Monday, October 31, 2011

لوحات عالميـة – 299

بورتـريه ثلاثـي للكاردينـال ريشيليـو
للفنان الفرنسي فيليـب دو شامبـين، 1662


رسْم صور لزعماء وقادة الدول هو احد التقاليد القديمة في الرسم. ومع مرور الوقت أصبح رسم الوزراء والمسئولين الآخرين، خاصّة في أنظمة الحكم المطلق، من الأمور الشائعة والمألوفة.
هذا البورتريه رسمه فيليب دو شامبين للكاردينال ريشيليو الذي يُعتبر احد أهمّ الشخصيات المتنفّذة التي لعبت دورا مهمّا زمن حكم الملك الفرنسي لويس الثالث عشر. وقد ازدادت حظوظ عائلة الكاردينال وأصبحت في عداد الأسر النبيلة بعد أن تبوّأ عدد من أفرادها مناصب مرموقة في عهود ملوك فرنسا المتعاقبين. وبفضل علاقة ريشيليو الوثيقة بـ ماري دي ميديتشي والدة الملك لويس الثالث عشر، عُيّن الكاردينال وزير دولة للشئون الخارجية في العام 1616م. ثم لم يلبث أن رُقّي إلى منصب رئيس وزراء فرنسا.
في ذلك الوقت، كانت قبضة الملك على مقاليد الحكم في فرنسا قد بدأت تتضعضع وتهتزّ. وأصبح نظام الحكم مهدّدا بالخطر. كانت فرنسا وقتها تعاني من استشراء فساد الساسة وتغوّل النبلاء، بالإضافة إلى عامل ثالث تمثّل في ازدياد نفوذ البروتستانت المتشدّدين المسمّين بـ الايغونيين.
كان لويس بحاجة ماسّة إلى رجل يعينه على تعزيز سلطته وتأكيد حكمه. وقد وجد ضالّته في الكاردينال الذي عمل منذ البداية على تدعيم سلطة الملك من خلال استخدام القوّة المفرطة والعنف السياسي. ولم تمض أربع سنوات حتى كان ريشيليو قد سحق تمرّد البروتستانت وقمع النبلاء بعنف بعد اكتشاف مخطّطهم للتآمر على الملك. ثم بادر إلى استبدال خصوم الملك في الحكومة بأشخاص موالين ووسّع صلاحياته في الأقاليم من خلال تنصيب وكلاء للملك على شئونها.
في اللوحة يظهر الكاردينال بثلاثة وجوه متماثلة، الأوّل، في الوسط، يواجه الناظر مباشرة. وإلى يمين اللوحة ويسارها يظهر الوجهان الآخران متناظرين جانبيا. الهيئة الدينية للكاردينال تتوافق مع أفكاره المتقشّفة وتشير ضمنا إلى موقفه الطهراني من المنصب الرسمي. العباءة التي تتخذ شكل مثلّث من الألوان الأبيض والأزرق والأحمر تغطّي جسمه بالكامل ولا تستثني حتى يديه. الملمح الأهمّ في اللوحة هو وجه الكاردينال الصغير الشاحب. ملامحه تعبّر عن قوّة الإرادة والحزم رغم ما يبدو عليه من علامات التعب والإرهاق بسبب سنوات الخدمة الطويلة.
عندما باشر ريشيليو مهامّ منصبه، أصرّ منذ البداية على أن يطبّق القانون بقسوة كي لا تفلت الأمور عن السيطرة وتفقد الدولة هيبتها. كان في طريقة حكمه يعتمد على مزيج من العقل والإرادة واستخدام السلطة السياسية بفاعلية. ولم يتوانَ عن فرض عقوبات مشدّدة حتى على الجرائم والتجاوزات الصغيرة. كان الكاردينال يؤمن بالحقّ الإلهي للملك الذي يكفل له استخدام ما يراه من وسائل مناسبة من اجل فرض السلام والنظام على سائر أفراد المجتمع. كما كان يؤمن بأن الغاية تبرّر الوسيلة وبأن الدولة تعلو على جميع ما عداها وأن الدين ليس سوى أداة لخدمة السياسة.
