Monday, December 18, 2006

لوحات عالميـة – 117

ارميـا يبكـي دمـار اورشـليـم
للفنان الهولندي رمبـرانــدت، 1630

لعبة رمبراندت المفضّلة كانت الضوء والظلّ. وقد كان شغوفا، على نحو خاص، بتصوير المشاعر الداخلية للناس من خلال الجوّ العام والملامح الشخصية.
وأحد الثيمات التي تظهر كثيرا في لوحات هذا الفنّان العظيم هو منظر الفيلسوف المستغرق في التأمّل والعزلة.
في هذه اللوحة رسم رمبراندت النبيّ العبراني ارميا الذي تذكر كتب التاريخ أنه تنبّأ بتدمير أورشليم عاصمة مملكة يهوذا.
وقد تحقّقت نبوءته عندما احتلّ البابليّون بقيادة نبوخذنصّر عاصمة مملكة اليهود الجنوبية في العام 586 قبل الميلاد ثم قاموا بتدمير المدينة والهيكل وقتل أعداد كبيرة من الناس ونفي العديد من وجهاء المدينة وسكّانها أسرى وسبايا إلى بابل.
كان ارميا يحذّر قومه اليهود من أن يحلّ بهم العذاب الوشيك نتيجة انغماسهم في الذنوب والمعاصي وبعدهم عن الله وعبادتهم الأصنام.
وعندما تواترت أنباء اقتراب الغزو البابلي تزعّم ارميا الفريق الذي كان يدعو إلى عدم مقاومة قوّات نبوخذنصّر التي كانت متفوّقة عددا وعدّة، وذلك حفاظا على أرواح الناس وتجنّبا لما هو أسوأ.
وكان ارميا يرفض فكرة كانت رائجة في زمانه وهي أن اورشليم والهيكل يتمتّعان بقوى سحرية خفيّة نظرا لقداستهما، وأن الله – لهذا السبب - قادر على أن يحميهما من الهدم والانتهاك.
لكن الملك والكهّان وجزءا كبيرا من الشعب صمّموا على المقاومة واعتبروا موقف ارميا وأتباعه انهزاميا ووصموهم بالخيانة العظمى. ثم وضع رهن الاعتقال وبقي هناك إلى أن دمّر البابليّون المدينة بالكامل.
قضى ارميا بقيّة حياته باكيا أسفا على دمار اورشليم واستعباد شعبه، وألّف في ما بعد كتابا عن تلك الحادثة أسماه "سفر الأحزان".
في العصر الذي عاش فيه ارميا كان العبرانيون منقسمين إلى مملكتين: إسرائيل في الجنوب ويهوذا في الشمال. وكانت المملكتان مجرّد حجرين صغيرين على رقعة صراعات الامبراطوريات الكبرى التي كانت تتنافس في ما بينها آنذاك من أجل المزيد من التوسّع والنفوذ.
في هذه اللوحة نرى ارميا مسندا رأسه إلى يده علامة الحزن الشديد، بينما يتّكئ مرفقه على مؤلف ضخم ُكتب عليه بأحرف صغيرة: الإنجيل.
وهناك في خلفية المشهد بناء أسطواني الشكل يرجّح أنه معبد سليمان. المكان شبه مظلم إلا من الوهج المنبعث من مباني المدينة المحترقة والذي يغمر وجه الرجل الغارق في الحزن.
واضح أن ارميا اختار أن يلوذ بهذه المنطقة الصخرية المنعزلة كي ينفّس عن أحزانه فيما المدينة تحترق خلفه. وهو هنا لا يبدي أيّ إحساس بالذهول أو الصدمة ربّما لأنه سبق وأن رأى نفس هذا المشهد مرّات عديدة في المنام.
الألوان الداكنة التي استخدمها رمبراندت بكثافة في رسم عناصر وتفاصيل هذه اللوحة تعزّز الشعور بفداحة الكارثة وعمق المعاناة والألم الدفين المرتسم على ملامح الرجل.

10 comments:

Anonymous said...

شكرا جزيلا لك
تقدم لنا هنا فن جميل ورائع بحق
وقليل هو الشكر بحقك
وموقعك من ضمن مفضلتي
موقع رائع كثيرااا
تحياتي

Prometheus said...

شكرا لك انت يا عزيزي لانك منحت المكان بعضا من اهتمامك وحسن ظنك.
اهلا وسهلا بك دائما

Téméraire V5.0 said...

I was pleased to visit your Blogs. They are great. Thank you.

Prometheus said...

Téméraire V4.3,

Thanks so much. You are most welcome.

1 said...

اشكرك جدااولا
ثانيا انا فنان تشكيلى شاب اتخصص فى فن النحت وقد بدأت فى عمل مدونتى (وجهة نظر. والتى سوف تكون اطلالتى على الجمهور وعرض وجهة نظرى ووجهة نظر الاخرين
واجوا التواصل معى
www.fnan87.jeeran.com
thank for all

Anonymous said...

ذوّاق ياعزيزي
لكن هل لي بإستفسار الموسيقى الخلفيه لمن؟

Prometheus said...

عزيزي
fnan87
شكرا لك وقد زرت مدونتك ووجدت
انها رائعة ومتميزة.
واتمنى لك التوفيق في ذلك التخصص الممتاز وان نراك يوما ما نحاتا موهوبا يشار اليه بالبنان
مودتي لك

Prometheus said...

anonymous
شكرا جزيلا لك
ان كنت تقصد الخلفية الموسيقية الموجودة حاليا فهي لفريق "القرنفلات السبع" التركي
تحياتي لك

Anonymous said...

شكرا لاتاحتكم هذه الزاوية للآراء وفي الحقيقة اعجبت بالتناغم الموجود في الموقع بين الرسوم والموسيقى . أرجو ان ترسلو لي بعض هذه المقطوعات الموسيقية الجميلة على بريدي الالكتروني khairnasser77@hotmail.com

Prometheus said...

اهلا وسهلا بك.‏
بإمكانك تنزيل أي قطعة موسيقية من اي موقع على الانترنت الى جهاز الكمبيوتر خاصتك من خلال برنامج ‏اسمه ‏GetRight‏ ‏
ويمكنك البحث عنه في غوغل وحتما ستجده.‏
تحياتي.‏