Friday, May 18, 2018

لوحات عالميـة – 465

الساحـرات الثـلاث
للفنان السويسري جون هنـري فوزيـلي، 1782

ماكبث هي إحدى أهمّ وأشهر مسرحيات شكسبير. وقد كتبها حوالي عام 1616. وهي تستند إلى أحداث حقيقية وقعت في اسكتلندا في القرن الحادي عشر.
كان شكسبير قد قرأ تاريخ الملك الاسكتلنديّ ماكبث في بعض المصادر. ولأن القصّة حافلة بالدراما والمفاجآت والمفارقات، فقد رأى أنها تناسب المسرح. ثم أضاف إليها أعمالا لها علاقة بالسحر الذي كان على ما يبدو موضوعا ساخنا ومفضّلا في نهاية القرن السادس عشر وبداية السابع عشر، لدرجة انه يقال أن جيمس الأوّل ملك انجلترا كان مهتمّا كثيرا بمطاردة الساحرات وتحدّث عنهنّ في كتابه الوحيد الذي ألّفه.
الرسّام جون هنري فوزيلي كان احد ابرز رموز الحركة الرومانسية. وكان في نفس الوقت يمارس الكتابة ويهوى المسرح. ولطالما انجذب إلى أعمال شكسبير مثل "ماكبث" و"هاملت" و"حلم ليلة في منتصف الصيف" ونقل إلى لوحاته بعضا من أجوائها.
في الفصل الأوّل من مسرحية ماكبث، تظهر لماكبث ثلاث ساحرات يخبرنه انه سيصبح ملكا على اسكتلندا. لكن عندما يتحالف مع شخص آخر يُدعى بانكو لقتل دنكان، ملك اسكتلندا آنذاك، تتغيّر القصّة لتأخذ منحى آخر.
وفي احد المشاهد الرئيسية في المسرحية، يقف كلّ من ماكبث ومساعده بانكو في ميدان المعركة وهما يعتمران خوذتين ويمسكان بسيفين يقطران دما بعد أن قتلا الملك. وأمامهما يقف فرسانهما المسلّحون بالسيوف والرماح، ثم يعلن ماكبث انه قد أصبح ملكا على اسكتلندا.
وهنا تظهر الساحرات الثلاث مرّة أخرى ليحملن إلى ماكبث نبوءتهنّ المشئومة بسقوط حكمه الوشيك. وهذه هي اللحظة التي يرسمها فوزيلي في اللوحة. إذ يصوّر الساحرات جانبيّا وهن يضعن أصابعهنّ في أفواههنّ، وأعينهنّ مبحلقات، وكلّ منهنّ ترتدي غطاء رأس ولباسا فضفاضا. الوقت ليل على الأرجح، وشعر إحداهنّ المتطاير يوحي بأن الجوّ عاصف.
وقد اختار الرسّام أن يعطيهنّ الهيئة التقليدية للساحرات، فهنّ دميمات وبملامح ذكورية تقريبا ومظهرهنّ رثّ واثنتان منهنّ تغمغمان بكلام بينما الثالثة تبتسم. ومن الواضح أن الرسّام لم يكن مهتمّا بتجسيد الشخصيات بدقّة بقدر اهتمامه بأن يترك أثرا في نفس الناظر وأن يثير لديه شعورا بالرهبة.
بحسب المسرحية، فإن ماكبث عندما يلاحظ المنظر المزعج للساحرات الثلاث وهنّ يلقين عليه بالتعويذة التي تتنبّأ بمصيره المحتوم فإنه يتراجع مرعوبا وهو ما يزال ممسكا بالخنجر الدامي الذي قتل به الملك.
