الأميرة فالانتينا تبكي موت زوجها دوق اورليون
للفنان الفرنسي فرانسـوا فلوريه ريشـار
يقال أحيانا أن الأعمال الفنية التي تتناول حالة إنسانية أو تتضمّن عنصرا له علاقة بالتاريخ أو الهويّة الوطنية هي التي يُكتب لها البقاء أكثر من غيرها.
وهذه اللوحة تشتمل علىّ كل هذه العناصر الثلاثة معا.
فهي من ناحية تصوّر حالة إنسانية خاصّة. كما أن لموضوعها علاقة بحدث سياسي وتاريخيّ مهمّ.
الأمر الآخر هو أن اللوحة نفسها جميلة وتروق للعين برغم موضوعها الحزين. كما أنها رُسمت بطريقة تنمّ عن براعة الرسّام ومهارته الفنّية العالية.
واللوحة تصور الأميرة فالانتينا فيسكونتي وهي تبكي زوجها دوق اورليون الذي قُتل على يد ابن عمه دوق بيرغندي في ذروة صراع الرجلين على السلطة في فرنسا مطلع القرن الخامس عشر.
في تلك الفترة كانت فرنسا تعيش أجواء اضطراب وتوتّر سياسي خطير نتيجة الصراع الطاحن على السلطة. فالملك شارل السادس مريض وعلى حافة الجنون نتيجة إصابته بالشيزوفرينيا. والقصر يعجّ بأخبار المؤامرات والدسائس والشائعات بين الخصمين الرئيسيين الطامحين في ملء الفراغ الذي تركه غياب الملك.
غير أن اخطر تلك الشائعات هو ما قيل عن وجود علاقة غرامية بين الملكة وزوج فالانتينا الذي هو بنفس الوقت شقيق الملك. وأيضا ما أشيع عن وجود علاقة غامضة بين فالانتينا نفسها والملك المريض.
وقد جلبت هذه الأخبار غضب الملكة فامتلأ قلبها غيظا وحنقا على الأميرة، وبلغ حقدها ذروته عندما أمرت بطردها نهائيا من القصر ونفيها عن باريس.
هذه اللوحة تكشف عن حالة من حالات الضعف الإنساني وتصوّر الحزن بأجلى صورة. لكنها أيضا تعكس معاني الوفاء والإخلاص والعاطفة الصادقة والقويّة.
وقد اختار الرسّام أن يستحضر في هذا العمل بعض العناصر التي تذكّر بالعصور الوسطى مثل الديكور المستوحى من العمارة القوطية والنافذة ذات الزجاج المعشّق والأنيق. ونفس هذه النوعية من الزجاج تظهر أيضا في الجزء الذي يعلو الستارة حيث النوافذ الثلاث الدائرية الشكل والتي يظهر في الوسطى منها رسم لأفعى خضراء، في إشارة إلى شعار عائلة فيسكونتي الايطالية التي تنتسب إليها المرأة.
كانت نار العداوة على أشدّها بين زوج الأميرة وخصمه الطامع، هو الآخر، في الحكم. وأجّجت الملكة وأنصارها الصراع بين الرجلين بإصدارها مرسوما تعهد فيه إلى دوق بيرغندي بولاية العهد وبتعيينه وصيّا على أبناء الملك العاجز والموشك على الجنون.
غير أن غريمه، أي زوج فالانتينا، لم يستسلم للأمر بل سعى إلى تخريب مهمّة خصمه ونقل النزاع إلى الشارع.
وخوفا من نشوب حرب أهلية، تدخل عمّهما لفضّ الخلاف بينهما وانصاعا أخيرا لمشيئته بموافقتهما على وثيقة الصلح التي اقترحها.
