترسة.
لوحة "الجواد ويسل جاكيت" تصوّر حصانا فخما ينحدر من اصل عربي وكان بطلا لا ينازع في سباقات الخيول التي كانت تجري آنذاك. وكما هو واضح ليس في المشهد أشخاص ولا مناظر طبيعية، والفراغ المحيط باللوحة يوجّه اهتمام الناظر كليا إلى الجواد الذي يثب في الهواء ويرمق الناظر بعين كبيرة سوداء ينبعث منها البريق.
ويرى بعض النقاد أن اللوحة هي بمعنى ما دراسة رومانتيكية تجسّد الحرية والانعتاق، إذ يظهر الجواد وقد تحرّر من القيود التي كانت تكبّله في الحياة الواقعية ليمارس انطلاقه في فراغ مجرّد ولا نهائي.
كان ستبس يؤمن دائما بأهمية الملاحظة في الإبداع، وقد زار إيطاليا في عام 1754 دارسا ومنقّبا، وهناك تعزّزت قناعته بأن الطبيعة تتفوّق على الفن.
تخصّص ستبس في رسم الخيل في حقبة تاريخية كانت فيها الخيول تتمتّع بمكانة عظيمة واستثنائية. وكانت الطبقة الأرستقراطية في بريطانيا في ذلك الوقت شغوفة جدا بتربية واقتناء الخيول.
وقد درس الفنان بشكل معمّق تشريح جسم الحصان وله دراسة تفصيلية عن الخصائص الجسدية للخيل.
لكنه حرص في هذه اللوحة الرائعة على إظهار الانفعالات الداخلية للحيوان من قبيل توتّره الواضح وقوّته الجبّارة وروحه الحرّة وعزيمته المتوّثبة وتلك النظرة المرتعبة التي تنطق بها عيناه. كان الحصان وما يزال موضوعا متكرّرا في الأدب والفنّ. وكان له أثره في التاريخ الإنساني بما يفوق ما لغيره من الحيوانات الأخرى. كان يحمل المستكشفين والرحّالة والجيوش إلى ابعد الأماكن والقارّات. ورغم أن أمجاد الحصان أصبحت جزءا من الماضي، فإنه ما يزال يدهشنا ويفتننا. يكفي أن يهمس السائس أو المدرّب بكلمة أو اثنتين في أذن الحصان حتى يتحوّل من مخلوق جامح متوحّش إلى حيوان رقيق ووديع.
ويقال إن الحصان الموجود اليوم متطوّر كثيرا عن أسلافه. فقبل حوالي خمسين مليون عام، كان الحصان حيوانا صغيرا بحجم الثعلب يسرح ويمرح في غابات أمريكا الشمالية ويتغذّى على الفاكهة وورق الشجر.
وقد احضر الأسبان معهم الحصان إلى العالم الجديد في حوالي القرن الرابع عشر وأطلقوه في البراري حيث تكاثرت قطعان كثيرة ممّا يسمّى بالجواد البرّي.
والثابت أن الإنسان استأنس الحصان منذ حوالي 5000 عام. ومنذ ذلك الوقت لعب الحصان دورا مهمّا في صياغة حياة الإنسان وأسلوب معيشته سواءً في المواصلات أو في الحروب وغيرهما.
وأينما نقل الإنسان خطاه في مشواره الطويل منذ العصور البربرية، كنت تجد آثار الحصان إلى جواره جنبا إلى جنب.
ونظرا لارتباطه بالحروب والمعارك، فقد صار يرمز إلى القوّة والسلطة والمكانة العالية.
ومع ظهور عصر الشاحنات والعربات والقطارات تضاءل الاعتماد على الحصان لأغراض المواصلات. لكن هذا لم يمنع المستكشف الانجليزي جيمس وات من ابتكار مصطلح قوّة الحصان ليجعله مقياسا لقوّة المحرّكات الحديثة، وهو أمر يوحي بما لهذا الحيوان من احترام وهيبة.
حتى سائقي سيّارات السباق هذه الأيام يتفقون على أن أفضل سيّارات السباق أداءً وسرعة لا تماثل أبدا ما يتمتّع به الحصان من شخصية آسرة ومن مكانة وعنفوان.
وأخيرا، قد يكون الكلب أفضل صديق للإنسان. لكنّ الذي كتب التاريخ كان حصانا.