الرسّام دو شامبين ولد في بروكسل لعائلة فقيرة تعود أصولها إلى الفلاندرز. وفي عام 1621 ذهب إلى باريس حيث عمل لبعض الوقت مع الرسّام نيكولا بوسان. ثم انتُدب مع آخرين لمهمّة تزيين قصر اللوكسمبور التابع للملكة الأم ماري دي ميديتشي. وفي ما بعد عيّنه الملك لويس الثالث عشر رسّاما للبلاط. وبحكم منصبه الجديد، أصبح على صلة وثيقة أيضا بالكاردينال ريشيليو الذي رسم له هذه اللوحة التي يتذكّره الناس بها إلى اليوم. وقد أرسلت اللوحة إلى النحّات فرانشيسكو موتشي في روما كي يصنع على منوالها تمثالا نصفيا للكاردينال.
كان ريشيليو، رغم حزمه وبطشه، محطّ إعجاب الكثير من المؤرّخين لذكائه وإخلاصه الوطني. فقد نجح في إحداث إصلاحات جذرية في البنية الأساسية للحكم. وأصبحت فرنسا في عهده أقوى بلد في أوربّا. وبالإضافة إلى دعمه للبحرية الفرنسية وتوسيعه للمستعمرات في أفريقيا والكاريبي، عُرف عنه أيضا احتضانه وتشجيعه للآداب والفنون. فأعاد بناء جامعة السوربون ودعم الكتّاب الواعدين وأنشأ الأكاديمية الفرنسية للفنون. بل إن بعض المؤّرخين الفرنسيين يصفونه بأنه مؤسّس الوحدة الفرنسية والرجل الذي خلّص فرنسا من طبيعتها القروسطية. خلفية الكاردينال الاجتماعية دفعته إلى مناصرة الأفكار السياسية للبورجوازيين. غير انه في الوقت نفسه عمد إلى نزع الكثير من امتيازاتهم مقابل تثبيت مركزية الدولة وتعزيز هيبتها.
ترى هل أراد الرسّام بهذه الصورة الثلاثية الإيحاء بأن للكاردينال ثلاث شخصيات قد تبدو للناظر منفصلة عن بعضها، لكنها في الواقع مترابطة وكلّ منها تكمّل الأخرى؟ بناء اللوحة على هذا النحو يذكّر بإحدى نظريات علم النفس التي تتحدّث عن انقسام الأنا، أي الحالة التي يكون فيها الشخص المنعزل والنرجسي منهمكا في حوار داخلي واستكشافي مع الذات.
المعروف أن فكرة البورتريه الثلاثي ظهرت أوّل ما ظهرت خلال عصر النهضة الايطالي. في لوحته بعنوان صورة مجازية للفطنة، يرسم تيشيان وجوها لثلاثة أشخاص في ثلاثة اتجاهات مختلفة. وأسفل منها ثلاثة وجوه لأسد وذئب وكلب. وفي أعلى اللوحة تظهر عبارة تقول: من الماضي يستمدّ الإنسان الحكمة في الحاضر كي يتجنّب أخطاء المستقبل". ربّما يكون هذا شعار ريشيليو نفسه الذي عُرف عنه حرصه على موازنة الاحتمالات وقياس الظروف قبل الإقدام على أيّ خطوة أو قرار. الفنّان انطوني فان دايك رسم، هو الآخر، بورتريها ثلاثيا مشهورا للملك الانجليزي تشارلز الأوّل. كما رسم الفنان الأمريكي غيلبيرت ستيوارت بورتريها ثلاثيا لـ اليزابيث بونابرت.
أسلوب دو شامبين في هذه اللوحة وفي غيرها يعكس واقعية روبنز الفاقعة في تعامله مع الألوان وفي طريقة تمثيل الملابس المنسدلة، ما يذكّر بالتماثيل الرومانية القديمة. وقد عُرف عنه غزارة إنتاجه. لكن أقوى أعماله هي البورتريهات التي رسمها لمعاصريه والتي مزج فيها بين عدّة عناصر فلمنكية وفرنسية وايطالية.
وقد أصبح فيليب دو شامبين في ما بعد عضوا مؤسّسا في الأكاديمية الفرنسية للفنون ثم أستاذا فيها. وتحت تأثّره بالمذهب الكاثوليكي المعروف بـ الجانسينية، استقال من وظيفة البلاط وكرّس كلّ وقته لرسم بورتريهات لرموز هذا المذهب. واستمرّ يفعل ذلك حتى وفاته في باريس عام 1674م.

