Friday, February 16, 2018

لوحات عالميـة – 449

إعـدام توريخـوس ورفـاقه على شاطـئ ملقـا
للفنان الاسباني انطـونيو غيسـبيـرت، 1887

بعض الأعمال الفنّية عبارة عن دعاية. وليس هذا بالشيء الجديد أو المستغرب، إذ لطالما وُظّف الفنّ عبر العصور المختلفة لكي يخدم غرضا سياسيا أو يروّج لرسالة اجتماعية أو أيديولوجية ما.
في عام 1823، قام الجيش الفرنسيّ بغزو اسبانيا. كان ملك فرنسا آنذاك، لويس الثامن عشر، قد أصبح قلقا جدّا من تطوّرات أوضاع جارته الجنوبية، فقرّر أخيرا التدخّل كي يطيح بالحكومة الليبرالية ويعيد الملكيين الإسبان إلى السلطة.
وكان حكم الملك الاسبانيّ فرديناند السابع قد اُسقط قبل ذلك بتسع سنوات. وقبل أن يعيده الفرنسيون إلى السلطة، كان الملك قد تعهّد باحترام الدستور الذي سنّه الليبراليون.
لكن بعد عودته إلى الحكم، قام الملك بإلغاء الدستور وأعلن عن عودة الحكم المطلق. وأدّى ذلك إلى نشوب عدد من الثورات في أرجاء اسبانيا. ثم بدأ فرديناند وأنصاره عهدا وُصف في التاريخ الاسبانيّ بـ "العشرية المشئومة"، فشدّدوا قبضتهم على الحكم وفرضوا رقابة مشدّدة على الصحافة وقاموا بملاحقة وقتل الزعماء الليبراليين واحدا تلو الآخر.
وكان أحد هؤلاء يُدعى خوسيه ماريّا توريخوس. كان هذا الرجل وزيرا للحرب أثناء الحكم الليبراليّ للبلاد. كما كان مؤمنا بالقيم الليبرالية ومناهضا للأنظمة الملكية ذات الحكم الشموليّ التي كانت تحكم أوربّا آنذاك. وكان توريخوس قد قاتل في حروب نابليون وشارك في عدد من الحركات المضادّة للحكم الملكيّ في بلده اسبانيا.
كان الإسبان وقتها توّاقين لمجتمع أكثر حرّية وأمنا. لكن تاريخ البلاد اصطبغ في تلك الفترة وحتى ثلاثينات القرن العشرين بالحروب الأهلية الدامية والمستمرّة.
وعندما تدخّل الجيش الفرنسيّ لإعادة الملكية، فرّ العديد من الجمهوريين الإسبان إلى المنافي. واختار توريخوس أن يلجأ إلى انجلترا التي كان يحظى برعايتها ودعمها. لكن في ديسمبر من عام 1831، قرّر هو وثلاثة وخمسون من رفاقه أن يعودوا من منفاهم في لندن كي يبدءوا تمرّدا ضدّ حكم الملك فرديناند.
وعند وصولهم إلى ملقا، نصب لهم حاكم المدينة شرَكا عندما أوهمهم بأنه سيدعم ثورتهم، بينما كان قد وشى بهم لدى الملكيين. وقد تمّ اعتقال توريخوس ورفاقه بمجرّد وصول السفينة التي أبحروا على متنها إلى شاطئ ملقا. وبعد أسبوع أصدرت السلطة في مدريد حكما بإعدامهم بلا محاكمة.
وقعت تلك الحادثة قبل اكتشاف آلات التصوير. وكانت الطريقة المتاحة للناس آنذاك كي يعرفوا تفاصيل الأحداث المهمّة هي إمّا بسماعها مباشرة من شهود عيان أو بتجسيدها من خلال عيون الرسّامين.
الفنّان انطونيو غيسبيرت رسم واقعة إعدام توريخوس ورفاقه بعد حدوثها بخمسين عاما. وقد سافر الرسّام كثيرا على مدى سنتين وقابل عائلات الرجال القتلى ليعرف المزيد عن شخصيّاتهم وكيف كانت تبدو ملامحهم.
حادثة الإعدام تلك صدمت الإسبان بعنف. وبطبيعة الحال لم يكن مقدّرا للثوّار وقتها أن يوظّفوا هذه اللوحة للدعاية السياسية لأنها لم تكن قد رُسمت بعد، لكنها أصبحت لوحة مهمّة ومقدّرة كثيرا لخصائصها الفنّية الكامنة وباعتبارها صرخة في وجه الحكم الشموليّ.
وقد اختار الفنّان أن يرسم الواقعة على لوحة ضخمة وأن يجعل تعبيرات الأشخاص فيها واقعية بقدر الإمكان، كما استخدم أيضا مخيّلته الخاصّة لرسم بعض التفاصيل. ولهذا الغرض، زار الشاطئ عدّة مرّات وعاين المكان الذي وقعت فيه عملية الإعدام، كما درس طبيعة الطقس السائدة في نفس الوقت من السنة الذي حدثت فيه المذبحة.
في اللوحة، يظهر توريخوس في المقدّمة بهيئة الرجل الرابع من اليمين الذي يرتدي ياقة بيضاء ويمسك بيدي رجلين احدهما يرتدي معطفا رماديّا والآخر عجوز معصوب العينين.
بعض الرجال الواقفين يظهرون وهم معصوبو الأعين. بينما يبدو الكهنة وهم يتلون الصلوات الأخيرة على الرجال الذين ينتظرون موتهم. أما فرقة الإعدام التي ستنفّذ عمليات القتل فتقف خلفهم. والرسّام يعزّز توتّر المشهد بعرض جثث الأشخاص الذين أُطلقت عليهم النار للتوّ.
هذا المشهد المذهل حدث في فجر احد أيّام الشتاء على الشاطئ. الأمواج تبدو هادئة والسماء ملبّدة بالغيوم، وعلى البعد تلوح بعض القرى النائمة في الضباب.
منظر هذه الدراما الإنسانيّة الرهيبة يتباين بحدّة مع جمال وهدوء الطبيعة المحيط. ومن الواضح أن الرسّام ركّز على تصوير الوقفات والتعبيرات التي تعلو الوجوه وعلى الجوّ المشحون بالخوف والرهبة.
رسم غيسبيرت هذه اللوحة في زمن ازدهار الأفكار الرومانسية والقومية في أوربّا، وهو الوقت الذي شهد تشكّل الدول الحديثة وانتشار العنف والحروب الأهلية في غير مكان في أوربّا.
والرسّام نفسه كان ليبراليا. وعلى الرغم من انه توفّي في بدايات القرن الماضي، إلا أن المشاعر التي رسم بها اللوحة والتأثير الذي أحدثته عاشت بعده زمنا طويلا. وما من شكّ في انه أراد أن يكون للوحة مضمون سياسيّ بالإضافة إلى طابعها الفنّي والإبداعيّ.
ويمكن أيضا اعتبار الصورة بمثابة بيان يدافع عن حرّية الإنسان التي سحقها حكم غاشم. والمعروف أن غيسبيرت استلهم مواضيع العديد من لوحاته من أحداث التاريخ الاسبانيّ. وقد رسمها جميعا بأسلوب عاطفيّ وحاول أن يروّج فيها للقضايا والأفكار الليبرالية التي كان يتبنّاها.
ولد انطونيو غيسبيرت في ديسمبر من عام 1834. ودرس الرسم في أكاديمية سان فرناندو، ثم تتلمذ على يد الفنّان خوسيه مادرازو.
وفي ما بعد، أي في عام 1868، أصبح مديرا لمتحف برادو المشهور في مدريد حيث تُعرض اللوحة اليوم. وبعد ذلك بسنوات، انتقل للعيش في باريس التي ظلّ فيها إلى أن توفّي في نوفمبر من عام 1901.

Tuesday, February 13, 2018

لوحات عالميـة – 448

قابليـة للانقسـام إلى مـا لا نهايـة
للفنان الفرنسي إيـف تـانغـي، 1942

أسلوب إيف تانغي متفرّد جدّا لدرجة انه يمكن التعرّف على صوره من النظرة الأولى. وفي لوحاته غرابة وشاعرية، إذ تكثر فيها السموات الواسعة والسهول الممتدّة بلا انتهاء ودون خطّ أفق أو حدّ يفصل السماء عن الأرض.
تأثّر تانغي في بداياته بخوان ميرو وجان آرب، واستلهم في لوحاته الحجارة الغريبة وتشكيلات الصخور التي رآها في مقاطعة بريتاني التي كان يتردّد عليها وهو صغير بمعيّة أمّه.
وعناوين لوحات الرسّام مأخوذة غالبا من علم النفس ولها علاقة بانشغال السورياليين بفكرة العوالم الأخرى التي يصعب فهمها. وفي بعضها إحساس بالفناء يعبّر عنه بخواء السهول وبالنباتات الوحيدة والدخان. ولطالما ردّد انه يرى الأشياء في خياله ويتصوّرها طويلا قبل أن يرسمها.
وقد وجد تانغي أسلوبه الخاصّ ابتداءً من نهاية عشرينات القرن الماضي، ثم اكتسب مهارات مدهشة. ومنذ ذلك الحين ركّز على نفس مواضيعه الحالمة عن طبيعة متخيّلة مهجورة وعوالم صخرية فانتازية مرسومة بكلّ دقّة وبراعة.
كان سبب انجذاب الفنّان للرسم هو رؤيته وهو صغير لوحة للرسّام الميتافيزيقيّ جورجيو دي تشيريكو في حد المعارض. وبعد ذلك بعام، قابل اندريه بريتون وأصبحا صديقين. ثم بدأ يرسم طبيعة تجريدية تكثر فيها الأشكال المتحوّلة التي تشبه النباتات وتفاصيل البيئة البحرية مع عناصر طافية.
وفي عام 1930، نضج أسلوبه أكثر وبدأ يرسم شواطئ مع أفق بعيد يخفيه الضباب وأشكالا موضوعة على أرضية ومكدّسة فوق بعضها البعض. وقد أعجب بريتون والسورياليون بتلك الصور وصفّقوا لها كثيرا.
ثم بدأ تانغي يرسم أشكالا بأسطح معدنية، وأضاف لها خطوطا وأشكالا هندسية. لكن صديقه بريتون أصبح ينفر من شهرته ومن لوحاته التي كان يرى أنها لا تعكس العقل الباطن بما فيه الكفاية. ثم لم يلبث بريتون أن وصف تانغي بالبورجوازيّ، وطلب من زملائه أن يقاطعوه، ما أدّى بتانغي لأن يثور عليه. وتلا ذلك حالة من العداء بين الشخصين استمرّت سنوات.
في هذه اللوحة، يضع تانغي عدّة أشياء ثم يحوّلها إلى شكل إنسان فوق ما يشبه رقعة الرسم. وهذه الأشياء ذات السمات الخرسانية مصطفّة فوق ما يبدو وكأنه شاطئ بحر أزرق. والشكل الغريب، الذي يشبه بناءً طويلا يستقرّ فوق قمّته ما يبدو وكأنه إنسان بلونين أصفر وأخضر، يبدو مائلا كما لو انه يمكن أن ينهار في أيّة لحظة.
بعض النقّاد ذهبوا إلى أن الفراغ الأزرق في اللوحة يمثّل حالة انعدام اليقين لدى الرسّام حول كنه العالم وممّ يتألّف، وهل هناك فرق بين هيئاتنا الإنسانية والأشياء التي نصنعها أم أن كلّ شيء متخيّل؟ وثمّة من قال أن اللون البرتقاليّ في بعض الأجسام يمثّل السعادة والعاطفة.
ولد إيف تانغي في باريس في يناير من عام 1900 لأب كان يعمل بحّارا. وقضى بعض سنوات طفولته في بريتاني في منزل كان يملكه والده.
وقد توقّع منه أبوه أن يلتحق بالبحرية، لكنه لم يفعل وعمل مع بعض سفن الشحن التي تعمل ما بين أمريكا وأفريقيا. وفي عام 1920، جُنّد في الجيش الفرنسيّ، ثم ملّ من المجتمع التقليديّ وتبنّى أسلوب حياة بوهيميّاً في باريس.
ويمكن القول أن تانغي علّم نفسه بنفسه إلى حدّ كبير. وفي مرحلة تالية، قابل اندريه بريتون وحضر معه أوّل معرض للسورياليين.
وفي تلك الأثناء، ارتبط تانغي بعلاقة حبّ مع بيغي غوغنهايم التي اشترت بعض لوحاته وضمّتها إلى مجموعتها الخاصّة. واستمرّت علاقتهما إلى أن التقى في عام 1939 الرسّامة السوريالية الأمريكية كي بيج. وعندما غادرت بيج فرنسا إلى أمريكا إثر نشوب الحرب العالمية الأولى، قرّر أن يتبعها إلى هناك وتزوّجا في السنة التالية وعاشا في نيويورك بالقرب من مجتمع السورياليين في المدينة.
وقد تأثّر تانغي بأضواء أمريكا وفضاءاتها الشاسعة، وأصبح الضوء في صوره أكثر سطوعا وصفاءً ومزْج الألوان أكثر تعقيدا. كما أصبحت أشكاله النباتية تأخذ سمة معدنية، مع بقايا من حجارة عصور ما قبل التاريخ وعظام متحجّرة قام بتنعيمها وصقلها قبل أن يضمّنها لوحاته.
وفي يناير من عام 1955، توفّي تانغي بعد إصابته بجلطة قاتلة، وكان قبل ذلك قد أوصى بأن يُحرق جثمانه. ونفذّت زوجته الوصيّة واحتفظت برماده إلى حين وفاتها عام 1963. وبناءً على وصيّتها، تمّ إحراق جثّتها وجُمع رمادهما معا واُلقي على شاطئ بريتاني حيث عاش الرسّام طفولته الأولى.

Thursday, February 08, 2018

لوحات عالميـة – 447

نقابـة صانعـي الأقمشـة
للفنان الهولندي رمبـرانــدت، 1662

عانى المؤرّخون من ندرة المعلومات عن رسّامي القرن السابع عشر الهولنديين. رمبراندت بالذات لم يترك مفكّرة أو سيرة ذاتية. وكلّ ما وُجد بعد وفاته كان بضع رسائل كان قد كتبها لنفس الشخص عن بعض المشاريع، ولكنها لا تكشف شيئا عن شخصيّة الرسّام وأفكاره.
ومن بين الوثائق الهولندية كانت هناك واحدة مهمّة تتضمّن جردا بممتلكاته بعد إعلان إفلاسه. وندرة المعلومات عن رمبراندت ليست نتيجة عدم اهتمام ولا لأنه كان غير معروف أثناء حياته، بل لأن مزاج الهولنديين عموما كان ضدّ النثر الذي يصف أو يشرح أو يتأمّل.
كان سكّان الأراضي المنخفضة يرون أن الحياة يجب أن تُعاش دون أن توصف بشكل مملّ. وربّما هذا هو السبب في أن هولندا لم تنجب شعراء أو روائيين أو كتّابا مسرحيين، بل رسّامين فقط.
كان الهولنديون يفضّلون أن يتصرّفوا ويفكّروا دون كلام أو تعليق أو تحليل، لذا لم يدوّنوا سوى ملاحظات بسيطة وعابرة عن رسّاميهم في العصر الذهبيّ.
في آخر عشر سنوات من حياته، رسم رمبراندت عددا من أعظم لوحات عصر الباروك. وحتى بعد إشهار إفلاسه، كان ما يزال يتلقّى تكليفات بالرسم، أي انه لم يكن عاطلا عن العمل تماما. وهذا كان مؤشّرا على الاحترام الكبير الذي كان يحظى به.
في هذه اللوحة، يرسم الفنّان بورتريها جماعيّا لأفراد نقابة صنع الأقمشة بتكليف من رئيس النقابة. كانت مهمّة النقابة تتمثّل في مراقبة الأقمشة للتأكّد من جودتها ومطابقتها للمعايير. وكان عمدة أمستردام هو من يعيّن أعضاءها الذين كانوا يعقدون اجتماعاتهم في مبنى خاصّ بهم.
الرجال الستّة في اللوحة يظهرون وهم جالسون في صالة وأمامهم طاولة مغطّاة بقطعة كبيرة من القماش. وأسماء هؤلاء الرجال معروفة لأنها مدوّنة في السجّلات التي تعود إلى تلك الفترة.
والكرّاس الذي أمامهم هو على الأرجح دفتر حسابات تُدوّن فيه أسماء الصنّاع الذين يتمّ اعتماد عيّناتهم، مع تاريخ الموافقة ومبلغ الرّسم المدفوع.
المكان المرتفع الذي يجلس فيه الأشخاص هو أداة توليف استخدمها رمبراندت لإحداث تأثير صوريّ. والرجل الثاني من اليسار يبدو على وشك الوقوف، ربّما لكي يجيب على سؤال من الحضور الذين لا يظهرون في اللوحة.
من التفاصيل اللافتة في الصورة ترتيب الرسّام لأماكن الحضور والعمق السيكولوجيّ الذي رُسمت به الشخصيات الستّ ونوعية الاهتمام والمزاج الذي أعطاه لكلّ منهم.
هناك أيضا الضوء الذي يأتي من جهة اليسار، والقماش الذي يغطّي الطاولة، وملابس الرجال ذات الألوان البيضاء والسوداء القويّة، والألوان البنّية والذهبية اللامعة التي تظهر في خلفية اللوحة لتضفي على المشهد مسحة من الدفء.
الحسّ الجمعيّ هو ما يميّز اللوحة وهو جوهرها وموضوعها الأساس. فجميع الأشخاص مجتمعون لتقييم نوعية الأقمشة التي يبيعها النسّاجون لأهل المدينة. أي أنهم يركّزون على غرض واحد، وهو الاهتمام بمصلحة الجمهور وبمصالح التجّار أيضا.
وقد أظهر فحص بالأشعّة اجري على اللوحة أن الرجل الذي يهمّ بالوقوف كان مرسوما في أقصى يمين اللوحة. أما الخادم، وهو الشخص الوحيد الذي لا يضع قبّعة على رأسه، فقد غيّر رمبراندت مكانه عددا من المرّات قبل أن يقرّر وضعه في مكانه الحالي.
بعد انتهاء رمبراندت من رسم اللوحة، تمّ تعليقها في مقرّ النقابة حتى عام 1771 عندما اشترتها بلدية أمستردام. وفي عام 1808، انتقلت إلى ملكية متحف ريكس الهولنديّ وما تزال فيه إلى اليوم. وفي احد الأوقات، اختيرت اللوحة كي تزيّن علب إحدى ماركات السيغار الهولندية.
ولد رمبراندت في يوليو من عام 1606، وكان الابن التاسع لأبوين فلاحين. كان طفلا معجزة في الرسم منذ طفولته. ورغم تعليمه المتواضع، إلا انه رسّخ نفسه في أمستردام ثم تزوّج من امرأة موسرة وجميلة تُدعى ساسكيا، وتمتّع الاثنان بفترة قصيرة من الرخاء والشهرة.
في العصر الذي عاش فيه رمبراندت، كان عدد الهولنديين اقلّ من ثلاثة ملايين نسمة. لكنهم استطاعوا تحقيق ما يشبه المعجزة عندما أسّسوا لهم امّة مستقلّة وناهضة. ولم يلبثوا أن قيّدوا نفوذ انجلترا كسيّدة على بحار العالم، فتبوّءوا مكانها ودفعوا بها إلى المركز الثاني.
وقد سُمع هدير سفن ومدافع الهولنديين في البحار والجزر البعيدة لعشرات السنين ورأوا علم بلدهم وهو يرتفع عاليا في كلّ مكان تقريبا.
ومع ذلك لم يمجّد الرسّامون الهولنديون تلك الانجازات والانتصارات ولم يتغنّوا بها، بل اكتفوا برسم الحياة الصامتة والقصص الدينية والأساطير القديمة.
بالنسبة لرمبراندت، فعلى النقيض ممّا كُتب عن رحلاته إلى السويد وانجلترا واسبانيا، يُرجِّح مؤرّخو الفنّ الآن انه لم يغادر هولندا أبدا وأن كلّ رحلاته كانت داخل عالمه الخاصّ. واليوم يُقدّر عدد لوحاته المعروفة بأكثر من ألف لوحة، منها تسعون بورتريها رسمها لنفسه.

Sunday, February 04, 2018

لوحات عالميـة – 446

تجربة على طائر في مضخّة هوائية
للفنان البريطاني جـوزيف رايـت اوف ديـربي، 1768

في عصر التنوير، كانت التجارب العلمية تُجرى من قبل علماء مترحّلين يحملون معهم أدواتهم بين القرى والمدن الأوربّية حيث يعرضون تجاربهم على الناس. وفي ذلك الوقت، كانت هناك شكوك حول مدى قدرة العلم على تفسير ألغاز الطبيعة والإجابة على كلّ التساؤلات.
وكانت في انجلترا آنذاك جمعيات علمية عديدة من بينها واحدة تُدعى "الجمعية القمرية". وكانت تضمّ علماء ومثقّفين يعقدون اجتماعاتهم في ليلة اكتمال القمر من كلّ شهر حتى يتسنّى للمشاركين العودة إلى منازلهم بأمان. والأشخاص الذين يحضرون تلك الاجتماعات كانوا عادة متخصّصين في الفلك والطبّ والنبات والجيولوجيا والآثار وغيرها من العلوم.
كان الرسّام جوزيف رايت اوف ديربي يحضر بعض التجارب العلمية التي كانت تُجرى في الجمعية. وقد أصبح مشهورا برسم مثل تلك التجارب. وهو في هذه اللوحة يرسم مجموعة من الأشخاص الذين يحضرون تجربة جهاز عبارة عن مضخّة هوائية. كانت المضخّة الهوائية قد اختُرعت قبل ذلك التاريخ بحوالي مائة عام على يد عالم يُدعى اوتو فون غيريك، وأصبحت أداة مهمّة في المختبرات العلمية، وكثيرا ما كانت تُستخدم كوسيلة إيضاح في المحاضرات والدروس العلمية.
وفكرة المضخّة تقوم على سحب الهواء من فراغ يوضع بداخله قطّ أو طائر أو فأر، فيموت الحيوان أو الطائر بعد ذلك موتا قاسيا نتيجة انقباض رئته بعد أن يغادرها الهواء. وكانت تلك التجارب تصدم كلّ من يراها، والكثيرون كانوا يعتبرون أنها تخلو من الرحمة والإنسانية.
العالِم في هذه اللوحة، أي الشخص ذو الشعر الأشيب الطويل، يقوم بإفراغ الهواء من كرة زجاجية ضخمة يستقرّ بداخلها طائر. ويده اليسرى تمسك بزرّ توقيف الهواء بحيث إذا فتحه في أيّة لحظة فإن الطائر يعيش وإذا استمرّ في حبس الهواء عنه يموت.
والرجل الجالس في مقدّمة المشهد إلى اليسار يضع يده فوق ساعة مهمّتها قياس فترة تعرّض الطائر لانقطاع الهواء. والإناء الزجاجيّ الموضوع على الطاولة يحتوي على سائل يضمّ بقايا جمجمة بشرية. والعجوز الجالس إلى اليمين يتأمّل الجمجمة بصمت باعتبارها تذكيرا بالموت.
ملابس العالم الذي يعرض التجربة غريبة وشعره جامح، لكنه يبدو كاريزماتيّا وذا عزيمة قويّة لأنه هو الذي سيقرّر في النهاية حياة الطائر أو موته. ويقال أن اسمه جيمس فيرغيسون الذي كان صديقا للرسّام، وقيل أيضا انه ايراسموس داروين حفيد العالم تشارلز داروين.
الشمعة التي تضيء الغرفة موضوعة خلف الكأس الزجاجيّ على الطاولة، والفضل يعود لهذه الشمعة الوحيدة في أن نورها هو الذي يكشف عن الوجوه ويعكس التعابير المرتسمة على كلّ وجه. وربّما لو كان الوقت نهارا، لما كان للمشهد كلّ هذا التأثير الدراميّ ولما وجد المتلقّي ما يدفعه للاهتمام بكلّ وجه ونوعية استجابة كلّ شخص لما يجري.
والمشهد كلّه يبدو وكأنه ينبثق من الظلام. وعبر النافذة في أعلى اليمين، نرى قمرا يمرّ من بين الغيوم، وهذا التفصيل يضيف دراما أكثر إلى الصورة.
والرسّام يؤكّد على ردود الفعل المتباينة للحضور. ففي أقصى يسار اللوحة مثلا، يقف رجل وامرأة متزوّجان حديثا، والاثنان يبدوان منشغلين بنفسيهما ولا يعيران اهتماما لما يحدث في الغرفة. وفي منتصف اللوحة تقريبا، تقف فتاتان صغيرتان وهما تراقبان ما يجري. الفتاة الأكبر تشيح بوجهها بعيدا كي لا ترى ما يحدث، بينما يحاول والدهما تهدئتهما، ربّما بالقول أن الهواء لن يُسحب بأكمله وأن الطائر لن يموت.
ضوء القمر والشمعة استلهمهما الرسّام من أسلوب كارافاجيو. أما الواقعية الناعمة والدقيقة التي يتّسم بها المنظر بعمومه فقد اعتمد فيها على أسلوب الهولنديّ غيريت دو، ولم ينسَ أن يضع الحدث بأكمله في دائرة مثيرة من الكياروسكورو.
استخدم رايت أصدقاءه وجيرانه كنماذج للشخصيات. وهو بطريقة ما يُشرِك المتلقّي معه في مراقبة التجربة. أما مصير الطائر فغير معروف على وجه اليقين، لكن المؤكّد انه قد يموت اختناقا في ما لو حُبس عنه الأكسجين لفترة أطول ممّا ينبغي.
ويقال أن الطائر ببّغاء من ذوات العُرف، وهذا الطائر كان غير معروف في انجلترا حتى عام 1773 عندما رسمه أشخاص كانوا ضمن رحلة الكابتن كوك. وربّما يكون الطائر قد جلبه إلى انجلترا تجّار هولنديون. وثمّة احتمال بأن يكون الرسّام قد رأى صورته في بعض المتاحف أو اللوحات. ووجوده في انجلترا آنذاك كان أمرا نادرا، وإن وُجِد فليس من المتصوّر المخاطرة به من اجل تجربة.
كان جوزيف رايت اوف ديربي احد أفضل الرسّامين الانجليز في القرن الثامن عشر. ويوصف بأنه أوّل رسّام انجليزيّ جسّد في صوره روح الثورة الصناعية.
وفي بداياته كان يرسم مناظر تضيئها الشموع وتكثر فيها الأنوار الباهتة والظلال المعتمة. وكان في هذا متأثّرا بكارافاجيو وبالرسم الهولنديّ، وخاصّة رمبراندت.
رسم رايت هذه اللوحة عندما كان في الرابعة والثلاثين من عمره. وعُرضت لأوّل مرّة في عام 1768، ثم بيعت بمبلغ مائتي جنيه إسترليني، ثم اشتراها تيت غاليري عام 1929، ثم اشتراها أخيرا الناشيونال غاليري عام 1986.
ولد الرسّام في سبتمبر من عام 1734 في ديربي بانجلترا لعائلة من المحامين، وكان ترتيبه الثالث بين إخوته. وقد درس الرسم في لندن تحت إشراف جوشوا رينولدز وتوماس هيدسون. وفي ما بعد تأثّر بلوحات الكسندر كوزين وطريقته في التوليف.
وفي عام 1883، ذهب إلى ايطاليا في رحلة دراسية. ويبدو انه أثناء مكوثه في نابولي رصد بعض الأنشطة البركانية في قمّة جبل فيزوف فصوّرها في بعض لوحاته. وفي عام 1781، اختير ليعمل أستاذا في الأكاديمية الملكية في لندن. لوحات رايت تعكس تأثيرات الثورة العلمية التي بدأت تقوّض سلطة الدين في المجتمعات الأوربّية. ومن أشهرها واحدة بعنوان خيميائيّ يبحث عن حجر الفلاسفة يصوّر فيها اكتشاف عنصر الفوسفور على يد الكيميائيّ الألمانيّ هانغ براند.
ومع انه رسم عددا من المناظر الكلاسيكية والبورتريهات، إلا أن أشهر أعماله ذات طبيعة علمية وفلسفية وفكرية. وكانت لتلك اللوحات أهميّتها في أواخر القرن الثامن عشر، أي زمن الثورة الصناعية وعصر التنوير.
قضى رايت معظم حياته في ديربي وتوفّي بها عام 1797.

Wednesday, January 31, 2018

لوحات عالميـة – 445

ممـرّ إلى الشمـال الغربـيّ
للفنان البريطاني جـون ايفـريت ميلليـه، 1874

طوال أكثر من أربعمائة عام، ظلّ البحّارة الانجليز يبحثون عن طريق مباشر يوصلهم إلى المحيط الهادي واليابان والهند. ولم يكن باعثهم لذلك المعرفة الجغرافية أو تطوير إمبراطوريتهم، وإنّما الأرباح الهائلة التي سيوفّرها لهم مثل ذلك الطريق من الاتّجار بالسلع الشرقية، وبخاصّة التوابل.
وقد حفّز الانجليز للبحث عن الممرّ اكتشاف الرحّالة البرتغاليّ فاسكو دي غاما للطريق البحريّ الموصل إلى أفريقيا والهند، وكذلك رحلة ماجيللان الذي أبحر عام 1520 عبر ممرّ جنوبيّ حول رأس الرجاء الصالح وصولا إلى المحيط الهادي.
وبدأ الانجليز بحثهم عما أصبح يُسمّى بالممرّ الشماليّ الغربيّ في مستهلّ القرن السابع عشر. وأشهر حملاتهم كان يقودها بحّار يُدعى جون فرانكلين الذي اختفى دون أن يُعثر له على اثر. ثم تبيّن أن سفينته علقت في ثلوج القارّة القطبية، ما أدّى إلى موت جميع طاقمها.
وكانت آخر مرّة شوهد فيها البحّارة المائة والثلاثون عام 1845م. وتركت تلك الرحلة ذكريات مرعبة عن البحّارة الذين أكلوا لحوم بعضهم من الجوع وعن حالات تسمّم بالرصاص بينهم وموت بالتجمّد البطيء.
ولم يتمّ اكتشاف الممرّ بالكامل إلا بين عامي 1903 و 1906 عندما عبرته لأوّل مرّة سفينة بحّار نرويجي يُدعى رولد اموندسن. وقبل ذلك، كان جيمس كوك قد بدأ البحث عن الممرّ الغامض، ولكنه اكتشف بدلا منه جزر هاييتي.
الممرّ الشماليّ الغربيّ الذي كان يُعتقد انه يوفّر طريقا إلى الشرق كان ممرّا بحريّا تصعب الملاحة فيه، لذا أصبح مرادفا للخطر والفشل والموت، حيث كان البحّارة يصارعون الطقس والعناصر في برّية جليدية لا متناهية ودون أدنى أمل بالعثور على شيء.
والرسّامون الذين تخيّلوا ذلك الممرّ ومحاولات اكتشافه صوّروا في لوحاتهم الجمال المهجور للتضاريس القطبية، مع تفاصيل أخرى كالسفن المحطّمة والبحّارة الغرقى، للإشارة إلى عبثية طموح الإنسان في التغلّب على قوى الطبيعة.
ويقال أن الظروف المناخية الصعبة في الأراضي القطبية والتي أعاقت اكتشاف هذا الطريق المختصر إلى بلاد الشرق أسهمت في مقاومة التوسّع الامبرياليّ الغربيّ ولو إلى حين.
الرسّام جون ايفريت ميلليه اختار طريقة مختلفة لوصف وتصوير قصّة الممرّ من خلال لوحته هذه. فقد استخدم بحّارا متقاعدا يُدعى الكابتن تريلوني، وكان هذا البحّار يلقَّب بالقرصان العجوز بسبب ماضيه الحافل بالأحداث المثيرة. ففي بداية عمله في البحر، اختطفه قراصنة يونانيون ثم أخذوه إلى البرّ وزوّجه زعيمهم من ابنته وأمضى الاثنان شهر العسل في احد الكهوف.
في اللوحة يظهر العجوز وهو جالس في غرفة ببيته أمام طاولة وإلى جواره ابنته. وإذ ينظر إلى المتلقّي، تقرأ عليه ابنته الجالسة عند ركبته بعضا من مذكّراته التي سجّل فيها جانبا من مغامراته للوصول إلى منطقة القطب الشماليّ.
والعجوز يستمع إلى القصص القديمة فيشتعل قلبه بالذكريات ويظهر التأثّر واضحا على وجهه. وعلى الطاولة التي أمامه خريطة ضخمة لممرّ بين جزيرتين. كما انه محاط بأشياء لها علاقة بالسفر والاستكشاف، مثل خريطة وأيضا صورة سفينة معطّلة وسط الجليد تظهر في أقصى يسار الخلفية.
الجانب الأيمن من اللوحة كان يتضمّن صورة حفيدين للعجوز. لكن بعد أن أكمل ميلليه رسمها لم يكن سعيدا بذلك التفصيل، فاستبدله بستارة علّق فوقها أعلام البحرية البريطانية.
كان البحّار العجوز قد قابل ميلليه مرارا. ورغم انه كان يعتبر الرسّام صديقه، إلا انه كان يرفض بإصرار أن يرسمه. لكن زوجة ميلليه أقنعته أخيرا بالفكرة.
رسم الفنّان اللوحة عندما كانت انجلترا تعدّ لحملة بحرية جديدة لاستكشاف الممرّ بقيادة بحّار يُسمّى جورج نيرز. ولهذا السبب، اختار ميلليه عنوانا فرعيّا للوحة يقول: يمكن فعل هذا وانجلترا يجب أن تفعله". ويُفترض أن البحّار العجوز هو من يقول هذا الكلام. والعنوان يشير ضمنا إلى فشل انجلترا المتكرّر في العثور على الممرّ.
بيعت هذه اللوحة بعد رسمها بمبلغ خمسة آلاف جنيه إسترليني. ثم اشتراها هنري تيت عام 1888 وتبرّع بها للمتحف الوطنيّ الذي اُسمي في ما بعد بالتيت غاليري. وقد استُنسخت اللوحة مرارا وأصبحت ترمز لصورة انجلترا كأمّة من المستكشفين الأبطال وبُناة الإمبراطورية.
ولد جون ايفريت ميلليه في يونيو عام 1829 في ساوثامبتون لأسرة معروفة. وقد ظهرت موهبته في الرسم منذ سنّ مبكّرة. وفي عام 1838، انتقل مع عائلته إلى لندن كي يدرس فيها الرسم، وكان آنذاك اصغر طالب في الأكاديمية الملكية.
كان ميلليه احد مؤسّسي حركة الرسّامين ما قبل الرافائيليين والذين كانوا يتبنّون الرسم الواقعيّ مع اهتمام خاصّ بالتفاصيل. وقد نال في اوقات مختلفة عددا من الجوائز عن بعض أعماله.
حياة الرسّام الشخصية لعبت دورا مهما في شهرته. فزوجته كانت متزوّجة من الناقد المشهور جون راسكن الذي كان داعما قويّا لميلليه. كما كانت والدته شغوفة كثيرا بالفنّ والموسيقى. وقد شجّعت موهبته وقال في ما بعد انه يدين لأمّه بالكثير مما حقّقه.
في عام 1853، عُيّن ميلليه أستاذا في الأكاديمية. وفي عام 1896، انتُخب رئيسا لها. لكنه توفّي في نفس ذلك العام متأثّرا بإصابته بسرطان الحنجرة. وقد أمر الملك ادوارد السابع بإقامة تمثال للرسّام أمام متحف تيت تكريما له.