لكن بعد الاتفاق ببضعة أيام، اغتيل دوق اورليون، أي زوج فالانتينا، على أيدي أشخاص مجهولين فاجئوه في احد شوارع باريس وهو يهمّ بامتطاء حصانه فقاموا ببتر ذراعيه بالسيوف لشلّ حركته ثم تركوه ينزف حتى الموت. وتبيّن بعد ذلك أن خصمه اللدود ومنافسه على الحكم هو من دبّر ذلك الهجوم كي يخلو له الجوّ وينعم لوحده بمنصب لا ينافسه فيه منافس.
وقد فجّرت عملية الاغتيال تلك حربا أهلية مدمّرة دامت سبعين عاما وأدّت إلى تقسيم فرنسا إلى معسكرين.
فرانسوا ريشار رسم هذه اللوحة بعد مضيّ أربعمائة عام على تلك الأحداث.
وقد واتته فكرتها عندما رأى ضريح فالانتينا ذات يوم في احد مقابر باريس. وأدهشه بشكل خاصّ العبارة المنقوشة على شاهد القبر والتي تقول: لم يبقَ لي شيء. وأنا نفسي لا شيء!"
كان الرسّام يدرك جيّدا مغزى تلك العبارة المنسوبة للمرأة والتي تعكس حزنها الدفين على فقد زوجها وأسفها على الماضي الذي ضاع وانقضى.
كانت فالانتينا ابنة لدوق ميلانو الذي كانت عائلته تمتّ بصلة قربى ونسََب للعائلة الملكية الفرنسية. وقد عاشت مع زوجها الدوق ثمانية عشر عاما كانت خلالها مثالا للزوجة المحبّة والوفيّة. وعندما مات، كان حزنها عليه عظيما وظلّت تبكيه عاما كاملا إلى أن توفّيت وهي لا تتجاوز الثامنة والثلاثين من عمرها.
ليس في هذه اللوحة شيء سوى الحزن والشعور العميق بالفقد والخسارة. حتى الكلب الواقف إلى جوار المرأة توحي هيئته بأنه هو أيضا يشارك سيّدته في حزنها ويشاطرها مصيبتها.
لم يكن فرانسوا ريشار رسّاما فقط، بل مارس الكتابة الأدبية والنقد. وعمل أستاذا في معهد الفنون الجميلة. كما عُرف عنه اهتمامه باكتشاف الطبيعة والآثار. ويصنّف على أنه رائد ما سُمّي بأسلوب التروبادور في الرسم، وهو مصطلح مستمدّ من ظاهرة الشعراء المتجوّلين الذين راجت أشعارهم في العصور الوسطى.
وأتباع هذه المدرسة من الرسم كانوا يُعنون برسم "قصائد مصوّرة" يستلهمون مواضيعها من صور الماضي الغابر ومن الأحداث التاريخية والشواهد الأثرية القديمة.
عندما عرض ريشار هذه اللوحة لأوّل مرّة في صالون باريس، حققت نجاحا كبيرا وقوبلت بالكثير من الثناء والاستحسان. وقد أعجب بها الفنّان جاك لوي دافيد وامتدح مهارة الرسّام في توظيف الألوان الساطعة وفي تمثيل الضوء والظلّ.
كان فرانسوا ريشار الرسّام المفضل للإمبراطورة جوزيفين. وقد اشترت منه هذه اللوحة بعد ثلاث سنوات من إتمامها. ثم انتقلت اللوحة بعد ذلك إلى ملكية عدد من أفراد العائلات الملكية الأوربية. وفي بدايات القرن الماضي ابتاعها متحف بوشكين الروسي وظلّت فيه لسنوات قبل أن تستقرّ أخيرا في متحف الارميتاج في بيترسبيرغ.
Francois F. Richard, Valentine Mourning her Husband, 1802
Tuesday, November 24, 2009
لوحات عالميـة – 225
Sunday, November 22, 2009
لوحات عالميـة – 224
الـبـحــر
للفنان الهولندي يـان تــوروب
اهتم الرسّامون منذ القدم بتصوير البحر في حالاته الكثيرة وأطواره المختلفة.
في بعض اللوحات يظهر البحر هادئا ومسالما. وفي بعضها الآخر صاخبا مزمجرا. بعض الفنّانين رسموا البحر كمصدر للوفرة واستمرارية الحياة. والبعض الآخر رسموه كمكمن للأخطار والعواصف القويّة والمدمّرة.
في لوحات ايفازفيسكي، مثلا، تكثر صور البحار الهائجة والسفن الغارقة أو الموشكة على الغرق والبحارّة أو الصيّادين الذين يصارعون الأمواج في محاولة يائسة للتمسّك بالحياة.
قوّة البحر المدمّرة وخطره على الإنسان يظهر جليّا أيضا في لوحات كل من تيرنر وجيريكو.
هذه اللوحة مختلفة بعض الشيء. وقد أرادها الرسّام أن تكون دراسة بصرية عن البحر وعن علاقة اللون بالضوء.
في المشهد لا نرى شيئا سوى الماء والأفق والغيم. لا بشر ولا قوارب ولا طيور يمكن أن تبعد انتباه الناظر عن الموضوع الأساس. فقط موجات ملتفّة تلمع متوهّجة مثل حبّات البلّلور تحت سماء زرقاء تتخلّلها بعض الغيوم.
الألوان ناعمة تجذب العين إذ تتحوّل من خلال طبقات الطلاء السميكة إلى ظلال متدرّجة من الأخضر والأزرق واللازوردي والبنّي والأصفر.
ومن الواضح أن الألوان ممزوجة برقّة وتلقائية، ما يضفي على اللوحة قوّة تعبيرية واضحة.
رسْم المناظر البحرية كان دائما يتطلّب مهارة خاصّة، حيث يتعيّن على الرسّام أن يكون ملمّا بطبيعة التضاريس الساحلية وبتأثير حالات الطقس على درجة عمق الماء ولونه في أوقات مختلفة من النهار.
كان يان توروب، مثل غيره من الانطباعيين، مهتمّا بتصوير الحياة اليومية وأنشطة الناس المختلفة.
وقد رسم هذه اللوحة في مكان ما على الشاطئ الهولندي. وله لوحات أخرى تصوّر البحر مع مناظر لبشر وسُفن.
في ذلك الوقت كان الفنّانون الهولنديون مفتونين برسم لوحات تصوّر غضب البحر وطاقته التدميرية الهائلة.
ولم يكن هذا مستغربا في بلد ظلّ دائما عرضة لأخطار الفيضانات والعواصف البحرية.
لكن في أماكن أخرى من أوربّا، كانت الصورة مختلفة. فقد ظهرت آنذاك روايات أدبية تصوّر حياة سكان السواحل والمناطق البحرية بمظهر من البساطة والفضيلة، مقابل حياة المدن التي كانت مرادفة للتهتّك والانحلال الأخلاقي.
وانعكس هذا التصوّر على أعمال العديد من الرسّامين الذين صوّروا البحر كمصدر واهب للحياة وصديق للإنسان الذي يستمدّ منه أسباب رزقه ويتعايش معه بسلام.
وتكرّست هذه الفكرة المسالمة عن البحر أكثر مع ظهور الشعراء الرومانسيين الذين مجّدوا البحر في قصائدهم واعتبروه رمزا للانبعاث والتجدّد وقوّة تقود إلى الوعي بالذات والإحساس بالحرّية.
ولد يان توروب في جزيرة جاوا الاندونيسية التي كانت في ذلك الحين مستعمرة هولندية. وانتقل في ما بعد إلى هولندا حيث درس الرسم في امستردام وديلفت ولاهاي.
كما ذهب بعد ذلك إلى بلجيكا حيث درس الرسم في أكاديميّتها وجرّب هناك الأساليب الواقعية والانطباعية.
