Wednesday, May 06, 2015

لوحات عالميـة – 356

لايَقِيـن الشـاعـر
للفنان اليوناني جيـورجيـو دي كيـريكــو، 1913

في هذه اللوحة يرسم الفنّان مكانا معتما يقوم على احد جانبيه عدد من القناطر المظلمة والمنذرة بالخطر. وفي مقدّمة المنظر نرى ما يشبه ساحة يقف في مقدّمتها تمثال كلاسيكيّ بلا رأس ولا ذراعين أو ساقين، وإلى جواره فرع موز ضخم وناضج. وفي البعيد، في خلفية المنظر، نلمح شراع سفينة وقطارا مسرعا على وشك أن يخرج من اللوحة نافثاً دخانه الكثيف.
ليس من الواضح لماذا رسم دي كيريكو هذا المنظر الغامض والغريب، الذي يسخر فيه من نظريات المنظور والأسطح. كما أن لا أحد يعرف على وجه التأكيد العلاقة بين شراع السفينة والقطار المسرع ولا الرابط بين التمثال الكلاسيكي وثمار الموز.
بداية، يبدو التمثال في اللوحة ساكنا وغير قادر على الحركة أو التفاعل. كما انه بلا رأس ولا أطراف أو حواسّ. أي انه لا يستطيع أن يلمس أو يشعر أو يأكل أو يرى. ورغم حقيقة أن التمثال فقد رأسه، إلا انه يبدو كما لو انه ليس مصنوعا من حجر، بل من لحم ودم بفضل حركته الدائرية.
في العالم الطبيعي، يُعتبر الموز والتمثال شكلين متعارضين غالبا. التمثال صنعه بشر، وهو يقاوم التلف. أما الموز فنبات عضويّ، وهو عرضة للتحلّل والموت السريع. ومع ذلك فحتى التمثال يمكن أن يتعرّض للبلى والتحلّل بفعل عوامل الزمن.
هذه اللوحة تنتمي إلى المرحلة الميتافيزيقية عند الرسّام، أي عندما كان متأثّرا بفلسفة شوبنهاور ونيتشه. كان شوبنهاور يعتقد أن الفنّ متى ما قُدّم بطريقة معيّنة يمكن أن يكشف للمتلقّي أن العالم الذي نعيش فيه لا نرى منه سوى أشكال وتمظهرات.
ومن خلال جمعه أشياء لا رابط أو علاقة بينها، يحاول الرسّام أن يفعل هذا. ووضع هذه الأشياء في اللوحة يبدو غير منطقي. والناظر يشعر أن وضعها هكذا يدلّ على أنها موضوعة في مكان ما خارج الزمن. وربّما أراد الرسّام أن يشير إلى حقيقة أننا نفهم شيئا ما من خلال فهم علاقته بغيره من الأشياء في الزمان والمكان.
وهناك من يعتقد أن دي كيريكو ربّما استوحى موضوع اللوحة من قصيدة للشاعر الانجليزي ييتس تحدّث فيها عن شعره وقارنه بشيء ما ميّت وأن له خاصّية ليست بشرية. وكان الشاعر يشير إلى الإحساس بالفنّ الذي يوجد مستقلا عنّا وخارج مشاعرنا وأفكارنا اليومية.
والقناطر بُنية كلاسيكية لا يوجد خلفها سوى السواد والعتمة والحدّ الباهت الذي تصبح عنده الكلمات قصيدة وضربات الفرشاة لوحة.
والشاعر عندما يحسّ بشيء ما يجهد كي يجد الكلمات المناسبة للتعبير عنه. لكنه لا يعرف الكلمات التي يريدها إلى أن يجدها. وهو لا يستطيع أن يعرف كنه هذا الجنين الذي يتشكّل في داخله ما لم يتحوّل إلى كلمات مرتّبة بنظام صحيح. وعندما يجد الشاعر الكلمات المعبّرة فإن الشيء الذي ظلّ يبحث له عن كلمات يكون قد اختفى وحلّت مكانه قصيدة.
وفي الواقع لا يوجد في لوحة أخرى مثل هذا العدد الكبير من الموز. كما لا يوجد موز مشحون بمثل هذا الغموض وموضوع إلى جوار تمثال مكسور لأفرودايت في ميدان فارغ ذات نهار مشمس.
ولكي يُضفي جوّا إضافيّا من التعب والغموض على المنظر، رسم الفنّان سفينة راسية وقطارا ينفث دخانا ولا يعرف احد إلى أين هو متّجه، بالإضافة إلى تلك الموزات الفاسدة.
دي كيريكو عندما رسم اللوحة، كان يحاول استنباط مبادئ لما كان يسمّيه بالفنّ الميتافيزيقي. وكان يريد، ليس إعادة إنتاج الواقع الخارجي، وإنما أن يستثير الأحاسيس الغريبة، أي لحظات الكشف والتجلّي التي كان يمرّ بها في الحياة العادية.