هذه اللوحة ليست الوحيدة التي استلهمها فوزيلي من أحداث مسرحية ماكبث، بل رسم مشاهد أخرى من المسرحية من بينها لوحة لزوجة ماكبث وهي تمشي أثناء نومها وتعترف دون وعي بضلوعها في قتل الملك. وشكسبير يوظّف فكرة انعدام النوم كعقاب للمذنب.
لم يكن فوزيلي الرسّام الوحيد الذي استوحى من ساحرات ماكبث موضوعا للوحاته، بل كان هناك رسّامون آخرون منهم الكسندر كولن وجون مارتن وغيرهما.
قصّة ماكبث هي عبارة عن تحالف بين مجرمين متعطّشين للسلطة وتتحكّم في سلوكياتهم مشاعر إنسانية متناقضة من حزن وشجاعة وغضب وطموح وجنون .. الخ.
كان فوزيلي قد قرأ بعض كتابات شكسبير أثناء دراسته في زيوريخ، وقام وقتها بترجمة ماكبث إلى الألمانية. كان منجذبا إلى تعامل شكسبير مع المواضيع الفانتازية والخارقة، وألهمته هذه المواضيع رسم بعض أشهر لوحاته. وبعد أن وصل إلى انجلترا حضر عرضا للمسرحية في احد مسارح المدينة.
احد النقّاد في ذلك الوقت كتب معلّقا على هذه اللوحة أن الفنّان يرسم جيّدا لكن خياله محدود". وفي ما بعد وُظّفت اللوحة من قبل رسّامي الكاريكاتير في عديد من المناسبات للسخرية من رجال السياسة في بريطانيا.
وممّا يجدر ذكره أن اللوحة ظلّت في مجموعة فنّية خاصّة لأكثر من قرنين. ثم اقتنتها مكتبة هنتنغتون البريطانية التي تضمّ عددا من أهمّ اللوحات الانجليزية التي تعود إلى القرن الثامن عشر. والمعروف أن فوزيلي رسم ثلاث نسخ من هذه اللوحة مع تغييرات بسيطة، واحدة منها في زيوريخ والأخريان في لندن.
منذ أواخر القرن الثامن عشر، توقّف معظم الناس في أوربّا عن الإيمان بالساحرات والأشباح. وكانت هذه المخلوقات الخرافية مرتبطة بالقصص الريفية أو الشعبية أو الدينية.
لكن هذه القصص بُعثت من جديد في السنوات الأخيرة مع ظهور روايات تتناول الخفاء والفانتازيا والسحر، مثل "هاري بوتر" و"سيّد الخواتم" وغيرهما. شكسبير نفسه استلهم قصص الساحرات من الفلكلور الانجليزيّ ومن أساطير الإغريق وبلدان شمال أوربّا.
ولد جون هنري فوزيلي في سويسرا عام 1741 ودرس الرسم في ميونيخ. وفي عام 1760 انتقل إلى لندن وعمل ناقدا. وبناءً على نصيحة الرسّام جوشوا رينولدز، ذهب إلى روما لدراسة الرسم وقضى هناك ثمان سنوات.
وعندما عاد إلى انجلترا عزّز حضوره في المشهد الفنّي وأصبح رسّاما معروفا. ورسوماته التي تتناول مواضيع سيكولوجية وغيبية كانت مثارا لسخرية الكثيرين، وبعضهم اعتبروه مجنونا، لكنها صنعت منه فنّانا مشهورا، وهو أيضا كان ناجحا في الترويج لنفسه.
اعتبارا من عام 1790، عمل فوزيلي محاضرا في الأكاديمية الملكية، وكان من بين تلاميذه كلّ من جون كونستابل ووليام بليك.

Thursday, May 10, 2018

لوحات عالميـة – 464

صيـد اليـوم
للفنان الايطالي اوجيـن فـون بـلاس، 1880

كانت فينيسيا في القرن الثامن عشر جزءا من الإمبراطورية المجريّة النمساوية. وكانت وجهة مفضّلة للأثرياء الأوربّيين الباحثين عن مناظر البحر والطبيعة الجميلة. كما كانت مقصدا للتجّار من أماكن شتىّ بسبب ازدهارها الاقتصاديّ ومكانتها الماليّة بين الحواضر الأوربّية.
ولهذه الأسباب ازدهرت حركة الرسم في المدينة وقصدها الكثير من الفنّانين من أوربّا وأمريكا الشمالية الذين اجتذبتهم بيئتها البحرية وأسلوب حياة سكّانها الذي يتّسم بالوفرة والهدوء والاستقرار.
وكان من بين هؤلاء الرسّام اوجين فون بلاس المولود في بلدة قرب روما لأبوين قَدِما من النمسا. وقد انتقل إلى فينيسيا مع عائلته وهو صغير بعد أن أصبح والده، الرسّام هو الآخر، أستاذا في أكاديمية الفنون الجميلة في المدينة.
وقد درس فون بلاس على يد والده ثم في أكاديميّتي فينيسيا وروما لعدد من السنوات. ولأن فينيسيا كانت محطّة يتوقّف فيها السيّاح الأجانب، ومع ازدهار سوق الرسم فيها، أصبح كلّ من يزور المدينة يحرص على اقتناء المناظر التي تصوّر الحياة اليومية لأهلها والمعالم السياحية الجميلة التي تزخر بها.
كان شغف فون بلاس بفينيسيا قويّا، وهذا واضح من صُوره العديدة المرسومة بأسلوب أكاديميّ والتي تعكس حيوية هذه المدينة وأناسها. وقد أصبح جزءا من حلقة من الرسّامين الذين تخصّصوا في رسم المناظر الفينيسية حصرا، مثل روتارو وباوليتو بالإضافة إلى الرسّام الانجليزيّ لوك فيلدز.
لكن وبخلاف الرسّامين الآخرين، لم يرسم فون بلاس بيئة المدينة البحرية ولا ساحاتها الفسيحة، بل ركّز على رسم ما يجري في أفنية البيوت الحميمة وبين الأزقّة حيث الحياة بسيطة وعفوية.
وكلّ رسوماته تقريبا تتناول أسلوب حياة الناس، خاصّة النساء اللاتي يشغلن مساحة واسعة في صوره، ويظهرن وهنّ يقرأن الرسائل أو يغسلن أو يخطن الملابس أو يحملن سلال الأزهار أو يجلبن الماء إلى البيوت أو يقطفن الفواكه أو يقفن في الشرفات متحدّثات أو ملوّحات بأيديهنّ أو مناديلهنّ.
في هذه اللوحة، يرسم فون بلاس زقاقا قديما تصطفّ على جانبيه البيوت، وفي جزء منه تظهر مجموعة من النساء وهنّ يتحدّثن إلى بائع سمك يمرّ بالجوار، وغير بعيد عنه امرأة تحمل إنائي ماء.
الشابّ ينظر إلى الفتاة بقدر من الاهتمام بينما تكتفي هي بالابتسام. والمنظر يعكس حيوية مثل هذه الأماكن والطبيعة البسيطة للناس الذين يقطنونها. المرأة التي تحمل الماء هي زوجة الفنّان، وهي تنتمي إلى عائلة ايطالية ثريّة، وتظهر كموديل في معظم صوره.
وواضح من اللوحة اهتمام الرسّام بتصوير تعبيرات الوجوه والحركات وأنواع الأقمشة الملوّنة والزاهية التي ترتديها النساء. وقد كانت براعته في رسم أشكال متباينة من النسيج والأنماط مثار إعجاب الكثيرين في زمانه.
كما أن اللمعان الذي يشعّ من صوره يذكّر بلوحات مواطنه الأشهر تيشيان الذي كان يضع عدّة طبقات من اللون بحيث تنتج ألوان بشرة لامعة وقريبة من الواقع.
وغالبا ما كان فون بلاس يحيط مناظره بإطار تاريخيّ فخم، فينقل إليها الأعمدة المتآكلة والأشجار المزهرة والحجارة المشيّدة بعناية. وكان أحيانا يضيف عناصر زخرفية إلى صوره كالأزهار والفواكه والشوارع المرصوفة بحجارة مصقولة.
والأشخاص الذين يظهرون في لوحاته يضيفون حياة إلى المعالم القديمة وكأنّهم يخلقون تواصلا بين الأجيال ويمثّلون رمزا للحفاظ على التقاليد الراسخة للمدينة.
كان فون بلاس يتمتّع بشعبية كبيرة في انجلترا، حيث عرض بعض أعماله في الأكاديمية الملكية. كما كان أيضا معروفا في العديد من البلدان الأوربّية وعرَض لوحاته في فيينا وسانت بطرسبورغ وبروكسل وبرلين وباريس وغيرها.

Wednesday, May 02, 2018

لوحات عالميـة – 463

فـلـورا
للفنان الايطالي فرانسيـسكو ميـلـزي، 1517

يُوصف فرانسيسكو ميلزي بأنه أنجب تلاميذ ليوناردو دافنشي. عندما قابله الأخير لأوّل مرّة اجتذبته أخلاقه ومظهره الحسن. ويصفه المؤرّخ فاساري بأنه كان وسيما وبعيدا عن المشاكل. وقد أصبح أبرز تلاميذ المعلّم وأقربهم إلى نفسه بعد أن لمس فيه سرعة التعلّم وحضور البديهة.
ولأن ميلزي ينتسب لعائلة موسرة من نبلاء ميلانو، فقد اُسندت إليه في ما بعد مسئوليات اجتماعية أخرى، ما اضطرّه أحيانا للانقطاع عن دروسه في الرسم. لكنه كان لا يلبث أن يعود بفضل تدخّلات ليوناردو.
عاش ميلزي في بيت دافنشي بدءا من عام 1506، وتعلّم ومارس مهارات الرسم في محترفه من خلال استنساخ لوحات المعلّم الأصلية. وبسرعة صار تلميذه المفضّل وأكثرهم إخلاصا له.
وقد وصف ميلزي دافنشي بالمحبّ والعطوف ورافقه في رحلة في أرجاء ايطاليا. كما ذهب معه في رحلته الأخيرة إلى فرنسا وظلّ معه هناك حتى وفاته. وقيل انه كان الوحيد الذي مثّل عائلة الرسّام في الجنازة وهو الذي ابلغ عائلته في ايطاليا عن موته.
يقال أحيانا أن ليوناردو كان يختار للعمل في ورشته شبابا شديدي الوسامة وأنه كان يختارهم لجاذبيّتهم وليس لموهبتهم. والدليل أن أحدا منهم لم يحقّق شهرة كبيرة. وكان ميلزي استثناءً. وقد شبّه الأخير حبّ الأستاذ له ولزملائه الآخرين بحبّ الأب لأبنائه وبأنه كان يهتمّ بهم ويرعاهم كما لو أنهم أفراد في عائلة واحدة.
وقد جرت العادة أن يعمل عدّة تلاميذ على لوحة واحدة، لذا لم يكن مستغربا أحيانا أن تُنسب لوحات دافنشي الأقلّ شهرة إلى بعض تلاميذه.
لكن لوحات ميلزي كانت مختلفة عن تلك التي لزملائه. فبعضها تبدو كاملة وذات نوعية عالية. ومن أهمّ أعماله هذه اللوحة التي تذكّر للوهلة الأولى بلوحات دافنشي بألوانها الناعمة والأنيقة والمتناغمة وبنصف الابتسامة الغامضة المرتسمة على فم المرأة، أي أنها تحمل كافّة سمات مدرسة ليوناردو.
في الأساطير الكلاسيكية، كانت فلورا أمّا لجميع النباتات والأزهار، وهي التي تُرضِع وتمنح الحياة، لذا يظهر ثدياها عادة في الرسم عاريين. كما أنها مغطّاة دائما بالأعشاب والأزهار. وهي في اللوحة تنظر إلى الأزهار الحوضية التي تُعتبر رمزا للخصوبة.
الموديل أو المرأة الظاهرة في اللوحة كانت سيّدة تعمل في بلاط الملك الفرنسيّ فرانسيس الأوّل آخر رعاة ليوناردو.
وعلى الأرجح، ظلّت الصورة في المجموعة الخاصّة بملوك فرنسا حتى منتصف القرن السادس عشر. وكان يُعتقَد أنها لدافنشي، لكن ثبت في ما بعد أن ميلزي هو الذي رسمها. وهناك بضع لوحات أخرى غيرها رُسمت في القرن السادس عشر وكانت تُنسب لدافنشي، لكنها اليوم أصبحت تُنسب لتلميذه.
يُشار إلى ميلزي على انه كان الشخص الأوّل المسئول عن جمع وترتيب مذكّرات ليوناردو في كتاب والمحافظة عليها في عهدته.
وقد ورث جميع أعمال أستاذه العلمية والفنّية، بالإضافة إلى مخطوطاته ومجموعاته الأخرى. كما عُهد إليه بمهمّة إدارة بيته وقد فعل ذلك بإخلاص.
بعض المؤرّخين يشيرون إلى أن ميلزي كان مجرّد رسّام هاوٍ كرّس حياته وفنّه لخدمة معلّمه وكان يمارس الرسم كنوع من التسلية وإزجاء الفراغ . المؤرّخ فاساري لم يتحدّث في كتابه أبدا عن موهبته الفنّية، لكنه ارجع له الفضل في الحفاظ على تراث معلّمه.
وهناك من ينسب له لوحة أخرى لطالما قيل إنها لدافنشي وهي امرأة بعقد جميل "أو لا بيل فيرونيير" التي تصوّر امرأة تُدعى لوكريشيا كريفالي. لكن لا دليل قاطعا حتى الآن يثبت صحّة هذه الفرضية.

Friday, April 27, 2018

لوحات عالميـة – 462

شخصـان راكبـان
للفنان الروسي فاسيـلي كانـدينسكـي، 1906

كان فاسيلي كاندينسكي احد مؤسّسي الرسم التجريديّ وواحدا من أهمّ الرسّامين الذين ظهروا في القرن العشرين. كما كان من أوائل الرسّامين الذين تحدّثوا عن تأثير الألوان على المزاج والمشاعر.
كان يرى، مثلا، أن الألوان قادرة على مساعدة الإنسان على التواصل مع ذاته الروحية. ونظريّته تشبه نظرية غوته الذي قال إن الألوان توصل مشاعر متباينة.
منذ أن كان طفلا، كان كاندينسكي يستمتع بالرسم وبالموسيقى. وقيل انه استمع ذات مرّة إلى إحدى اوبرات فاغنر ورأى أثناء سماعه للموسيقى خطوطا وألوانا. وهذه هي الفكرة التي ظلّ يعكسها في لوحاته طوال حياته.
ورغم أن كاندينسكي قضى جزءا كبيرا من حياته خارج بلده، أي في ألمانيا ثم في فرنسا، إلا انه ظلّ يكتب ويتكلّم دائما عن بلده روسيا، وخاصّة عن بلدته الواقعة في ضواحي موسكو، وكيف أن جمالها هو الذي أوحى إليه بطريقته الغريبة والفريدة في النظر إلى العالم.
وصور بلدته القديمة تظهر بشكل متواتر في أعماله الأولى. وحتى لوحاته التجريدية لا تخلو من تأثير الأيقونات الروسية بألوانها الثريّة وأشكالها الرمزية. كما أخذت القصص الخيالية والمستوحاة من التراث والفلكلور المحليّ طريقها إلى لوحاته الأولى عندما كان يتلمّس طريقه للبحث عن أساليب تعبير بدائية وغريبة.
في هذه اللوحة، يرسم كاندينسكي رجلا راكبا فوق حصان وإلى جواره امرأة يطوّقها بحنان، بينما يمرّان من أمام نهر يفصلهما عن قرية روسية تعلو بيوتها وكنيستها قباب ملوّنة ولامعة.
من الأشياء اللافتة في اللوحة الملابس الروسية التقليدية ذات الألوان البديعة التي يرتديها الراكبان، والبقع اللونية الساطعة والجميلة المنعكسة على مياه النهر، وأوراق الشجر المتساقطة التي تملأ الأرض. وفي هذه التفاصيل يظهر تأثير النقطية، بل وحتى الوحوشية، فالألوان تصف تجربة الرسّام ولا تصف المنظر الطبيعي نفسه.
ومن الواضح أن اللوحة تخلو من الأشكال الهندسية والألوان الأوّلية. كما أن الألوان فيها تذكّر بالمجوهرات والتطريز والموزاييك.
رسم كاندينسكي هذه الصورة، التي لا تخلو من غموض وفانتازيا، وفي ذهنه تجارب وذكريات استدعاها من زمن الطفولة. وكانت اللوحة جزءا من سلسلة من الصور التي أراد من ورائها التعبير عن حنينه إلى ماضي روسيا وطبيعة الحياة البسيطة التي كان يعيشها الناس في ذلك الماضي. وكان كاندينسكي يشير إلى هذه اللوحات باعتبارها "رسومات لونية".
كان كاندينسكي ابنا لعائلة تشتغل في التجارة. وبسبب تجارة أبيه، ظلّ على الدوام شخصا موسرا ومستقلا. لكن بعد الثورة البلشفية واستبدال نظام القيصر بنظام شيوعي، فقَدَ الرسّام وعائلته معظم ممتلكاتهم بسبب قرار إعادة توزيع الأراضي.
في ذلك الوقت، أصبح الرسّامون الطليعيون هم المفضّلين عند السلطة الجديدة. ورغم أن كاندينسكي لم يعتنق الأفكار الماركسية أبدا، إلا انه حظي باحترام كبير باعتباره مبشّرا بالفنّ التجريديّ الجديد وضَمِن لنفسه وظيفة رسمية محترمة وبدأ يستمتع بدوره الجديد كمثقّف بيروقراطي ومعلّم.
لكن شيئا فشيئا، أصبح أسلوبه الروحانيّ يتناقض مع المبادئ المهيمنة للعقلانية والهندسة النقيّة. وبسبب إحساسه بالعزلة الفنّية المتزايدة، مضافا إليها التبعات المدمّرة للحرب العالمية الأولى التي كانت قد انتهت للتوّ، اضطرّ كاندينسكي لمغادرة روسيا عام 1921 دون أن يعود إليها أبدا.
كان كاندينسكي عاشقا كبيرا للموسيقى، وكثيرا ما أطلق على لوحاته مسمّيات موسيقية، مثل "توليفات" و"ارتجالات" و"انطباعات". وبعض الكتّاب شبّهوا "ارتجالاته" بالكونشيرتوهات، كما انه رسم العديد من "انطباعاته" بعد تجربة الاستماع إلى قطع موسيقية معيّنة.
ولد كاندينسكي في موسكو لعائلة ثريّة تعمل في تجارة الشاي. وتخرّج من كليّة الحقوق في موسكو، ثم أصبح أستاذا مساعدا فيها. لكنّه في سنّ الثلاثين غيّر حياته جذريّا، عندما ترك وظيفته الأكاديمية وذهب إلى ميونيخ لدراسة الرسم.
وقد ذكر في ما بعد أن احد أسباب تغييره مسار حياته هو تأثّره بلوحة كلود مونيه أكوام قشّ في ضوء الشمس التي رآها في معرض في سانت بطرسبورغ. وحتى عام 1914، كان كاندينسكي يعيش في ألمانيا، إذ درس الفنّ الواقعيّ هناك، وكان من بين معلّميه الرسّام الرمزيّ فرانز فون ستاك، وهذا يفسّر ظهور الرمزية في أعماله الأولى.

Saturday, April 21, 2018

لوحات عالميـة – 461

النافـورة، فيللا تورلونيا، فراسكاتي، ايطاليا
للفنان الأمريكي جون سنغـر سارجنـت، 1907

كان كلّ من الرسّام ويلفريد دي غلين وزوجته الرسّامة جين ايميت صديقين لجون سنغر سارجنت. وقد رافقاه في السنوات التي سبقت نشوب الحرب العالمية الأولى في رحلات لرسم الطبيعة في بعض مناطق أوربّا. وكان من عادتهم قضاء فصل الصيف من كلّ عام في فرنسا.
كان الثلاثة رسّامين معروفين. وقد زاروا معا أماكن مثل اسبانيا وجنوب فرنسا وايطاليا وفينيسيا والألب.
وكان سارجنت قد قابل كلا من الزوجين على حدة، ثم لعب دورا مهمّا في التقريب بينهما وتسهيل زواجهما. وأصبح الزوجان جزءا من دائرة الرسم الأنجلو أميركي التي كانت تجتمع حول سارجنت.
وقبل ذلك، كان سارجنت ودي غلين قد عملا معا على انجاز بعض الجداريات في الولايات المتحدة. ومع مرور الوقت جمعتهما صداقة قويّة وظلا صديقين حميمين على الدوام.
ولد دي غلين باسم "فون غلين". وبسبب دواعي الحرب، غيّر اسمه إلى دي غلين كي يتخلّص من عبء حمله اسما ألمانيّا وليتبرّأ من جذوره القديمة. وكان جدّه بارونا ألمانيّا يملك قصرا قديما في تالين عاصمة استونيا.
عُرف دي غلين بكونه رسّاما انطباعيا انجليزيّا. وقد درس الرسم في لندن وباريس وعرض أولى لوحاته في روما عام 1894، ثم في باريس في السنة التالية. وفي السنة التي بعدها عرض أعماله في الأكاديمية الملكية في لندن. وكان ذا شعبية لا بأس بها في انجلترا في بدايات القرن الماضي.
أما زوجته جين ايميت دي غلين فكانت رسّامة بورتريه. وقد ولدت في نيويورك وكانت اصغر أشقّائها العشرة. وهي تمتّ بصلة قرابة للروائيّ هنري جيمس. كانت الصغرى بين ثلاث شقيقات موهوبات. وكلّهن أصبحن فنّانات من نوع ما. وقد درست هي الرسم في نيويورك قبل أن تسافر إلى أوربّا لترى لوحات المعلّمين العظام ولتتلقّى دورات في بعض ورش باريس الفنّية. لكن لم يُقدَّر للناس أن يروا لوحاتها في معارض.
وبعد زواجها من دي غلين عام 1904، قرّر الاثنان الاستقرار في لندن بشكل دائم. ولسبب ما لم تنجب أطفالا، لذا اختارت هي وزوجها أسلوب حياة مترحّلا وسافرا كثيرا مع سارجنت في العديد من أرجاء أوربّا.
وكانا متأثّرين بسارجنت وأسلوبه في الرسم ويجدان نوعا من الإلهام في رسم عالَم وأسلوب حياة لم يعودا موجودين اليوم.
في عام 1907، كان سارجنت يقضي وقته في ايطاليا متنقّلا بين فلورنسا وسيينا. وأثناء رحلاته تلك، كان يجرّب الرسم في الهواء الطلق وفي بيئات خارجية. وقد طلب من صديقه دي غلين وزوجته أن يلتحقا به هناك.
والمعروف انه كان من عادة سارجنت أن يرسم أصدقائه كنوع من المجاملة. فعل هذا مع كلود مونيه ومع كارلوس دُوران الذي سبق أن علّم سارجنت فنّ رسم البورتريه السائل في باريس.
في هذه اللوحة، يرسم سارجنت صديقه دي غلين وزوجته بألوان سميكة وفرشاة معبّرة في حديقة مشمسة في فيللا في وسط بلدة ايطالية تُدعى فراسكاتي. وتظهر الزوجة في الصورة مرتدية فستانا ابيض وخمارا شاحبا تعلوه قبّعة صفراء، بينما هي منهمكة في رسم الحديقة التي يجلسان فيها والمغمورة بضوء الشمس.
ويظهر الزوج وهو ينظر إليها بلا حراك بينما تبدو خلفه نافورة. الوضعية الغريبة التي يبدو عليها الزوج في اللوحة اهتدى إليها سارجنت بعد طول تفكير.
مثل هذا المنظر كان يمثّل أسلوب حياة مفضّلا بسبب خصوصيّته. لكن نوعية الحياة تلك ستختفي بعد بضع سنوات مع بداية نشوب الحرب العالمية الأولى. إذ لم يمرّ وقت طويل حتى التحق الزوجان دي غلين بالصليب الأحمر في فرنسا. وفي طريق عودتهما إلى انجلترا في السنة التالية، أُرسل الزوج مع رسّامين آخرين إلى جبهة القتال في ايطاليا.
ممّا يجدر ذكره أن سارجنت رسم الزوجين دي غلين في لوحة أخرى وهما يزاولان الرسم على أطراف غابة. كما رسم صورة أخرى للزوجة تظهر فيها بملابس أنيقة بينما تقرأ كتابا في حديقة.

Friday, April 13, 2018

لوحات عالميـة – 460

سانـت كاثـريـن الاسكنـدرية
للفنان الايطالي كـارافـاجيـو، 1598

منذ العصور الوسطى وحتى نهاية القرن الثامن عشر، كانت معظم الصور في أوربّا دينية. كان الناس متديّنين كلّ على طريقته، وكان من الصعب تخيّل وجود أشخاص لادينيين في ذلك العصر أو في عصر النهضة.
واليوم عندما ترى لوحة دينية في احد المتاحف، فإنك غالبا لا تفكّر في معناها أو في القصّة من ورائها، بقدر ما يهمّك أن تستمتع بالألوان والدراما والتأثيرات الفنّية فيها.
وكثير من اللوحات التي تزدحم بها المتاحف الغربية اليوم تصوّر شخصيات دينية، أي أنبياء أو أولياء أو قدّيسين الخ. وكان أوّل القدّيسين، بعد العذراء ويوحنّا المعمدان والرسل، هم شهداء المسيحية الأوائل الذين قُتلوا لأنهم رفضوا التبرّؤ من ديانتهم أو تقديم قرابين للآلهة الوثنية، أي ديانة الدولة الرومانية. وأوّل شهيد في المسيحية هو ستيفان الذي رُجم بالحجارة حتى الموت على يد مجلس من اليهود.
ومنذ عام 1234، ظلّ البابا فقط هو المفوّض بتسمية القدّيسين من خلال لجنة بابوية تستعرض حياة ومعجزات المرشّحين. لكن إعلان شخص ما قدّيسا أو خلعه ظلّ دائما موضوعا جدليّا في الغرب. وقد اعتبره الاصلاحيون البروتستانت انحرافا عن رسالة المسيح.
وإحدى الشخصيات التي مُنحت مرتبة القداسة وتناولها الرسم كثيرا هي سانت كاثرين التي تواترت صورها في الأيقونات المسيحية. وأصل هذه المرأة يعود إلى أسرة نبيلة من اسبانيا في القرن الرابع الميلادي. وقد اعتنقت المسيحية ووهبت نفسها لها بعد أن رأت حلما. ويقال أنها في سنّ الثامنة عشرة واجهت الإمبراطور الرومانيّ ماكسيموس وناظرت فلاسفته الوثنيين ونجحت في تحويل عدد منهم إلى المسيحية.
وقد دفع هذا الإمبراطور إلى سجنها، لكن بعد فترة استطاعت تحويل زوجته وقائد جيشه إلى الدين الجديد. وهنا أمر ماكسيموس بإعدام من تحوّلوا على يدها بمن فيهم زوجته، كما أمر بأن تُعدم كاثرين على عجلة خشبية.
وتذكر الأسطورة أن العجلة تدمّرت في اللحظة التي وُضعت عليها المرأة بفعل عاصفة رعدية، ما دفع الإمبراطور لأن يأمر بقطع رأسها بالسيف. وهذا ما حدث.
ومن أهمّ من صوّروا قصّة كاثرين الرسّام كارافاجيو وذلك بناءً على تكليف من الكاردينال فرانسيسكو ديل مونتي الذي كان قد ساعد الرسّام ودعمه عندما وصل إلى روما لأوّل مرّة. وبفضل هذه الكاردينال تمكّن كارافاجيو من الاتصال بالرعاة الأغنياء في روما الذين أعانوه وشجّعوه. وبعد أن أصبح مشهورا، بدأ تكليفه بزخرفة عدد من قاعات وأسقف الكنائس.