Friday, January 26, 2018

لوحات عالميـة – 444

بورتـريه مـاو
للفنان الأمريكي انـدي وارهـول، 1972

في أوائل سبعينات القرن الماضي، قام الرئيس الأمريكيّ الأسبق نيكسون بزيارته التاريخية إلى الصين، حيث قابل زعيمها ماو تسي تونغ وبدأ البلدان بعدها صفحة جديدة في العلاقات بينهما وتلاشى إلى حين خطر الحرب الباردة.
كان الرسّام اندي وارهول مشهورا وقتها باهتمامه برسم الشخصيات المشهورة في العالم، مثل مارلين مونرو وجاكلين كينيدي وألفيس بريسلي ومحمّد علي كلاي. وقد قرأ في بعض المجلات والصحف آنذاك أن ماو أصبح أهمّ وأشهر شخصية في العالم، إذ كانت أخباره تحتلّ الصفحات الأولى من الصحف الأمريكية والعالمية.
وكان احد أصدقاء وارهول قد اقترح عليه أن يرسم اينشتاين، خاصّة عقب انتشار اسمه في العالم بعد اكتشافه نظرية النسبية. لكن وارهول كان يعتبر أن الشهرة أهمّ من الأفكار والمظهر أهمّ من جوهر الشخص.
ولهذا قرّر أخيرا أن يرسم ماو. وهذه الصورة الضخمة للزعيم الصينيّ رسمها وارهول ضمن سلسلة من عشر لوحات أخرى متماثلة لماو، وأراد من خلالها أن يعكس التغييرات الكبيرة التي حصلت في الصين أثناء وبعد الثورة الثقافية.
والرسّام يقدّم ماو بطريقة تذكّر بلوحاته عن مشاهير السينما والفنّ، على الرغم من أن زعيم الصين كان معروفا باستبداده وبطشه.
غير أن بعض النقّاد اعتبروا اختيار وارهول لماو مناسبا كثيرا باعتباره زعيما مشهورا على أيّ حال. وقد اعتمد في رسمه لهذه البورتريهات العشرة على صورة ماو المنشورة في كتابه الأحمر. وهي نفس الصورة المشهورة التي أصبح معظم الناس في العالم يعرفونها عن هذا الرجل الذي كان يتمتّع بسلطة مطلقة. والمعروف انه كان يتعيّن على كلّ عضو في الحزب الشيوعيّ الصينيّ أن يحمل معه نسخة من كتاب ماو لأنه يتضمّن أسس الايديولوجيا الماويّة.
وعلى يد وارهول، تحوّلت تلك الصورة الرسمية للزعيم، والتي طالما استُخدمت للترويج للشيوعية في العالم، إلى مجرّد سلعة رأسمالية وإلى مادّة استهلاكية يعاد إنتاجها مرّات ومرّات بطريقة لا تختلف عن علب الحساء المشهورة.
صُوَر وارهول العشر التي رسمها لماو أصبحت في ما بعد من بين أكثر الصور الأيقونية شهرة في العالم. وقد افرد له الرسّام حضورا مدهشا وغامضا في فنّه.
ماو في اللوحة ينظر مباشرة إلى المتلقّي، تماما مثلما ينظر من صوره الكثيرة المعلّقة في ميدان السلام السماويّ في وسط بيجين، مع إحساس بالنصر والزهو. وقد استخدم الرسّام في الخلفية اللون الأحمر الشرقيّ الطابع والمرتبط بالشيوعية وبالعلم الصينيّ، وأيضا الذي يذكّر بالسلطة المطلقة.
كما استخدم في ملابس ماو اللون الأصفر الذي يُعتبر اللون الأكثر لمعانا وجذبا للانتباه. كما انه اللون الذي يرمز للإنذار والخطر والأنانية والجنون والآلهة القديمة. وليس مصادفة أن أصول الأصفر توجد في المعادن السامّة والرصاص والكروم والبول وغير ذلك.
الصور العشر المتماثلة لماو تشير إلى احتقار الشيوعية للفردانية وميلها إلى قولبة البشر في نسق واحد. والرسّام يربط بين تقديس الغرب لصور الفنّانين والممثّلين وبين عبادة الفرد في الشرق كما تشير إليه شخصيّة ماو وغيره من الحكّام الشموليين.
هذه الصورة المشحونة بالألوان الساطعة أصبحت أكثر تفرّدا بإضافة طبقات من الغرافيتي حوّلت ماو إلى أيقونة شعبية عالمية، أي أن الرسّام يرى شبها بين الدعاية الشيوعية وصناعة الإعلان في الدول الرأسمالية.
لكن بعض النقّاد رأوا في البورتريه ما يوحي بتلاشي هالة ماو التي ستصبح قريبا مجرّد ذكرى من الماضي بعد أن جرّده الرسّام من سياق الدعاية الإيديولوجية. لكن يمكن القول أيضا أن وارهول ترك اللوحة مفتوحة على تفسيرات شتّى. فهو لم يكن يتبنّى آراءً سياسية معيّنة ولم يكن مهتمّا بالسياسة أصلا، وهو ما يدفع المتلقّي للتساؤل عن نواياه.
عملية تكرار الصور ربّما تتضمّن أيضا فكرة عبادة الشخصية، تماما مثل صور بعض الزعماء التي تتكرّر وتُشاهَد في كلّ مكان في الدول ذات الحكم الشموليّ. وقد جرت العادة في المجتمعات الرأسمالية أن لا يقدّس الناس صور الزعماء السياسيين، بل صور الفنّانين ونجوم السينما. لكن بنظر البعض فإن النتيجة واحدة، وهي أن الناس يميلون إلى إضفاء طابع مثاليّ على الصورة ثم يجعلون من صاحبها بطلا. بمعنى أن كلا من المجتمعين الرأسماليّ والشيوعيّ ينتج أصنامه الخاصّة بتحويل الأشخاص إلى رموز مقدّسة.
الجدير بالذكر أن السلطات الصينية منعت صور وارهول لماو من دخول البلاد باعتبارها "غير محترمة"، كما أنها تشكّل تجاوزا على هيبة الحزب القائد بإظهارها وجه زعيمه وقد لُطّخ بمساحيق التجميل. لكن بعض الصحف الصينية أكّدت على أن نوايا وارهول قد لا تكون سيّئة، فصوره لا تتضمّن أيّة انتقادات أو إساءات وإن كانت ألوانها مستفزّة نوعا ما. كما أعاد البعض للأذهان أن وارهول عُرف عنه ميله إلى محو الخطوط الفاصلة بين الجنسين في لوحاته.
ومع ذلك شوهدت بعض هذه الصور تُباع سرّا في بعض الأسواق والمواقع السياحية في الصين. وقال بعض الكتّاب الساخرين أن وارهول لو كان يعيش في الصين لاُرسل إلى احد الأقاليم البعيدة كي يحرث الأرض ويزرع المحاصيل، هذا إن تُرك حيّاً.
وقال آخرون أن ماو لو كان ما يزال على قيد الحياة لاعتبر كل الفنّ الغربيّ منحلا وفاسدا. لكن هناك من الصينيين من شعروا بالسرور لأن فنّانا غربيّا كان يهتمّ بدراسة الطبيعة الموقّتة للسلطة والشهرة رسم زعيمهم الأوحد على هيئة مهرّج شبحيّ بالألوان، ثم استنسخ صورته عشر مرّات ووقّع عليها بقلم رصاص.
منذ رحيل ماو تسي تونغ، لم يعد احد يتذكّر كتابه الأحمر ولا كلماته المأثورة. كما أن الرأسمالية التي كان يحتقرها كثيرا تشهد اليوم ازدهارا غير مسبوق في الصين نفسها بينما تترنّح في الغرب.
كان ماو قد أسّس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 بعد عشرين عاما من الحرب الأهلية. وقد حكم البلاد كزعيم بلا منافس حتى موته عام 1976. وفي السنوات الأخيرة، بدأ الزعماء الاصلاحيون في الصين يعترفون بأخطاء ماو علناً، ومنها حملته السيّئة الصيت والتي اسماها "قفزة كبيرة إلى الأمام"، التي تسبّبت في موت ثلاثين مليون فلاح صينيّ.
لكن صور الزعيم الضخمة ما تزال منتصبة في وسط الميدان الكبير في وسط بيجين. وما يزال بعض الساسة في الصين يتحدّثون عن دوره الأبويّ في قيام الدولة والحزب.
في عام 1982، زار اندي وارهول الصين وأعجب بثقافتها وتاريخها العريق. وقد أقيم لأعماله معرض في شانغهاي تعرّف من خلاله الصينيون على الفنّان الذي رسم بعض أشهر اللوحات عن أهمّ شخصية في تاريخ بلدهم. وقد بيعت إحدى لوحات سلسلة ماو في نيويورك بأربعة عشر مليون دولار، بينما بيعت لوحة أخرى في مزاد بهونغ كونغ بثلاثة عشر مليون دولار.
كان وارهول احد رموز الفنّ الشعبيّ في العالم وأحد أشهر الرسّامين الأمريكيين في القرن العشرين. والمعروف انه بدأ في مستهلّ حياته تحويل الصور الفوتوغرافية إلى القماش واستخدم هذه التقنية طوال ستّينات القرن الماضي.
وقد استغلّ وارهول هاجس الناس الجماعيّ بالشهرة كما لم يفعل رسّام آخر. وكانت فكرته أن الثقافة الشعبية تقدّس المشاهير فقط لأنهم مشاهير. ولوحاته التي تصوّر الشخصيات المشهورة تطوّرت لتصبح سمة مميّزة لعمله ومصدرا لدخله.