وغالبا ما كانت كشوفاته تلك تأتيه على هيئة حزن ومشاعر متوتّرة عندما كان يتجوّل وحيدا في بعض الأماكن. وقد أحسّ لأوّل مرّة بمثل ذلك الشعور بالكآبة والحزن عندما كان يتمشّى في ردهات قصر فرساي الفرنسي. كان يتأمّل الفلسفة العدمية لنيتشه عندما أحسّ برجفة باردة وبمتعة العزلة التي تفضي إلى التجلّي.
وحدثت معه نفس هذه التجربة في فلورنسا وروما عندما حرّك مشاعره مرأى قناطر قديمة وظلال على الجدران الباردة و"موسيقى غريبة بلون أزرق داكن يشبه ظهيرة على شاطئ البحر"، على حدّ وصفه.
كان دي كيريكو يحبّ القناطر الرومانية، أوّلا لبساطة أشكالها الهندسية والغموض الذي تختزنه، وثانيا لأنها برأيه ترمز لقيم خالدة ويمكن أن تكون دليلا على وجود قوانين خفيّة.
والحضور المتكرّر للتماثيل الكلاسيكية في لوحاته يوحي باهتمامه بتاريخ العالم القديم. لكنه عُرف أيضا بحبّه لمدينة تورين الايطالية. كان يزور هذه المدينة من وقت لآخر ويتأمّل قناطرها وتماثيلها الكثيرة التي تعود للعصور الكلاسيكية.
ولو أمعنت النظر في لوحاته، لوجدت أن معظمها لا يخلو من عنصر من العناصر التي جمعها في هذه اللوحة، كالساحة المقفرة، أو التمثال المكسور الذي كان مكتملا وبهيّا ذات يوم، أو الضوء الحادّ الساطع لظهيرة أحد الأيّام، أي الوقت الذي يكون فيه كلّ شيء ساكنا ولا يحدث فيه شيء عادة.
كان دي كيريكو يرى في الأماكن المعمارية صورا ونماذج للواقع المعادي والعنيد، بينما القطار الصغير العبثى والسفينة المتأهّبة للرحيل قد يكونان رمزا لحاجة الإنسان إلى أهداف وطموحات. أما التمثال المكسور فقد يكون تذكيرا بالصروح التي أقامها الإنسان ليتغلّب على إحساسه بعدم أهميّته أو ضآلته في هذا العالم.
وفي بعض الأحيان، ظهرت محاولات لربط رمزية اللوحات بهواجس الرسّام المفترضة، وكما لو أن كلّ لوحة رسمها لها قصّة في مفكّرة أحلامه ينبغي فكّ شفرتها وتفسيرها من قبل طبيب نفسيّ.
مثلا قيل إن السفينة هي رمز لطفولته في اليونان، أي للشاطئ الذي أبحر منه البطل الأسطوري جيسون بحثا عن الفروة الذهبية. أمّا القطار المتحرّك بعيدا وجدار الطوب البنّي فيمثّلان والد الرسّام الذي كان يعمل مهندسا بإحدى سكك الحديد ولم تكن علاقة الاثنين على ما يرام. أمّا التمثال المشوّه لامرأة عارية فقد يكون بورتريها انتقاميّا من والدته المستبدّة.
وهناك من ذهب إلى أن الرسّام حوّل في لا وعيه والده ووالدته إلى أشياء صالحة للأكل كي يدمّرهما بأكثر الطرق إمتاعا بالنسبة له.
وبعض الفرويديين رأوا أن الموز قد يكون رمزا لإحباطات الفنّان الجنسية. وعند محلّلين آخرين، فإن الميدان والقناطر الفارغة تعبّر عن إحساس الرسّام بالخواء.
ولد جورجيو دي كيريكو في اليونان لأبوين ايطاليين عام 1888م. وقضى طفولته وتلقّى أوّل دروس له في الرسم في أثينا عام 1900. وبعد ستّ سنوات انتقلت العائلة إلى ميونيخ بألمانيا حيث انتظم في أكاديميّتها للفنون الجميلة وتعرّف إلى أعمال الرسّام السويسري ارنولد باكلين وكتابات نيتشه.
وفي يوليو من عام 1911 وصل دي كيريكو إلى باريس قادما من ايطاليا واجتذب اهتمام النقّاد عندما عرض لوحاته فيها.
الشاعر والكاتب الفرنسي غيوم ابولينير أصبح أقوى داعم له. وقد وصف أعماله بأنها طبيعة ميتافيزيقية. كان الاثنان قريبين من بعضهما، ويقال أن الشاعر هو الذي اختار أسماء بعض لوحات الرسّام من تلك الفترة. بل إن مفردة "الشاعر" ترد في عنوان أكثر من لوحة، مثل "حلم شاعر" و"رحيل الشاعر"، بالإضافة إلى اسم هذه اللوحة.
بعض الشعراء راقت لهم لوحة دي كيريكو هذه. ومن هؤلاء شاعرة تُدعى ويندي كوب كتبت قصيدة هي عبارة عن تحيّة ساخرة إلى هذه اللوحة تقول فيها: أنا شاعرة مغرمة بالموز. وأنا موزة مغرمة جدّا بشاعر".

Saturday, September 27, 2014

لوحات عالميـة – 355

امـرأة بفستـان اصفـر
للفنان النمساوي ماكسيـميليـان كورزويـل ، 1899

بعض الرسّامين ليسوا معروفين على نطاق واسع، مع أن لهم أعمالا مشهورة ومألوفة إلى حدّ ما.
ومن هؤلاء الرسّام ماكسيميليان كورزويل، المولود عام 1867 في بلدة تقع اليوم في جمهورية التشيك.
كورزويل أسّس، مع غوستاف كليمت ورسّامين آخرين، حركة فنّية في فيينا في مطلع القرن الماضي أسموها "الانفصال" أو اتحاد الفنّانين النمساويين.
كانت الحركة تضمّ رسّامين ونحّاتين ومهندسين معماريين. وكان هؤلاء يلتقون في النوادي الليلية وفي المقاهي. وكانت لهم مجلّة تنطق باسمهم تُدعى "الربيع المقدّس".
كانت "الانفصال" ترفض تحويل الفنّ إلى سلعة أو تجارة وتؤكّد على فردانية الفنّان. كما كانت ترفض الأساليب المحافظة التي تركّز غالبا على المواضيع التاريخية والدينية. وقد أرسى أعضاؤها قواعد جديدة للفنّ الحديث واستفادوا من الخطوط القويّة لفنّ عصر الباروك.
وبشكل عام، كان أعضاء الحركة متأثّرين بالانطباعية الفرنسية التي عملوا على نشرها والترويج لها في أرجاء النمسا. وقد اخذوا عن الانطباعيين استخدامهم للألوان الساطعة وإظهار تأثيرات الضوء والظلّ.
في هذه اللوحة ذات الألوان الحيّة والنشطة، يرسم كورزويل زوجته "مارثا" وهي تجلس فوق أريكة. ذراعاها يرتاحان على طرفي الأريكة المطرّزة بأنماط خضراء. ومن الواضح أن الرسّام ركّز على لون الفستان الأصفر أكثر من أيّ شيء آخر، بتبايناته المتناغمة بطريقة ناعمة مع ألوان الأريكة.
الأنماط والألوان الكثيرة في اللوحة تؤشّر إلى افتتان الرسّام بالديكور وبالتصميم الزخرفي. والصورة تعطي انطباعا عن امرأة رصينة وواثقة، مع إحساس ما بالحزن. التعبيرات الواهنة والمنعزلة على وجهها ربّما تتضمّن نبوءة بالنهاية الدرامية والمشئومة لحياة الرسّام.
درس ماكسيميليان كورزويل الرسم أوّلا في أكاديمية فيينا للفنون الجميلة. ثم سافر إلى باريس لمواصلة دراسته، وعرَض بعض أعماله هناك.
وفي عام 1894، عاد إلى فيينا ليدرس رسم البورتريه. وقد تأثّر في رسمه للبورتريه بالرسّامين الانطباعيين الذين كانوا يوظّفون ألوانا أخفّ وأكثر سطوعا.
في عام 1895، تزوّج من مارثا التي تعود أصولها إلى بلدة بريتاني. وكان الاثنان معتادين على قضاء أشهر الصيف في بريتاني والشتاء في فيينا.
شارك كورزويل في العديد من المعارض الفنّية بأعمال مثل هذه اللوحة الموجودة اليوم في متحف فيينا للفنون. كما عمل أستاذا للرسم في أكاديمية فيينا للرسّامين من الإناث.
وقد أقدم كورزويل على الانتحار عام 1916 وهو في سنّ التاسعة والأربعين، بعد أن أطلق النار على إحدى طالباته في الأكاديمية والتي كانت تربطها به علاقة عاطفية.
ورغم أن حياته المهنية كانت قصيرة، إلا انه يُنظر إليه باحترام. ويعتبره الكثيرون احد أعظم ثلاثة رسّامين أنجبتهم النمسا. والاثنان الآخران هما غوستاف كليمت وإيغون شيلا.

Monday, September 08, 2014

لوحات عالميـة – 354

فينـوس وأدونيـس
للفنان الهولندي بيتـر بـول روبنــز، 1635

كان الفنّ في عصر الباروك يتسم بالحسّية وسيادة اللون وحيوية الأشخاص والجاذبية العاطفية. وكان بيتر بول روبنز احد أشهر رسّامي ذلك العصر. وقد عُرف بتوليفاته الضخمة التي تفيض بالنساء المثيرات وبالكيوبيدات والشخصيات الأسطورية.
كان هذا الرسّام يلخّص المثل والقيم الجمالية لهولندا أو البلاد المنخفضة في القرن السابع عشر. وقد تأثّر بلوحات عصر النهضة وبالمنحوتات الكلاسيكية والأدب الإنساني بعد أسفاره المتعدّدة إلى كلّ من ايطاليا واسبانيا.
وعلى الرغم من انه كان كاثوليكيا متديّنا، إلا انه لم يكن ملتزما بالأفكار المتشدّدة في عصره ولم يطبّق الأساليب الأكاديمية والتقليدية السائدة آنذاك. وإلى جانب كونه رسّاما مشهورا، كان روبنز أيضا عالما ودبلوماسيا. وكان يتحدّث الفرنسية والألمانية والاسبانية، بالإضافة إلى لغته الأصلية.
من أشهر لوحاته هذه اللوحة عن الأسطورة الإغريقية التي تحكي قصّة فينوس وأدونيس.
أدونيس، كما تقول الأسطورة، كان أجمل إنسان في العالم. كان مولودا من شجرة. ولم يكن يحبّ شيئا قدر حبّه لصيد الحيوانات.
وقد أحبّته فينوس إلهة الحبّ والجمال وأصبحت متيّمة به بعد سهم أطلقه عليها ابنها كيوبيد. وفي محاولة للفت إعجابه، بدأت ترتدي ثياب ديانا إلهة الصيد. كان أدونيس أحبّ إليها من أيّ شيء آخر. في ما مضى، كان كلّ همّها الاستلقاء تحت ظلال الأشجار أو إظهار جمالها وفتنتها. وهي الآن ترافقه أينما ذهب مع كلابها وأرانبها وأيائلها وتتنزّه معه في الغابات والتلال وعلى ضفاف الأنهار.
لكن فينوس كانت تتجنّب الذئاب والدببة وتحذّر أدونيس من مواجهة الحيوانات الخطيرة بقولها: كن شجاعا مع الجبان، لكن لا تهاجم السباع التي وهبتها الطبيعة سلاحا. واحذر أن تُظهر شجاعتك مع الحيوانات القويّة فتعرّض حياتك، ومعها سعادتي، للخطر. شبابك وجمالك ليس لهما تأثير على قلوب الأسود والنمور. فقط فكّر في مخالبها القويّة. ولا تصطد كلّ ما هو ناعم ورقيق الملمس".
غير أن أدونيس كان من النبل وحبّ المغامرة بحيث لم يستمع لنصائحها. وفي احد الأيّام، هاجمت كلابه خنزيرا برّيّا في مخبئه. وعندما رأى أدونيس ما حدث، تصدّى للخنزير الهائج وطعنه برمح وجرحه. لكن الخنزير انتزع الرمح بأنيابه ثم اندفع وراء أدونيس ونهشه بشراسة، ثم سحبه على الأرض وتركه ينزف حتى الموت.
سمعت فينوس أنين حبيبها المحتضر وهي في عربتها السماوية، ثم رأت من بعيد على الأرض جثّته الساكنة والغارقة في الدم. كان أثر موته عليها رهيبا، فضربت صدرها ومزّقت شعرها وبكته بألم. ثم خلّدت قصّة حبّها له بتحويل دمه إلى زهرة حمراء بلون الدم.
وروبنز في اللوحة يصوّر اللحظة التي تحاول فيها فينوس، وبمساعدة ابنها كيوبيد، عبثا إقناع عشيقها القابل للفناء بالعدول عن قراره بالذهاب لرحلة الصيد لأنهما يعلمان عن مصيره مسبقا وأنه سيتعرّض للأذى.
هذه اللوحة تمثّل الأسلوب المغري الذي تبنّاه روبنز بعد مكوثه الطويل نسبيّا في ايطاليا. وقد رسمها بالقرب من نهاية حياته. وكان وقتها يعاني من آلام المفاصل المزمن. اللون الأحمر اللامع والمبهج فيها يذكّر بكلام الرسّام الايطالي غويدو ريني الذي وصف روبنز ذات مرّة بأنه "الرجل الذي يمزج ألوانه بالدم".
في عصر الباروك، كان يُطلب من الرسّامين عادة أن يرسموا صورا انفعالية ومثيرة تعلن عن تفوّق الكنيسة الكاثوليكية كردّ فعل على ظهور المصلح الديني مارتن لوثر. وكان لوثر قد أسّس آنذاك المذهب البروتستانتي متحدّيا سلطة الكنيسة الكاثوليكية. غير أن هذه اللوحة تتناول موضوعا مختلفا عمّا كان سائدا في تلك الأيّام. وقد كلّف روبنز برسمها الامبراطور جوزيف الأوّل الذي قدّمها بدوره هديّة إلى دوق مارلبورو الانجليزي.
أسطورة فينوس وأدونيس كانت موضوعا مفضّلا في فنّ وأدب عصري النهضة والباروك. ومن أشهر من رسمها بالإضافة إلى روبنز كلّ من تيشيان وفيرونيزي. كما كتب شكسبير قصيدة من وحي القصّة.
ومن الواضح أن روبنز استلهم هذه اللوحة من تيشيان الذي رسم الموضوع في لوحة كان روبنز قد رآها في متحف برادو الاسباني ثم قام باستنساخها عام 1628. وكان تيشيان قد رسم نسختين من لوحته تلك، توجد إحداهما في المتروبوليتان بنيويورك والأخرى في متحف برادو بمدريد.
روبنز كان معجبا بالفنّ القديم. ورغم ذلك فإن شخوص لوحاته واقعيون ومملوءون بالحياة، خاصّة نساءه العاريات اللاتي يبدين اقلّ صرامة وأكثر حسّية. وقد شاع في ما بعد مصطلح الفنّ الروبنزي ليصف رسوماته التي تصوّر نساء بدينات وذوات خصور واسعة ومثيرة.
كان روبنز يدير ورشة رسم كبيرة. وكان من بين مساعديه كلّ من مواطنيه يان بريغل وانطوني فان ايك. كان من عادته أن يرسم الاسكتش الأوّلي للوحة، ثم يعهد به إلى مساعديه، قبل أن يباشر هو وضع اللمسات الأخيرة على العمل. وفكرة أن يتولّى الفنان لوحده رسم اللوحة بالكامل هي فكرة حديثة نسبيّا ولم تكن موجودة زمن روبنز.