في اللوحة، تظهر كاثرين وهي ترتدي لباس الملوك مع هيئة تشي بالنبل، في إشارة إلى أنها كانت في الأساس ابنة لملك.
المرأة تشغل الصورة بالكامل. وهي تبدو وحيدة في مكان يخلو من أيّ الماحات معمارية أو هندسية. كما أنها تنظر إلى المتلقّي وهي محاطة بأشيائها المرتبطة بقصّة استشهادها، مثل العجلة المكسورة التي وُضعت عليها قبل إعدامها، والسيف الذي قُتلت به، وسعفة الشهيد المرسومة عند قدميها على الأريكة الحمراء.
من أهمّ سمات هذه اللوحة الواقعية الشديدة التي رُسمت بها والاهتمام بالتفاصيل. وقد استخدم كارافاجيو هنا ألوانا جريئة تشبه تلك التي وظّفها في لوحته عازف العود . ويلاحَظ أيضا تأثير الكياروسكورو الناتج عن التصوير الدراماتيكيّ للضوء. وهناك أيضا الطريقة التي رُسم بها ثوب المرأة الفخم والمزركش والتي تعكس براعة فائقة.
استخدم كارافاجيو لهذه اللوحة موديلا تُدعى فيلدا ميلاندروني التي كانت تتردّد على قصر ديل مونتي وغيره من رعاة الفنون. وهي نفس الموديل التي استخدمها الرسّام في لوحته المجدلية التائبة من عام 1598.
كانت هذه اللوحة هي الأولى في سلسلة من اللوحات الدينية التي كُلّف بها الرسّام وتصوّر أحداثا وشخصيات دينية. وقد رسم أيضا كلا من متّى وبطرس ويوحنّا المعمدان. لكن لوحته هذه متميّزة عمّا سواها بألوانها وتقنياتها الخاصّة.
جرت العادة على أن لكلّ قدّيس قصّة أو سببا ما في انه عاش حياة مثالية. وعبر تاريخ الكنيسة الكاثوليكية استُخدمت الرموز لسرد تلك القصص، وأصبح لكلّ قدّيس رمز أو "موتيف" يقترن بحياته. وبعد موتها، صارت كاثرين راعية للمكتبات والمعلّمين ولكلّ ما له علاقة بالحكمة والعلم، ورمزا لأرباب الحِرَف ممّن يعتمدون في عملهم على العجلات.
في عام 1969، وبناءً على استنتاجات معظم المؤرّخين، قرّرت الكنيسة أن كاثرين شخصية خيالية ولم يكن لها وجود أبدا، وبالتالي يجب إزالتها من قائمة القدّيسين. لكن في عام 2002، ولم يكن المؤرّخون قد غيّروا رأيهم بعد، قرّرت الكنيسة إعادة الاعتبار للمرأة واعتبارها قدّيسة.
بعد وفاة الكاردينال فرانسيسكو ديل مونتي، انتقلت هذه اللوحة إلى ابنه الذي منحها بدوره إلى كاردينال يُدعى بارباريني مقابل إسقاط الأخير ديون والده الراحل. واستمرّت اللوحة في عهدة عائلته حتى عام 1934، عندما اشتراها متحف ثايسن الاسبانيّ في مدريد وما يزال يحتفظ بها إلى اليوم.