وفي احد الأوقات ذهب إلى باريس حيث التقى فيها الرسّام الأمريكي جيمس ويسلر. كما عاش في انجلترا فترة قبل أن يعود إلى هولندا.
وقد كان لأسلوبه تأثير على الكثير من معاصريه، ومن بينهم الرسّام النمساوي غوستاف كليمت.
ويقال أن توروب هو الذي ادخل الرمزية والانطباعية إلى هولندا. كما انه نظّم أوّل معرض هولندي لـ فان غوخ في نهايات القرن قبل الماضي.
وقد قضى الرسّام السنوات الأخيرة من حياته على كرسيّ متحّرك بعد إصابته بالشلل. وأصبح بعد ذلك يميل إلى رسم المناظر الدينية.
الجدير بالذكر أن لـ توروب ابنة تدعى تشارلي كان قد أنجبها من زوجته الانجليزية. وقد كانت الابنة رسّامة معروفة، هي الأخرى، وذاع اسمها كثيرا في ثلاثينات القرن العشرين واشتهرت برسوماتها التعبيرية.
Jan Toorop, The Sea, 1887
Thursday, November 19, 2009
لوحات عالميـة – 223
بورتـريـه شخصـي
للفنّانة الايطالية سوفـونيـزبا ويسـولا
قد يكون هذا الاسم غريبا وغير مألوف كثيرا. غير أن صاحبته كانت احد الأسماء الفنّية الكبيرة التي اشتهرت خلال عصر النهضة الايطالي.
عاشت سوفونيزبا ويسولا في زمن مايكل انجيلو وأنتوني فان دايك. ويقال إن الاثنين امتدحا موهبتها وشجّعاها. وكبادرة إعجاب وتكريم، رسم لها الأخير بورتريها.
وقد كان على الرسّامة أن توفّق بين ميولها الفنية وحقيقة أنها تنحدر من عائلة ارستقراطية مشهورة. وعلى الرغم من أن الأسر الارستقراطية كانت تعارض اشتغال أبنائها وبناتها بالرسم باعتباره مهنة دونية، فقد ساعدها والدها وشجّعها على إثبات نفسها عندما عهد بها إلى الرسّام برناردينو كامبي الذي صقل موهبتها وعلّمها أصول وأساليب رسم البورتريه.
في تلك الأثناء، كانت سوفونيزبا قد برعت كثيرا في رسم لوحات لطبيعة ذات جمال نادر. لكنها في ما بعد فضّلت أن تقصر جهدها على رسم البورتريه. وبسبب خلفيّتها الاجتماعية ومكانة عائلتها، كانت تُمنع من بيع أعمالها.
وبشكل عام، كانت رسوماتها صدى للأفكار الإنسانية التي كانت رائجة في عصر النهضة والتي كانت تنادي بتعليم النساء ومساواتهن بالرجال.
هذا البورتريه يُعتبر واحدا من سلسلة من الصور التي رسمتها الفنانة لنفسها في مراحل مختلفة من حياتها.
وكما هو الحال مع بقيّة بورتريهاتها الأخرى، فقد حرصت سوفونيزبا على أن تصوّر نفسها بهيئة رصينة وجادّة ومحتشمة.
وتبدو في اللوحة وهي تحمل الفرشاة وأمامها رقعة الرسم بينما تنظر إلى المتلقّي بعينيين كبيرتين تنطقان بالوقار والثقة.
هيئة الرسّامة تخلو من أيّ ملمح يدلّ على طبقتها. ومن الواضح أنها حريصة على أن لا ترتدي ملابس قد تترك انطباعا بالتباهي أو الكبرياء والتفاخر. كما أنها لا تضع أيّ نوع من الحليّ أو المجوهرات.
ومن اللافت أيضا في اللوحة أن الرسّامة اختارت معطفا اسود بياقة بيضاء. هذا النوع من اللباس البسيط والأنيق هو نفسه الذي يتكرّر في جميع لوحاتها الشخصية التي تظهر فيها إمّا ممسكة بكتاب أو وهي تعزف الموسيقى، للتأكيد على أصلها النبيل وانتمائها للنخبة المثقفة والمتعلمة.
