Thursday, March 17, 2016

لوحات عالميـة – 372

عائلـة داريـوس أمـام الاسكنـدر
للفنان الايطالي باولـو فيـرونيـزي، 1565

تصوّر هذه اللوحة حادثة مهمّة ذكرها المؤرّخون القدامى. وأصل القصّة يعود إلى العام 333 قبل الميلاد، عندما ألحق الاسكندر المقدوني الهزيمة بداريوس ملك الفرس وآخر ملوك الدولة الإخمينية في معركة ايسوس.
وقد نجا داريوس من الأسر عندما فرّ من ميدان المعركة. لكنّ والدته وزوجته وابنتيه اُخذوا أسرى. وطبقا لـ بلوتارك، فقد منحهم الاسكندر العفو وعاملهم باحترام.
وفي تفاصيل القصّة أن الاسكندر ذهب إلى خيمة عائلة الملك المهزوم مصطحبا معه هيفاستيون مساعده ومستشاره وصديق طفولته، لتأمينهم وطمأنتهم.
واللوحة تصوّر ذلك المشهد الدرامي المهيب. والدة داريوس تجثو أمام الاسكندر وتتوسّل إليه بأن يُبقي على حياتها وعائلتها. وخلف الأمّ تقف زوجة داريوس وابنتاه، بينما الاسكندر يقف إلى اليمين مرتديا ملابس حمراء ومحاطا بجنوده وحرسه ومشيرا بيده إلى مساعده المقرّب الواقف إلى يساره.
بعض المصادر التاريخية تذكر أن والدة داريوس ركعت أمام هيفاستيون ظنّا منها انه الاسكندر، لكن احد المرافقين لفت انتباهها لذلك الخطأ، فما كان من الاسكندر إلا أن تدخّل مؤكّدا أن لا فرق بينه وبين مساعده.
وخلف الزوجة، يقف رجل ملتح قد يكون مترجما أو مرافقا، كما يمكن رؤية عدد من الجند يراقبون ما يحدث، بالإضافة إلى كلب وقرد وولد يستريح على درع. وهناك أيضا منظر غامض لحصان ضخم يقف في أقصى اليمين.
من الواضح أن الرسّام ركّز بشكل خاص على شخص الاسكندر. لكن اللوحة تمتلئ بالتفاصيل الكثيرة التي ربّما كان الهدف منها ملء الفراغ.
والحقيقة أن لا أحد يعرف إن كان شخص ما كلّف الفنّان فيرونيزي برسم هذه القصّة، أو انه رسمها لأنه قرأ عنها فأعجبته. الاحتمال الأخير مرجّح، لأن الحادثة تتضمّن لفتة فروسية وتنطوي على معنى أخلاقيّ.
فالقائد المنتصر، أي الاسكندر، يظفر بعائلة خصمه، لكنه يعفو عنهم ويعاملهم معاملة لائقة فيحفظ لهم ألقابهم وامتيازاتهم الملوكية. ورغم أن زوجة داريوس، واسمها ستاتيرا، كانت مشهورة بجمالها، إلا أن الاسكندر لم يرغب في الاقتراب منها بل عاملها وابنتيها بكلّ تكريم واحترام.
الرسّام لم يتمسّك بحرفية وصف المؤرّخين للحادثة. فاللقاء بين الاسكندر وعائلة داريوس في اللوحة يجري في قاعة قصر فخم وليس في خيمة. وأعمال الخشب والرخام والديكور تحمل بصمة فينيسيا التي عاش فيها الرسّام ولا علاقة لها بفارس القديمة ولا ببلدان الشرق عامّة.
ويقال بأن فيرونيزي استعار صور بعض معاصريه ليضمّنها في اللوحة، كما جرى العرف في رسم المواضيع التاريخية. فالنساء الجاثيات هنّ زوجة الرسّام وابنتاه، والرجل الذي يقدّمهنّ ويرتدي لباسا بنفسجيّا هو الرسّام نفسه.
التصميم المسرحيّ الذي صنعه فيرونيزي للوحة، والخلفية البيضاء من الرخام، والأرضيّة ذات الألوان الخفيفة، وكلّ تفاصيل الهندسة المعمارية التي تنظّم حركة الشخصيات؛ هذا النوع من التفاصيل هو ما كان يفضّله في أعماله. وقد رسم اسكتشات ومراجعات عديدة للوحة، كما أضاف الشرفة في الخلفية والعديد من الشخوص.
هذه اللوحة اعتُبرت من أعظم لوحات فينيسيا. وقد جذبت إعجاب العديد من الكتّاب، منهم غوته وراسكين وهنري جيمس. غوته، مثلا، ذكرها بإعجاب في سياق حديثه عن وقائع زيارته لفينيسيا في نهاية القرن الثامن عشر. وقد رآها أثناء مكوثه في قصر بالاتزو بيساني موريتا، وأكّد على القصّة التي تقول إن فيرونيزي رسم اللوحة وأهداها لعائلة بيساني كلفتة شكر وعرفان لهم على استضافته في القصر.
نخبة فينيسيا في ذلك الوقت كانوا من الأغنياء والمتعلّمين. وكان هؤلاء معتادين على أن ينفقوا المال ببذخ للتشاوف والتفاخر بثقافتهم وذوقهم في الفنّ والعمارة.
في عام 1664، حاول وكلاء ملكة السويد كريستينا شراء اللوحة، وتفاوضوا مع سفير فينيسيا في روما آنذاك، لكن الثمن المطلوب كان باهظا.
وفي عام 1856، وبعد مفاوضات دامت أربع سنوات، قرّر رئيس الناشيونال غاليري بلندن شراء اللوحة مقابل أربعة عشر ألف جنيه استرليني. واعتُبر اقتناء الغاليري البريطانيّ لها انتصارا ثقافيا، لدرجة أن الملكة فيكتوريا قامت بزيارة خاصّة للغاليري لكي تراها.
اللوحة ضخمة، عرضها خمسة عشر قدما، وطولها ثمانية أقدام. وفي ما بعد، عندما رآها الكاتب هنري جيمس أثناء زيارة له للندن وصفها قائلا: رأيت الاسكندر في إهاب شابّ فينيسيّ وسيم يرتدي بنطالا قرمزيّ اللون. وما من شكّ في أن وجود هذه اللوحة يبعث وهجا دافئا في ليل لندن البارد".
يمكن القول أن جمال هذه اللوحة يكمن في براعة الرسم والتخطيط والتحكّم في الضوء والظلّ واختيار الألوان. ولا عجب في هذا، فرسّامو فينيسيا كانوا يعتبرون فيرونيزي الملوّن الأعظم.
ومع ذلك كان هو اقلّ شخصيات رسّامي عصر النهضة الفينيسية الثلاثة اعتبارا وقيمة، والآخران هما تيشيان وتنتوريتو. ولطالما نُظر إليه، وحتى منتصف القرن الماضي، باعتباره رسّاما ومزيّنا بارعا أكثر منه معلّما عظيما.
صحيح أن بعض لوحاته تمتّع العين وتبهج المشاعر، لكن لا يبدو أن الكثيرين يقفون أمامها طويلا في المتاحف هذه الأيّام، لأن هناك من النقّاد ومن المهتمّين بالرسم من يعتبرون فيرونيزي ولوحاته "موضة قديمة".
المشكلة أن الناس أصبحوا يفضّلون الانفعالات والدراما على الجمال المحض. ولوحات فيرونيزي، على الرغم من جمال ألوانها وتفاصيلها، ليس فيها تلك الدراما المثيرة ولا التعبيرات اللافتة.
في الرسم، أكثر من أيّ شيء آخر، كان فيرونيزي يعرف كيف يمجّد رعاته بإظهار ثرواتهم ومكانتهم ومعرفتهم الواسعة.
وبحسب بعض النقّاد، فإن مذهب المتعة الذي كان يؤمن به الرسّام ورعاته قد يكون السبب في أن الناس في العصر الحديث ينظرون إليه على انه رسّام متصنّع مهتمّ برسم الأماكن الفخمة والحشود الكثيرة أكثر من اهتمامه بالتقاط جوهر ومضمون وروح المشاهد التاريخية التي كان يرسمها.
لكن قد يكون عذره انه درس النحت في بداياته، والنحت يعتمد على الحركات والإيماءات والإشارات. وظلّت تجربته وخبرته تلك في النحت أساسا لأسلوبه في رسم الصور الذي يُفترض انه يعتمد على التعبيرات والمشاعر والانفعالات.