Wednesday, October 26, 2011

لوحات عالميـة – 298

المُـلهِمـات
للفنان الفرنسي موريـس دونيـه، 1893


في نهايات القرن قبل الماضي، ظهرت في فرنسا حركة فنّية جديدة أطلق رموزها على أنفسهم اسم الأنبياء. وقد اختاروا هذا الاسم لأنهم كانوا يطمحون أن يأتوا بأشكال جديدة من الرسم والتعبير. كان موريس دونيه مؤسّس هذه الجماعة. وكان من أعضائها البارزين كلّ من ادوار فويار وبيير بونار.
كانت حركة الأنبياء تدعو إلى ربط الفنّ بالحياة والى المزاوجة المثالية بين الفنون البصرية والموسيقى والشعر والمسرح. وكانوا يولون اهتماما كبيرا بالألوان. كانوا، مثلا، يرون أن أهمّ جزء في اللوحة هو السطح المغطّى بمجموعة منظمّة من الألوان بما تثيره من إيقاع وتعبيرية وانفعال.
وفي مقابل اهتمامهم بالألوان وبساطة الأشكال وتوظيف الطبيعة للتعبير عن الحالات الانفعالية المختلفة، كان رموز هذه الحركة يغفلون المنظور وينكرون واقعية أواخر القرن التاسع عشر ويؤكّدون على ضرورة إلغاء الفوارق الفاصلة بين الرسم والزخرفة. ولهذا السبب ادخلوا الفنون الزخرفية على لوحاتهم ووظّفوا التطريز والأرابيسك وأسلوب الرسم الياباني في أعمالهم.
موريس دونيه كان أشهر رموز هذه الجماعة وأغزرهم إنتاجا وأكثرهم تأثيرا. وأهمية دونيه تتجاوز الرسم. فقد كان أيضا ناقدا ومنظّرا، وترك العديد من الكتابات التي تتناول وظيفة الرسم ودوره في المجتمع وفي الحياة.
كانت الجماعة تؤمن بقوّة الفنّ وقدرته على تغيير العالم. وكانوا يرون أن الفنّ لا يجب أن يكون واقعيا بل أداة ووسيلة للتعبير عن العاطفة والمزاج. كما كانت تكثر في رسوماتهم الرؤى التي تتحدّث عن السلام والهدوء والطمأنينة، كما لو أنها وسيلة للهرب من صخب وتشوّش الحياة المدنية الحديثة.
في هذه اللوحة، يرسم موريس دونيه موضوعا من الأدب الإغريقي، ولكن في سياق معاصر. ومن الملاحظ انه أعطى ملامح زوجته للملهمات الثلاث الرئيسيات اللاتي يظهرن في مقدّمة اللوحة ويرمزن للحبّ والدين والفنّ. وقد حدّد لكلّ منهنّ هيئة تناسب نوع الإلهام الذي يرتبط بها. كما رسم ملهمات أخريات وهنّ واقفات بين الأشجار.
اللوحة تغلب عليها الألوان الحمراء والصفراء والخضراء. وأرضية الحديقة تبدو زخارفها مثل سجّادة فارسية، بينما تكتسي أوراق الأشجار، هي الأخرى، طابعا زخرفيّاً.
كانت زوجة الرسّام، واسمها مارثا مورييه، حبيبته وملهمته. كانت، مثله، امرأة متديّنة. وكان يقول إن الله اختارها كي تهديه وتلهمه في الرسم. وقد ظهرت في العديد من لوحاته ورسمها في حالات وأوضاع مختلفة.
الظهور المتكرّر لـ مارثا في رسومات دونيه هو إعلان من طرفه بحبّه الكبير لها. وقد رسمها دائما بوجه هادئ وملامح وقورة. وهي في فنّه الأميرة والعذراء والمرأة النائمة في غابة سحرية. كان ذوقهما واحدا في الموسيقى والشعر. وهي كانت أيضا عازفة بيانو موهوبة. وكان من أصدقائهما كلّ من الموسيقيّ كلود ديبوسي ومالارميه وبول فاليري واندريه جيد. وقد ذهب دونيه بمعيّة الأخير عام 1895 إلى ايطاليا واطّلع على جمال روما. كما زار توسكاني وتأثّر بألوان وأضواء الريف الايطالي وبُهر بلوحات رافائيل ومايكل انجيلو.
وشكّلت تلك الزيارة بداية النهاية لـ الأنبياء. وأصبح دونيه يتبنّى أسلوبا أكثر كلاسيكية ثم لم يلبث أن فقد معظم جاذبيّته المبكّرة.
في لوحات دونيه صمت يثير التأمّل وحضور يذكّر بأجواء اركاديا، حيث المكان يوفّر للإنسان مهربا من مخاوف العالم الخارجي. كان الرسّام يعتقد أن للون والخط والشكل خصائص موسيقية وأنها يمكن أن توصل إحساسا بالإيقاع والتناغم. وقد استخدم هذه الأفكار في رسم لوحاته.
وهناك في أعماله ميزة أخرى تتمثّل في طابعها الديكوري والهادئ والبسيط. وهذه هي السمات التي كان يراها في لوحات بيير بوفي دو شافان الذي كان معجبا بأعماله وبأسلوبه.
في إحدى لوحاته المشهورة الأخرى، يرسم دونيه أسطورة اورفيوس ويوريديسي كي يصوّر من خلالها القوّة العظيمة للموسيقى والشعر وتأثيرهما على الطبيعة والإنسان. ومن أعماله الأخرى المعروفة أيضا سلسلة من أربع لوحات تتحدّث عن الفصول. لكن يمكن اعتبار اللوحات الأربع دراسة رمزية عن أربع لحظات مهمّة في حياة المرأة.
ولد موريس دونيه في النورماندي عام 1870م لعائلة ثريّة. أي انه يوفّر حالة نقيضة لنموذج الفنّان الفقير أو الجائع مثل فان غوخ أو بيكاسو. وقد تمتّع بدعم عائلته. بل واستطاع من خلال ريع لوحاته أن يعيل زوجته وأطفالهما الخمسة.
في سنّ الثالثة عشرة تلقى الفنّان دروسا في الرسم. كما كان يواظب على زيارة متاحف باريس، وخاصّة اللوفر. كان دونيه منذ صغره إنسانا متديّنا وعلى شيء من التصوّف. وكان من عادته أن يضفي على لوحاته بعدا روحيا. وأعماله المبكّرة تمتلئ بصور لنساء بوجوه بيضاء شاحبة يمشين في الغابات المقدّسة أو يلتقطن الأزهار والفواكه. كان دونيه يعتقد أن مهمّته تقديم الأفكار المثالية عن الله وعن الحبّ والعاطفة وتحويل كلّ شيء في الحياة اليومية إلى أعمال تضجّ بجمال غير عاديّ.
المعروف أن موريس دونيه عاش في فترة مضطربة من تاريخ فرنسا. وعاصر حربين عالميتين. وكان الطلب على لوحاته كبيرا، خاصّة في فترة ما بين الحربين الأولى والثانية.
وقد استمرّ يرسم حتى يوم وفاته في نوفمبر من عام 1943م متأثّرا بجروح أصيب بها إثر تعرّضه لحادث سيّارة في باريس.
وفي العام 1980 تمّ افتتاح متحف يحمل اسمه ويضمّ معظم أعماله.

Wednesday, October 19, 2011

لوحات عالميـة – 297

بورتـريه اليزابيـتا مارتيـنوفا (أو سيّدة بفستان ازرق)
للفنان الروسي كونستنـتين سومـوف، 1900


