Tuesday, June 14, 2016

لوحات عالميـة – 377

نهاية العشاء
للفنان الفرنسي جـول الكسنـدر غـرون، 1913

كان جول الكسندر غرون أحد رموز الرسم الأكاديميّ في عصره، ومع ذلك كان معروفا بارتباطه بالمدرسة الانطباعية. كان يتمتّع بموهبة ممتازة، وإحدى لوحاته المبكّرة امتدحها النقّاد ولاقت نجاحا مدوّيا، رغم انه في ذلك الوقت بالكاد تجاوز الثامنة عشرة من عمره.
إحدى المطبوعات التي تعود إلى مطلع القرن الماضي تصفه بأنه "فرنسيّ كان الفنّ والحياة عنده ممتزجين ببعضهما. وقد اختار الرسم لأنه كان يحبّ الحياة ويحتاج إلى التعبير عن مشاعره بطريقة ملوّنة وحيّة".
صحيح أن فنّ غرون يُنظر إليه اليوم كموضة قديمة، لكن انجازاته يجب أن تُعطى قدرها، مثل هذه اللوحة الفخمة التي يصوّر فيها أشخاصا كثيرين يحضرون مأدبة عشاء.
كانت حفلات العشاء في ذلك الوقت، وكما هو الحال اليوم، جزءا لا يتجزّأ من حياة الأوربّيين وواجبا من أهمّ واجبات الزوجات في الطبقات الاجتماعية الرفيعة. فالمضيفة أو ربّة البيت يجب أن تهتمّ بأدقّ تفاصيل الحفل، من قائمة الضيوف إلى أماكن الجلوس إلى الديكور ونوعية الأطباق المقدّمة.
كان الغرض من هذه الحفلات الحفاظ على علاقات اجتماعية طيّبة وودّية بين العائلات المختلفة. والمضيفة أو زوجة صاحب الدعوة كانت تدعو للمأدبة الأشخاص الذين تعتبرهم جديرين بالدعوة، كالأصدقاء الجدد والقدامى والأثرياء والأشخاص الذين تعتقد أنهم قد يكونون مفيدين لزوجها.
وكان على كلّ من يلبّي الدعوة أن لا يعتذر عن الحضور، إلا إن كان فاقدا لقريب أو مصابا بمرض مُعدٍ أو خطير. وبالإضافة إلى الساسة والفنّانين، كانت الدعوات تُوجّه للعزّاب من الشباب الذين يمكنهم إدارة النقاشات وإثارة الأحاديث الممتعة بين الضيوف.
رسم جول غرون هذه اللوحة الضخمة لصالة الرسّامين الفرنسيين عام 1912. ولم يكن هذا أمرا غريبا أو محض صدفة، فللرسّام لوحات ضخمة كثيرة. واللوحة تصوّر وليمة عشاء يحضرها مجموعة من رجال ونساء الطبقة الباريسية الرفيعة.
بناء اللوحة المتناغم ولمعانها وتلقائيّتها هي من الأشياء التي تلفت الانتباه. ولو نظرت إليها عن قرب ستقدّر كلّ التفاصيل الجميلة التي أودعها الرسّام فيها.
لمسته الواسعة تذكّر بأستاذه غيميه. وبراعته في تصوير تأثيرات الضوء يمكن أن تضعه في عداد الرسّامين الحداثيين.
موضوع اللوحة يذكّر بأحوال المجتمع الفرنسي في ما عُرف بـ "الحقبة الجميلة"، فمجتمع باريس يظهر هنا بتنوّعاته وأطيافه المختلفة، من فنّانين وممثّلين إلى ساسة وصحافيّين وأطبّاء مع زوجاتهم.
ونقطة الارتكاز في اللوحة هي المرأة ذات الفستان الأحمر والزهريّ التي تعطي ظهرها للناظر. وقد جرى تعريفها على أنها جينيت لانتوم زوجة مدير جريدة لوماتان العريقة. كانت هذه المرأة مشهورة في مجتمع باريس بجمالها وحضورها الأخّاذ.
الرسّام غيميه، معلّم غرون، هو أيضا حاضر وكذلك الرسّام جورج روشيغرو، بالإضافة إلى غرون نفسه.
الكتب الخاصّة بإيتكيت الطعام والحفلات والمآدب خلال القرنين الثامن والتاسع عشر تزوّدنا بلمحة عن الآمال الموضوعة على المرأة، وخاصّة الزوجة في مجتمع النخبةّ.
كان على صاحبة الدعوة، مثلا، أن تهتمّ بأماكن الجلوس المناسبة لكلّ ضيف، لأن خطأ واحدا يمكن أن يتسبّب في إحراج شخص أو جرح كرامته. وهناك نظام صارم للجلوس، لدرجة أن تغييرا بسيطا في قائمة المدعوّين يمكن أن يغيّر كامل النظام. ويمكن لمدعوّ أن يُعطي ظهره للجالس إلى جواره كنوع من التعبير عن احتجاجه على إجلاسه بجانب شخص غير جدير بمحادثته.
وكان من عادة المضيفة عند انتهاء العشاء أن تصحب المدعوّات إلى غرفة أخرى لتدور دردشة نسائية عن الموضة والقيل والقال، وهي المواضيع الوحيدة التي كان يُعتقد أنها تناسب السيّدات. بينما يبقى الرجال بعد العشاء لمناقشة المواضيع الذكورية كالسياسة والعلوم وما في حكمها.
لكن ابتداءً من القرن العشرين، أصبح الرجال ينضمّون للنساء في غرفة واحدة يمكن للجميع فيها أن يثيروا معا أحاديث عامّة الطابع.
ولد جول الكسندر غرون في باريس في مايو من عام 1868، وكان أبوه يريده أن يصبح تاجرا. لكنه اتفق مع عائلته على أن يدرس الديكور، ثم تتلمذ على يد جان باتيست لافستر مزيّن المسارح المشهور في أوبرا باريس وأنطوان غيميه رسّام المناظر الطبيعية.
في البداية، عمل غرون كرسّام كاريكاتير ومصمّم بوسترات في مونمارتر. وقد وضع الرسوم التوضيحية لمجموعة من الأغاني بتكليف من ملهى القطّ الأسود، كما رسم جداريات لتزيّن ملاهي وحانات ليلية أخرى.
لكنّ هذا كان لكسب لقمة العيش اليومية فقط. وسرعان ما أصبح مشهورا في المجال الذي نافس فيه جميع زملائه، أي رسم البوسترات. وهذا فتح أمامه الباب للذهاب إلى مونمارتر، حيث استقرّ هناك وافتتح له محترفا في المكان الذي اعتاد فيه الرسّامون أن يعيشوا حياة بوهيمية وأصبح بسرعة أحدهم.
كان غرون بطبيعته شخصا مرحا ومحبّا للحياة، وكان على الدوام يصادق رسّامين أكبر منه سنّا. ومعظم هؤلاء كانوا من رسّامي الكاريكاتير الذين كانوا يتّسمون بروح الدعابة. ثم أصبح جزءا من مجتمع باريس المخمليّ آنذاك.
في نهايات حياته، عمل الرسّام كمحكّم وعضو في لجنة المحلّفين في الصالون. لكنه أصيب بمرض باركنسون في أواخر الثلاثينات. وقد عزله المرض عن المجتمع وقضى على قدراته الفنّية إلى أن توفّي في فبراير من عام 1934.

Tuesday, May 31, 2016

لوحات عالميـة – 376

امرأتان في الشارع
للفنان الألماني إرنست لودفيغ كيرشنر، 1914

هذه اللوحة هي واحدة من سلسلة من سبع لوحات رسمها إرنست كيرشنر، يصوّر فيها الحياة في شوارع برلين على مدى عامين. والموتيف الرئيسي في هذه اللوحات هي فتيات الليل، وهو اختيار غير مألوف كرمز للمدينة. وقد وظّف الرسّام فيها اللغة البصرية للأشكال الخشنة وضربات الفرشاة المتوتّرة.
واللوحات تستدعي التناقضات الصارخة لمجتمع المدينة الحديثة، حيث الوهج والخطر والحميمية والانحلال والوحدة تتعايش مع بعضها البعض وحيث كل شيء للبيع.
كما أن هذه اللوحات تمثّل نقطة تحوّل في مسيرة الفنّان الفنّية، إذ انه انتقل فيها من الألوان الساطعة والخطوط المنحنية التي كان يوظّفها في أعماله المبكّرة إلى ألوان أشدّ قتامة وأشكال أكثر حدّة، في محاولته تصوير مجتمع برلين الحيويّ والمتوهّج آنذاك.
والمزاج المتوتّر الذي تشيعه هذه المجموعة من اللوحات يعزّزه الشعور بالاضطراب والقلق عشيّة اندلاع الحرب العالمية الأولى.
في ما بعد، تحدّث كيرشنر عن هذه السلسلة فقال: لقد رسمتها في أكثر أوقات حياتي إحساسا بالوحدة. التوتّر والألم دفعا بي إلى الخارج، إلى الشوارع في أوقات الليل والنهار، وكانت مليئة بالناس والسيّارات".
تلك الفترة اتّسمت بالتطوّر والتغيير السريع ومثّلت وقتا مهمّا، ليس في حياة كيرشنر فقط، وإنّما أيضا في تاريخ برلين وألمانيا كلّها.
وعندما تنظر إلى هذه اللوحات للوهلة الأولى قد تظنّ أن الرسّام يصوّر نساءً بملابس أنيقة وهنّ في طريقهنّ إلى حدث سعيد. غير أن نظرات النساء، بأجسادهنّ المتأرجحة وخطواتهنّ السريعة والمختصرة، توحي بدور آخر مختلف.
إحدى أشهر لوحات السلسلة هي هذه اللوحة التي يرسم فيها كيرشنر امرأتين تمشيان في شارع. واللوحة تتميّز عن بقيّة السلسلة في أنها صورة مقرّبة تُظهر فقط جذعا المرأتين. أيضا وجهاهما تجريديان ومسطّحان مع ثلمات غير طبيعية تشبه الخشب، وربّما كان في ذلك إشارة إلى الفنّ الأفريقي والاوقيانوسي الذي كان يجتاح أوربّا في ذلك الوقت.
قصّات وألوان ملابس المرأتين التي يغلب عليها الألوان الزهرية والخضراء والصفراء تشير إلى أنهما من سيّدات المجتمع الرفيع.
إحداهما، ذات الجاكيت البرتقالي، ترتدي قبّعة بنفس لون الجاكيت الفيروزي الطاووسي لرفيقتها. وألوان الياقتين متماثلة من خلال غلبة الأصفر الليموني عليهما.
ورغم المسحة التجريدية للمنظر، إلا أن فيه حضورا وتفاعلا إنسانيا واضحا. كما أن فيه لمسة من تكعيبية بيكاسو التي كان كيرشنر متأثّرا بها. ممّا يجدر ذكره أن هناك لوحة أخرى له يقلّد فيها لوحة بيكاسو المشهورة "آنسات افينيون" وتظهر فيها خمس نساء مصطفّات بشكل إيقاعيّ.
كان الرسّام حديث عهد ببرلين عندما رسم هذه اللوحة. وكانت درسدن التي عاش فيها من قبل هادئة جدّا ومتحفّظة أخلاقيّا مقارنة مع برلين المتحرّرة والمتسامحة والتي كانت ثالث اكبر مدينة في أوربّا بعد كلّ من لندن وباريس.
بعض لوحات الرسّام الأخرى تركّز على اظهر المباني والجسور وغيرها من الصروح الحضرية، ولا ظهور للناس فيها إلا بالكاد، وهي سمة تشي بدراسة كيرشنر المبكّرة للهندسة المعمارية.
في عام 1980 اختارت محطة البي بي سي هذه اللوحة من بين أعظم مائة لوحة في تاريخ الفنّ. وطبقا لأحد النقّاد فإن اللوحة تتضمّن تشوّهات بشعة تسخر من تصنّع الرسّامين المتأنقين "أو الماناريست" في مجتمع برلين الفنّي.
كان كيرشنر عضوا في جماعة الجسر. وقد رفض منذ البداية الفنّ التقليديّ للأكاديمية، وفضّل عليه أسلوبا تعبيريّا أكثر طبيعية وتلقائية.
في عام 1937 قام النازيّون بمصادرة أكثر من ستمائة من لوحات إرنست كيرشنر وعرضوا بعضها في معرض "الفنّ المنحلّ" في ميونيخ، قبل أن يقدم هو على الانتحار بإطلاق النار على نفسه في السنة التالية.
وأعماله الباقية موجودة اليوم في متاحف ومجموعات خاصّة في ألمانيا وسويسرا وايطاليا والولايات المتّحدة.

Thursday, May 26, 2016

لوحات عالميـة – 375

شعراء كلاسيكيون على شاطئ مقمر في اليونان القديمة
للفنان الروسي ايفان ايفازوفسكي، 1886

الفكرة الرئيسية المهيمنة على فنّ ايفان ايفازوفسكي إجمالا هي صراع الإنسان مع الطبيعة والعناصر. لكن في أوقات الحروب كان يرسم مشاهد عسكرية. وكان معجبا كثيرا بالقصص البطولية التي كان يسمعها عن اليونانيين وعن حروب الماضي.
ومن وقت لآخر، كان ايفازوفسكي يتناول في أعماله موضوع الشعراء العظام من العالم الكلاسيكيّ القديم ومن العصور المتأخّرة مثل دانتي وبايرون وبوشكين.
وقد تحدّث بعض مؤرّخي الفنّ عن الأسباب التي يمكن أن تدفع رسّاما كبيرا عُرف عنه شغفه الكبير برسم المناظر البحرية لأن يصوّر رجال فكر وأدب. ولوحاته المخصّصة للشعراء الكلاسيكيين تمثّل برأي البعض فصلا غريبا وغامضا في سيرة حياته.
وإحداها هي هذه اللوحة التي تتمتّع بألوانها الجذلة وبمقدرتها الغريبة على ملامسة المشاعر. وربّما لهذا السبب أصبحت من أعظم انجازات هذا الرسّام التي أكسبته إعجاب واعتراف النقّاد والجمهور.
المعروف أن ايفازوفسكي رسم الشاعر الروسيّ الكبير الكسندر بوشكين عندما تقابل الاثنان في أكاديمية الفنون بسانت بطرسبورغ.
وفي ما بعد وجدت أفكار الرسّام عن معنى الحياة ووظيفة الفنّ شكلها المناسب في لوحته المسمّاة "دانتي يشرح لفنّان منظرا لغيوم غير مألوفة".
ثم رسم ايفازوفسكي لوحة أخرى يصوّر فيها الشاعر الانجليزيّ اللورد بايرون أثناء زيارته لأحد الأديرة المشهورة في جزيرة سانت لاتزارو في فينيسيا. وهذه اللوحة كانت، بمعنى ما، تذكيرا بالقضيّة الأرمنية، كون ايفازوفسكي نفسه ينحدر من أصول أرمنيّة.
وهناك لوحة أخرى له اسمها "زواج شاعر في اليونان القديمة".
وكلّ هذه اللوحات الأربع متساوية تقريبا في الحجم وجميعها تستحضر الأجواء الرعوية التي تذكّر بأركاديا.
ورغم هذا التشابه في ما بينها، إلا انه يصعب التأكّد ممّا إذا كان الفنّان قد رسمها بناءً على تكليف من أشخاص ما، أم أنها كانت من بنات أفكاره أو ثمرة لمخيّلته هو.
وأيّا ما كان الأمر، فإن هذه اللوحة بالذات تحتلّ مكانة بارزة في سلسلة رسوماته عن الأزمنة القديمة. وهذا التصوير لمنظر ليليّ هادئ على شاطئ باليونان يتميّز بجماله وحميميّته.
والرسّام هنا، وعلى عكس ما عليه الحال في اللوحات الأخرى، لا يقدّم للناظر صورة لمعابد قديمة. وبالكاد تستطيع رؤية أشجار الغار المخصّصة للفائزين في المسابقة الشعرية المفترضة.
الوجه الشاعريّ لليونان القديمة يتألّف من سمات فنّية مختلفة. هناك مثلا القمر الذي يرتفع فوق البحر وسط طبقة من السحب المظلمة التي تطلّ بصمت وجلال على سطح الماء الساكن الذي يشبه مرآة.
هنا يوصل الفنّان صورة عن غموض الليل وقدرته على إخفاء العالم المنظور، والارتباط الغامض بين جمال ضوء القمر وألوان السماء الليلية الشاحبة وجمال ألوان البحر. البحر والصخور المستحمّة في ضوء القمر الشبحيّ تستدعي الإحساس الرومانسيّ باتساع الأرض وبمظاهر المتعة التي تملؤها.
ومن الواضح أن الرسّام اشتغل كثيرا على رسم القمر، وتبدو براعته بأجلى ما يكون في إيصاله تأثيرات ضوء القمر على السحب والأمواج التي تلامس سطح الماء.
وقد وزّع وهج ضوء القمر بفرشاة ساطعة وإيقاعية تشبه الومضات الذهبية مع ألوان أنيقة وباردة قوامها البنّي والأزرق. الماء والضوء والهواء تمتزج جميعها لتصبح عنصرا واحدا. والسماء تخبر الناظر بالتفصيل عن الوقت من اليوم وعن حالات الجوّ والمزاج.
هذا المحيط الجوّي بتيّاراته وغيومه يلتحم مع القمر الذي يضيء الماء. وهذه هي المنطقة التي تتبدّى فيها براعة الرسّام في أوضح صورها.
كان من عادة ايفازوفسكي أن يضع أبطاله في صوره وهم جالسون أو واقفون على الصخور بجانب الماء، وكان هذا أهمّ أساليبه الفعّالة في تصوير روعة المناظر الليلية وإضفاء قوّة تعبيرية عليها.
وبين تلك الأسطح المظلمة نرى الشعراء في مقدّمة هذا المنظر وهم منهمكون في حواراتهم. وخلفهم هناك توليف طبقيّ من السماء والبحر ينفتح بفعل ضوء القمر المطلّ من علوّه الشفّاف.
كان ايفازوفسكي كثيرا ما يقارن إبداعه بالشعر، وقد قال ذات مرّة إن موضوع الصورة يأتي إلى مخيّلته كما يأتي موضوع القصيدة إلى عقل الشاعر.
لكن يبدو أن موضوع هذه الصورة، أي الأدب والشعر، يتراجع إلى الخلفية. وما يظهر للعيان حقّا هو هذا المشهد بعمومه والذي يبدو أشبه ما يكون بقصيدة متناغمة من الألوان والأضواء.
الجدير بالذكر انه كان من بين أصدقاء ايفازوفسكي الكاتب نيكولاي غوغول والرسّام الكسندر ايفانوف والموسيقيّ ميخائيل غلينكا صاحب المقطوعة المشهورة "رسلان ولودميلا".
من جهته كان الروائيّ الكبير دستويفسكي معجبا كثيرا برسومات ايفازوفسكي، وقد أطلق عليه وصف "المعلّم الذي لا ينافَس في رسم عواصف البحر ذات الجمال الأبديّ والأخّاذ".

موضوع ذو صلة: ايفازوفسكي شاعر البحر

Thursday, May 19, 2016

لوحات عالميـة – 374

العنكبـوت المبتـسم
للفنان الفرنسـي اوديـلـون رِيـدون، 1881

كان اوديلون ريدون يقول إن الخوارق ليست من مصادر إلهامه وأنه يكتفي بتأمّل العالم الخارجيّ والحياة عموما، ومن ثمّ يرسم انطباعاته عن ما يراه.
لكن هناك عدّة مصادر أسطورية وأدبية وشعرية يُعتقد أنها أسهمت في تشكيل ثقافته الصُورية وتغذية خياله.
كان، مثلا، صديقا لستيفان مالارميه، كما استوحى بعضا من رسوماته من عالم شكسبير، وممّا لا شك فيه انه تأثّر أيضا بأعمال إدغار آلان بو وفلوبير.
وهناك مفارقة صارخة بين الأسلوب المنزليّ لهذا الرسّام الأنيق الذي كان يعيش حياة هادئة مع زوجته وطفله في شقّة باريسية، وبين الشخصيات الفانتازية، والمخيفة أحيانا، التي كان يضمّنها رسوماته.
وما زاد في غموض أعماله الغريبة حقيقة انه كان دائما يرفض تفسيرها أو شرحها أو الحديث عن أصولها.
في تلك الفترة أيضا كان ريدون منكبّا على قراءة قصص ثيودور غراندفيل المستمدّة من عالم الخيال. وربّما من تلك العوالم الفانتازية خرج هذا العنكبوت العملاق الظاهر في اللوحة بعينين وابتسامة غامضة بينما يبدو منهمكا في رقصة مخيفة.
وكان زميله غوستاف دوريه قد رسم قبل ذلك لوحة اسماها "العنكبوت". ويبدو أن ريدون رسم هذه اللوحة وفي ذهنه أن يغامر بالدخول في عالم المسوخ مستلهما دوريه.
في ذلك الوقت، كان ريدون يعاني من سلسلة من نوبات الاكتئاب. ولهذا السبب، ربّما، رأى بعض النقّاد في لجوئه إلى الرسم بالفحم أسبابا روحية وسيكولوجية.
واستخدام الفحم مثّل نقطة تحوّل كبيرة في تاريخ الرسم. وكانت تلك الخطوة تشكّل قطيعة مع الأسلوب الأكاديمي في الرسم آنذاك. والمعروف أن الفحم يختلف عن اللون الأسود التقليديّ في أن الأوّل يعطي عددا بلا نهاية من الظلال.
جماعة الأنبياء، مثلا، ومن بينهم موريس دونيه وفويار وبيير بونار، كان ريدون على علاقة وثيقة بهم رغم تباين السنّ. وهؤلاء أيضا كانوا يدركون الأهمية الكبيرة للفحم في تطوّر الفنّ فاستخدموه في أعمالهم.
وفي نفس الفترة التي رسم فيها هذه اللوحة، رسم ريدون لوحة أخرى اسماها "الملاك الساقط من عليائه". كان مهتمّا بالملائكة والمخلوقات الغيبية، لكن الكائن المرسوم في اللوحة لا يبدو على هيئة ملاك.
كان مهتمّا برسم الوحوش والمسوخ الغريبة. ويبدو انه كان يتعمّد أن يرسم صورة مجازية للعالم تنسجم مع الصورة الخيالية التي كانت في ذهنه.
وفي كلّ الأحوال، يظلّ ريدون رسّاما متفرّدا لعب دورا مهما في تأسيس الرمزية وتأثّر به السورياليون.
بالنسبة لهذه اللوحة، لا يُعرف على وجه التحديد لماذا رسمها الفنّان ولماذا أعطى العنكبوت بعض خصائص الإنسان، ابتسامته تحديدا. هل أراد مثلا أن يبدو شرّيرا وبشعا؟ أم انه كان يحاول استكشاف الأبعاد الغامضة للأشياء؟
الأمر المؤكّد هو أن "العنكبوت المبتسم" كان بداية انشغاله بفكرة الكائنات المهجّنة التي يبدو أنها تجذّرت في ذهنه نتيجة افتنانه بالنباتات وبعلم الحيوان وعلم الأحياء المجهرية والنظريات الداروينية.
وبعض النقّاد أشاروا إلى أن اللوحة تتضمّن بعض السخرية، ويمكن أن تُقرأ باعتبارها كاريكاتيرا أراد ريدون من ورائه أن ينتقد عصره، بالنظر إلى المصاعب التي واجهها في حياته المبكّرة قبل أن يصل للشهرة التي كان يصبو إليها.
العنكبوت فكرة تكرّرت كثيرا في الثقافة والفنّ منذ القدم. وكثيرا ما يُصوّر على انه مخلوق مفترس وسامّ ومخادع. والعديد من الكتّاب والفنّانين تناولوا في أعمالهم الأسطورة القديمة عن أنثى العنكبوت القاتلة.
لوحة اراكني للرسّام الاسباني الكبير دييغو فيلاسكيز تصوّر أسطورة بطلها عنكبوت. والفيلسوف جان جاك روسّو أوصى ذات مرّة بأن يكون لكلّ إنسان مجاله الخاصّ والمحدّد، تماما مثل العنكبوت، كي نسيطر على ما يمكن أن يصل إليه نفوذنا وتأثيرنا. وفكرة روسّو مشابهة للقول الشائع "إعرف نفسك". أما ديدرو فقد كتب مقارنة فلسفية بين العنكبوت والإنسان.
ولد اوديلون ريدون عام 1840 في بوردو لعائلة متوسّطة الحال. تعلّم الموسيقى منذ وقت مبكّر وكان دائما قارئا نهما. وفي بداياته قضى بضعة أشهر في مرسم الفنّان جان ليون جيروم. كما تأثّر بدافنشي ورمبراندت.
في الحرب العالمية الأولى، عام 1914، تمّ تجنيد ابنه في الجيش الفرنسيّ، وأصبح هو متشائما سوداويّ المزاج. وتوفّي بعد ذلك بعامين، أي في 1916، بينما كان يعمل على انجاز لوحته "العذراء".

Tuesday, May 17, 2016

لوحات عالميـة – 373

عقـوبة البـذخ
للفنان الايطالي جيوفـاني سيغانتيـني، 1891

كان اسم هذه اللوحة في البداية "عقاب الشهوة". وكان يُعتقد بأن هذا الاسم مستفزّ، لذا تمّ تغييره إلى "عقاب البذخ".
واللوحة واحدة من ثلاث لوحات رسمها جيوفاني سيغانتيني، مستلهما إيّاها من مقطع من قصيدة ايطالية بعنوان "نيرفانا" كتبها في القرن الثاني عشر راهب مسيحيّ يُدعى "لويجي ايليكا" يحاكي فيها نصّا هنديّا قديما.
يقول المقطع واصفاً العقوبة الأخروية المخصّصة للنساء اللاتي يرفضن الدور البيولوجيّ للمرأة كأمّ: الأمّ الرديئة في الوادي القاحل تدور دون توقّف في البرد الأبديّ، حيث لا غصن يخضرّ ولا زهرة تتفتّح".
سيغانتيني أصبح يتيما في سنّ الثامنة، وقضى بقيّة طفولته في عهدة أقاربه في ميلانو. وفي سنّ الشباب، عاش على عوائد أعماله الزخرفية، بينما كان يأخذ دروسا مسائية في الزخرفة والرسم الديكوري.
وحوالي العام 1880، اكتشفه متعهّد فنّي يُدعى فيتوريو دي دراغون ودعم مشاركته في معارض محليّة ودوليّة. وقد أصبح معروفا في ألمانيا خاصّة.
وفي عام 1896، أقام معرضا منفردا في ميونيخ، كما كان محطّ إعجاب رسّامين مثل فان غوخ وإنسور ومونك. أما كاندينسكي فقد وصفه بأنه احد أوائل من تبنّوا الروحانية في الفنّ.
أعمال سيغانتيني المبكّرة تتضمّن مشاهد ريفية خارج البيوت. وفي مرحلة تالية، شجّعه راعيه دي دراغون على أن يتبنّى التقسيمية أو النقطية. وكان الهمّ الأساس لهذه المدرسة هو الكيفية التي ترى بها العين الضوء والتجانب وطبقات اللون على رقعة القماش لإنتاج اهتزازات لامعة الألوان.
وقد استخدم الرسّام التقسيمية للإيحاء بالصفات الغامضة والصوفية ولتكثيف ردّ فعل المتلقّي الانفعالي، مع انه كان يسود اعتقاد آنذاك بأن كلّ من يرسم بالأسلوب التقسيميّ أو النقطي يعاني من الهستيريا وأمراض العيون.
في اللوحة نرى مجموعة من النساء وهنّ يعاقبن لارتكابهنّ خطيئة الإجهاض عن وعي أو بدافع الإهمال. أرواحهنّ تطفو على خلفية ثلجية من جبال الألب السويسرية حيث قضى سيغانتيني جانبا كبيرا من حياته.
عظمة وروحانية منطقة الألب كانت مصدر إلهام مستمرّ للرسّام الذي قيل أن آخر كلمات لفظها قبيل وفاته كانت عبارة عن مناجاة لتلك الجبال الباردة.
كان سيغانتيني قد فقد أمّه عندما كان في السابعة، وربّما كانت تحدوه الرغبة في تصوير صدمته الشخصية بفقدان والدته في تلك السنّ الغضّة.
كان يَعتقد أن دور المرأة في الحياة هي أن تكون أمّاً، وأن المرأة التي ترفض مسئوليات الأمومة لا بدّ وأن تكون بالضرورة امرأة شرّيرة وسيّئة وأنانية. وقد استمدّ هذا التصوّر من الأفكار الدينية ومن قداسة مريم العذراء وأيضا من خصوبة الطبيعة.
الشجرة الكبيرة إلى يمين اللوحة قد تكون رمزا دينيّا لشجرة الحياة. فرغم أنها تبدو متيّبسة وميّتة في الشتاء، إلا أنه مقدّر لها أن تولد من جديد وتزهر في فصل الربيع.
القصيدة نفسها التي ألهمت الرسّام توحي بإمكانية التجدّد والتحوّل، والأمّ الرديئة قد تعود في النهاية إلى فطرتها الطبيعية كما تكتسي شجرة ميّتة في فصل الشتاء بالأوراق والأغصان من جديد مع بوادر حلول فصل الربيع.
المعروف أن سيغانتيني أتى من بلد محكوم بالكاثوليكية، وهذا هو السبب في أن معظم أعماله متأثّرة بالأفكار الدينية. ومع ذلك يقال أنه لم يكن في حياته الخاصّة منسجما تماما مع العقيدة الكاثوليكية. فقد رفض، مثلا، أن يتزوّج من رفيقته وأمّ أولاده الأربعة.
ورغم الفكرة المأساوية للوحة، إلا أن التأثير والشعور الذي تثيره طقوسيّ وحالم بسبب الفرشاة الريشية الموظّفة فيها. أما الجوّ الغامض للمنظر فينسجم مع رؤية سيغانتيني الغيبية عن العلاقة ما بين الإنسان وعالم الطبيعة.
ولد جيوفاني سيغانتيني في ترينتينو التي كانت آنذاك جزءا من الإمبراطورية النمساوية المجرية. وقضى أولى سنوات عمره في رعاية أمّه التي مرّت بتجربة اكتئاب شديد بعد موت أخيه الأصغر. وقد اتسمت تلك السنوات بالفقر والجوع وقلّة التعليم نظرا لضعف حيلة الأمّ.
في شبابه المبكّر اكتسب سيغانتيني رزقه من رعي الغنم في الجبال. وكان يقضي ساعات طويلة هناك في عزلة وهو يرسم. ثم انتقل بعد ذلك إلى ميلانو حيث عمل بتدريس الرسم ورسم الصور الشخصية. وفي تلك الفترة كرّس جهده لدراسة الحياة في الجبال وأصبح يوصف بأنه "رسّام جبال الألب".
سيغانتيني معروف جيّدا في ايطاليا وسويسرا والنمسا، لكنه ما يزال شبه مجهول خارج هذه البلدان. والمؤسف أن لوحاته غالبا موجودة في مجموعات فنّية خاصّة ولا يمكن العثور على أيّ منها في أيّ متحف.
وقد قضى هذا الرسّام حياته كلّها في سويسرا كشخص بلا جنسية، رغم انه تقدّم مرارا يطلب نيل الجنسية السويسرية. لكن بعد أن أصبح مشهورا وطاعنا في السنّ وافقت سويسرا على منحه جنسيّتها. لكنه رفضها رغم مشاكله قائلا إن ايطاليا هي موطنه الحقيقيّ.
كان سيغانتيني منجذبا دائما نحو الطبيعة. وشغفه هذا أدّى في النهاية إلى موته، إذ أصيب أثناء إحدى جولاته في الجبال بالتهاب في الغشاء الداخلي للبطن، ولم يكن ممكنا إسعافه أو نقله بسرعة إلى البلدة، فتوفّي في الطريق.

Thursday, March 17, 2016

لوحات عالميـة – 372

عائلـة داريـوس أمـام الاسكنـدر
للفنان الايطالي باولـو فيـرونيـزي، 1565

تصوّر هذه اللوحة حادثة مهمّة ذكرها المؤرّخون القدامى. وأصل القصّة يعود إلى العام 333 قبل الميلاد، عندما ألحق الاسكندر المقدوني الهزيمة بداريوس ملك الفرس وآخر ملوك الدولة الإخمينية في معركة ايسوس.
وقد نجا داريوس من الأسر عندما فرّ من ميدان المعركة. لكنّ والدته وزوجته وابنتيه اُخذوا أسرى. وطبقا لـ بلوتارك، فقد منحهم الاسكندر العفو وعاملهم باحترام.
وفي تفاصيل القصّة أن الاسكندر ذهب إلى خيمة عائلة الملك المهزوم مصطحبا معه هيفاستيون مساعده ومستشاره وصديق طفولته، لتأمينهم وطمأنتهم.
واللوحة تصوّر ذلك المشهد الدرامي المهيب. والدة داريوس تجثو أمام الاسكندر وتتوسّل إليه بأن يُبقي على حياتها وعائلتها. وخلف الأمّ تقف زوجة داريوس وابنتاه، بينما الاسكندر يقف إلى اليمين مرتديا ملابس حمراء ومحاطا بجنوده وحرسه ومشيرا بيده إلى مساعده المقرّب الواقف إلى يساره.
بعض المصادر التاريخية تذكر أن والدة داريوس ركعت أمام هيفاستيون ظنّا منها انه الاسكندر، لكن احد المرافقين لفت انتباهها لذلك الخطأ، فما كان من الاسكندر إلا أن تدخّل مؤكّدا أن لا فرق بينه وبين مساعده.
وخلف الزوجة، يقف رجل ملتح قد يكون مترجما أو مرافقا، كما يمكن رؤية عدد من الجند يراقبون ما يحدث، بالإضافة إلى كلب وقرد وولد يستريح على درع. وهناك أيضا منظر غامض لحصان ضخم يقف في أقصى اليمين.
من الواضح أن الرسّام ركّز بشكل خاص على شخص الاسكندر. لكن اللوحة تمتلئ بالتفاصيل الكثيرة التي ربّما كان الهدف منها ملء الفراغ.
والحقيقة أن لا أحد يعرف إن كان شخص ما كلّف الفنّان فيرونيزي برسم هذه القصّة، أو انه رسمها لأنه قرأ عنها فأعجبته. الاحتمال الأخير مرجّح، لأن الحادثة تتضمّن لفتة فروسية وتنطوي على معنى أخلاقيّ.
فالقائد المنتصر، أي الاسكندر، يظفر بعائلة خصمه، لكنه يعفو عنهم ويعاملهم معاملة لائقة فيحفظ لهم ألقابهم وامتيازاتهم الملوكية. ورغم أن زوجة داريوس، واسمها ستاتيرا، كانت مشهورة بجمالها، إلا أن الاسكندر لم يرغب في الاقتراب منها بل عاملها وابنتيها بكلّ تكريم واحترام.
الرسّام لم يتمسّك بحرفية وصف المؤرّخين للحادثة. فاللقاء بين الاسكندر وعائلة داريوس في اللوحة يجري في قاعة قصر فخم وليس في خيمة. وأعمال الخشب والرخام والديكور تحمل بصمة فينيسيا التي عاش فيها الرسّام ولا علاقة لها بفارس القديمة ولا ببلدان الشرق عامّة.
ويقال بأن فيرونيزي استعار صور بعض معاصريه ليضمّنها في اللوحة، كما جرى العرف في رسم المواضيع التاريخية. فالنساء الجاثيات هنّ زوجة الرسّام وابنتاه، والرجل الذي يقدّمهنّ ويرتدي لباسا بنفسجيّا هو الرسّام نفسه.
التصميم المسرحيّ الذي صنعه فيرونيزي للوحة، والخلفية البيضاء من الرخام، والأرضيّة ذات الألوان الخفيفة، وكلّ تفاصيل الهندسة المعمارية التي تنظّم حركة الشخصيات؛ هذا النوع من التفاصيل هو ما كان يفضّله في أعماله. وقد رسم اسكتشات ومراجعات عديدة للوحة، كما أضاف الشرفة في الخلفية والعديد من الشخوص.
هذه اللوحة اعتُبرت من أعظم لوحات فينيسيا. وقد جذبت إعجاب العديد من الكتّاب، منهم غوته وراسكين وهنري جيمس. غوته، مثلا، ذكرها بإعجاب في سياق حديثه عن وقائع زيارته لفينيسيا في نهاية القرن الثامن عشر. وقد رآها أثناء مكوثه في قصر بالاتزو بيساني موريتا، وأكّد على القصّة التي تقول إن فيرونيزي رسم اللوحة وأهداها لعائلة بيساني كلفتة شكر وعرفان لهم على استضافته في القصر.
نخبة فينيسيا في ذلك الوقت كانوا من الأغنياء والمتعلّمين. وكان هؤلاء معتادين على أن ينفقوا المال ببذخ للتشاوف والتفاخر بثقافتهم وذوقهم في الفنّ والعمارة.
في عام 1664، حاول وكلاء ملكة السويد كريستينا شراء اللوحة، وتفاوضوا مع سفير فينيسيا في روما آنذاك، لكن الثمن المطلوب كان باهظا.
وفي عام 1856، وبعد مفاوضات دامت أربع سنوات، قرّر رئيس الناشيونال غاليري بلندن شراء اللوحة مقابل أربعة عشر ألف جنيه استرليني. واعتُبر اقتناء الغاليري البريطانيّ لها انتصارا ثقافيا، لدرجة أن الملكة فيكتوريا قامت بزيارة خاصّة للغاليري لكي تراها.
اللوحة ضخمة، عرضها خمسة عشر قدما، وطولها ثمانية أقدام. وفي ما بعد، عندما رآها الكاتب هنري جيمس أثناء زيارة له للندن وصفها قائلا: رأيت الاسكندر في إهاب شابّ فينيسيّ وسيم يرتدي بنطالا قرمزيّ اللون. وما من شكّ في أن وجود هذه اللوحة يبعث وهجا دافئا في ليل لندن البارد".
يمكن القول أن جمال هذه اللوحة يكمن في براعة الرسم والتخطيط والتحكّم في الضوء والظلّ واختيار الألوان. ولا عجب في هذا، فرسّامو فينيسيا كانوا يعتبرون فيرونيزي الملوّن الأعظم.
ومع ذلك كان هو اقلّ شخصيات رسّامي عصر النهضة الفينيسية الثلاثة اعتبارا وقيمة، والآخران هما تيشيان وتنتوريتو. ولطالما نُظر إليه، وحتى منتصف القرن الماضي، باعتباره رسّاما ومزيّنا بارعا أكثر منه معلّما عظيما.
صحيح أن بعض لوحاته تمتّع العين وتبهج المشاعر، لكن لا يبدو أن الكثيرين يقفون أمامها طويلا في المتاحف هذه الأيّام، لأن هناك من النقّاد ومن المهتمّين بالرسم من يعتبرون فيرونيزي ولوحاته "موضة قديمة".
المشكلة أن الناس أصبحوا يفضّلون الانفعالات والدراما على الجمال المحض. ولوحات فيرونيزي، على الرغم من جمال ألوانها وتفاصيلها، ليس فيها تلك الدراما المثيرة ولا التعبيرات اللافتة.
في الرسم، أكثر من أيّ شيء آخر، كان فيرونيزي يعرف كيف يمجّد رعاته بإظهار ثرواتهم ومكانتهم ومعرفتهم الواسعة.
وبحسب بعض النقّاد، فإن مذهب المتعة الذي كان يؤمن به الرسّام ورعاته قد يكون السبب في أن الناس في العصر الحديث ينظرون إليه على انه رسّام متصنّع مهتمّ برسم الأماكن الفخمة والحشود الكثيرة أكثر من اهتمامه بالتقاط جوهر ومضمون وروح المشاهد التاريخية التي كان يرسمها.
لكن قد يكون عذره انه درس النحت في بداياته، والنحت يعتمد على الحركات والإيماءات والإشارات. وظلّت تجربته وخبرته تلك في النحت أساسا لأسلوبه في رسم الصور الذي يُفترض انه يعتمد على التعبيرات والمشاعر والانفعالات.