Wednesday, March 08, 2006

لوحـات عالميـة - 85


بورتريـه الشـاعـرة آنـّا أخمـاتـوفـا
للفنان الـروسي ناثـان آلتـمـان، 1914

تُعتبر آنا اخماتوفا أحد الأسماء الكبيرة في الشعر الروسي المعاصر. وقد اشتهرت بأشعارها التي يغلب عليها التأمّل والحزن.
وقد رسم لها ناثان آلتمان هذا البورتريه الذي يُعتبر أشهر أعماله بالإضافة إلى كونه أحد أشهر الأعمال الفنّية العالمية.
وفيه تبدو الشاعرة جالسة على أريكة ومرتدية فستانا ازرق بينما لفّت حول ذراعيها وشاحا اصفر. البورتريه يغلب عليه اللونان الأزرق والأخضر وظلالهما. ومن الواضح أن الفنّان استخدم فيه أسلوبا قريبا من التكعيبية.
عُرفت اخماتوفا بتصدّيها الشجاع لـ جوزيف ستالين. فقد هاجمته وانتقدته بضراوة في قصائدها، ما دفع النظام إلى سجنها سبعة عشر عاما، بعد أن اتّهمها بـ "الترويج للانحلال البورجوازي والانشغال بالأمور التافهة كالحديث عن الله والحبّ".
وفي العام 1921 أعدمت السلطات زوجها الشاعر نيكولاي غوميليف بعد اتهامه بالضلوع في مؤامرة لقلب النظام. ولم تلبث السلطة أن اعتقلت ابنها الوحيد ونفته إلى سيبيريا.
بعد تلك الأحداث أصبحت اخماتوفا أسيرة للحزن والعزلة والصمت، وعانت من إقصاء وتجاهل زملائها من الشعراء والأدباء الروس.
وفي عام 1946 هاجمها الحزب الشيوعي بعنف واتّهمها بتسخير شعرها للترويج للإباحية والتصوّف واللامبالاة السياسية، الأمر الذي أدّى إلى طردها في النهاية من اتحاد الكتّاب السوفيات.
كان نظام ستالين يعتبر اخماتوفا عدوّة للشعب وامتداد للنظام القديم. وعلى عكس ما فعله العديد من زملائها الأدباء والشعراء الروس، فضّلت الشاعرة البقاء في روسيا على الذهاب إلى المنفى. كانت شعبيّتها كبيرة جدّا لدرجة أن ستالين نفسه لم يكن يجازف بمهاجمتها على الملأ.
وقد عاشت حياة صعبة جسّدتها في أعظم قصائدها بعنوان "نشيد جنائزي". وفي هذه القصيدة تحكي اخماتوفا بإحساس عميق بالعجز واليأس عن تجربة الشعب الروسي تحت حكم ستالين، خاصّة معاناة النساء اللاتي كنّ يقفن معها خارج أبواب المعتقلات بانتظار رؤية أزواجهنّ وأبنائهنّ.
ولدت آنا اخماتوفا، واسمها الأصلي آنا غورينكو، في اوديسا بـ اوكرانيا عام 1889م. وبدأ اهتمامها بالشعر في صباها. وقد طلب منها والدها آنذاك ألا تشوّه اسم العائلة باحترافها للشعر "المنحل" وأجبرها على أن تتخذ لها اسما مستعارا.
وقصائدها تتناول مواضيع متعدّدة مثل الزمن والذاكرة والحب المأساوي والأنوثة والمرأة المبدعة ومصاعب العيش والكتابة في ظلّ الستالينية. وفي مراحل لاحقة أضافت إلى شعرها موتيفات دينية ووطنية.
وبعض قصائدها لم تُنشر في روسيا إلا في عام 1987م. كما أن ديوانها الموسوم "قصيدة بلا شاعر" لم يُنشر إلا بعد وفاتها واعتُبر من بين أفضل الأعمال الشعرية التي كُتبت في القرن العشرين.
بالإضافة إلى الشعر، أنجزت اخماتوفا ترجمات لأشعار فيكتور هوغو ورابندرانات طاغور. كما نالت جائزة إيطاليا للشعر العالمي ومنحتها جامعة اكسفورد درجة الدكتوراه الفخرية.
بعد وفاة الشاعرة عام 1966 نمت شهرتها أكثر وتُرجمت أشعارها إلى معظم اللغات الحيّة، واعتبرت إحدى أعظم الشاعرات في العالم. ومنذ سنوات أعيد لها الاعتبار في بلدها روسيا وُسمح بإعادة طبع ونشر أعمالها الشعرية الكاملة.
الرسّام ناثان آلتمان ولد في اوكرانيا عام 1889م ونشأ في كنف عائلة تشتغل بالتجارة. ودرس الفنّ في جامعة كييف. وفي عام 1910 ذهب إلى باريس حيث مكث فيها عاما درس خلاله في الأكاديمية الروسية الحرّة، وتعرّف هناك على مارك شاغال ومواطنه الرسّام الكسندر ارشيبينكو.
بالإضافة إلى بورتريه الشاعرة اخماتوفا، رسم ناثان آلتمان مناظر للطبيعة حاول فيها بعث تقاليد الانطباعيين كما أنجز رسوما توضيحية لبعض روايات غوغول.
وعندما عاد الفنّان إلى روسيا في العام 1935، عمل لبعض الوقت أستاذا بمدرسة بيرنستاين للفنون. ثم وجد نفسه يعيش في أجواء سياسية وأيديولوجية صارمة تتّسم بالضغوط والقهر. وأدرك أن رسوماته، الطليعية والتجديدية، بعيدة جدّا عن معايير الواقعية النقدية التي فرضها الحزب الشيوعي على الأدباء والفنّانين. فشغل نفسه بالمسرح حيث اشرف على تصميم مشاهد وأزياء مسرحيات شكسبير وسواه من الكتّاب المسرحيين.
رسم آنا اخماتوفا، بالإضافة إلى آلتمان، العديد من الفنّانين من أشهرهم زينيدا سيريبريكوفا واميديو موديلياني.