دخلت هذه اللوحة تاريخ الرسم الروسي باسم السيّدة ذات الفستان الأزرق وأصبحت احد أكثر الأعمال الفنّية الروسية نجاحا في نهاية القرن التاسع عشر. وقد رسمها الفنّان كي يجسّد من خلالها نظرته عن كلّ ما هو سامٍ وشاعري في الحياة اليومية.
كونستنتين سوموف يحتلّ مكانة بارزة في الرسم الروسي. وقد ظلّ طوال حياته يعكس عالمه الخاصّ في أعماله. وكان يضع شخصيّات لوحاته في أزمنة وأحياء سانت بطرسبيرغ القديمة.
عاش سوموف وعمل في زمن صعب ومليء بالتناقضات. في ذلك الوقت، كانت كثير من الأفكار الاجتماعية قد أصبحت متقادمة. وكانت هناك أفكار وقيم جديدة في طور التشكّل.
الرسّامون الروس آنذاك كانوا منجذبين إلى فكرة رسم لوحات تصوّر حالات من التأمّل الحزين. وكانت تلك الرسومات تعكس خيبة أمل الفنّانين والمثقّفين وقتها واستياءهم من الحياة البورجوازية وتكالب الأفراد على جمع الثروة بأيّ وسيلة. وكان هناك سبب آخر للحزن، وهو إحساس الفنّان والمثقّف بأن تحقيق السلام على مستوى الفرد والمجتمع أمر لا يمكن تحقيقه أو بلوغه. وإذن، لا حلّ سوى الهرب من العالم المادّي إلى عالم الأحلام والرؤى المثالية.
ومن الواضح أن سوموف، أيضا، لم يكن سعيدا بزمنه. كان من تلك النوعية من المبدعين الذين يفضّلون الانفصال عن واقعهم بسبب عدم رضاهم عنه أو انسجامهم معه، لكنهم لا يتبنّون مواقف ثورية لتغيير الواقع، بل ينصرفون بكليّتهم إلى الطبيعة فيغرقون في عالمها الساحر والأنيق.
ولهذا السبب قرّر سوموف أن يعود مائة سنة إلى الوراء وأن يعبّر عن أفكاره وتصورّاته الطوباوية في لوحات تستمدّ أجواءها وتفاصيلها من الماضي.
ومن اجل هذه الغاية عكف على دراسة الموسيقى والشعر والنثر والفنّ الذي كان سائدا في القرن الثامن عشر. ووجد في موسيقى غلوك وموزارت احد مصادر إلهامه.
والعديد من رسوماته تصوّر شوارع داكنة وسماوات مظلمة وقطع أثاث من الطراز القديم. ومع ذلك يمكن القول أن سوموف هو الأقرب إلينا اليوم من أي رسّام آخر ممّن عاصروه.
في هذه اللوحة يرسم سوموف اليزابيتا مارتينوفا زميلته في كلّية الفنون الجميلة. وقد رسمها وهي ترتدي فستانا ازرق قديما وتمسك بيدها كتابا، قد يكون رواية أو ديوان شعر، بينما تقف عند طرف حديقة غنّاء. ثم قرن الرسّام المشهد بصورة من عالم الموسيقى على هيئة عازفَين، رجل وامرأة، يظهران في الخلفية.
مارتينوفا تبدو وحيدة في هذه الحديقة. عيناها تنطقان بالحزن فيما الأشجار تحجبها عن بقيّة العالم. حركة يدها اليسرى المضمومة إلى صدرها توحي باليأس والضعف. الوقت مساءً كما يوحي بذلك منظر الغيوم الحمراء الخفيفة في السماء والسطح الداكن لماء البحيرة.
جوّ اللوحة يذكّر بمقاطع بعض الأفلام التي تصوّر أشخاصا يجلسون على المقاعد ويعزفون الموسيقى، لا لإثارة البهجة والمرح وإنما لتعميق الإحساس بالوحدة والحزن.
الرجل والمرأة اللذان يعرفان الموسيقى في الخلفية قد يكونان رمزين لروحي الرسّام وموديله اللذين يرتبطان في الأحلام لكنهما غريبان عن بعضهما في عالم الواقع.
لا تتوفّر سوى معلومات قليلة عن حياة هذه المرأة. لكن الثابت أنها ولدت عام 1868 لعائلة كان أفرادها يعملون في الطبّ. كانت عندما رسمها سوموف مريضة بالسلّ. ورغم مرضها، كانت تحبّ الرسم وتحلم بالشهرة والنجاح. وعندما تخرّجت من أكاديمية الفنون أصبحت من النساء الأوائل اللاتي اشتغلن بالرسم.
كانت اليزابيتا مارتينوفا تحلم بمستقبل عظيم. لكنّها توفّيت قبل أن تحقّق أيّا من أحلامها. ويرجّح أنها توفّيت بعد رسم اللوحة بخمس سنوات عن عمر لا يتجاوز الثلاثين عاما.
كلّ شيء تقريبا في هذه اللوحة هو تعبير عن الماضي: الفستان ذو اللون الأزرق الباهت، اللون الأصفر الخفيف الموظّف في اللوحة والمستمدّ من أساليب الرسّامين الكبار القدامى، وأشكال الأوراق الخضراء المأخوذة من الرسومات القديمة.
من الأشياء التي تلفت الانتباه في اللوحة بشكل خاص جمال وتناغم الألوان، والحركة المعبّرة لليدين المرسومتين بطريقة جميلة، والطريقة البارعة التي رسم بها الفنّان طيّات الفستان الثقيلة والمزيّنة بالدانتيل.
كان سوموف يعتقد أن الحياة ليست سوى مجرّد قناع للعدم. وكان يدرك بحزن عمق عزلته عن العالم من حوله. ولا بدّ وأنه كان يقدّر معاناة المرأة ويتعاطف معها. وقد استطاع أن يحوّل شعورها بالوحدة والمرض إلى نوع من الشعر.
ذات يوم، علمت اليزابيتا مارتينوفا أن سوموف يفكّر في بيع صورتها. فأرسلت إليه أن يأتيها. وعندما حضر أخبرته أنها لم تعد تنام بسبب اللوحة وما سبّبته لها من أفكار مشوّشة. ثم عاتبته على عزمه بيع اللوحة وقالت: لا يجب أن تبيع صورتي. لقد وقفت أمامك من أجلك ومن اجل الفنّ، وليس لكي تستكشف الحزن في عيني وفي حياتي. بإمكانك أن ترسمني ثانية، وأعدك بأن أحاول أن أبدو مبتسمة كي اقنع من يراني أنني انظر إلى الحياة بشكل مختلف. لا أريد هذه اللوحة، احتفظ بها لنفسك، احرقها، أو أعطني إيّاها إذا رغبت، أو امنحها للمتحف بلا مقابل".
وقد استجاب سوموف لطلب المرأة وعرض اللوحة على متحف تريتياكوف الذي اشتراها وبقي محتفظا بها إلى اليوم.
ولد كونستنتين سوموف في سانت بطرسبيرغ عام 1869م لعائلة من الرسّامين والموسيقيين. وكان منزل والده مزارا للعديد من الفنّانين والأدباء.
وقد درس الرسم على يد الفنّان الكبير ايليا ريبين. وفي العام 1897، غادر روسيا إلى باريس وقضى فيها عاما عاد بعده إلى سانت بطرسبيرغ. وبعد اندلاع الثورة الروسية، هاجر إلى الولايات المتحدة وأمضى فيها حوالي العام. لكن الاستقبال الفاتر الذي قوبل به هناك دفعه إلى الانتقال مرّة أخرى إلى فرنسا حيث عاش فيها السنوات العشر الأخيرة من حياته.
بعض لوحات سوموف الأخرى يصوّر فيها حفلات تنكّرية يظهر فيها سحرة ومهرّجون ورجال ونساء يرتدون الأقنعة، على نحو يذكّر بلوحات رسّام الروكوكو الفرنسي اونوريه فراغونار.
وإحدى أشهر لوحاته التي أنجزها في باريس كانت البورتريه الذي رسمه للموسيقي الروسي سيرغي رحمانينوف.