Tuesday, September 02, 2014

لوحات عالميـة – 353

مـدام شاربـونتيـيه وطفـلاها
للفنان الفرنسي بييـر رينـوار، 1878

رسم رينوار خلال حياته آلاف اللوحات الجميلة والدافئة. وأصبح بعضها من أشهر الأعمال الفنّية وأكثرها استنساخا في تاريخ الرسم.
كان يبني تفاصيل مناظره من خلال ألوان ولمسات فرشاة حرّة. ولهذا السبب يمتزج شخوصه ويذوبون واحدهم بالآخر وبكلّ ما يحيط بهم.
لوحات رينوار تُظهر تأثّره بلمعان وحيوية ألوان اوجين ديلاكروا وكميل كورو. كما كان أيضا معجبا بواقعية غوستاف كوربيه وإدوار مانيه. وأعماله المبكّرة تشبه أعمالهم من حيث استخدامه للأسود كلون. وكان أيضا مفتونا بالإحساس بالحركة الذي كان يراه في لوحات ادغار ديغا. وهناك رسّام آخر تأثّر به رينوار هو فنّان القرن الثامن عشر فرانسوا بوشيه.
ولأن رينوار كان شخصا يحتفي بالجمال، كانت الأنثى العارية احد مواضيعه الأساسية. ولذا قيل انه كان الممثّل الأخير لاتجاه في الرسم بدأه روبنز وكرّسه واتو.
في العام 1879، وكان رينوار قد أصاب نجاحا وأصبح يرسم الأغنياء والوجهاء، قرّر أن يرسم بورتريها اجتماعيا ضخما. والنتيجة هي هذا البورتريه الموجود اليوم في متحف المتروبوليتان في نيويورك. وفيه يصوّر رينوار مدام مارغريت شاربونتييه التي كانت سيّدة مجتمع باريسية معروفة. كانت هذه المرأة تتمتّع بنفوذ كبير في مجتمع البورجوازية الجديدة، جنبا إلى جنب مع زوجها الذي كان أهمّ ناشر في باريس حينها. أمّا والدها فكان احد اكبر تجّار المجوهرات في فرنسا.
إميل زولا وفلوبير ومالارميه والأخوان غونكور، أي مجموعة الأدباء الفرنسيين الأشهر في فرنسا آنذاك، كانوا جزءا من هذه الدائرة.
وكان لعائلة شاربونتييه منزل فخم في باريس يضمّ عددا من القطع الفنّية ويستقبل الشخصيات الاجتماعية المهمّة، بمن فيهم رينوار نفسه.
كان في بيتهم غرف بديكورات غريبة. وهذه الغرفة التي في الصورة كانت إحداها. كان اسمها الغرفة الشرقية وكانت تضمّ ديكورات وزخارف شرق أوسطية وصينية.
في اللوحة نرى السيّدة شاربونتييه مرتدية فستانا أنيقا، وإلى جوارها ابنها بول ذو الثلاث سنوات الذي يبدو بشعر طويل، بالإضافة إلى ابنتها جورجيت التي تداعب كلب الأسرة.
رينوار قال في ما بعد إن مدام شاربونتييه تذكّره بمن أحبّهن في فترة شبابه وبموديلات فراغونار. "جلست المرأة وطفلاها أمامي طواعية لوقت طويل وبلا مشاكل".
عائلة شاربونتييه كانت دائما تساعد رينوار وقت حاجته. وبالمقابل رسم هو بورتريهات لأفرادها. لكن هذه هي انجح تلك اللوحات بلا منازع. وقد رسمها بناءً على تكليف من السيّدة. كان في ذهن رينوار أن يرسم صورة قريبة من الذوق التقليدي. وعلى ما يبدو، لم يكن هناك أفضل من هذه اللوحة. وعند إتمامها قُدّمت إلى الصالون عام 1879. وقد استغلّت السيّدة نفوذها كي تُعلّق في مكان بارز من الصالون. وبسبب مكانتها الاجتماعية، حقّقت اللوحة نجاحا كبيرا.
لكن لنعد إلى اللوحة قليلا. لاحظ أن كلّ تفاصيل الديكور رُسمت بطريقة ساحرة وجميلة، مع بقع زاهية من المخمل والحرير والفراء والسجّاد والمعدن والبورسلين والأزهار. كل شيء يدلّ على أن هذا المكان مختلف وباذخ. ثم لاحظ حميمية التوليف والألوان المشبعة والضوء المفعم بالحياة، وهي سمات يمكن أن نراها في جميع أعمال رينوار بلا استثناء.
في السنوات الأولى من القرن العشرين، عانى رينوار من التعب والإعاقة في يديه بسبب تأثيرات الروماتيزم. وقد اعتكف في بيته في جنوب فرنسا وأصبح الرسم بالنسبة له مؤلما وأحيانا مستحيلا. كان أحيانا يضطرّ لربط الفرشاة في يده المشلولة. ومع ذلك استمرّ يرسم حتى وفاته في ديسمبر عام 1919.
لكن قبيل وفاته، كانت الحكومة الفرنسية قد اشترت بورتريه مدام شاربونتييه. وقد سافر رينوار إلى باريس كي يرى اللوحة معلّقة في اللوفر. وكان ذلك بمثابة تكريم له من الدولة. وفي مرحلة لاحقة، ابتاع متحف المتروبوليتان في نيويورك هذه اللوحة بثمانين ألف فرنك فرنسي.

