Friday, July 07, 2017

لوحات عالميـة – 401

أمسيـة صيفيـة
للفنان النرويجي إدفـارد مونـك، 1889

اعتاد الكثيرون على أن ينظروا إلى بعض الفنّانين على أنهم شخصيات غير مستقرّة، يعانون في حياتهم كثيرا وينتجون فنّا معقّدا، لكنّ فيه تميّزا وإبداعا.
وهناك أمثلة كثيرة على هذه النوعية من الفنّانين، منهم على سبيل المثال لا الحصر، فان غوخ وفريدا كالو وجاكسون بولوك وغيرهم.
ونموذج الفنّان الرومانسيّ الذي يعاني ويتألّم أصبحت توقيعا مألوفا في تاريخ الفنّ وفي الثقافة الشعبية. وهو نموذج مغرٍ كثيرا بالإضافة إلى انه يسهل تسويقه.
وإدفار مونك كان، هو الآخر، نموذجا للفنّان الذي يدفعه القلق والنظرة السوداوية للحياة لأن ينتج فنّا مبتكرا وحقيقيّا. وقد شُيّدت أسطورته أثناء حياته على يد بعض المؤرّخين والنقّاد، وعلى يد الرسّام نفسه. ثم تعزّزت تلك الصورة من خلال افتتان الناس بلوحاته ومناظره عن الألم واليأس وتعذيب الذات.
ومنذ مرحلة مبكرة من حياته، اهتمّ مونك بأن يوصل من خلال رسوماته مشاعر الحزن والعزلة والاستلاب التي يتّسم بها إنسان العصر الحديث.
وهذه اللوحة تعكس ذلك الاهتمام بوضوح. وهي من أولى لوحات مونك التي تناول فيها موضوع الحزن والذي سيتكرّر كثيرا في توليفاته المستقبلية الأكثر رمزيةً.
كان مونك مهجوسا طوال حياته بالعزلة وبعلاقات الحبّ المعقّدة سيكولوجيّا. وقد بدأ التعبير عن تلك الأفكار المظلمة بهذه اللوحة التي حاول فيها الإمساك بشخصيّة الأنثى المنعزلة والضائعة في أفكارها في طبيعة هادئة.
في صيف عام 1889، استقرّ الرسّام في قرية للصيّادين تقع على الطرف الغربيّ لـ فيورد اوسلو. كانت القرية مشهورة ببساطة الحياة فيها وبكونها تؤوي مجتمعا للبوهيميين.
وفيها تخيّل حكاية غياب وفقد ووحدة جسّدها في هذه اللوحة التي استخدم فيها ناقدا مسرحيّا يُدعى سيغورد بوتكر مع شقيقته كـ موديلين.
ولم يهتمّ مونك كثيرا بالتجسيد الدقيق للشخصيتين، فرسم المرأة بحيث بدت اكبر سنّاً من عمرها الحقيقي. وهي في الصورة تبدو صامتة ومتحفّظة وباردة. ووظّف في أكثر من مكان في اللوحة ألوانا شفافة وحرّة، كما قسّم سطح الصورة تقسيما عموديّا. والتباين بين الطبيعة المفتوحة والمضاءة بالشمس والشرفة المظلمة جزئيّا التي يقف عليها الشخصان استُخدم بطريقة رمزية لإيصال الجوّ المكثّف.
منظر المزاج الأزرق والحزين، مثل الذي يظهر في هذه الصورة، هو احد التقاليد الطويلة في الفنّ النرويجيّ. والأزرق مرتبط، على وجه الخصوص، بطبيعة شمال النرويج وجبالها وليالي الصيف الطويلة فيها عندما لا تفقد السماء لونها الأزرق كليّاً.
وهذا الربط بين الهويّة الوطنيّة والسمات الطبيعية من مناخ وتضاريس وخلافه، كان جزءا من الحركة الوطنية النرويجية التي كانت ترى أن النرويجيين متمايزون عن السويديين، وتتطلّع بالتالي لأن تنال النرويج استقلالها عن السلطة السويدية الحاكمة.
بعض صور مونك الأكثر إشكاليةً تصوّر النساء كمصّاصات للدماء وكشخصيّات منعزلة تسيطر عليهنّ مشاعر الشوق والرغبة. وقد قيل في بعض المرّات أن تلك الصور كانت انعكاسا لخوف الرسّام نفسه من جنسانية الأنثى وسلطتها. وتلك الصور تتضمّن جميع الصفات الخطرة المرتبطة بالنساء كالجمال والرغبة والنأي والانتحار.
في إحدى لوحاته الأخرى بعنوان عروس البحر ، يصوّر مونك شاطئا صخريّا بالقرب من منزله الصيفيّ. وهو يمزج بأسلوب فاتن بين الأسطورة والواقع كي يقنع المتلقّي بأن عرائس البحر هي مخلوقات طبيعية وحقيقية تماما في ارض شمس منتصف الليل.
بعض النقّاد يشيرون اليوم إلى أن فكرة مونك المجنون والمعذّب ربّما كانت حيلة ذكيّة ومقنعة من الرسّام لتوظيف معاناته الشخصية بفقده شقيقتيه من اجل أن يسوّق لاسمه وفنّه.
واعتبارا من ربيع عام 1892، كان مونك قد بدأ فعليّا عملية التفكير في أفضل الطرق لتسويق لوحاته، وكان من ضمنها ترويج صورة له على انه فنّان منحلّ وغير مستقرّ ومعذّب. ومذكّراته من تلك الفترة تتضمّن شروحا سيكولوجية وشخصية لصوره، وكلّها توحي بأن تلك المذكّرات كانت ترمي إلى تكريس هذا الانطباع عنه في أذهان الجمهور.
استمرّ إدفار مونك يرسم حوالي ستّين عاما، وعندما توفّي كان بحوزته أكثر من ألف لوحة، وقد وهبها جميعا إلى بلدية أوسلو عندما كتب وصيّته في ابريل من عام 1940، أي بعد وقت قصير من احتلال الألمان للنرويج.
وتوفّي بعد ذلك بأربع سنوات، أي في يناير من عام 1944. وجميع لوحاته التي تركها موجودة اليوم في المتحف الذي يحمل اسمه في أوسلو، لكن ليس من بينها لوحته الأشهر الصرخة الموجودة في متحف أوسلو الوطني مع مجموعة من أعماله الأخرى.