Tuesday, October 11, 2011

لوحات عالميـة – 296

كَمَـان وشمعـدان
للفنان الفرنسي جـورج بْرَاك، 1910


ترى، لو لم يختر الرسّام عنوانا لهذه اللوحة ذات اللون الأحادي، هل سيكون من السهل بالنسبة للناظر أن يتعرّف على طبيعة الأشياء المرسومة فيها؟
قد يقول قائل انه بشيء من التركيز والتمعّن في تفاصيل اللوحة يمكن رؤية شيء اقرب ما يكون لشكل آلة الكمان في الجزء السفلي الأيسر منها. أما الشمعدان فالأرجح أن لا ترى سوى بعض أجزائه المفكّكة والمتناثرة في منتصف اللوحة.
بعض النقّاد يرى في هذه اللوحة تجسيدا للسمات الديناميكية والحيوية التي طبعت التكعيبية التحليلية. وهي أسلوب فنّي ثوري ابتدعه كلّ من جورج بْرَاك وبابلو بيكاسو لتصوير أشياء ذات بعد ثلاثي على قماش مسطّح، دون استخدام المنظور التقليدي الذي كان معمولا به منذ عصر النهضة.
وهذا الأسلوب في الرسم ينحو باتجاه تكسير الأشياء وتجزئتها وتسطيحها ومن ثمّ إعادة بنائها من نقاط متعدّدة.
كان بْرَاك يرى أن هذا النوع من التجزئة يسهم في تقريب الأشياء أكثر. وهذه اللوحة تختصر هاجس الفنّان بشكل الأشياء، ورغبته في أن يخلق وهما في ذهن الملتقّي كي يتنقّل بحرّية داخل اللوحة.
عندما تنظر إلى هذه اللوحة لأوّل وهلة، قد يُخيّل إليك أنها تتحرّك. بْرَاك كان يرى أن الآلات الموسيقية تحتفظ بأهمية اكبر من حيث أنها تتحرّك وتتفاعل بمجرّد أن يلمسها الإنسان. ومثل الإيقاع والتجانس اللذين يميّزان حياة الآلات الموسيقية، فإن الحركة الديناميكية للمكان هي جوهر غنائية لوحات بْرَاك التكعيبية.
وفي اختياره لموضوع الكمان والشمعدان، يخبرنا بْرَاك انه يرسم وفق تقليد مألوف يستمدّ أصوله من رسوم الحياة الساكنة الهولندية والفرنسية. وبناءً عليه، فإن ما نراه ليس تمثيلا وهميا لكمان وشمعدان، لأنه بالإمكان أن نرى في تفاصيل اللوحة بعض المؤشّرات أو العلامات الدالّة على وجودهما.
وفي تمثيله للآلة الموسيقية على وجه الخصوص، يُلاحظ أن الرسّام استخدم خطوطا تجريدية، لكنها واضحة بما يكفي ودونما حاجة للعنوان، لأن نفهم أنها تشير إلى جانبي جسم آلة الكمان. كأن الرسّام يجرّب إلى أيّ مدى يمكن للخطوط والأشكال التجريدية أن تمثل الأشياء وتقرّبها من ذهن المتلقّي.
ظهرت التكعيبية كأسلوب مميّز ومؤثّر من أساليب الفنون البصرية في باريس في الفترة ما بين عامي 1907 و 1914م. وكان هذا الأسلوب يمثّل ثورة وفي نفس الوقت قطيعة مع أساليب الرسم التقليدية المعروفة.
وهناك اتفاق بين مؤرّخي الفنّ على أن بابلو بيكاسو وجورج بْرَاك هما الأبوان المؤسّسان للتكعيبية. لكن كان هناك رسّامون آخرون دفعوا بالحركة قُدُماً، مثل فيرناند ليجيه وسونيا ديلوناي وخوان غْرِيس ومارسيل دُوشان.
الناقد الفنّي الفرنسي لوي فوسيل كان أوّل من استخدم مصطلح التكعيبية عام 1908 عندما رأى لوحة لـ بْرَاك ووصفها بأنها "مكعّبات غريبة". وسرعان ما انتشر المصطلح على نطاق واسع، رغم انه لم يرق كثيرا لـ بيكاسو وبْرَاك.
وفي ما بعد، وصف مؤرّخ آخر التكعيبية بأنها "المحاولة الأكثر تطرّفا للقضاء على الغموض وفرض قراءة واحدة للصورة".
وقد رفض الرسّامون التكعيبيون التمسّك بالمنظور. كما نحّوا جانبا القاعدة القديمة التي تقول إن الفنّ يجب أن يحاكي الحياة وفضّلوا عليها تمثيل الأشخاص والأشياء بطريقة مجزّأة.
بْرَاك كان دائما معجبا بالشكل والثبات. ولوحاته تختصر هدف التكعيبية الأساسي، وهو تمثيل العالم كما يُرى من وجهات نظر مختلفة ومن زوايا متعدّدة.
ولد جورج بْرَاك في ارجنتويل في مايو من عام 1882. وقد تعرّف منذ صغره على الألوان وأدوات الرسم في متجر والده. وفيما بعد تلقّى بعض الدروس في أكاديمية الفنون.
وعندما انتقل إلى باريس، عمل مع احد رسّامي الديكور واستمرّ في تلقي دروس خاصّة في الرسم. وفي عام 1907 قابل بابلو بيكاسو أثناء عمل الأخير على لوحته المشهورة آنسات أفينيون. ومنذ ذلك الحين ربطت الاثنين صداقة وثيقة. ويقال أنهما ابتكرا التكعيبية في الرسم عندما كانا يلاحظان عن قرب بعض لوحات بول سيزان.
وقد بدأ الاثنان رحلتهما مع التكعيبية باستخدام ألوان محايدة وأنماط هندسية معقّدة. ثم بدأ بْرَاك يوظّف الكولاج في أعماله باستخدام أشياء متنوّعة من الحياة اليومية مثل الصحف والحبال والورق والزجاج والنسيج وخلافه.
خدم جورج بْرَاك كجندي في الجيش الفرنسي أثناء الحرب العالمية الأولى. وعانى وقتها من إصابة بالغة في الرأس تلتها فترة نقاهة طويلة. ثم عاد إلى الرسم مرة أخرى عام 1917م. لكنه لم يلبث أن انفصل عن التكعيبية وأصبح يميل أكثر إلى التجريب في محاولة لاكتشاف أساليب فنّية جديدة.
وقد توفّي الرسّام في باريس في أغسطس من عام 1963 ودُفن في إحدى كنائس النورماندي. وأعماله موجودة اليوم في العديد من المتاحف العالمية المشهورة.

