Friday, April 13, 2018

لوحات عالميـة – 460

سانـت كاثـريـن الاسكنـدرية
للفنان الايطالي كـارافـاجيـو، 1598

منذ العصور الوسطى وحتى نهاية القرن الثامن عشر، كانت معظم الصور في أوربّا دينية. كان الناس متديّنين كلّ على طريقته، وكان من الصعب تخيّل وجود أشخاص لادينيين في ذلك العصر أو في عصر النهضة.
واليوم عندما ترى لوحة دينية في احد المتاحف، فإنك غالبا لا تفكّر في معناها أو في القصّة من ورائها، بقدر ما يهمّك أن تستمتع بالألوان والدراما والتأثيرات الفنّية فيها.
وكثير من اللوحات التي تزدحم بها المتاحف الغربية اليوم تصوّر شخصيات دينية، أي أنبياء أو أولياء أو قدّيسين الخ. وكان أوّل القدّيسين، بعد العذراء ويوحنّا المعمدان والرسل، هم شهداء المسيحية الأوائل الذين قُتلوا لأنهم رفضوا التبرّؤ من ديانتهم أو تقديم قرابين للآلهة الوثنية، أي ديانة الدولة الرومانية. وأوّل شهيد في المسيحية هو ستيفان الذي رُجم بالحجارة حتى الموت على يد مجلس من اليهود.
ومنذ عام 1234، ظلّ البابا فقط هو المفوّض بتسمية القدّيسين من خلال لجنة بابوية تستعرض حياة ومعجزات المرشّحين. لكن إعلان شخص ما قدّيسا أو خلعه ظلّ دائما موضوعا جدليّا في الغرب. وقد اعتبره الاصلاحيون البروتستانت انحرافا عن رسالة المسيح.
وإحدى الشخصيات التي مُنحت مرتبة القداسة وتناولها الرسم كثيرا هي سانت كاثرين التي تواترت صورها في الأيقونات المسيحية. وأصل هذه المرأة يعود إلى أسرة نبيلة من اسبانيا في القرن الرابع الميلادي. وقد اعتنقت المسيحية ووهبت نفسها لها بعد أن رأت حلما. ويقال أنها في سنّ الثامنة عشرة واجهت الإمبراطور الرومانيّ ماكسيموس وناظرت فلاسفته الوثنيين ونجحت في تحويل عدد منهم إلى المسيحية.
وقد دفع هذا الإمبراطور إلى سجنها، لكن بعد فترة استطاعت تحويل زوجته وقائد جيشه إلى الدين الجديد. وهنا أمر ماكسيموس بإعدام من تحوّلوا على يدها بمن فيهم زوجته، كما أمر بأن تُعدم كاثرين على عجلة خشبية.
وتذكر الأسطورة أن العجلة تدمّرت في اللحظة التي وُضعت عليها المرأة بفعل عاصفة رعدية، ما دفع الإمبراطور لأن يأمر بقطع رأسها بالسيف. وهذا ما حدث.
ومن أهمّ من صوّروا قصّة كاثرين الرسّام كارافاجيو وذلك بناءً على تكليف من الكاردينال فرانسيسكو ديل مونتي الذي كان قد ساعد الرسّام ودعمه عندما وصل إلى روما لأوّل مرّة. وبفضل هذه الكاردينال تمكّن كارافاجيو من الاتصال بالرعاة الأغنياء في روما الذين أعانوه وشجّعوه. وبعد أن أصبح مشهورا، بدأ تكليفه بزخرفة عدد من قاعات وأسقف الكنائس.
في اللوحة، تظهر كاثرين وهي ترتدي لباس الملوك مع هيئة تشي بالنبل، في إشارة إلى أنها كانت في الأساس ابنة لملك.
المرأة تشغل الصورة بالكامل. وهي تبدو وحيدة في مكان يخلو من أيّ الماحات معمارية أو هندسية. كما أنها تنظر إلى المتلقّي وهي محاطة بأشيائها المرتبطة بقصّة استشهادها، مثل العجلة المكسورة التي وُضعت عليها قبل إعدامها، والسيف الذي قُتلت به، وسعفة الشهيد المرسومة عند قدميها على الأريكة الحمراء.
من أهمّ سمات هذه اللوحة الواقعية الشديدة التي رُسمت بها والاهتمام بالتفاصيل. وقد استخدم كارافاجيو هنا ألوانا جريئة تشبه تلك التي وظّفها في لوحته عازف العود . ويلاحَظ أيضا تأثير الكياروسكورو الناتج عن التصوير الدراماتيكيّ للضوء. وهناك أيضا الطريقة التي رُسم بها ثوب المرأة الفخم والمزركش والتي تعكس براعة فائقة.
استخدم كارافاجيو لهذه اللوحة موديلا تُدعى فيلدا ميلاندروني التي كانت تتردّد على قصر ديل مونتي وغيره من رعاة الفنون. وهي نفس الموديل التي استخدمها الرسّام في لوحته المجدلية التائبة من عام 1598.
كانت هذه اللوحة هي الأولى في سلسلة من اللوحات الدينية التي كُلّف بها الرسّام وتصوّر أحداثا وشخصيات دينية. وقد رسم أيضا كلا من متّى وبطرس ويوحنّا المعمدان. لكن لوحته هذه متميّزة عمّا سواها بألوانها وتقنياتها الخاصّة.
جرت العادة على أن لكلّ قدّيس قصّة أو سببا ما في انه عاش حياة مثالية. وعبر تاريخ الكنيسة الكاثوليكية استُخدمت الرموز لسرد تلك القصص، وأصبح لكلّ قدّيس رمز أو "موتيف" يقترن بحياته. وبعد موتها، صارت كاثرين راعية للمكتبات والمعلّمين ولكلّ ما له علاقة بالحكمة والعلم، ورمزا لأرباب الحِرَف ممّن يعتمدون في عملهم على العجلات.
في عام 1969، وبناءً على استنتاجات معظم المؤرّخين، قرّرت الكنيسة أن كاثرين شخصية خيالية ولم يكن لها وجود أبدا، وبالتالي يجب إزالتها من قائمة القدّيسين. لكن في عام 2002، ولم يكن المؤرّخون قد غيّروا رأيهم بعد، قرّرت الكنيسة إعادة الاعتبار للمرأة واعتبارها قدّيسة.
بعد وفاة الكاردينال فرانسيسكو ديل مونتي، انتقلت هذه اللوحة إلى ابنه الذي منحها بدوره إلى كاردينال يُدعى بارباريني مقابل إسقاط الأخير ديون والده الراحل. واستمرّت اللوحة في عهدة عائلته حتى عام 1934، عندما اشتراها متحف ثايسن الاسبانيّ في مدريد وما يزال يحتفظ بها إلى اليوم.

No comments: