Sunday, November 19, 2017

لوحات عالميـة – 429

متحف صُوَر لمناظر من روما الحديثة
للفنان الايطالي جيـوفاني باولـو بانيـني، 1759

كان جيوفاني بانيني أشهر فنّان رَسَم معالم مدينة روما. وهو يشبه كثيرا مواطنه الرسّام كاناليتو الذي اشتهر برسوماته لمدينة فينيسيا. وقد رسم الاثنان العديد من اللوحات التي كانت تروق لزوّار المدينتين من الأجانب.
وبفضل لوحاته التي كان العديد منها يصوّر آثار روما القديمة، أسهم بانيني إلى حدّ كبير في الترويج للسياحة في ايطاليا والتعريف بمعالمها.
وكانت مناظره مطلوبة كثيرا من قبل زوّار المدينة، خاصّة الشغوفين بالآثار الكلاسيكية. وكانوا يشترونها للاحتفاظ بها كتذكارات للمدينة ولصروحها القديمة والمشهورة.
كان معظم زبائن بانيني من انجلترا، وكان بينهم أمراء ونبلاء وتجّار. وفي ما بعد انتقل ذلك الشغف بايطاليا وحضارتها إلى الأمريكيين في القرن التاسع عشر.
كانت رسومات هذا الفنّان لمباني وآثار روما تتميّز بدقتّها ووضوحها، وكان أحيانا يضعها في سياق غير مرّتب ويضفي عليها عناصر من الحقبة الرومانسية ومن أواخر عصر الباروك. ولطالما أثارت تلك الصور الحنين إلى ايطاليا كأرض قديمة وخالدة.
هذه اللوحة هي واحدة من سلسلة من أربع لوحات رسمها بانيني لروما وضمّنها صورا لأهمّ معالم المدينة القديمة والحديثة، وذلك على شكل أعمال فنّية من لوحات وتماثيل موضوعة في متحف متخيّل.
وقد كلّفه برسم اللوحات الأربع الدوق ايتيان فرانسوا دي ستينفيل الذي كان سفيرا لفرنسا لدى الفاتيكان في الفترة من 1753 إلى 1757. وقد أراد السفير من ورائها أن تكون تذكارا لإقامته في العاصمة الايطالية.
وهذه اللوحة تصوّر جزءا من معالم روما كما تبدو عليه زمن الرسّام، أي أنها صور معاصرة، وقد ضمّنها صورا لعدد من المباني والصروح واللوحات والمنحوتات التي كانت معروفة في روما في ذلك الوقت.
إلى اليمين، تظهر لوحات لكنيسة سانتا مارجيوري وبياتزا نافونا وفيللا آلدو برانديني، وإلى اليسار رسومات لكنيسة القدّيس بطرس ونافورة تريفي والدرَج الاسباني.
وفي الوسط، أربعة تماثيل هي من الأمام للخلف "أسد ميدتشي" وتمثال "موسى" لميكيل انجيلو وتمثالي "داود" و "دافني وأبوللو" لجيان لورنزو برنيني.
وفي اللوحة، كما في اللوحات الثلاث الأخرى، رسم بانيني راعيه وزبونه، أي السفير كجزء من المنظر. وهو يظهر جالسا على أريكة من الحرير الأحمر في منتصف المتحف ومحاطا باللوحات والتماثيل وأيضا بلوحات أخرى لبانيني. وكلّ هذه الصور تُبرز التفاصيل الدقيقة للمباني الرومانية والنوافير وغيرها من معالم روما في القرنين السابع عشر والثامن عشر، بما في ذلك ميدان القدّيس بطرس.
كان الدوق دي ستينفيل سياسيّا ورجل دولة بارزا في زمن الملك لويس الخامس عشر. كما كان جامع تحف فنّية مشهورا. ومثل الكثير من الأوربّيين، كان السفير مهتمّا كثيرا بالمناظر التي تصوّر ماضي روما وحاضرها.
وعندما انتهت فترة عمله في الفاتيكان، عاد إلى باريس برفقة اللوحات الأربع. لكن في عام 1760، تضاءلت حظوظه السياسية فجأة، فباع اللوحات إلى صديق له يُدعى جاك لوي راي.
ولد جيوفاني بانيني عام 1691، وتتلمذ على يد بينيديتو لوتي. ثم سجّل في أكاديمية سانتا لوكا. وأوّل لوحاته كانت بعنوان الاسكندر يزور قبر أخيل ، وفيها يبدو الأشخاص صغارا أمام المباني المعمارية الفخمة والشاهقة.
وفي إحدى لوحاته المبكّرة، يصوّر بانيني معبد البانثيون الرومانيّ، وفي الصورة يظهر مجموعة من الأشخاص الذين ينظرون بذهول وإعجاب إلى التفاصيل الداخلية للبناء الرائع، ومن بينهم رجال دين وجنود وسُيّاح.
وكلّ هؤلاء يبدون ضئيلين مقارنة بتفاصيل المبنى الضخم. كما أن المكان مرسوم بعناية ومغمور في ضوء منتصف الظهيرة الذي يأتي من فتحة دائرية في السقف.
في ما بعد، وابتداءً من عام 1711، استقرّ الرسام في روما وعمل كرسّام جداريات، لكنه لم يلبث أن تحوّل إلى رسم مناظر المدينة التي اشتهر بها بقيّة حياته.
درس بانيني علم المنظور في الأكاديمية الفرنسية بروما. وكان تأثيره قويّا على الرسّامين الفرنسيين والايطاليين، لدرجة أن الفرنسيين عيّنوه عضوا في أكاديمية باريس للنحت والرسم، وهو تكريم يندر أن ناله فنّان من قبل.
وبالإضافة إلى لوحاته ومناظره لروما التي يعرفه بها أكثر الناس، رسم بانيني أيضا مواضيع تاريخية ودينية. والعدد الكبير من لوحاته والنسخ الكثيرة منها، بالإضافة إلى الطبيعة التجارية لبعضها، تؤكّد انه كان يعتمد على ورشة كبيرة. وكان ابنه فرانسيسكو مساعده الأوّل في محترفه، وبعد وفاة الرسّام في أكتوبر من عام 1765، تولّى الابن مهمّة تسويق فنّ والده وطبع لوحاته على وسائط مختلفة.

Wednesday, November 15, 2017

لوحات عالميـة – 428

بورتـريه امـرأة تُدعـى سافـو
القرن الأوّل الميلاديّ

تُعتبر سافو أوّل شاعرة أنثى عرفتها الحضارة الإنسانية وأحد الأصوات النسائية القليلة التي تتحدّث إلينا من العصور القديمة.
وقد عاشت على أرض جزيرة ليزبوس اليونانية في الفترة ما بين عامي 620 و 570 قبل الميلاد. وكان سكّان هذه الجزيرة مشهورين باهتمامهم بالآداب والفنون.
حياة سافو تلفّها الأساطير والمعلومات المتوفّرة عنها قليلة. لكن يقال مثلا أن أسلافها جاءوا من الأناضول أو من بلاد فارس، وأنها ولدت حوالي عام ستمائة قبل الميلاد لإحدى العائلات الثريّة.
وما من شكّ في أن هذه المرأة لعبت دورا مهمّا في إعادة صوغ مفردات الفنّ والحبّ والرغبة. وقصّتها تتغيّر من عصر إلى عصر تبعا لتغيّر نظرة المجتمع إلى مسائل الجندر والجنسانية.
وقيل أيضا أنها كتبت أشعارها لطائفة من النساء اللاتي كنّ يحتفين بالأنثى ويركّزن على مسائل النضج والزواج والولادة وما إلى ذلك.
وقد كتبت سافو تسعة دواوين شعرية تضمّ أكثر من عشرة آلاف بيت. وكانت قصائدها مشهورة جدّا في العالم القديم الذي كان ينظر إلى أشعارها كرمز للحبّ والرغبة بين النساء. وهناك رأي يقول إن سافو لم تصبح مشهورة إلا بعد وفاتها بثمانمائة عام.
وفي أحد الأوقات، كانت مكتبة الإسكندرية تضمّ نسخا من دواوينها، لكنها ضاعت إلى الأبد بعد انتصار المسيحية على عالم اليونان الوثنيّ. وهناك رواية تقول إن احد الباباوات أمر بإحراق مخطوطات أشعارها، بحجّة أنها فاسدة ومبتذلة.
لكن في عامي 2005 و 2014، اكتشف خبراء أجزاء طويلة من أشعارها التي تتحدّث في بعضها عن الشيخوخة والسنّ المتقدّم. لكن ظروف ذلك الاكتشافين ظلّت غير معروفة.
سافو كانت الشاعرة الوحيدة التي أدرج القدماء اسمها في قائمة الشعراء الغنائيين المهمّين. وبعض المؤرّخين يشيرون إلى أنها لعبت دورا مهمّا في تاريخ الأدب القديم لا يقلّ عن دور هوميروس.
وقصيدتها المشهورة "إصنعوا الحبّ لا الحرب" هي النقيض للإلياذة، لأنها تضع قيمة الحبّ في درجة أعلى من قيم المؤسّسة الحربية الإغريقية.
والواقع أن لا احد يعرف على وجه التأكيد كيف كانت ملامح سافو. ومعظم الأوصاف التي تذكرها تعود إلى مئات السنين بعد وفاتها.
لكن في مايو من عام 1760، عُثر على هذا البورتريه في احد منازل مدينة بومبي الأثرية الايطالية. وكان جزءا من مجموعة من الزخارف التي كانت تزيّن جدار أحد البيوت المهجورة في المدينة قبل أن يدمّرها البركان المشهور.
ثم لم تلبث اللوحة أن أصبحت إحدى أشهر الجداريات في العالم. وهي تعرّف المرأة الظاهرة فيها على أنها سافو. واللوحة اقرب ما تكون إلى بورتريه مثاليّ أكثر منها تصويرا لامرأة حقيقية.
وفيها تظهر المرأة التي يُظنّ أنها الشاعرة المشهورة وهي تمسك بقلم وبلوح من الخشب، وفي هذا رمز للتعلّم والثقافة.
ووضعها للقلم على فمها يوصل معنى التفكير العميق قبل أن تشرع في الكتابة مجدّدا. كما أن وضعية المرأة الدارسة أو المتأمّلة في الصور القديمة تشي بانتمائها إلى عائلة ميسورة الحال.
كما أن المرأة تضع على رأسها خمارا تبرز من أطرافه خصلات ذهبية تغطّي جبينها وجانبي وجهها وتضفي عليها شيئا من الجدّية والوقار.
من الأشياء الأخرى اللافتة أيضا العينان الواسعتان والرداء ذو الألوان البنّية والخضراء والقرطان الذهبيّان اللذان يزيّنان أذنيها.
ورغم كثرة من يقولون بأن البورتريه يصوّر سافو فعلا، إلا أن هناك وجهة نظر تشكّك في هذه الفرضية، على اعتبار أن الألواح الخشبية كانت تُستخدم عادةً للحساب وليس لكتابة الشعر.
ولأنه لا توجد للشاعرة صورة من عصرها، فإن ملامحها غير معروفة على وجه اليقين. ومعظم الصور القديمة والحديثة لها إمّا تخيّلية أو مفاهيمية. لكن بعض المصادر القديمة تذكر أنها كانت صغيرة القوام وسمراء، وهو وصف مستمدّ من بعض قصائدها، على الرغم من انه لا يتوافق مع الأفكار المثالية للإغريق عن جمال المرأة.
ومع ذلك ففي الفترات اللاحقة، صُنعت لها تماثيل عدّة ورُسمت صورها على العملات المعدنية وعلى الأواني الخزفية . بل إن سكّان جزيرة ليزبوس طبعوا صورتها المتخيّلة على عملاتهم. كما أن تمثالا لها يزيّن اليوم مجلس بلدية سيراكوزا في صقلّية.
وفي بعض صورها المرسومة، تظهر وهي تحمل عودا أو قيثارة، ما يشي بأنها كانت أيضا مغنّية. ومن أشهر الفنّانين الذين رسموا سافو في العصر الحديث كل من جون وليام غودوورد و وليام كوتاربنسكي و النحّات بروسبير ديبيناي ، كما تظهر في تمثال رومانيّ يعود إلى الحقبة الهيلينية.
من الواضح أن سافو كانت موضع احتفاء كبير في زمانها، وكانت قصائدها تملأ أرفف المكتبات القديمة لقرون. وفي العصور التالية، أصبحت حياتها عنصر إلهام لمسرحيات وروايات وكتب كثيرة. كما استُنسخت العديد من قصائدها ووُضعت دراسات لا تُحصى عن حياتها وشعرها.
بعض النقّاد المعاصرين حاولوا التخفيف من جموح قصائد سافو الايروتيكية بالقول أنها تصف تقاليد طقوسية أو شكلية. ورغم فقدان معظم قصائدها، إلا أنها ظلّت حتى اليوم موضع افتتان العديد من المؤرّخين والفنّانين.
وقد احتفى بها أفلاطون واصفا إيّاها بالملهمة العاشرة. كما خصّص لها الشاعر الفرنسيّ بودلير قصيدة بعنوان "ليزبوس" ضمن ديوانه "أزهار الشرّ".
في مرحلة تالية، انتقلت الشاعرة وعائلتها إلى جزيرة صقلّية بإيطاليا بعد أن حُكم عليهم بالنفي لسبب ما.
وفي تلك الفترة أحبّت نجّارا يُدعى "فيون". لكن يبدو أن ذلك الحبّ كان من طرف واحد. فأقدمت على قتل نفسها بالقفز من قمّة جرف في الجزيرة. وقد تحوّل ذلك المكان في ما بعد وطوال قرون إلى مزار سياحيّ.
والشاهد الرخاميّ الذي يعلو قبرها يحمل كلمات من إحدى قصائدها تقول فيها أنها لن تموت لأن دواوينها التسعة ستظلّ خالدة مثل الملهمات التِّسع.

Thursday, November 09, 2017

لوحات عالميـة – 427

حقول الخشخاش بالقرب من ارجنتوي
للفنان الفرنسي كلـود مـونيـه، 1873

كان من عادة الانطباعيين أن يولوا أهميّة خاصّة للانطباع الفوريّ للمنظر مع إغفال معناه أو دلالته. وقد قدّموا في أسلوب رسمهم الجديد نظرة حديثة عن عالم مقبول ومحتفى به.
كلود مونيه كان الشخصية الرائدة والأكثر أهمّية في الحركة الانطباعية. وكان هو وزملاؤه، بيسارو ورينوار وسيسلي، مهتمّين كثيرا بالإمساك بالتأثيرات البصرية لضوء الشمس على ألوان وأشكال الطبيعة.
في هذه اللوحة، والتي رسمها في نفس الوقت تقريبا الذي رسم فيه لوحته المشهورة انطباع عن شروق الشمس، يكشف مونيه عن شغفه بالألوان برسمه منظرا لحقول الخشخاش في بلدة ارجنتوي الواقعة على ضفاف نهر السنين على بعد حوالي عشرة كيلومترات من باريس.
كان الفنّان قد عاش في تلك البلدة حوالي ستّ سنوات من عام 1871 إلى 1878. وهو يستذكر في اللوحة نزهة قام بها على الأقدام بصحبة زوجته وابنه في احد أيّام الصيف.
في مقدّمة الصورة تظهر زوجته كميل التي تمسك بمظلّة وتعتمر قبّعة مع ابنه جان الذي يمسك بباقة من الأزهار بينما يختفي وسطه بين العشب. وهما مرسومان بضربات من البنفسجيّ والأصفر والأسود. وفي أعلى التلّة تظهر امرأة أخرى وطفل، وليس هناك ما يشير إلى ارتباط بين المرأتين.
الصورة تتضمّن نُسُجا وأشكالا متنوّعة للأشخاص والأزهار والعشب والنباتات والسحب دون تفصيل كثير. والأزهار مرسومة ببقع من الأحمر الذي يلمع وسط الحقول الفارهة الخضرة. وفي الأفق يظهر خطّ من الأشجار يقوم في وسطه منزل بسطح من القرميد البرتقاليّ اللون.
من التفاصيل التي تلفت الاهتمام في اللوحة معطف زوجة الرسّام القاتم الألوان، والتباينات اللونية الحادّة على قبّعتها، والبقع الحمراء الفضفاضة التي توحي بنبات الخشخاش الذي يعطي اللوحة اسمها.
والاسم الذي اختاره مونيه للوحة يصرف الاهتمام عن الأشخاص ويركّز بدلا من ذلك على التأثير البصريّ الفوريّ للأزهار الحمراء.
المنظر نفسه حديث لأنه يصوّر المصطافين من الطبقة الوسطى في مكان يلتقي فيه عالم الطبيعة مع البيئة الحضرية التي ترمز إليها الفيللا الحديثة. وهناك ما يوحي بأن المكان قريب من العمران وليس في قلب الريف تماما.
كتب مونيه ذات مرّة إلى زميل له يقول: عندما تذهب إلى خارج البيت لترسم، حاول أن تنسى الأشياء التي أمامك: شجرة، بيت، أو حقل أزهار. ضع مربّعا صغيرا من الأزرق هنا ومستطيلا من الزهريّ هناك وإلى جواره ضع خطّا من الأصفر، وارسم كما لو أن الألوان تنظر إليك إلى أن تنتهي من تصوير انطباعك الفوريّ عن المنظر الذي أمامك".
وهذا ما فعله مونيه في هذه اللوحة، فأشخاص المرأتين والطفلين تتألّف من خطوط وبقع لونية لا تكاد تكشف عن ملامحهم، لكنها تكفي لإظهار هيئاتهم.
أعظم انجازات الرسّام هي فهمه المتقن للعلاقة بين الضوء واللون، ولوحاته التي رسمها في ارجنتوي خاصّة توفّر أفضل الأمثلة على هذا.
مونيه معروف، على وجه الخصوص، بوقته الذي قضاه في بلدة جيفرني. لكنه أيضا قضى سنوات في ارجنتوي، حيث رسم هناك أكثر من مائة وثمانين لوحة، وأصبح منزله في تلك الضاحية مزارا للسيّاح والمهتمّين بالفنّ.
وقد استقرّ فيها الفنّان بعد عودته من زيارته للندن في عام 1782. ورسم فيها سلسلة من المناظر لقوارب مبحرة في الميناء، كما رسم الماء والناس والحدائق. وأصبحت البلدة حاضنة للفنّانين، إذ سرعان ما التحق به هناك كلّ من رينوار ومانيه وسيسلي.
في ذلك الوقت، كانت أعداد متزايدة من سكّان باريس يتوافدون على البلدة لزيارتها والاستمتاع بالحياة فيها، لأنها كانت توفّر لهم نوعا من المتنفّس بعيدا عن حياة باريس الحضرية الصاخبة والمزدحمة.

Sunday, November 05, 2017

لوحات عالميـة – 426

الليـل: مينـاء في ضـوء القمـر
للفنان الفرنسي كلـود جوزيـف فيـرنيه، 1771

كان كلود فيرنيه احد أشهر الفنّانين الذين تخصصوا في رسم المناظر البحرية في القرن التاسع عشر.
وكانت أعماله مثار إعجاب الكثيرين. وقد امتدحه الفيلسوف الفرنسيّ دونيه ديديرو وتعجّب من قدرته على التوفيق بين عدّة تأثيرات متباينة للضوء. كان ديديرو مفتونا بمناظر الطبيعة، خاصّة عندما تكون في حالة ثورة وغضب، وكان يجد فيها بعضا من مظاهر الفخامة والعظمة.
فيرنيه نفسه كان متأثّرا بمناظر الطبيعة الكلاسيكية لنيكولا بُوسان وكلود لوران وبالمناظر البحرية لمناطق شمال أوربّا في القرن السابع عشر. وقد تلقّى في روما تدريبا على يد كلّ من الرسّامين اندريا لوكاتيللي وجيوفاني بانيني.
وهذه اللوحة تُعتبر نموذجا للمناظر التي كان يرسمها. وهي لا تصف مكانا محدّدا، لكنها تستدعي شاطئا متوسّطيا ربّما كان في جنوب نابولي. وفيها نرى مشهدا ليليّا لمجموعة من صيّادي الأسماك. بعضهم يستريحون على الشاطئ بعد عناء يوم عمل ويُعدّون طعامهم على نار بسيطة، بينما يظهر آخرون وهم يصطادون على ضوء القمر.
وإلى اليمين نرى برجا محصّنا وضخما يذكّر بمباني وقلاع القرون الوسطى. وعلى مسافة يمكن رؤية سفينتين كبيرتين مبحرتين في الخليج.
ظلمة الليل ينيرها مصدران للضوء؛ ضوء النار على الشاطئ والضوء الرائع للقمر المكتمل الذي ينبثق من بين السحب ليعكس أنواره على الأمواج إلى الأسفل.
اللوحة هي واحدة من سلسلة من أربع لوحات صوّر فيها الرسّام أربعة أوقات مختلفة من اليوم وركّز فيها على إظهار الإمكانيات اللانهائية للطبيعة والتأثيرات المتباينة للضوء والمناخ خلال ساعات اليوم.
في اللوحة الأولى، أي هذه، رسم فيرنيه الليل. وفي الثانية رسم الصباح وفيها نرى أجواءً ضبابية مع صيّادين في قواربهم. أما اللوحة الثالثة فتصوّر فترة منتصف النهار مع عاصفة قويّة. واللوحة الأخيرة عن المساء وتصوّر مجموعة من النساء يغسلن ملابسهنّ.
وهذه السلسلة تُعتبر أفضل أعمال فيرنيه، وقد رسم المناظر الأربعة في أماكن مختلفة. أما الشخص الذي كلّفه برسمها فكان ثريّا ايرلنديا كان في رحلة إلى روما وتصادف أن التقى الرسّام هناك.
وقد وضع الفنّان اسكتشا لكلّ لوحة من وحي الطبيعة وبحث عن زوايا أصلية وضمّنها تأثيرات ضوء خاصّة. ويُرجّح انه نفّذ هذه اللوحة بالذات في فرنسا، أي بعد عودته من ايطاليا. وهي مرسومة بأسلوب جريء وحرّ، خاصّة منظر السماء والقمر، وعلى نحو يذكّر بأسلوب الرسم الايطاليّ.
أعمال فيرنيه كلّها هي عن الطبيعة. والعنصر العاطفيّ والانفعاليّ فيها محسوب بعناية. وقد ظلّ محافظا على هذا الأسلوب طوال حياته.
ولد كلود جوزيف فيرنيه في أغسطس من عام 1714 لأب كان يعمل رسّام ديكور. وقد عمل في ورشة والده لبعض الوقت، لكن عمله لم يكن يرضي طموحه. فذهب إلى ايطاليا عام 1734، وتركت رحلته تلك أثرا لا يُمحى على مسيرته الفنّية.
في روما، عاش الرسّام حوالي عشرين عاما درس خلالها مناظر البحر وأنتج لوحات تصوّر مناظر لموانئ وعواصف وحيتان، واجتذبت صوره اهتمام الكثيرين وأصبحت له شعبية كبيرة، خاصّة عند الارستقراطيين الانجليز.
وفي عام 1745، استُدعي إلى فرنسا بأمر من الملك كي يرسم سلسلة من اللوحات لموانئ فرنسا. وهذه اللوحات موجودة اليوم في متحف اللوفر.
يقول بعض النقّاد إن فيرنيه كان أوّل رسّام استطاع أن يجعل الإنسان جزءا لا يتجزّأ من المنظر المرسوم وعنصرا مهمّا جدّا فيه. ورسوماته عموما تهتمّ بالتأثيرات المناخية مع إحساس عال بالتناغم يذكّر بمناظر مواطنه الرسّام كلود لوران الذي عاش هو أيضا في ايطاليا.

Wednesday, November 01, 2017

لوحات عالميـة – 425

امـرأة تقـرأ رسـالة
للفنان الهولندي يوهـان فيـرميـر، 1660

بعض الروائيين، من أمثال مارسيل بروست وأغاثا كريستي وتريسي شيفالييه وسوزان فريلاند وكاثرين ويبر وغيرهم، استدعوا مناظر فيرمير في أعمالهم الأدبية. وقد يكون احد الأسباب هو الغموض الذي يحيط بهذا الرسّام بعد أن عاش مائتي عام في عالم النسيان بعد موته. كما أن السمة السردية للوحاته تتيح لكلّ شخص أن يؤلّف قصّة خاصّة عنها.
لوحات فيرمير عن الحياة المنزلية للهولنديين تأخذ المتلقّي إلى مكان وزمان مختلفين. ورغم مرور أكثر من ثلاثمائة عام على وفاته، إلا انه ما يزال لصوره نفس النوعية ونفس القوّة والقدرة على إشراك المتلقّي وجعله جزءا من القصّة.
أحيانا يقال أن فيرمير كان يرسم فنّاً من اجل الفنّ. لكن هذا الرأي لا يدعمه الواقع، فقد كان يرسم غالبا بتكليف من الآخرين، ولو كان يرسم لنفسه أو من اجل المتعة الشخصية لكان هذا الكلام صحيحا.
في هذه اللوحة، يصوّر فيرمير امرأة تقف جانبيّا وسط غرفة وترتدي معطفا من الساتان الأزرق الشاحب بينما تقرأ رسالة. وجهها في الظلّ تقريبا وفمها مفتوح بعض الشيء ورأسها منحنٍ إلى الأمام قليلا. وعلى الطاولة التي أمامها، هناك عقد من اللؤلؤ والصفحة الأولى من الرسالة.
ويبدو أن الرسالة وصلتها للتوّ، لذا أوقفت كلّ شيء لتقرأها. وفيرمير يمسك بلحظة التركيز هذه. وهو يأخذك إلى اللوحة، أي إلى داخل الغرفة مع كرسيّ اختار مكانه بعناية كي يعطيك إحساسا غير عاديّ باللحظة. وفيرمير كان بارعا في خلق هذا النوع من الارتباطات بين الشخص المرسوم والمتلقي.
بحسب بعض النقّاد، يمكن اعتبار هذه اللوحة سيمفونية باللون الأزرق. تنوّعات الأزرق وظلال الأبيض فيها تشير إلى يد معلّم ماهر. وما فعله فيرمير بالأزرق هنا مذهل، كما تُظهره الألوان الثريّة في معطف المرأة، وأيضا أضواء الصباح التي تتخلّل كامل جوّ الغرفة بما في ذلك الأزرق المنعكس على الجدران.
كان فيرمير يصنع أزرقه الجميل، أو الأزرق السماويّ كما كان يسمّيه فان غوخ، من حجر الفيروز. وكان هذا الحجر يُجلب من جبال أفغانستان في القرن السابع عشر. وكان من عادة فيرمير أن يطحن قطعة من الفيروز ثم يضيف إليه الزيت كي يزيد من تماسكه.
ولأنه لم تكن توجد في ذلك الوقت زجاجات محكمة لحفظ الألوان كما هو الحال اليوم، فقد كان يمزج قدرا قليلا من الطلاء كلّ يوم، وبما يكفي لتغطية منطقة بعينها من القماش التي يعمل عليها.
المنظر في اللوحة يعكس مزاجا هادئا ومتأمّلا، لكنه يترك للناظر مهمّة الإجابة على بعض الأسئلة المعلّقة. مثلا من هي المرأة؟ وماذا تقول الرسالة؟ ومن كتبها؟
ثم ما مغزى الابتسامة الخفيفة على وجهها؟ والانتفاخ الظاهر في مقدّمة بطنها هل يؤشّر إلى أنها حامل، أم أنها كانت موضة اللباس في ذلك العصر؟ وعقد اللؤلؤ على الطاولة هل هو هديّة مثلا؟ وما أهميّة الخارطة على الجدار؟
قد تكون الرسالة وصلت من شخص ما في مكان بعيد، وقد يكون مرسلها شخصا تحبّه المرأة. وربّما أُرسلت من على متن إحدى السفن الهولندية التجارية التي جعلت من هولندا بلدا غنيّا في القرن السادس عشر.
فيرمير لا يقول لنا شيئا عن هذه الأمور، رغم انه وحده من يعرف القصّة الحقيقية. لكن ما يهمّ في نهاية الأمر هو حقيقة أن المشهد حميم، وكلّ شخص يمكن أن يؤلّف عنه قصّة.
استخدم الرسّام ظلالا مختلفة من الأزرق لرسم خطوط المعطف. وهو، أي المعطف، واضح من الأمام لأن المرأة تواجه الضوء الآتي من النافذة غير المرئية، لكنه معتم من الخلف، أي في منطقة الظلّ. والأزرق يتحوّل إلى نوع من الأزرق الرماديّ خلفها، وهو أمر يشهد على براعة غير عادية في توظيف اللون والضوء.
كان من عادة فيرمير أن يُرفق بعض لوحاته بخارطة لهولندا. لكن الخارطة هنا قد توحي بأن المرأة متزوّجة من رجل يعمل في التجارة، وقد تكون رمزا للهويّة أو الجنسية. وفي كلّ الأحوال، هي مرسومة بطريقة جميلة وتناسب الخلفية.
يقال انه يجب أن ترى اللوحة الأصلية لكي تفهم سرّ عبقرية فيرمير الفنّية، خاصّة مهارته في رسم الضوء واللون على القماش. والشيء المذهل هو انه خلق كلّ هذه التأثيرات المدهشة دون أن يترك أثرا لأيّ فرشاة.
المعروف أن هذه اللوحة سافرت قبل أربع سنوات من مكانها الدائم في متحف ريكس الهولنديّ إلى كل من شانغهاي وساوباولو ولوس انجيليس كي تُعرض على الجمهور هناك، قبل آن تعاد إلى أمستردام ثانيةً في عام 2013.

Friday, October 27, 2017

لوحات عالميـة – 424

منظـر طبيعـيّ من بـورمي
للفنان الفرنسي هنـري إدمـون كـروس، 1908

يشير مصطلح الانطباعية الجديدة إلى أسلوب في الرسم توضع فيه الألوان على رقعة القماش كنقاط صغيرة جنبا إلى جنب. والناظر يرى هذه الألوان من مسافة كمزيج بصريّ وكأنماط زخرفية تشبه الموزاييك.
وبداية الفكرة تعود إلى عام 1880، عندما درس الرسّام الفرنسيّ جورج سورا بعض الكتابات التي تتحدّث عن نظرية الألوان، ثم ابتكر تقنية جديدة في الرسم اسماها فصل الألوان أو التقسيمية. والميزة الأساسية لها هي أنها تعطي وهجا وحيوية اكبر للألوان.
وعندما توفّي سورا في سنّ مبكّرة خلفه بول سيغناك الذي استبدل تسمية التقسيمية بالنقطية. وفي عام 1886 استبدل الناقد فيليكس فينيون المصطلح بالانطباعية الجديدة.
ولم تلبث هذه الحركة أن انتشرت إلى بلجيكا وهولندا على أيدي رسّامين مثل فان ريسلبيرغ ويان توروب وغيرهما. وحتى فان غوخ عاصر هذه الحركة واهتمّ بنظريات زعيمها سورا ورسم عدّة لوحات بطريقة النقطية.
ومن أشهر شخصيّاتها أيضا هنري كروس وماكسيميليان لوس وسيغناك، ثم انضمّ إليهم في ما بعد كميل بيسارو. وكلّ هؤلاء وظّفوا النظريات العلمية للون والإدراك كي يخلقوا تأثيرات بصرية مستلهمين الأساليب التي طوّرها العلماء.
وكثير من الانطباعيين الجدد كانوا يستخدمون تجانبات وتمازجات غير متوقّعة من الألوان على رقعة الرسم لخلق أضواء لامعة وذات بريق أخّاذ.
كان هنري كروس احد ممثّلي هذه الحركة التي لم تعش طويلا. وهو في هذه اللوحة، يرسم منظرا طبيعيا من بلدة بورمي في جنوب فرنسا التي عاش فيها اعتبارا من عام 1891.
والصورة عبارة عن منظر طبيعيّ لتلال تظهر في مقدّمتها أشجار زيتون وأعداد من الماعز. وفي الخلفية تتناثر أشجار أخرى مرسومة بالألوان الخضراء والزرقاء والأرجوانية والبرتقالية والصفراء.
ويلاحظ أن الرسّام أضفى على الطبيعة سمة زخرفية، كما رسم أفرع أشجار الزيتون بأشكال حلزونية تذكّر بالرسم اليابانيّ. وبدلا من الاكتفاء بلمسات نقطية رفيعة، رسم الفنّان بقع ألوان كبيرة وبيضاوية مليئة بالحركة والطاقة. والطبيعة المحيطة تستثير الأضواء اللامعة لجنوب فرنسا والتي تضفي على المشهد تأثيرات مدهشة.
وقد بدأ كروس رسم اللوحة في محترفه كي يسمح للخيال أن يهيمن على عمله ولكي يجسّد رؤيته الداخلية، ثم أكمل رسمها أمام الطبيعة لتحقيق التناغم المطلوب.
وفكرة الرؤية الداخلية تتوافق مع اعتقاد الانطباعيين الجدد بأن رسم الطبيعة يجب أن يركّز على النواحي الدائمة والأبدية وليس على الأشياء العابرة والمتغيّرة للطبيعة كما كان يفعل الانطباعيون.
تأثير الانطباعية الجديدة استمرّ لبعض الوقت، رغم أنها كانت مجرّد فترة انتقالية في تاريخ الرسم. وفقط بضعة رسّامين ظلّوا مخلصين للحركة مثل كروس وسيغناك، بينما كان آخرون مثل ماتيس وبراك وديرين وبيسارو وديلونيه ينظرون إليها على أنها مجرّد خطوة باتجاه شيء ما مختلف وجديد.
ومعظم الانطباعيين الجدد كانوا يتبنّون أفكار اليسار السياسيّ الفرنسيّ، وهذا واضح في رسومات سورا عن الطبقة العاملة. كما كانت الرؤى المثالية للاشتراكية الفوضوية واضحة في المناظر اليوتوبية التي رسمها الانطباعيون الجدد والتي تمزج بين المضمون الإيديولوجيّ والنظرية الفنّية.
وحتى عندما لا يكون الدافع وراء رسوماتهم سياسيّا فإن تصويراتهم اللامعة والأنيقة للمدن والبحر والضواحي والمناطق الريفية كانت تعكس بحثهم الدائم عن التناغم.
في لوحة أخرى بعنوان أشجار صنوبر على الشاطئ ، يرسم كروس أشجار صنوبر في نفس هذه المنطقة المطلّة على البحر المتوسّط. وهو ينسج من ألوان باردة سطحا يشبه التطريز. واللوحة التي تتألّف من طبقات من الألوان المشعّة هي مثال رائع على الطبيعة الناضجة للفنّان.
ولد هنري ادمون ديلاكروا في مايو من عام 1856، وفي ما بعد غيّر اسمه الأخير إلى كروس كي يميّز نفسه عن الرسّام اوجين ديلاكروا.
وبدأ الفنّان دراسته للرسم عام 1878 في أكاديمية الفنّ في ليل ثم في باريس. وقد تأثّر في بداياته بباستيان لابيج ومانيه وبالرسّامين الانطباعيين. وكان يعرض أعماله بانتظام في صالون المستقلّين بباريس.
صداقة كروس مع سيغناك أكسبته مزيدا من الثقة، فرسم مناظر للبحر والحياة في الريف. لكن ابتداءً من عام 1890 بدأ يتخلّى عن الألوان النقطية الصغيرة ويرسم بضربات فرشاة اعرض. وفي عام 1905 نظّم أوّل معرض منفرد للوحاته.
مناظر كروس الطبيعة لا تخلو من شاعرية، وهي تذكّر بالأشكال الانطباعية في الرسم اليابانيّ، كما أنها تقدّم رؤية "اركادية" مثالية وتوصل إحساسا بالخلود.
توفي الرسّام في باريس عام 1910 عن ثلاثة وخمسين عاما متأثّرا بإصابته بمرض السرطان.