Wednesday, October 05, 2011

لوحات عالميـة - 295

مارليـن الفيـروزيـة
للفنان الأمـريكي انـدي وارهــول، 1964


كانت مارلين مونرو "واسمها الأصلي نورما جين بيكر" قد أصبحت اسما مشهورا ومعروفا في عالم هوليوود في خمسينات القرن الماضي. غير أنها سرعان ما تحوّلت إلى أسطورة بعد أن أقدمت على الانتحار في أغسطس من عام 1962م.
الصورة التي كانت منطبعة في أذهان الكثيرين عن مونرو هي صورة امرأة شقراء ومثيرة. لكن بالنسبة لجمهورها ولوسائل الإعلام، بدا أن حياتها كانت سلسلة من المتاعب التي جرّتها عليها شهرتها وجمالها.
وبعد موتها، رسم لها اندي وارهول خمس لوحات اعتمادا على إحدى صورها الفوتوغرافية التي ظهرت بها في ملصق فيلمها المشهور "نياغارا". وفي جميع هذه اللوحات وظّف الرسّام نفس الصورة لكنّه استخدم لكلّ لوحة لوناً مختلفاً. وأطلق على كلّ واحدة اسما يوافق لونها الغالب، مثل مارلين الفضّية، ومارلين الذهبية، ومارلين الزهرية، ومارلين التركوازية أو الفيروزية، ومارلين الليمونية.
كان وارهول يدرك تأثير مارلين مونرو الكبير على هوليوود وعلى الثقافة الشعبية الأمريكية بشكل عام. لذا سعى جاهدا إلى التسامي بمكانتها من نجمة أو ممثّلة إلى أيقونة وإلهة لهوليوود. ومن خلال استنساخه صورة عادية يعرفها الملايين، أراد الرسّام تقويض صورة مونرو كرمز عام وتحويلها إلى منتج ثقافي وصورة تقبل الاستنساخ والتكرار إلى ما لا نهاية.
وجه مارلين مونرو في اللوحة يبدو ببشرة وردية وشفتين حمراوين وشعر أشقر على خلفية من اللون الفيروزي الداكن. لعبة الألوان غريبة هنا. اللون المكثّف في الخلفية يخلق جوّا عن عالم أو فضاء غير واقعي. شفتا المرأة وظلّ العين يبدوان غير متناسقين مع وجهها. الشعر لا يبدو طبيعيا بل اقرب لأن يكون شعرا مستعارا.
هل هذه إشارات ضمنية إلى أن ما نراه ليس هو الواقع أو أن الواقع يختلف عمّا نراه؟! من الواضح انه بسبب لوحات وارهول، ارتفعت مكانة مونرو وسطع نجمها أكثر. وقد كتب احد النقّاد ذات مرّة ملاحظة ذات مغزى عندما قال: ربّما كان وارهول يقدّس مارلين. لكنّه في لوحاته عنها يكشف عن صورتها العامّة باعتبارها ضربا من الوهم المشيّد بعناية".
ولد اندي وارهول في الولايات المتحدة عام 1928 لأبوين مهاجرين من ما يُعرف اليوم بـ سلوفاكيا. ولم يكن يتوفّر على أيّ نوع من التعليم. لكنّه كان فنّانا على طريقته الخاصّة. كانت أمّه تتابعه وتهتمّ به. وقد عاش إلى جوارها معظم حياته وكان يشاطرها حبّها الشديد للقطط.
وفي ما بعد درس في مدرسة الفنون الجميلة التابعة لمعهد كارنيغي. وتخرّج من المعهد وعمره عشرون عاما. ثم ذهب إلى نيويورك حيث عمل رسّاما في مجلات مثل فوغ وهاربرز بازار.
في لوحة مارلين الذهبية، يرسم وارهول الممثّلة على خلفية ذهبية، أي بنفس الطريقة التي كانت تُرسم بها العذراء في الأيقونات الدينية المسيحية. كأن الرسّام أراد أن يوحي بأن مونرو تحوّلت بعد موتها إلى مخلوق معبود ومقدّس. ولا بدّ وأنه كان يلاحظ إقبال النجوم الشباب على تمثّل نموذجها ومحاولة بلوغ نجاحها وملء الفراغ الذي تركته في عالم الفنّ.
في العام 1964، دخلت امرأة إلى محترف وارهول في مانهاتن والمسمّى "المصنع"، وصوّبت مسدّسا إلى رأسه. وأثناء محاولته تفادي الهجوم، طاشت رصاصة المسدّس لتخترق أربع لوحات من مجموعته عن مارلين مونرو كانت مكدّسة على أرضيّة الغرفة. ولم تكن "مارلين الفيروزية" من بين تلك اللوحات الأربع التي أصبحت تُسمّى "اللوحات المصوّبة". وقد تمّ إصلاح الضرر الذي لحق باللوحات وهي الآن بحالة جيّدة في إحدى المجموعات الفنية الخاصّة.