Monday, January 22, 2018

لوحات عالميـة – 443

إغـواء يوسـف
للفنان الإيراني كمـال الديـن بهـزاد، 1488

يمكن تعريف المنمنمات على أنها نوع من الرسم الذي يُنتج لوحات صغيرة تُستخدم إمّا كرسوم توضيحية في كتاب أو كقطع فنّية قائمة بذاتها.
وعند النظر إلى المنمنمات الفارسية على وجه الخصوص، فإن أهمّ ما تتّسم به هو حجمها الصغير. وبطبيعة الحال يختلف تأثير النظر إلى صورة صغيرة عن النظر إلى لوحة زيتية كبيرة. وكلّما كانت اللوحة كبيرة، كلّما كان مفترضا أن يراها عامّة الناس. وكلّما كانت صغيرة، كلّما كانت أكثر حميمية وخصوصية بحيث لا يراها إلا القليلون أو النخبة.
وثمّة إجماع بين مؤرّخي الفنّ على أن كمال الدين بهزاد هو أشهر وأعظم رسّام منمنمات في العالم الإسلاميّ. والمنمنمات التي صنعها كانت تُوضع في مجلّد يُعرف بـ "المرقّع" ويضمّ مجموعات من المنمنمات والخطّ الإسلاميّ من مصادر مختلفة. وكان هذا هو الشكل المتعارف عليه لعرض رسوم المنمنمات في الإمبراطوريات المغولية والعثمانية والصفوية التي توالت على حكم بلاد فارس.
والحقيقة انه لا يُعرف الكثير عن حياة بهزاد. لكن معروف انه وُلد عام 1455 في هيرات بأفغانستان عندما كانت جزءا من الإمبراطورية التيمورية. وقد عانى من اليتم وهو في سنّ مبكّرة. ثم تربّى في كنف الرسّام ميراك الذي علّمه الفنّ الذي يروق لذائقة الطبقة الرفيعة من المجتمع.
وعندما بدأت موهبته في البروز، أصبح يحظى برعاية مير علي شير نوائي كبير الوزراء في هيرات الذي كان هو نفسه شاعرا ورسّاما. وعندما بدأ يرسم القصص المستقاة من كتب الشعر المشهورة، اجتذب اهتمام سلطان هيرات نفسه حسين بايقارا. وبعدها صارت أعماله تُشترى من قبل الرعاة الملكيين وتُعرض في القصر.
وعندما قام الشاه إسماعيل الأوّل مؤسّس الدولة الصفوية بالاستيلاء على هيرات، انتقل بهزاد إلى تبريز وعمل مديرا للمرسم الملكيّ ورئيسا للمكتبة الملكية ومسئولا عن المخطوطات، وهو أمر يشي بالمكانة العالية التي كان يحظى بها.
ومثل معظم الفنّانين الذين عاشوا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، من المهمّ أن نتذكّر أن بهزاد لم يكن يعمل لوحده، بل كان يدير ورشاً تنتج الأعمال الفنّية تحت إشرافه وبمساعدة رسّامين آخرين.
هذه اللوحة هي أشهر منمنمة رسمها بهزاد، وفيها يصوّر قصّة النبيّ يوسف عليه السلام مع امرأة الفرعون. وكما هو معروف، وردت القصّة في القرآن الكريم وأعيدت روايتها مرارا وبطرق مختلفة.
وأحد الذين ذكروها كان الشاعر سعدي من القرن الثالث عشر الميلاديّ. وبعده بقرنين، أمر سلطان يُدعى علي الكاتب بأن يُعهد إلى بهزاد بمهمّة رسم القصّة في خمس منمنمات، وأن توضع اللوحات في مخطوط ديوان "بستان سعدي" الذي يضمّ مجموعة من القصص والأشعار الصوفية، وتوجد المخطوطة الأصلية منه في المكتبة المصرية في القاهرة.
في القصّة، تتعقّب زليخة امرأة الفرعون يوسف داخل غرف القصر السبع، وفي الغرفة الأخيرة تحاول احتضانه لكنه يتمكّن من الهرب.
زوجة الفرعون في اللوحة ترتدي ثوبا احمر، بينما يرتدي يوسف رداءً اخضر. وقد طمس الرسّام ملامح وجهه جرياً على عادة الرسّامين مع الشخصيات المقدّسة. واستخدم نقوشا وأنماطا جميلة وألوانا متناغمة للتدليل على فخامة القصر، بينما أضاف في أعلى وأسفل الصورة أبياتا شعرية من ديوان الشاعر عن القصّة.
استخدم الرسّام في رسم هذه المنمنمة الحبر والطلاء والذهب. وكما هو متوقّع، ركّز على المعمار المعقّد لقصر الفرعون.
ومن الأشياء الأخرى اللافتة في اللوحة شكلها الهندسيّ، فهي مشيّدة من مربّعات ومستطيلات ومثلّثات. وعندما تتمعّن فيها، سيُخيّل إليك كما لو أن الشخصين يتحرّكان داخل فراغات الغرف. كما أن في الصورة تنوّعا بصريّا، فكلّ غرفة لها تفاصيلها. وبعض الغرف تحتوي على أنماط جميلة والبعض الآخر على خطوط أنيقة. وكلّ غرفة لها تفرّدها، لكنها جميعا تشكّل لوحة واحدة.
ومن المهمّ أيضا أن نلاحظ طريقة استخدام الرسّام للمنظور في هذه اللوحة. فالجدار الأيمن يُظهر مهارته في رسم المنظور الواقعيّ. لكنه اختار لمعظم الصورة منظورا مسطّحا وأنماطا ميّز من خلالها ببراعة بين غرف وأجزاء المنزل المختلفة.
ووجود الإطار المزخرف يشير إلى أن اللوحة ستُعرض في مخطوط أو كتاب، وليس كلوحة أو جدارية.
من أشهر منمنمات بهزاد الأخرى واحدة بعنوان ارض الصيد وأخرى بعنوان تشييد قصر الخورنق ، بالإضافة إلى منمنمة ثالثة رسمها عام 1495 لتزيّن مخطوطة قصّة "ليلى والمجنون" للشاعر نظامي، وهي موجودة اليوم في المكتبة البريطانية.

Thursday, January 18, 2018

لوحات عالميـة – 442

بورتريه سيلفيـا فـون هـاردن
للفنان الألماني اوتـو ديكـس، 1926

في أوائل عشرينات القرن الماضي، كانت ألمانيا تمرّ بتغييرات اجتماعية كبيرة، خاصّة على صعيد علاقات الجندر ونظرة المجتمع إلى المرأة.
وقد ظهر وقتها مفهوم المرأة الجديدة (أو نيو فراو بالألمانية)، الذي يشير إلى النساء اللاتي تخلّين عن القناعات التقليدية حول مكانة ودور المرأة ونظرتها إلى العمل.
كانت المرأة الجديدة تتصرّف خارج إطار ما حدّده المجتمع لها من ادوار مسبقا، فأصبحت تدخّن وتولي اهتماما اكبر بوظيفتها ولا تُظهر اهتماما كبيرا بالزواج أو بناء أسرة.
وكان من بين النساء اللاتي قُدنَ هذا الاتجاه في برلين شاعرة وكاتبة صحفية وناقدة سينمائية تُدعى سيلفيا فون هاردن. كان لفون هاردن حضور فاعل في الصحافة آنذاك وكانت تكتب مقالا أدبيّا في إحدى المجلات الشهرية المعروفة.
الفنّان اوتو ديكس، الذي كان من ابرز رسّامي تلك الفترة، كان قد تعرّف على الشاعرة في مقهى مشهور في برلين كان يتردّد عليه الفنّانون والأدباء. وكان ديكس يرى في هاردن صورة للمرأة الجديدة ورمزا لمرحلة مهمّة في مسار التغيير الاجتماعي. وكان معجبا بكتاباتها وأفكارها، لذا طلب منها أن يرسم لها بورتريها.
وقد كتبت الشاعرة في ما بعد مقالا تشرح فيه قصّة هذا البورتريه الذي أصبح مشهورا. وقالت في ذلك المقال: طلب منّي ديكس أن يرسم لي لوحة، فقلت له: أنت تريد أن ترسم عينيّ الباهتتين وأنفي الطويل وشفتيّ الرقيقتين وساقيّ القصيرتين وقدميّ الكبيرتين. وهذه الأشياء ستخيف الناس منّي، وأكيد لن تجلب لهم السرور".
لكن الرسّام أصرّ على طلبه. وعندما أتمّ عمله، أصبح البورتريه رمزا للجيل الجديد من النساء اللاتي لا يعوّلن على الجمال الخارجيّ وإنّما على الحالة النفسية والذهنية للمرأة.
في البورتريه، رسم الفنّان الكاتبة كامرأة مثقّفة وعصرية ومستقلّة. وهي تجلس باسترخاء في المقهى، قَصّة شعرها حديثة، كما أنها تدخّن أمام الملأ نوعا من السجائر الروسية.
فون هاردن في الصورة تبدو امرأة متحرّرة بملامح اندروجينية "أي لا هي برجل ولا بامرأة"، كما أنها ترتدي فستانا يتناسب مع قِوامها ويهيمن عليه اللون الأحمر وتزيّنه أنماط مربّعة سوداء ورمادية تعكس الشكل العصريّ للأنوثة. لكن الفستان لا يُظهر شيئا من ملامحها الجسدية التي تدلّ على أنها امرأة.
والرسّام يؤكّد على فردانية الشخصية. فهي تجلس على طاولة لشخص واحد، أي أن كلّ اهتمامها مركّز على وظيفتها ولا يشغلها ولا يهمّها أن تكون برفقة أشخاص آخرين.
كما انه ليس في يدها خاتم زواج، ما يشي بأنها ما تزال عزباء، وكأنها لا تريد أن تثقل كاهلها بمسئوليات الزوج والأطفال. ولأنها غير متزوّجة، فإنها تملك من الوقت ما يكفي لأن تقضي بعضه في المقهى لتدخّن وترفّه عن نفسها بدلا من الاهتمام بشئون المنزل.
كما أنها تضع على عينها اليمنى عدسة مكبّرة. وهذا النوع من النظّارات كان مرتبطا أساسا بالرجال، ونادرا ما كانت تستخدمه امرأة. لكنها تضع العدسة لأنها تريد أن ترى عملها وتركّز عليه بشكل أفضل.
اللوحة في عمومها تبدو مثل كاريكاتير، والمرأة تظهر تقريبا في هيئة رجل. وحتى قصّة شعرها تبدو ذكورية، والدليل الوحيد على أنها امرأة هو الفستان الذي ترتديه. ومن الواضح أنها لا تحاول أن تبدو جميلة ولا يهمّها أن يرتسم على وجهها اثر تكشيرة بدلا من ابتسامة.
كان اوتو ديكس يريد من تصويره للمرأة أن يرسم التحوّلات الاجتماعية التي كانت تشهدها بلاده. ويمكن القول أن اللوحة هي صورة ألمانيا الجديدة في عصر ما بعد الحرب العالمية الأولى.
لفون هاردن ديوانا شعر والعديد من المقالات التي نشرتها في الصحف. وقد غادرت الكاتبة ألمانيا عام 1933 واتخذت من انجلترا منفى اختياريا، ومن هناك استمرّت تكتب للصحف الألمانية حتى وفاتها عام 1963.
ولد اوتو ديكس في ديسمبر من عام 1891 لأبوين من الطبقة الوسطى. ولأن أمّه كانت تكتب الشعر وتهوى الأدب، فقد تأثّر الابن بذلك وأصبح منذ صغره يميل إلى الفنون.
ثم تتلمذ على يد ابن عمّه الذي كان رسّاما. وقد علّمه وشجّعه على تحقيق طموحه الفنّي. ثم عمل مع رسّام آخر يُدعى كارل سنيف. وبعد فترة، سجّل كطالب في أكاديمية درسدن للفنون. وكانت أوّل لوحات رسمها عبارة عن مناظر للطبيعة.
وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى، تطوّع ديكس للخدمة في جيش بلاده. وأثناء ذلك نال عددا من الرتب والأوسمة. وفي عام 1918، أصيب بجرح في رقبته تسبّب في تركه الخدمة. وقد تأثّر ديكس كثيرا بما رآه من ويلات الحرب وسجّل بعضها في العديد من صوره.
وعندما جاء النازيّون إلى السلطة، اعتبروه فنّانا منحلا ثم طردوه من وظيفته كأستاذ للفنّ في أكاديمية دريسدن. فاضطرّ للانتقال إلى مدينة أخرى واستمرّ يرسم صورا رمزية تنتقد الحكم النازيّ.
وفي عام 1939، اعتُقل الرسّام ووُجّهت له تهمة الاشتراك في محاولة لاغتيال هتلر، لكن تمّ إطلاق سراحه في وقت لاحق. وبعد زوال النازيّة، أعيد له الاعتبار ومُنح جوائز عدّة من بينها جائزة من مؤسّسة غوته.
توفّي اوتو ديكس في يوليو 1969 إثر إصابته بجلطة في الدماغ.

Sunday, January 14, 2018

لوحات عالميـة – 441

وليمـة كليـوباتـرا
للفنان الايطالي جيوفـاني باتيـستا تيـابولـو، 1744

كان جيوفاني باتيستا تيابولو احد أشهر الرسّامين في أوربّا في القرن الثامن عشر. صوره المتخيّلة التي تصوّر تاريخ وأساطير العالم القديم وقصص الكتب المقدّسة كانت تحظى بشهرة واسعة بسبب لغتها المسرحية والفخمة. وقد عُدّت تلك اللوحات امتدادا لتقاليد عصري الباروك والروكوكو.
عُرف تيابولو بتمثيله الرائع للملابس المترفة والأبنية المعمارية الفخمة. وأوّل لوحاته كانت سلسلة من الصور الضخمة التي رسمها لتزيّن غرفة استقبال واسعة في احد قصور فينيسيا، وهي تصوّر معارك قديمة ضمّنها صورا لتماثيل وملابس غرائبية وأفعال عنيفة.
وربّما كانت أعظم أعماله هي الجداريات التي رسمها لبعض كنائس وأديرة فينيسيا ولعدد من القصور والفيلل في ألمانيا وايطاليا وإسبانيا.
في هذه اللوحة، يتناول تيابولو قصّة مشهورة من التاريخ ذكرها المؤرّخ الرومانيّ بليني في كتابه "التاريخ الطبيعيّ". والقصّة تتناول رهانا مشهورا بين القائد الرومانيّ مارك انطوني والملكة المصرية كليوباترا حول أيّ منهما يستطيع أن يقيم وليمة اكبر من وليمة الآخر.
كان الجنرال مارك انطوني قد قابل كليوباترا في مدينة طرطوس عام واحد وأربعين قبل الميلاد. وقد وقع في هواها من النظرة الأولى بعد أن كانت عشيقة ليوليوس قيصر. وكانت تظنّ أن علاقتها بأنطوني ستعزّز سلطتها في بلدها مصر.
وقضى الاثنان معا شتاء ذلك العام في الاسكندرية. وبعد وليمة عامرة أقامها لها انطوني، راهنته على أن تنظّم وليمة أفخم من وليمته. وكان انطوني يريد أن يعرف ما الذي تنوي فعله، خاصّة وهو المعروف ببذخه الشديد الذي لا ينافسه فيه احد.
وقد أقامت له كليوباترا وليمة، وفي نهايتها نزعت لؤلؤة من قرط كانت تزيّن به أذنها ووضعتها في كأس مملوء بالنبيذ الممزوج بالخلّ. وبعد أن ذابت اللؤلؤة، تناولت الكأس من أمامها ثم شربته. وكانت تلك اللؤلؤة أغلى لؤلؤة في التاريخ وقد أُهديت لها من بعض ملوك الشرق الذين عرفوها.
وفي نهاية المأدبة، اعترف مارك انطوني بأنها كسبت الرهان، لأن تلك اللؤلؤة كانت أغلى بكثير من أيّ شيء آخر يمكن أن يُقدَّم على مائدة.
وبعد الحادثة، هجر مارك انطوني زوجته في روما وانتقل ليقيم مع كليوباترا في الاسكندرية، ومن ثَمّ بدأت أشهر قصّة حبّ في التاريخ.
لكن في عام واحد وثلاثين قبل الميلاد، قام اوكتافيان الحاكم الفعليّ لروما وقتها بإلحاق الهزيمة بجيشي مارك انطوني وكليوباترا في معركة اكتيوم على الساحل الغربيّ لليونان.
وبعد أن خسرا المعركة، عاد الاثنان إلى الإسكندرية حيث أقدم انطوني على الانتحار ومات أخيرا في حضن كليوباترا. ولم يمضِ وقت طويل حتى انتحرت كليوباترا نفسها بلدغة أفعى سامّة كانت تخبّئها في سلّة تين.
في اللوحة، تجلس كليوباترا على طرف المائدة الأيسر، وهي ترتدي فستانا زهريّا بياقة بيضاء واسعة وعلى حجرها كلب صغير. وهي تهمّ بإلقاء اللؤلؤة في الكأس، بينما تنظر بتحدٍّ إلى مارك انطوني الذي يظهر معتمرا خوذة قتال مذهبّة ومرتديا ملابس حمراء، وأسفل منه يجلس كلب ضخم يتابع ما يجري. القائد الرومانيّ يعطي ظهره للناظر، وهو يتراجع إلى الوراء مأخوذا بالمفاجأة.
الشخص الثالث على المائدة، في الوسط، هو لوسيوس بلانكوس الذي يرتدي لباسا بألوان خضراء وصفراء وبيضاء وله لحية كثّة، وقد راح يحدّق في المرأة بفضول. كان بلانكوس وقتها حليفا لأنطوني، وهو الشخص الذي اختير محكّما للمسابقة وبالتالي سيقرّر من الرابح.
الحفل نفسه يجري في الهواء الطلق وسط تفاصيل معمارية فخمة، بينما يظهر في الخلفية جزء من السماء وتحتها شرفة عالية. والمكان يضمّ خدما ومستشارين وسقاة وحرّاسا، وفوق الشرفة العالية المطلّة على البحر يقف حرّاس آخرون وموسيقيون.
اللوحة تحمل سمة الأسلوب المسرحيّ لباولو فيرونيزي الذي عاش قبل ذلك الوقت بمائة عام تقريبا وكان هو أيضا مشهورا بمناظره التي تكثر فيها المآدب الفخمة والصروح العالية.
قصّة وليمة كليوباترا ذُكرت في أشعار شكسبير وفي أدب برنارد شو وفي السينما والأفلام. وفي الرسم صُوّرت القصّة كرسالة تحذير من البذخ والإسراف غير الضروريّ، وأحيانا كإشارة إلى مصير الرجال الأقوياء والنافذين الذين يسلّمون قيادهم للنساء فيهملون مسئولياتهم.
قصّة مارك انطوني وكليوباترا كانت موضوعا شعبيّا بالنسبة لرسّامي القرن الثامن عشر لأنها تتضمّن عدّة عناصر، ففيها رومانسية وحرب وفخامة عسكرية ومأساة وموت. كما أن الرسّامين وجدوا فيها أداة لتصوير الثنائيات الكلاسيكية كالذكر والأنثى والشرق والغرب. ومن أشهر من رسموها من الفنّانين كلّ من جيرارد دي ليريسي و شارل ناتوار و جان دي براي وغيرهم.
تيابولو رسم اللوحة كجدارية تصلح لتزيين الجدران أو السقف. وقد رسم أيضا لوحتين أخريين عن اللقاء الأوّل بين مارك انطوني وكليوباترا وهما محاطان بالحاشية وبتماثيل الآلهة.
في عام 1764، اشترت اللوحة كاثرين العظيمة ملكة روسيا، ثم انتقلت إلى متحف الارميتاج في سانت بطرسبورغ، إلى أن اشتراها تاجر فنون انجليزيّ عام 1932. ثم اشتراها منه متحف فيكتوريا الوطنيّ في ملبورن باستراليا عام 1933 مقابل خمسة وعشرين ألف جنيه إسترليني.
ويقال أن الناشيونال غاليري بلندن كان يطمح في شراء اللوحة، لكنه تنازل عنها في النهاية للمتحف الاسترالي كي يحسّن بها مجموعته من الأعمال الفنّية. وفي عام 2002، أُخضعت اللوحة لعملية ترميم شاملة.
ولد جيوفاني باتيستا تيابولو في فينيسيا في مارس من عام 1696. وقد تلقى دروسا في الرسم على يد والده في سنّ مبكّرة، ثم على يد الرسّام جورجيو لاتزاروني.
وعندما أصبح رسّاما مشهورا أصبحت قائمة زبائنه تضمّ أسماء ملك فرنسا وملك انجلترا وامبراطور روسيا الذين اقتنوا بعضا من صوره.
في عام 1761، طلب منه تشارلز الأوّل ملك اسبانيا أن يأتي إلى مدريد كي يرسم القصر الملكيّ فيها والذي اكتمل بناؤه حوالي ذلك الوقت. ورغم أن تيابولو كان قد صار عجوزا وقتها، إلا انه ذهب إلى اسبانيا لينجز المهمّة المطلوبة.
وعندما توفّي في مدريد في مارس 1770، كانت الموضوعات التاريخية والرمزية والأفكار الدينية قد أصبحت خارج الموضة لتفسح الطريق أمام النيوكلاسيكية. وبنهاية ذلك القرن، ومع سقوط الملكيات الأوربّية وتقلّص نفوذ المؤسّسات الدينية، أصبح فنّ تيابولو شيئا من الماضي. لكنه اليوم يتمتّع بالاحترام كواحد من أهمّ رسّامي القرن الثامن عشر وأحد آخر الرسّامين العظام من عصري النهضة والباروك.