Sunday, March 05, 2006

لوحـات عالميـة - 84

بورتـريـه الأميــرة ليـونيـلــلا
للفنـان الألمـانـي فرانـز ونتـرهـولتـر، 1843

ولد فرانز ونترهولتر عام 1805 في بلدة قريبة من الغابة السوداء. كان الابن السادس لعائلة تعمل في الزراعة. وقد درس الرسم على يد الفنّان لودفيغ شولر ثمّ في أكاديمية الفنون في ميونيخ.
التحوّل الكبير في حياة الرسّام تحقّق عندما دخل دوائر البلاط. وقد سافر إلى ايطاليا للدراسة بدعم من الدوق ليوبولد اوف بادن. وفي روما رسم مناظر طبيعة رومانسية على طريقة الرسّام السويسري لوي ليوبولد روبير.
وعند عودته إلى ألمانيا، رسم بورتريهات للدوق ليوبولد وزوجته. ثم لم يلبث الدوق أن عيّنه رسّاما للبلاط. غير أن ونترهولتر غادر ألمانيا بعد ذلك قاصدا باريس. وفي نفس تلك السنة رسم لويز ماري اوف اورليون ملكة بلجيكا وابنها. وفي باريس أصبح ونترهولتر مشهورا. وقد عيّنه لوي فليب ملك فرنسا رسّاما للبلاط كما كلّفه برسم ثلاثين صورة منفردة لأفراد عائلته الكبيرة.
نجاح الفنان في تلك المهمّة اكسبه شهرة إضافية. ومنذ ذلك الوقت أصبح معروفا بتخصّصه في رسم السلالات الملكية وأفراد الطبقة الارستقراطية.
الانطباع الأوّلي الذي يخطر بالذهن عند النظر إلى هذا البورتريه الجميل هو انه لإحدى الخليلات أو المحظيات اللاتي كانت تغصّ بهنّ قصور السلاطين العثمانيين. لكن المرأة لا علاقة لها في الحقيقة بأساطير الشرق أو بعالم الحريم. ليونيللا كانت أميرة ألمانية تنحدر من عائلة عريقة من منطقة الراين. وكانت معروفة بذكائها وجمالها الأخّاذ.
وهي تبدو هنا مستندة على أريكة تركية في شرفة تطلّ على منظر طبيعي من أشجار وجبال وسماء مغطّاة بالغيم. في هذا المكان تجلس الأميرة مرتدية فستانا من الحرير وقد لفّت حول خصرها شريطا زهريا وطوّقت ذراعيها بوشاح من اللونين الأرجواني والأسود. وتحت حاجبيها المرسومين بعناية، تبدو عيناها وهما تحدّقان في الناظر بتأمّل وصمت، بينما راحت أصابعها تداعب حبّات اللآلئ الضخمة التي تزيّن جيدها.
في اللوحة استخدم الفنان ألوانا قاتمة لتتباين مع لون بشرة المرأة، ولإضفاء شيء من الإثارة المحسوبة، ولتكثيف الإحساس بفخامة المكان وأهمّية صاحبته. ومن الواضح أن الرسّام غامر بتضمين لوحته ملمحا حسّيا. لكنه كان يعرف مسبقا أن المكانة الاجتماعية للأميرة ستحميها من هجوم وانتقاد العامّة.
بعد تولّي نابليون الثالث سدّة الحكم في فرنسا، أصبح وينترهولتر رسّاما للبلاط. وكان يحظى بمعاملة خاصّة من الإمبراطورة الفرنسية الجميلة اوجيني التي أصبحت موديله المفضّلة. وقد رسم لها في ما بعد لوحة تظهر فيها وهي منهمكة بقطف الزهور وسط دائرة متناغمة من وصيفاتها.