أسلوب اندي وارهول ولوحاته ذات الألوان الثقيلة والجامحة وطبيعة فهمه لوظيفة الفنّ كانت تشكّل تحدّيا للمشهد الفنّي المعاصر في ستّينات القرن الماضي. وقد اشتهر بعبارته المستفزّة التي تقول إن التجارة الجيّدة هي الفنّ الأفضل". وعندما رسم صور مارلين مونرو كان قد أصبح رمزا ثقافيا مهمّا. وقد اشتهر بتعليقاته وآرائه عن المجتمعات المعاصرة، خاصة الإعلام الجماهيري.
في العام 2007، اشترى لوحة "مارلين الفيروزية" جامع التحف الأمريكي ستيف كوهين بمبلغ ثمانين مليون دولار. وكانت لوحة أخرى لـ وارهول بعنوان "سيارة خضراء محترقة" قد بيعت قبل ذلك بمبلغ اثنين وسبعين مليون دولار.
والحقيقة انه ما من رسّام ارتبط اسمه بالفنّ الشعبي أو "البوب آرت" مثل وارهول. وهو أوّل رسّام تمكّن من إزالة الفوارق بين الفنون التشكيلية والفنون التجارية التي تُستخدم في الرسوم التوضيحية للمجلات والكتب الهزلية وألبومات الموسيقى والحملات الإعلانية والدعائية.
كان وارهول يستخفّ بوجهة النظر التقليدية حول ما يمكن أن يُعتبر مواضيع مناسبة في الفنّ. ولعلّ ابلغ ما يلخّص فلسفته الفنّية هو قوله: لو فكّر الإنسان مليّاً، فسيكتشف أن ثمّة أوجه شبه كبيرة بين مراكز التسوّق أو المحلات التجارية الكبيرة والمتاحف". كان وارهول ينتزع الصورة من سياقها ويجرّدها من المعنى، بحيث يسمح للمتلقّي بأن يعيد التفكير في رموزها ودلالاتها.
بعض النقّاد يأخذون على لوحاته طابعها الميكانيكي الذي لا يذكّر بالرسم. وبعضهم يسمّون فنّه "اللا فنّ". ومع ذلك أصبح وارهول أيقونة لعصره. كان شخصا موهوبا ومتعدّد الاهتمامات. فإلى جانب الرسم، عمل الفنّان في صناعة الأفلام والنشر وفي التصوير الفوتوغرافي. كما كان أيضا رجل أعمال ومعلّقا اجتماعيا بارزا.
في مطلع الستّينات أسّس وارهول محترفه الذي اسماه "المصنع"، وكرّسه لإنتاج كمّيات كبيرة من الطبعات والصور والبوسترات التي كان يرسمها. ثم أعلن انه لن يعتمد في الإنتاج على ما يصنعه بيده بل سيترك تلك المهمّة للآلات والمكائن، وبذا فجّر ثورة في الفنّ وأصبح عمله رائجا جدّا ومثيرا للجدل بنفس الوقت.
اللوحات التي رسمها وارهول لـ مارلين مونرو لم تقنع الكثيرين بأن هذه هي صورة النجمة فعلا. وهذا بدوره أفسح المجال للكثير من النظريات النفسية التي تحدّث بعضها عن قلق الخصي السيكولوجي عند الرسّام وفقدانه للقوّة الذكورية.
ومهما يكن من أمر، فإن ممّا لا يمكن نكرانه أن اندي وارهول كان احد الرسّامين الأكثر تميّزا ونفوذا في القرن العشرين. أثناء حياته، كان إنسانا متواضعا وخجولا. وكان مدمنا على العمل ليلا ونهارا على الرغم من مرضه. فقد كان يعاني من متلازمة أعراض سايدمان، وهو مرض يصيب الشخص في طفولته. ومن أعراضه قلّة انتظام الحركة والتعب الجسدي والمعاناة من آلام الروماتيزم المزمنة.
الجانب المظلم من اندي وارهول هو سلسلة لوحاته بعنوان "الموت والكارثة". وقد رسم تلك اللوحات في فترة عانى خلالها من بعض المآسي الشخصية، مثل حادث سيّارة نجا منه بأعجوبة ومحاولته الفاشلة الانتحار.
توفّي اندي وارهول في مدينة نيويورك في فبراير عام 1987م إثر إصابته بأزمة قلبية بعد أن عانى من مضاعفات عملية سبق وأن خضع لها في المثانة. وقد وُضع جثمانه في تابوت مطليّ بالذهب، ودُفن ببدلته الكشمير السوداء ونظّاراته الشمسية وباروكته الفضّية الشهيرة، بالإضافة إلى زجاجة من عطره المفضّل.