Tuesday, January 09, 2018

لوحات عالميـة – 440

دخـان العنـبر
للفنان الأمريكي جون سنغر سارجنت، 1880

عُرف جون سنغر سارجنت بأسفاره الكثيرة والطويلة في بلدان القارّة الأوربّية. لكن في عام 1879، وجد الرسّام وقتا لزيارة مدينة طنجة في شمال أفريقيا. وكان الاستشراق وقتها موضوعا يحظى بشعبية كبيرة عند الأوربّيين.
وأثناء إقامته في المدينة المغربية، بدأ سارجنت رسم هذه اللوحة، ثم أكملها في مرسمه عندما عاد إلى باريس.
وفيها تظهر امرأة ترتدي جلبابا مغربيّا وتقف إلى جوار عمود مقوّس في مكان أشبه ما يكون بفناء بيت مستأجر، بينما تنشر غطاء رأسها فوق مبخرة فضّية تستقرّ على الأرضية وينبعث منها دخان العنبر. وهو مادّة شمعية تُستخرج من بطون الحيتان وتُستخدم في صناعة العطور وكمقوٍّ جنسيّ وطارد للأرواح الشرّيرة.
وجه المرأة لا يبين منه سوى القليل رغم أنها لا ترتدي حجابا، كما أن نظراتها منسحبة، وغموضها يحرّض الناظر على أن يحدّق أكثر في الصورة كي يكتشف عالمها. والخمار، إذ ترفعه، يتحوّل إلى ما يشبه المظلّة أو الخيمة، بما يسمح للبخور أن يتخلّل وجهها وملابسها.
وببدو أن اهتمامها منصبّ على البخور، وليس على الرسّام أو الناظر. كما يلاحَظ أنها تضع على وجهها مكياجا ثقيلا وتستخدم الكحل في عينيها وحاجبيها وتضع احمر شفاه وألوان أظافر وترتدي خاتمين في إصبع يدها الصغير.
والقفطان الذي ترتديه يتألّف من طبقات متعدّدة من الأبيض مقابل تدّرجات من الألوان النحاسية والموف على الجدران. والمرأة في طريقة وقوفها تبدو مثل عنصر معماريّ وعلى نحو يذكّر بالنساء المنحوتات في أعمدة المعابد اليونانية القديمة.
والضوء الآتي من فوق باتجاه السجّادة ذات الأنماط المزخرفة يوحي بأنها تقف عند طرف صالة واسعة أو فناء داخلي.
هويّة المرأة غير معروفة على وجه التحديد. لكن يمكن للمرء أن يفترض أنها إمّا امازيغية أو من يهود المغرب. كما لا يُعرف إن كانت هي التي كلّفت سارجنت برسمها أم انه هو الذي طلب إليها أن تقف أمامه ليرسمها.
استخدام الرسّام لألوان محدّدة يخلع على المنظر هالة من الغموض، كما انه يستثير الإحساس بالشرق. وسارجنت يمزج تأثيرات شتّى من أجزاء متعدّدة من الشرق، لذا يمكن القول أيضا أنه ربّما خلق المنظر من مخيّلته.
واستخدام الألوان بطريقة بارعة هو ما دفع بعض النقّاد للثناء على الرسّام، بالنظر إلى أن خلق تدرّجات من النسيج بألوان قليلة يتطلّب مهارة كبيرة. والبياض المتعدّد المستويات في اللوحة يعود في جزء منه إلى التوظيف المدهش للضوء الذي يغمر كلّ شيء بشعاع ساطع.
كان الروائيّ هنري جيمس صديقا لسارجنت، وقد استوقف الأوّل التأثير المشعّ للون الأبيض وامتدح اللوحة عموما واصفا المرأة بـ "الجميلة الخالدة" وبأنها تذكّر بالراهبات وبنساء الجيشا.
وسارجنت ينظر إلى ما هو ابعد من حدود الأبيض ليركّز على ظلال الشخصية التي تمتزج وتتباين بشكل رائع مع الموضوع. والجدران البيضاء للغرفة وطبقات القماش الذي تلفّ به المرأة نفسها، كلّ هذه العناصر تنال من الرسّام نفس المستوى من الاهتمام.
ومن خلال هذا المزج الرائع بين تفاصيل المكان والزيّ، بما فيه القلادة والمجوهرات، يتحوّل المشهد إلى بهجة للعين بألوانه البيضاء النقيّة والكريمية والفضّية والحليبية والبرتقالية واللؤلؤية. وبمعنى ما، تبدو هذه اللوحة بسيطة ومعقدّة في آنْ.
قيل إن هذه الصورة تقدّم استعارة مثيرة لحالة الرسّام الذهنية. فقد كان، مثل المرأة الغامضة في اللوحة، يفتح عينيه على فكرة السُكْر والاستسلام، وحتى الغواية.
وهناك من النقّاد من أشاروا إلى إن هذه اللوحة هي عن فنّ الرسم وعن سحر الألوان، أكثر من كونها تصوّر امرأة في بيئة شرقية غامضة. وحتى سارجنت نفسه كتب إلى احد أصدقائه يقول إن الشيء الوحيد الذي اهتمّ به في الصورة كان الألوان.
لكن هناك شيئا ما أكثر أهميّة من عمل الفرشاة الرائع. انه جوّ العزلة والسكون الطقوسيّ الذي يلفّ عالم المرأة. وهناك أيضا التلميح إلى حياة ما خاصّة وإلى طبيعة البخور وتأثيراته الدينية والايروتيكية والمخدّرة.
وبحسب احد النقّاد، فإن الرسّام يتصرّف هنا كـ "خيميائيّ" ماهر بتحويله احد اغرب أشكال الطبيعة والكيمياء، أي العنبر، إلى عمل فنّي بديع.
خصائص العنبر معروفة منذ القدم، مع أن أصله غامض وما يزال محلّ نقاش. لكنه يُستخدم كعطر وكعلاج. ويمكن العثور عليه في أمعاء الحيتان الميّتة على الشواطئ أو طافيا فوق مياه البحر. لكن يتعيّن إبقاؤه في الشمس فترة طويلة قبل أن يتحوّل إلى المادّة التي تقدّرها صناعة العطور عالياً.
وعندما يُمزج العنبر مع أيّ عطر فإنه يمنحه ثباتا ويجعله أثقل ويدوم لمدّة أطول، كما انه يضيف رائحته المتميّزة إلى مزيج العطر. ويقال انه من الصعب وصف رائحة العنبر. لكن يمكن القول انه مزيج من رائحة الحيوانات والحظائر والتراب والجلد والبحر والتبغ والخشب القديم.
كما يقال أن له خاصّية إدمان، بمعنى أن الإنسان إذا شمّه مرّة فإنه يتوق إلى استنشاقه مرّات ومرّات. وكان العنبر ذات زمن أغلى من الذهب، وسعره اليوم يمكن أن يصل إلى أكثر من ألف دولار للأوقية.
وبسبب قيمته العالية، فإن هناك من اتّخذوا من البحث عنه وظيفة أساسية لهم في الحياة ومصدرا وحيدا للرزق، وخاصّة سكّان مناطق البحار الاستوائية في استراليا ونيوزيلندا.