كان النبلاء آنذاك يهتمّون بتعليم نسائهم الآداب الكلاسيكية والفلسفة والتاريخ والعلوم. وقد اهتمت سوفونيزبا ويسولا هي الأخرى بتثقيف نفسها والنهل من مختلف العلوم والمعارف. وهذا أدّى إلى ازدياد حظوظها عند كبار كتّاب وشعراء ايطاليا في ذلك الوقت الذين امتدحوا ذكاءها وأثنوا على مواهبها المتعدّدة.
وقد ترافق هذا مع اتساع شهرتها كرسّامة ورواج أعمالها التي كان أفراد العائلات الملكية والارستقراطية يحرصون على شرائها واقتنائها.
وفي احد الأوقات دعاها الملك الاسباني فيليب الثاني لزيارة اسبانيا حيث عيّنها رسامة للبلاط ومرافقة للملكة. وأثناء خدمتها في بلاط الملك، كانت سوفونيزبا حريصة على تأكيد استقلاليتها وإظهار رصانتها ونضجها.
والغريب أنها لم تتزوّج إلا بعد تخطّيها سن الأربعين. وقد تكفّل الملك الاسباني بدفع تكاليف مهرها وزواجها.
خلال القرن السادس عشر كانت البورتريهات التي يرسمها نساء لأنفسهن تؤكّد على الفكرة المثالية التي تقرن جمال الأنثى بالفنّ. وكانت الفنانات من النساء يستخدمن البورتريه كوسيلة للإعلان عن موهبتهن الفنية ولإثبات أنهنّ لسن بأقلّ رزانة وتمسّكا بالفضيلة من نظرائهن من الرسّامين الرجال.
في أواخر حياتها، رسمت سوفونيزبا ويسولا لنفسها بورتريها تظهر فيه بهيئة سيّدة عجوز. وفي ما بعد، ضعف بصرها فتوقّفت عن الرسم وتفرّغت لدعم وتشجيع الفنّانين الشباب. واستمرّت كذلك حتى وفاتها بمدينة باليرمو في سنّ الثالثة والتسعين.
وقد أغرت شهرتها والنجاح الكبير الذي أصابته العديد من النساء باقتفاء أثرها وأصبح بعضهنّ رسّامات مشهورات مثل لافينيا فونتانا وارتيميزيا جينتيليسكي.
Sofonisba Anguissola, Self Portrait, 1556
Sunday, November 15, 2009
لوحات عالميـة – 222
حيـاة ساكنـة، سلـّة فواكـه
للفنان الهولندي بالتـاسـار فانـدر آسـت
لا بدّ وأنّ معظمنا رأى ذات مرّة لوحة من تلك اللوحات التي تظهر فيها صور لفاكهة وزهور وأباريق رُتّبت بطريقة أنيقة ومزخرفة.
هذا النوع من الرسم يُسمّى الحياة الصامتة أو الساكنة. ومن الواضح أن مرأى هذه اللوحات يسرّ العين ويبهج القلب، لأنها تذكّرنا بالطبيعة وبالتنوّع الذي خلقه الله فيها. ولعلّ هذا هو سبب افتتان الناس بها وباقتنائها لتزيين البيوت وأحيانا أماكن العمل.
ومنذ القرن السابع عشر عُني الفنانون الأوربّيون برسم مناظر الحياة الساكنة. فقد كانت من ناحية تظهر براعة الرسّام في الرسم. وكانت أيضا تمنحه حرّية ومرونة اكبر في التوليف لا توفّره لوحات الطبيعة المفتوحة أو البورتريه.