Sunday, July 02, 2017

لوحات عالميـة – 400

طبيعـة قمـريّة مع جسـر
للفنان الهولندي آرت فانـدر نيـر، 1648

المشاهد الليلية أمر مألوف في الرسم الغربيّ. ومعظم اللوحات التي تصوّر الليل كانت تتضمّن أفكارا دينية في الأساس وتستخدم ضوء القمر الخافت لخلق جوّ من الغموض والرهبة والقداسة.
ومن الواضح أن الرسّامين القدامى كانوا يجدون متعة كبيرة في رسم السماء الليلية في زمن لم تكن قد ظهرت فيه الأنوار الاصطناعية التي نعرفها اليوم. وربّما بسبب كثرة أضواء العالم اليوم، لم يعد الليل ملهما للرسّامين الآن ويندر أن تجد فنّانا يرسم طبيعة ليليّة.
بدايةً، هناك رمزية خاصّة لرسم المشاهد الليلية، فالألوان البنّية والرمادية والسوداء التي تغلب على هذا النوع من الرسم ترمز عادة للحزن أو الخوف أو الغموض أو الشرّ أو الموت أو الخرافة. أما ضوء القمر فيها فيرمز غالبا إلى الهداية والقداسة أو الأمل.
وفي بعض اللوحات الليليّة المرسومة قديما، نرى الحضور القويّ للألوان الرمادية التي تهيمن على المنظر مع لمحة بسيطة من لون دافئ يحيط بهالة لقمر مكتمل. وأحيانا ينعدم وجود تفاصيل في منطقة الظلّ، وكلّ ما نراه هو صورة ظلّية للمنازل والأشخاص أو القوارب المستقرّة على الماء.
وفي لوحات أخرى مثل رسومات الروسيّ ايفان ايفازوفسكي، يظهر القمر بضوء ذهبيّ بينما الماء والسماء والظلال تغرق كلّها في ظلال الألوان الزرقاء والخضراء التي لا تُظهِر سوى القليل من التفاصيل.
تقليد رسم السماء الليليّة بدأ في عصر النهضة، مع مناظر ليليّة متخيّلة من أحداث التاريخ أو القصص الدينية. وفي عصر الباروك، بدأ رسّامون مثل كارافاجيو وإل غريكو ورمبراندت وغيرهم تصوير مناظر ليليّة تُوظّف فيها قصص من صميم الحياة اليومية.
ومن أشهر الرسّامين الذين رسموا طبيعة ليليّة كلّ من جوزيف تيرنر وفان غوخ وبيتروس فان شندل وكاسبار فريدريش وايفازوفسكي وجورج دي لاتور وغيرهم.
وفي هولندا اشتهر الرسّام آرت فاندر نير الذي كان احد أهمّ رسّامي الطبيعة الليليّة في أوربّا القرن السابع عشر. كان هذا الرسّام متخصّصا في رسم مشاهد ليليّة مهيبة يضيئها ضوء القمر بطريقة غامضة، منعكسا على مياه نهر أو بحيرة هادئة ومصحوبا أحيانا بنار صغيرة مشتعلة.
وأعمال الرسّام في عمومها عبارة عن انطباعات بانورامية للطبيعة، حيث تبدو السماء والغيوم بألوان متعدّدة ولامعة. كما انه في لوحاته يحاول استكشاف التأثيرات المتغيّرة للضوء في أواخر المساء عندما يظهر منعكسا على الأنهار والبحيرات والمروج.