في عام 1852، ذهب ونترهولتر إلى اسبانيا كي يرسم الملكة ايزابيلا الثالثة. ثم توقّف في البرتغال ليرسم لوحات لأفراد العائلة الملكية هناك. الارستقراطيون الروس الذين كانوا يزورون باريس كانوا يحرصون هم أيضا على زيارة الرسّام ليكلّفوه برسم لوحات لأنفسهم.
ولأن ونترهولتر أصبح معروفا بكونه رسّام الملوك والأمراء، فقد أصبح الطلب على لوحاته عاليا. وفي عام 1856 ذهب إلى بولندا، ثمّ إلى بافاريا ليرسم القيصرة ماريّا الكسندروفنا. كما ذهب إلى المكسيك كي يرسم الامبراطور ماكسيمليان ملك المكسيك وعائلته.
والحقيقة انه لم يسبق لأيّ رسّام من قبل أن حظي برعاية ملوكية وغير عادية مثل التي حظي بها هذا الرسّام. وربّما لا يشبهه من هذه الناحية سوى روبنز وفان دايك اللذين استفادا مثله من شبكة العلاقات الدولية والواسعة التي كانا يتمتّعان بها.
أصبح ونترهولتر نجما عالميا يتمتّع بالرعاية الملوكية أينما ذهب. وكان مواكبا لصعود وسقوط أكثر من سلالة إمبراطورية في أوربا.
غير أن سمعته بدأت تهتزّ. فالنقّاد الذين سبق لهم أن امتدحوه، أصبحوا يرون فيه رسّاما لا يمكن أخذه على محمل الجدّ. كان ونترهولتر ضحيّة نجاحه الخاص. وقد قُدّر له أن يعمل بقيّة حياته كرسّام للبورتريه فحسب. وهذا هو المجال الذي لم يجعله ناجحا للغاية فقط، بل وثريّا جدّا أيضا.
في عام 1859 قام الفنّان بآخر زيارة له إلى انجلترا. وفي خريف ذلك العام، سافر إلى فيينا لرسم بورتريه للإمبراطور فرانز جوزيف والإمبراطورة اليزابيث قدّر له أن يصبح من بين أفضل أعماله.
وبينما كان ونترهولتر يتقدّم في العمر، ضعفت صلاته بفرنسا بينما تعاظم اهتمامه بألمانيا التي اختار أن يتقاعد فيها أخيرا. كان في ذلك الوقت ما يزال معتمَدا كرسّام للبلاط في بادن. لذا استقرّ في بلدة كارلسروهي. وأثناء زيارة له إلى فرانكفورت، التقط فيروس التايفوس ومات في الثامن من يوليو عام 1873م عن عمر ناهز الثامنة والستين.
لوحات فرانز ونترهولتر لا تخلو من حميمية وأناقة وجاذبية. كما أنها لا تحتاج إلى شرح كثير لتفسيرها. وهو لم يكن فقط بارعا في اختيار الوضعية المناسبة للشخصية، بل وأيضا في فنّ تمثيل القماش والفراء والمجوهرات.
غير أن أعماله لم تنجح في لفت اهتمام النقّاد. كانوا يرون فيه رسّاما سطحيا وعاطفيا وباحثا عن الشعبية. لكن رعاته الارستقراطيين كانوا يقدّرون عمله عاليا.
وبعد وفاته، فقدت أعماله جاذبيّتها واعتُبرت رومانسية ولامعة ومصطنعة أكثر من اللزوم.