لكن مشاهد الحياة الصامتة أقدم من هذا التاريخ بكثير. فقد كانت مثل هذه اللوحات تزيّن قبور قدماء المصريين الذين كانوا يدفنونها مع الميّت اعتقادا منهم أن الأشياء التي تصوّرها ستصبح حقيقة وسيكون بإمكان المتوفى أن يستخدمها في الحياة الأخرى.
وعبر العصور المتعاقبة وصولا إلى مستهلّ القرن السابع عشر، تطوّرت هذه اللوحات إلى أن أخذت شكلها الحالي على أيدي الرسّامين الهولنديين الذين ادخلوا عليها عناصر جمالية جديدة ومعاصرة.
وكان بالتاسار فاندر آست من أوّل وأشهر الرسّامين الذين تخصّصوا في رسم هذه اللوحات هو وأخوه غير الشقيق امبروزيو بوسهارت.
ولوحاته تتضمّن العديد من العناصر المألوفة التي تظهر عادة في هذا النوع من الرسم، مثل الأزهار والثمار الناضجة والأباريق والكتب والآلات الموسيقية والسلال والأواني المنزلية والحشرات الزاحفة والطائرة والصَدَف والحجارة والكؤوس والمجوهرات وغيرها. أي تلك الأشياء الموجودة في الطبيعة أو التي من صنع الإنسان.
وعادة ما تكون هذه الأشياء مصفوفة على مائدة ومرتّبة بشكل منسّق وجميل.
ولد بالتاسار لأسرة موسرة عُرف عنها اشتغالها بتجارة القطن. وهو احد ثلاثة أشقاء تخصّصوا جميعا في رسم الحياة الساكنة.
وقد عُرف بالتاسار بغزارة إنتاجه إذ تربو لوحاته المعروفة على المائة وخمسين لوحة. وكان من عادته أن يوقّع لوحاته ويوثّق تواريخها.
وقد رسم لوحات عديدة اختار أن تكون دليلا مصوّرا يستعين به تلاميذه على معرفة أساليب تصوير الحياة الصامتة وترتيبها وتلوينها.
ومعظم أعماله موجودة الآن في المتاحف الهولندية وفي بعض المجموعات الفنية الخاصّة.
في هذه اللوحة رسم بالتاسار مائدة مغطّاة بالقماش الأبيض والبنّي وقد وُضُع فوقها صحن وسلّة من السعف وإناء اسود. وفي الصحن والسلّة وعلى أطراف المائدة تناثرت حبّات خوخ وسفرجل ومشمش وعنب أحمر وأسود تعلوها أوراق عنب جافّة.
ومن اللافت أن الفنّان رتّب هذه الأشياء ووضعها معا بهذه الطريقة البسيطة والأنيقة ليعطيها رونقا وبهاءً خاصّا. وهذا ما يجعل النظر إلى هذه اللوحة مصدر متعة خاصة.
اليوم تطوّر رسم مناظر الحياة الساكنة كثيرا عن السابق، حيث أصبحت تُرسم بثلاثة أبعاد وبوسائط أكثر. وعادة ما تُوظف فيها التقنيات الحديثة من تصوير وغرافيكس ونحت وموازييك وأصوات وصُوَر.
كما أن هناك الآن مصوّرين فوتوغرافيين قصروا مجال اهتمامهم على تصوير الحياة الصامتة. ومن أشهر هؤلاء المصوّران الفرنسي بيتر ليبمان والنمساوي بيلا بورسودي.
ومن بين أشهر الرسّامين الذين برعوا في رسم مناظر الحياة الصامتة كلّ من رمبراندت وروبنز وبيكاسو وفان غوخ.
وهناك أيضا سيزان الذي رسم أغلى لوحة حياة صامتة في تاريخ الفنّ بعنوان ستارة وإبريق ماء وفاكهة. وقد بيعت هذه اللوحة منذ سنوات بأكثر من 60 مليون دولار أمريكي.
Balthasar van der Ast, Still Life: Basket of fruits, 1622