في لوحته الجميلة هذه، نرى الغيوم الكثيفة الداكنة في السماء وقد تباعدت عن بعضها لتكشف عن قمر مكتمل يرسل ضوءه إلى أسفل ويبدو منعكسا فوق مياه النهر الهادئ الذي يقسم القرية إلى نصفين.
وعلى الأرض، نرى انعكاسات ضوء القمر على نوافذ البيوت والأشجار، بينما يظهر في أقصى يمين المنظر امرأة ورجل يقفان بالقرب من بوّابة ومن جسر يوفّر ممرّا للناس الذي يعبرون إلى الجهة الأخرى.
اللوحة تُبرز مهارة فاندر نير الفريدة في جعل هذا المنظر الليليّ ينتج لمعانا أخّاذا ومدهشا وذلك بإضافة عدّة طبقات من الطلاء، وكذلك في إضفاء نوع من الشفافية التي تتيح للأشياء، حتى البعيدة، أن تظهر في الظلام مع تنويعات الألوان البنّية والرماديّة.
عُرف فاندر نير أيضا بلوحاته التي يصوّر فيها طبيعة ثلجية مع نهر أو قنال. وهي تشي بمعرفته بالقنوات والأنهار والغابات في هارلم وليدن التي يرسمها غالبا عند مغيب الشمس أو بعد حلول الظلام.
المعروف أن فاندر نير كان معاصرا لالبيرت كاب، وقد ربطتهما صداقة طويلة واشتركا معا في رسم أكثر من لوحة، وكان كلّ منهما يترك بصمته الخاصّة على الجانب الذي يرسمه.
لكن كاب كان أكثر شهرة، وكان من عادة فاندر نير أن يطلب مساعدة صديقه كي يضيف إلى مناظره صور أشخاص أو ماشية.
وعلى الرغم من أن لوحاته تُعتبر اليوم اقلّ قيمة من لوحات الكثير من معاصريه، إلا أنه يُعتبر من أكثر الرسّامين الذين تُقلَّد أعمالهم هذه الأيّام. ولوحاته ما تزال تحتفظ بسحرها الخاصّ، كما أن جامعي الأعمال الفنّية يبحثون عنها لاقتنائها.
ولد فاندر نير في عام 1604 في بلدة دوردريخت، وعمل في شبابه مضيفا في منزل احد أعيان بلدته قبل أن ينتقل إلى أمستردام.
ولا يُعرف أين درس الرسم أو على يد من، لكن أولى لوحاته تعود إلى عام 1632، وفيها يظهر تأثّره بأسلوب مدرسة هارلم في رسم الطبيعة.
والغريب أن فاندر نير في زمانه لم يكن احد ينافسه كرسّام لضوء القمر والليل في الفنّ الهولنديّ. ومع ذلك لم يكن قادرا على إعالة أسرته لأن رسوماته لم تكن تبيع جيّدا.
وعندما توفّي في أمستردام عام 1677 كان في حالة فقر وعوَز. وبعض لوحاته توجد اليوم في متحف المتروبوليتان في نيويورك وفي الناشيونال غاليري في لندن وكذلك في متحفي لاهاي وريكس الهولنديين.