Wednesday, September 28, 2011

لوحات عالميـة - 294

قيـلـولـة
للفنان الهولندي فنسنـت فــان غــوخ، 1890


رسم فان غوخ هذه اللوحة بعد أن اُدخل إحدى المصحّات النفسية في سان ريمي. وعلى الرغم من جوّ اللوحة الهادئ، إلا أنها تشعّ بذلك التوتّر الذي يطبع أعمال فان غوخ عادةّ.
واللوحة هي واحدة من ثلاثين لوحة اختار الفنّان أن يستنسخها عن رسّامين آخرين. كان فان غوخ وهو في المصحّة يتأمّل ماضيه فلا يجد فيه سوى القليل من السعادة. وكان يحاول جاهدا البحث عن مواضيع للرسم توفّر عليه مشقّة الخروج إلى الطبيعة في ذروة فصل الشتاء القارس.
وقد وجد أخيرا بعض السلوى في أعمال رسّاميه المفضّلين الذين قرّر أن يعيد رسم بعض لوحاتهم. وأكثر اللوحات التي رسمها كانت لـ جان فرانسوا ميليه الذي كان فان غوخ معجبا به ولطالما اعتبره فنّانا حديثا أكثر من مانيه.
في هذه اللوحة ينسج فان غوخ على منوال ميليه في إحدى لوحاته، فيرسم زوجين نائمين في احد الحقول وقت القيلولة. زوج الأحذية المخلوعة والمنجلان الموضوعان جنبا إلى جنب هي تذكير بوقت الراحة بعد يوم حافل بالجهد والتعب. تنظر إلى جوّ اللوحة فتتذكّر بيئة الفلاحين وما يرتبط بها من حرارة الشمس اللاهبة والعمل البدني المضني والإحساس بالإرهاق والتعب.
اللوحة تتضمّن أيضا مجموعة من الثنائيات: الزوجان "أي الرجل والمرأة"، الحذاءان، كومتا القشّ والمنجلان. المنظر هادئ إجمالا ويخلو من أيّ توتّر. والسماء الزرقاء تعمّق الإحساس بهذه الحالة من الصفاء والسكينة.
الرسّام وظّف هنا الألوان الزرقاء والبنفسجية والبرتقالية والصفراء. كما استخدم ضربات فرشاة فضفاضة في المقدّمة كي يكرّس المزاج المسترخي في هذه اللوحة الغنائية.
وعندما تتأمّل التفاصيل الهادئة في الصورة، لا يمكن أن يخطر ببالك أن من رسمها سيقدم على قتل نفسه بعد أشهر قليلة من إتمامها.
جان فرانسوا ميليه كان معروفا برسم مناظر الطبيعة التي تصوّر الريف الفرنسي في سبعينات القرن التاسع عشر. وخلافا لـ فان جوخ، حقّق ميليه نجاحا ملحوظا خلال مسيرته الفنّية. وكان محظوظا بما فيه الكفاية عندما رأى الناس والجمهور يعترفون بموهبته ويقدّرون أعماله وهو ما يزال على قيد الحياة.
خلفية جان فرانسوا ميليه الاجتماعية المتواضعة كان لها تأثير كبير على طبيعة مواضيعه. كان كثيرا ما يقول: لقد ولدت فلاحا وسأموت فلاحا". لكن بعد أن أصاب بعض النجاح تغيّرت أفكاره وأصبح يقدّر مزايا وايجابيات الحياة المرفّهة والمريحة. وقد أودع في لوحاته تعاطفه الكبير مع الفلاحين عندما صوّرهم وهم يجهدون في زراعة الأرض ورعايتها لتأمين لقمة عيشهم.
فان غوخ، هو الآخر، كان يحترم الطبقات الكادحة ويتعاطف معها. لوحاته التي رسمها في هولندا كانت تصوّر فلاحين ونسّاجين وغيرهم من فئات المجتمع البسيطة. وكان يبدو في أحسن حالاته عندما يشاركهم حياتهم وتجاربهم. كان، مثل ميليه، يراهم أناسا نبلاء حقّاً وعَكَس هذا الانطباع في رسوماته.
الجدير بالذكر أن فان جوخ درس أعمال ميليه في وقت مبكّر. وقد ساعدته دراسته تلك على معرفة أساليب التعامل مع الطلاء والألوان. ولا أدلّ على افتتانه بـ ميليه من قوله في إحدى رسائله إلى شقيقه ثيو: ميليه هو الأب والمرشد لجميع الرسّامين الشباب". غير أن تأثير ميليه عليه بدأ يتناقص عندما أصبح فان غوخ يخالط رموز مجتمع الفنّ الحديث في باريس مثل غوغان وبيسارو وتولوز لوتريك وغيرهم. لكن انجذابه للريف لم يتلاشَ تماما. فلوحاته عن المحاصيل والحقول المشمسة في آرل تبدو دافئة وذات حضور كبير.
اللوحات التي استنسخها فان غوخ لآخرين حرص فيها على أن لا يتمسّك بالتفاصيل، بل غيّر فيها وبدّل في محاولة لأن يترجمها من منظوره هو من خلال التكنيك والألوان.
وقد فعل نفس الشيء تقريبا وهو يرسم هذه اللوحة، على الرغم من انه بقي وفيّا للتوليف الأصلي وحافظ على تفاصيل الحياة الساكنة في المقدّمة.
في احدى رسائله، يخبر شقيقه عن أمر هذه الصور التي استنسخها قائلا: لقد بدأت في رسمها عن غير قصد. وأنا الآن ارتجل الألوان وأعيد تشكيل ما أراه. الشخص الذي يعزف موسيقى بيتهوفن يضيف إليها رؤيته وتفسيره وإحساسه الشخصي. وهذا ما افعله. لقد تعلّمت من هذه التجربة أشياء. كما أنها تمنحني بعض الراحة والسلوان. الفرشاة تتحرّك الآن بين أصابعي مثلما تتحرّك الريشة على آلة الكمان. وهذا مبعث سرور عظيم لي".
عمل فان غوخ في مستهلّ حياته واعظا بأحد الأديرة. ولما اتضحت موهبته في الرسم بدأ برسم الفقراء الذين كانوا يأتون إلى الدير لسماع خطبه.
وعلى الرغم من انه لم يبدأ الرسم إلا في آخر عشر سنوات من حياته، إلا أنه كان غزير الإنتاج وترك ما لا يقلّ عن سبعمائة لوحة، عدا عن مئات الرسومات والاسكتشات.
كان فان غوخ إنسانا يائسا وذا مزاج متقلّب وعنيف دفعه في النهاية لأن يقدم على الانتحار. ورغم انه توفّي وعمره لا يتجاوز السابعة والثلاثين، إلا انه أصبح بعد وفاته احد النجوم الكبار في سماء الفنّ الحديث.