Friday, January 05, 2018

لوحات عالميـة – 439

لفتـة وفـاء لديـلاكـروا
للفنان الفرنسي هنـري فونتـان-لاتـور، 1864

كان اوجين ديلاكروا احد أهمّ الفنّانين الفرنسيين في القرن التاسع عشر وربّما أعظم رسّام أنتجته المدرسة الرومانتيكية.
أعمال ديلاكروا وإنجازاته جعلت منه بطلا في أعين كثير من الرسّامين الذين أتوا بعده سواءً في فرنسا أو خارجها. وأسلوب استخدامه للّون كان له اثر كبير في تطوّر الحركة الانطباعية وما بعدها.
وكان هذا الفنّان ملهما للعديد من الرسّامين مثل بيكاسو الذي رسم سلسلة من خمس عشرة لوحة استوحاها جميعا من لوحة ديلاكروا المشهورة نساء الجزائر.
كان بيكاسو مفتونا طوال حياته بالمعلّم الفرنسي. وقد اعتاد أن يزور اللوفر مرّة كلّ شهر لكي يرى اللوحة ويدرسها. وعندما سُئل عن شعوره تجاهه قال: ذلك اللعين، كان رائعا بما لا يوصف".
وحتى هنري ماتيس كان معجبا كثيرا بديلاكروا ولطالما اعتبره معلّمه في اللون وفي الرسومات الاستشراقية.
وعندما توفّي ديلاكروا في أغسطس من عام 1863 أقيمت له جنازة متواضعة غابت عنها الدولة، واُعتبِر ما حدث إهانة كبيرة بحقّ فنّان كان الكثيرون يعتبرونه أعظم رسّام أنجبته فرنسا.
الرسّام هنري فونتان-لاتور كان احد أصدقاء ديلاكروا المقرّبين. وقد شعر بالغضب من تجاهل فرنسا الرسمية لجنازة الفنّان الكبير. وكبادرة منه لتكريم صديقه الراحل وإحياءً لذكراه، رسم لاتور هذه اللوحة وهي عبارة عن بورتريه جماعيّ جمع فيه عددا من أصدقاء ديلاكروا من الرسّامين والنقّاد وهم يقفون أمام بورتريه ضخم للرسّام الراحل.
في الصفّ الأماميّ من اللوحة، ومن اليمين لليسار، يظهر الشاعر شارل بودلير الذي كانت تربطه بديلاكروا صداقة قويّة. كان بودلير شغوفا برسومات صديقه الملوّنة وذات الطابع الرومانتيكيّ. وقد أحسّ بحزن شديد لفقدان الرسّام الذي كان يعتبره تجسيدا لروح الحداثة التي طبعت فنّ وأدب النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
وإلى جوار بودلير يقف الرسّام ادوار مانيه الذي يضع يده في جيبه، وكان هو وبودلير قد حضرا مأتم صديقهما. والملاحظ أن ديلاكروا في صورته في الخلفية ينظر تقريبا إلى مانيه كما لو أن لاتور يريد الإيحاء بأن مانيه سيكون خليفة ديلاكروا والشخص الذي سيتبوّأ بعده مركز الريادة في الرسم الفرنسي.
وإلى جوار مانيه يجلس الناقد والكاتب جول شامبفلوري، ثم الرسّام الأمريكيّ جيمس ويسلر الذي يظهر واقفا وهو يحمل باقة أزهار، ثم الرسّام هنري لاتور نفسه الذي يظهر مرتديا قميصا ابيض، وإلى جواره في أقصى اليسار يظهر الناقد الفنّي إدمون دورانتي في نظرة جانبية.
وفي الصفّ الخلفيّ، وأيضا من اليمين لليسار، يظهر الرسّام ألبير دو باليروي، ثم الرسّام فيليكس براكمون، فالرسّام الفونس لاغروس، وأخيرا الرسّام لويس كوردير الذي كان قد أصبح في ذلك الوقت رسّاما شبه منسيّ.
بورتريه ديلاكروا الذي يظهر في خلفية اللوحة نفّذه لاتور اعتمادا على صورة فوتوغرافية التُقطت للرسّام الراحل قبل عشر سنوات من ذلك التاريخ.
والملاحَظ أن لا احد من الكتّاب والرسّامين العشرة ينظر إلى ديلاكروا. وقد تكون الفكرة هي أن الوقت قد حان للنظر إلى المستقبل واستنباط أساليب وأفكار فنّية جديدة.
استلهم لاتور في رسمه لهذه الصورة لوحة جان اوغست انغر بعنوان تمجيد هوميروس ، في إشارة إلى أن ديلاكروا يشبه الشاعر الإغريقيّ من حيث انه يجسّد العبقرية التي ستستفيد منها الأجيال التالية.
العلاقة بين جيل ديلاكروا وجيل مانيه هي موضوع اللوحة. وهؤلاء الرسّامون والكتّاب، باجتماعهم هنا، إنّما يكرّمون رسّاما عُرف عنه عشقه الكبير للأدب والشعر وحرصه على أن يعكس ذلك الشغف في رسوماته.
ولوحة لاتور هذه كانت الأولى في سلسلة من اللوحات التي رسمها لبعض أصدقائه المقرّبين. كما أنها أوّل عمل كبير لرسّام مقرّب من الانطباعيين. وهي تُظهر طريقته في دراسة الشخصية واختيار تناغمات الألوان القاتمة. ويُرجَّح انه استوحى أسلوب تجميع الأشخاص فيها من البورتريهات الجماعية التي كانت تُنفّذ في هولندا في القرن السابع عشر.
بعض النقّاد رأوا في اللوحة بيانا دعائيا للرسّامين الواقعيين، بينما اخذ عليها آخرون ألوانها الصعبة وطابعها الفوتوغرافيّ.
المعروف انه بعد وفاة ديلاكروا، تمّ تحويل منزله الواقع في وسط باريس إلى متحف يحمل اسمه ويضمّ عددا من لوحاته.
ولد هنري فونتان-لاتور في غرينوبل في فرنسا في يناير من عام 1836. وتلقّى دروسا في الرسم منذ صغره على يد والده الذي كان رسّاما معروفا.
ثم التحق بمدرسة الفنون الجميلة وعمل في محترف غوستاف كوربيه، وأثناء ذلك كان يتردّد على اللوفر ويستنسخ أعمال كبار الرسّامين فيه.
كان لاتور صديقا للعديد من الرسّامين في زمانه. وأشهر أعماله هي بورتريهاته الجماعية، بالإضافة إلى رسوماته للأزهار والحياة الساكنة التي ذكر أحدها مارسيل بروست في روايته "البحث عن الزمن المفقود". كما رسم أيضا عددا من المناظر المطبوعة على الحجر والتي استلهمها من بعض مؤلّفات الموسيقى الكلاسيكية.
زار الرسّام لندن عدّة مرّات وعرض أعماله في أكاديميّتها الملكية. وقد بيعت بعض لوحاته مؤخّرا بمبالغ تربو على المليوني دولار أمريكي للوحة.
توفّي هنري لاتور في أغسطس من عام 1904 بعد إصابته بـ "داء لايم"، وهو مرض بكتيريّ يؤدّي إلى اختلال في وظائف الجسم، وخاصّة الجهاز العصبي.

Monday, January 01, 2018

لوحات عالميـة – 438

زوجـة التـاجـر
للفنان الروسي بوريـس كستـودييـف، 1918

يُعتبر بوريس كستودييف احد أشهر الرسّامين الروس في القرن العشرين. كان مهتمّا بإبراز الجمال الروسيّ، رغم انه رسم معظم لوحاته بعد الثورة البلشفية مع ما رافقها من أحداث واضطرابات سياسية واجتماعية كبيرة.
موتيفات الرسّام ومواضيعه كانت تذكيرا بحياة كانت معالمها قد اختفت وأصبحت جزءا من الماضي، لكن روائحها ونكهاتها لم تكن قد تلاشت بعد من الذاكرة.
وبعض لوحات كستودييف المستمدّة من الأساطير السلافية ساحرة بعوالمها وألوانها ومواضيعها. لكن لوحاته التي رسمها لطبقة التجّار في بلدته استراكان هي التي ما تزال تذكّر الناس به إلى اليوم.
وقد خَبِر الفنّان طريقة حياة التجّار منذ سنّ مبكّرة. فبعد أن توفّي والده، انتقلت أمّه مع بقيّة أبنائها للسكن في جزء من منزل فاره يملكه احد التجّار في بلدتهم. وبعد مرور سنوات، استدعى كستودييف ذكرياته عن تلك المرحلة عندما كان صبيّا وترجمها إلى لوحات باستخدام الألوان الزيتية والمائية.
كان الرسّام سعيدا بالعيش قريبا من التاجر وزوجته. وقد كتب في ما بعد يقول انه كان يسكن مملكة ساحرة من الذكريات والأحلام وأن ما رآه في ذلك المنزل كان أشبه ما يكون بأجواء القصص الخيالية.
وصوّر كستودييف جزءا من ذكرياته تلك عن الصباحات والأمسيات السعيدة التي كان يقضيها برفقة التاجر وزوجته.
في هذه اللوحة، يرسم الزوجة وهي تجلس في شرفة منزلهم وتتناول إفطارها مستمتعةً بالشمس وبصحبة قطّتها، مع طقوس الشاي والإيقاع المستمرّ للحياة في تلك البلدة الريفية.
البيئة المرفّهة والديكورات الجميلة والسماء الساطعة والأشجار في الخلفية تملأ اللوحة بالألوان والأضواء الرائعة.
وهناك تفاصيل أخرى معبّرة في اللوحة كالحياة الساكنة على المائدة والسماور الضخم والعنب والبطّيخ والتفّاح والخبز وغطاء المائدة الملوّن والآنية المزخرفة، وغير ذلك من تفاصيل استوحاها الرسّام من التقاليد المحلية الروسية.
وفي خلفية الصورة، يظهر جزء من طبيعة استراكان الجميلة مع أبراج الكاثدرائية ذات الألوان البيضاء والخضراء والمشيّدة فوق احد التلال.
بالنسبة لكستودييف، كانت حياة التاجر وزوجته مريحة ومثيرة. وقد رسم لوحتين أخريين للزوجة في وضعين مختلفين. وافتتان الفنّان بجمال نساء بلدته تطوّر في ما بعد عندما رسم لوحته المسمّاة فينوس الروسية.
"زوجة التاجر" تُعتبر من الصور الايقونية للفنّان، وقد ظهرت على أغلفة بعض المجلات بعد أن كانت بحوزة مالك مجهول. وبقيت اللوحة بعيدة عن الأنظار حتى عام 1998، عندما بيعت في مزاد بلندن بمبلغ ثلاثة ملايين دولار.
وبعض النقّاد رأوا في اللوحة رمزية خاصّة، إذ أنها تستثير الحنين إلى المجتمع الأبويّ الروسيّ الذي كان فاعلا حتى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات العشرين. كما أنها ترمز لروسيا في مستهلّ القرن الماضي عندما كان سكّان الأقاليم يعيشون حياة بساطة ووفرة وألفة.
ولد بوريس كستودييف في مارس من عام 1878 في بلدة استراكان الواقعة على ضفاف نهر الفولغا لعائلة من الطبقة الوسطى. كان والده يعمل أستاذا للفلسفة، وقد توفّي قبل بلوغ الرسّام سنّ الثانية من عمره. وتولّت أمّه المسئولية عن تربيته وإخوته.
درس الرسّام الكهنوت في أوّل شبابه، ثم تلقّى دروسا في الرسم على يد فاسيلي بيروف، ثم التحق بمحترف ايليا ريبين في أكاديمية سانت بطرسبورغ للفنون. وقد امتدحه الأخير وأثنى على موهبته.
وفي عام 1904، ذهب لدراسة الرسم في فرنسا واسبانيا وحضر دروسا في الرسم في باريس على يد رينيه مينار. ثم ذهب إلى ايطاليا فالنمسا وألمانيا. وأينما حلّ كان دائما يشعر بحنين لا يقاوم لوطنه الأمّ.
المعروف أن كستودييف وضع الرسوم الإيضاحية لعدد من الأعمال الأدبية من أهمّها كتاب "أرواح ميّتة" لغوغول، بالإضافة إلى ديواني "العربة" و"المعطف" للشاعر ليرمونتوف. وفي مرحلة تالية رسم إحدى المجموعات القصصية لليو تولستوي.
في عام 1909، أصيب الرسّام بالسلّ، فذهب إلى سويسرا للعلاج حيث قضى هناك عاما في أحد المصحّات الخاصّة. وبحلول 1916، كان قد أصبح مقيّدا إلى كرسيّ بسبب تدهور صحّته، لكنه استمرّ يرسم حتى بعد أن أعاقه المرض وجرّده من قدرته على أن يتحرّك بحرّية. وتوفّي في ليننغراد في مايو من عام 1927.