موضوع ذو صلة: رحلة بيلليني إلى الشرق

Saturday, March 04, 2006

لوحـات عالميـة – 83


لاعبــو الـــورق
للفنان الفرنسي بـول سيـزان، 1892

يُنظر إلى هذه اللوحة باعتبارها إحدى اشهر اللوحات في تاريخ الفن الحديث.
واللوحة هي واحدة من خمس لوحات رسمها الفنان بول سيزان وضمّنها نفس الفكرة: أشخاص يلعبون الورق.
وقد استمدّ سيزان موضوع اللوحة من أجواء منطقته الباريسية "ايكسان بروفانس" التي كانت تضم أخلاطا من البشر، من عمّال وحرفيين وفلاحين وأناس عاديين.
في اللوحة حاول سيزان إعادة اكتشاف وظيفة الحيّز والخطوط. وبناء اللوحة يعتمد في الأساس على مركز الزجاجة الكائنة في منتصف الطاولة، والتي تقسم الحيّز إلى مناطق متقابلة للتأكيد على الطبيعة الثنائية للموضوع.
كان سيزان صديقا مقرّبا من اميل زولاالذي اصبح في ما بعد أحد اشهر الروائيين الفرنسيين.
وقد تأثّر سيزان بكل من اوجين ديلاكروا وادوار مانيه، لكنه تأثر اكثر بأسلوب كميل بيسارو الذي دعمه كثيرا وعرّفه بأسلوب الانطباعيين في تمثيل الضوء والإمساك بتأثيرات الطبيعة المتحوّلة، من خلال نثر الألوان بضربات خفيفة والاقتصاد في رسم الخطوط.
في "لاعبو الورق" يبدو الجوّ جادّا وكئيبا إلى حدّ ما، ومما يعزّز هذا الانطباع الطاولة ذات الألوان البنّية والخلفية الأكثر قتامةً بفعل مزج الألوان الزرقاء والسوداء.
وفكرة لعب الورق ظهرت في المراحل الأخيرة من حياة سيزان الفنية. ويقال بأن الفنان ربما أراد من وراء الفكرة تصوير المواجهات التي كانت تجري بينه وبين والده الذي كان ينتقص منه دائما ويشكّك في موهبته.
كان سيزان يهتّم في الغالب برسم الأشياء الأكثر ثباتا وديمومة كالمناظر الطبيعية والمباني والطبيعة الساكنة. و "لاعبو الورق" تعتبر خروجا على النسق الفني الذي اختطه لنفسه. وربّما يكون السبب عائدا إلى ارتباط الفنان الوثيق بأجواء وتفاصيل بيئته المحلية.
ولسنوات طوال ظلّ سيزان غير معروف سوى لدائرة صغيرة من زملائه القدامى ولبعض الفنانين الانطباعيين الجدد والمتحمّسين، من أمثال فان غوخ وبول غوغان.
لكن عند وفاته في العام 1904، كان سيزان قد حقّق مكانة أسطورية بين فنّاني عصره، وُعرضت أعماله في اكبر المعارض الفنية، وكان يتقاطر على مرسمه الكثير من الفنانين الشبّان لملاحظته والتعلّم منه.
ومنذ سبع سنوات بيعت لوحته المسمّاة "ستارة وآنية خزف وصحن فاكهة Rideau, Cruchon et Compotier" في مزاد سوثبي بأكثر من ستين مليون دولار، لتصبح بذلك سادس أغلى لوحة فنية في العالم.