Thursday, August 21, 2014

لوحات عالميـة – 352

لا سيـوتا، ساحـل المتوسّـط
للفنان الفرنسي نيكـولا دو ستـال، 1952

ولد نيكولا دو ستال عام 1914 في سانت بطرسبورغ بروسيا لعائلة من العسكر وكبار البيروقراطيين. والده هو الجنرال فلاديمير فون هولستين الذي كان بارونا يعمل في خدمة القيصر نيكولا الثاني. أمّا أمّه فتنتمي إلى عائلة مثقّفة وتمُتّ بصلة قرابة للمؤلّف الموسيقيّ الروسي الكسندر غلازونوف.
بعد اندلاع ثورة 1917، اضطرّت عائلة الرسّام لمغادرة روسيا، وذهبت في البداية إلى بولندا. وبعد خمس سنوات توفّي والداه فأصبح يتيما وهو ما يزال في سنّ التاسعة. وقد وُضع هو وشقيقاته في عهدة عائلة روسية في بروكسل. وفي بلجيكا تمكّنوا من تأسيس حياة مريحة نسبيّا.
وفي تلك الأثناء أبدى نيكولا رغبته في أن يصبح رسّاما، على الرغم من اعتراض عائلته. وقد سجّل عام 1933 في أكاديمية الفنون الجميلة في بروكسل كطالب في الرسم. وفي سبتمبر من عام 1954، غادر ومن بقي من عائلته بلجيكا إلى فرنسا.
وفي باريس أسّس له محترفا على بعد أمتار من استوديو الرسّام جورج براك الذي أصبح واحدا من اقرب أصدقائه. كما تعرّف على موسيقيين وشعراء ورسّامين مشهورين من أمثال جان آرب وسونيا ديلوناي.
وكانت معالم باريس من بين أوّل ما رسمه دو ستال في بداياته. كان يملأ جيوبه بأنابيب الطلاء ويحمل رقعة الرسم ويتمشّى على ضفاف السين. ثم يعود وقد رسم طبيعة بطلاء سميك من الألوان الزرقاء والبنّية والخضراء الشاحبة مع أفق منخفض وسماوات واسعة.
في عام 1937، زار الجزائر، ثمّ قضى بعض الوقت في المغرب التي قابل فيها الرسّامة جان غيلو والتي أصبحت في ما بعد زوجته. وقد رُزقا بطفل، لكن لم تلبث الزوجة أن توفّيت عام 1946 ليترك رحيلها في نفسه فراغا كبيرا.
وفي السنوات التالية ذهب إلى اسبانيا. وأينما حلّ، كان يزور المتاحف ويتأمّل أعمال كبار الرسّامين. غير أن هذه الرحلات زوّدته بمصدر إلهام إضافي ومهم تمثّل في أراضي الجنوب المشبعة بضوء الشمس.
وبحلول بداية الخمسينات، كان دو ستال قد أصبح رسّاما عالميّا مشهورا بعد أن عرض أعماله في باريس وبرلين وكوبنهاغن وغيرها. كما حقّق نجاحا كبيرا في نيويورك ولندن اللتين عرض فيهما بعضا من لوحاته وباع البعض الآخر. كان الطلب على رسوماته كبيرا جدّا لدرجة أن متعهّد أعماله الأمريكي رفع أسعار لوحاته وطلب المزيد منها.
في هذه اللوحة، يرسم دو ستال منظرا تجريديا لطبيعة فرنسية من لا سيوتا، وهي بلدة سياحية تقع في جنوب فرنسا على ساحل المتوسّط أتى على ذكرها الشاعر الرومانسي لامارتين في إحدى قصائده.