موضوع ذو صلة: غداء مع سيزان

Thursday, March 02, 2006

لوحـات عالميـة – 82


سيّــدة جزيــرة شـالــوت
للفنان البريطاني جون ويليام ووترهاوس، 1888

ارتبط عصر الملك الانجليزي آرثر بالكثير من قصص السحر والأساطير.
ومن اشهر تلك الأساطير أسطورة سيّدة جزيرة شالوت. وتحكي الأسطورة عن سيّدة أصابتها لعنة وُحكم عليها بالعيش وحيدة في قلعة بجزيرة نائية تسمّى شالوت.
في القلعة عاشت السيّدة لوحدها بلا رفيق أو مؤنس، ولان القوى السحرية كانت تمنعها من النظر إلى الخارج مباشرة فقد كانت السيّدة تكتفي بالنظر إلى العالم خارج قلعتها من خلال مرآة.
وكانت المرأة تمضي وقتها داخل القلعة في الغناء وغزل النسيج. وكانت ترى كل شئ خارج ذلك المكان منعكسا في المرآة.
وذات يوم لمحت في المرآة خيال الفارس لانسلوت الذي كان من فرسان ارثر وكانت واقعة في حبه، فأطلت من النافذة متجاهلة نصائح السحرة.
وفي الحال تهشّمت المرآة ولاحت في الأفق نذر عاصفة قوية وكان ذلك دليلا على قوّة اللعنة وتأثير السّحر.
وفي صباح خريفي عاصف، تقرّر السيّدة مغادرة سجنها الانفرادي في القلعة وتبحر في قارب نقشت عليه اسمها. وخلال تلك النهرية تغني أغنية الموت الأخيرة. وبعد وفاتها، يعثر الأهالي على جثّتها ويتعرّفون عليها.
الفنان ووترهاوس كان مفتونا بالأساطير الارثرية والشخصيات الأدبية والتاريخية وجسّد بعضها في العديد من لوحاته. وقد استند في رسمه للوحة على مقطع من قصيدة للشاعر البريطاني الفرد تينيسون.
ولد جون ووترهاوس في روما، وعندما أتى إلى انجلترا درس في استديو والده، الفنان هو الآخر، ثم في أكاديمية الفنون الملكية.
تأثر بـ لورانس تاديما ورسم مشاهد من الحياة في إيطاليا حيث كان يقيم.
يغلب على لوحات ووترهاوس الطابع الكلاسيكي، لكنه مصنف بكونه منتميا للأسلوب ما قبل الرافائيلي بسبب تركيزه على رسم النساء الجميلات وافتتانه بفكرة الأنوثة وتبنيه للاتجاه الواقعي في الرسم.
من الجدير بالذكر أن أسطورة سيّدة شالوت كانت موضوعا للكثير من الروايات والأفلام والمقطوعات الموسيقية.