دو ستال قسم اللوحة إلى عدد من القطاعات اللونية، الزرقاء والحمراء والبيضاء والسوداء، والمقشورة بطريقة جميلة. ومن الواضح انه تعامل مع سطح الصورة بمثل ما يتعامل النحّات، فوضع طبقات ثقيلة من اللون بعضها فوق بعض باستخدام سكّين. وفي اللوحة، كما في غيرها، يمكنك رؤية أثر ضربات الفرشاة والسكّين بوضوح.
استمرّ دو ستال يرسم لمدّة خمسة عشر عاما ابتداءً من عام 1940م، وأنتج خلال تلك الفترة حوالي ألف لوحة. وأعماله تشي بتأثّره بسيزان وبيكاسو وماتيس وكوربيه ورمبراندت وفيرمير وغيرهم.
ورغم أنه كان يُعتبر دائما رسّاما تجريديا، إلا انه أحيانا ما رسم أشخاصا. وكثيرا ما تهيمن على رسوماته تأثيرات السماء والضوء والظلّ.
وفي نهايات حياته، طرأ بعض التغيير على أسلوبه. فالألوان لم تعد مشبعة بل صار يكتنفها قدر من الضبابية، والطلاء أصبح سميكا ورقعة الرسم مبقّعة وليست مغطّاة بالألوان بالكامل. كما أصبح يوظّف كرات من القطن كي يعزّز حركة الطلاء.
كان من عادة دو ستال أن يعمل بلا طعام أو نوم لعدّة أيّام. وبعد منتصف إحدى ليالي مارس من عام 1955، وكان ما يزال يعمل بمحترفه، شعر بشحوب الضوء وبأن من المتعذّر عليه أن يعمل لفترة أطول. ثم نهض من كرسيّه وابتعد عن اللوحة التي لم تكتمل بعد وأمسك بورقة كتب عليها ثلاثة أحرف. ثم قام بإحراق جميع اسكتشات لوحاته المستقبلية.
ومن نافذة الاستديو الواقع في الدور الحادي عشر من إحدى البنايات في آنتيب، نظر إلى الخارج للمرّة الأخيرة ثم قفز إلى بحر الشارع. وفي وقت متأخّر من تلك الليلة، عثرت امرأة كانت تماشي كلبها على جثّته المشوّهة. وتبيّن انه قُتل في الحال. كان عمره وقتها لا يتجاوز الحادية والأربعين.
كان دو ستال قد عاش قبل ذلك فترة من التعب والإرهاق والاكتئاب. وقيل انه اتخذ قراره بإنهاء حياته بعد لقاء عاصف مع احد النقّاد المشاكسين الذي أهانه وحطّ من قدره. وهذا هو التفسير الذي أصبح مقبولا ومتداولا في ما بعد.
ما من شكّ في أن نيكولا دو ستال كان رسّاما ناجحا تجاريّا ونقديّا، وكان الطلب على لوحاته كبيرا. وقد عانى كثيرا في حياته الشخصية، حيث ذاق مرارة المنفى وفقدان الوالدين وهو في سنّ مبكرة، ثم فُجع بفقد زوجته. وكانت هذه الصدمات كبيرة جدّا بحيث لم يستطع تحمّلها.
ولا تزال لوحاته مطلوبة كثيرا هذه الأيّام وربّما أكثر من أيّ وقت مضى. وقد بيعت إحداها في المزاد بفرنسا قبل ثلاث سنوات بمبلغ سبعة ملايين يورو.

Friday, August 15, 2014

لوحات عالميـة – 351

يقظـة ضميـر
للفنان البريطاني وليام هولمان هانت، 1853

لو نظرت إلى هذه اللوحة في سياق زمننا الحاضر أو بمعايير الرسم السائدة لضحكت من سذاجة موضوعها، رغم أن هذا كان يُعتبر موضوعا جريئا في منتصف القرن التاسع عشر.
كانت المرأة الخاطئة موضوعا مفضّلا في الفنّ الفيكتوري. وكان الرسّامون من تلك الفترة متحمسّين لرسم هذه الفكرة. في ذلك الوقت كانت الدعارة متفشّية في المجتمع الانجليزي. عبارة "الشرّ الأخلاقي" كانت أيضا رائجة وقتها، وهي تشير إلى المرأة التي تدخل في علاقة خارج الزواج.
وكان الناس آنذاك يؤمنون بحكمة تقول إن المرأة متى سقطت فإنها تنحرف إلى البغاء، ثم المرض، فالموت غرقا غالبا. وكثيرة هي اللوحات من تلك الفترة التي تتضمّن رسائل تحذّر من تجاوز الخطوط الأخلاقية المتعارف عليها.
ولم يكن هناك تمييز بين امرأة وأخرى. فالجميع مذنبات بلا استثناء. حتى المرأة التي تعمل خادمة في بيت رجل يمكن أن تكون زانية. وكان الناس وقتها يعتقدون بأن مجرّد الحديث عن هذا الموضوع يُعدّ أمرا معيبا.
لكن بالنسبة للرسّامين ما قبل الرافائيليين، كان هذا موضوعا مفضّلا بسبب تأثير الكنيسة عليهم وقانون الأمر بالعفّة. الرسّام وليام هانت كان ضدّ أن تُختصّ المرأة لوحدها باللوم على انحرافها. كان يعتبر ذلك ازدواجا في المعايير. بل كان يؤمن بأن المسئولية الأعظم في انحراف المرأة تقع على كاهل الرجل نفسه.
في اللوحة يرسم هانت رجلا وامرأة داخل غرفة. المرأة التي ترتدي فستانا ابيض طويلا موشّى بالحرير في أسفله تترك حضن الرجل فجأة. عيناها الواسعتان تنظران بعيدا خارج فراغ الإطار. أما الرجل فيلبس سترة غامقة ويستند على كرسي بينما يطوّق بذراعه المرأة الواقفة. انه ينظر إليها باستغراب وهي لا تردّ على نظراته.
الأثاث في الغرفة باذخ. وهي تحتوي على زخارف كثيرة على الجدار وعلى السجّاد الأحمر. وهناك أيضا بيانو وبجواره نوتة موسيقية، ومرآة ضخمة تملأ الجزء الأيسر من اللوحة وينعكس عليها جانب من شخص المرأة من الخلف.
من الواضح أن كلّ احتياجات المرأة المادّية في البيت وفّرها الرجل. وهما يجلسان معا ويعزفان على البيانو ذات ظهيرة جميلة. النوتة الموسيقية على البيانو هي لأغنية بعنوان "في سكون الليل". كانت هذه الأغنية مشهورة في ذلك الحين. وكلماتها تتحدّث عن الفرص الضائعة والذكريات الحزينة عن ماض أكثر سعادة.
ويبدو أن الأغنية التي يعزفها الرجل حرّكت وترا حسّاسا داخل المرأة وأثارت بعض مواجعها. إنها تهبّ واقفة وتحدّق عبر النافذة، وعلى وجهها آثار الإحساس بالذنب. الرجل لا يرى وجهها ولا يلاحظ التحوّل الذي طرأ عليها، لذا هو مستمرّ بالغناء وبضرب المفاتيح بلا اهتمام.
الرسّام يريدنا أن نعرف أن المرأة في اللوحة هي خليلة الرجل، أي انه يستخدمها فقط وليس في نيّته الزواج منها. كما أنها تعتمد عليه بالكامل. وعندما يهجرها، وهو ما يحصل في معظم الأحيان، فإنها تنتهي إلى الإدمان والدعارة.
لكن يبدو أن "طيفا مقدّسا ما" ظهر لهذه المرأة على غير انتظار، ويُفترض انه سيغيّر حياتها وظروفها ويساعدها على أن تعيش حياة صلاح وتقوى.
بعض النقّاد وصفوا اللوحة بأنها قبيحة وغير مفهومة. ومع ذلك يمكن القول أنها صورة سردية بامتياز، أي أنها تحكي قصّة. كما أن تفاصيلها كثيرة وألوانها متوتّرة وتوليفها معقّد إلى حدّ ما. وبالإضافة إلى هذا، فهي مليئة بالرموز والإشارات. إلى الأسفل، مثلا، نرى قطّة تقبع تحت الطاولة وهي تعابث طائرا، في إشارة إلى أن الرجل يعبث هو أيضا بالمرأة. وعلى الجدار العلويّ إلى اليمين لوحة تصوّر القصّة الدينية التي تحكي عن نساء ينحرفن نحو البغاء.
الموديل في اللوحة هي آني ميللر رفيقة الرسّام. وقد التقطها من احد الأحياء الفقيرة وجلبها لكي تعمل في بيته. ثم لم يلبث أن عرض عليها الزواج وأن تترك حياتها الماضية لكي تعيش معه بكرامة، ولكنها لم تعمل بنصيحته. وعندما أراد الحجّ إلى فلسطين تركها في عهدة احد زملائه مع تعليمات مشدّدة منه بأن يحافظ عليها وأن لا يستغلّها.
كان وليام هانت إنسانا متديّنا جدّا. ولذا كان تركيزه دائما على رسم المواضيع الأخلاقية. وبعد أن أتمّ رسم هذه اللوحة، ذهب إلى فلسطين حاجّا ومتأمّلا. كان يؤمن بأن الفنّان إن أراد رسم مواضيع دينية عليه أن يذهب إلى مصدر الإلهام، رغم أن الرحلة إلى القدس في تلك الأيّام كانت خطيرة ومكلّفة وصعبة.