Saturday, March 12, 2016

لوحات عالميـة – 371

صـانعـات التبـغ
للفنان الاسباني غونثـالو مارتينـيز بيلبـاو، 1915

هناك ثلاث ملاحظات أوّلية عن هذه اللوحة. الأولى أنها أشهر أعمال الرسّام غونثالو بيلباو. والثانية أن اللوحة أصبحت منذ ظهورها بمثابة تحيّة ورمز للمرأة العاملة. والملاحظة الثالثة اختيارها لتظهر في فيلم "كارمن" المأخوذ عن أوبرا للمؤلّف الموسيقيّ الفرنسيّ جورج بيزيه.
أمّا المكان الذي يصورّه الرسّام فكان أوّل مصنع للتبغ تمّ افتتاحه في مدينة اشبيلية. وكانت شركة خاصّة قد افتتحت المصنع في بدايات القرن الثامن عشر، أي قبل رسم اللوحة بحوالي قرنين.
المعروف أن اشبيلية أصبحت منذ ذلك الحين مركز تجارة التبغ وذلك بعد أن لاحظ الإسبان أن سكّان أمريكا الأصليين، أي الهنود الحمر، يدخّنون النبتة.
في اللوحة ينقل الفنّان بطريقة واقعية جوّ يوم من أيّام العمل في المصنع. في المقدّمة، نرى أمّين ترضعان طفليهما وسط ابتسامات زميلاتهما، بينما تتابع النساء الأخريات أعمالهنّ الروتينية.
تفاصيل اللوحة وألوانها شديدة الواقعية كما هو واضح. الضوء يغمر الداخل من خلال الممرّ والفتحات الجانبية، وهناك تلاعب جميل بالمنظور. أسلوب مقاربة الرسّام للمنظور يسمح لنا بالنظر عميقا إلى داخل الممرّ حيث تعمل نساء أخريات.
من الأشياء اللافتة للاهتمام في اللوحة الملابس القشيبة المطرّزة للنساء والأزهار في شعورهنّ ونظرات الحنان الامومية والسعادة المنعكسة على الوجوه مانحة إحساسا بالحرّية والقناعة.
في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وفي العديد من مدن اسبانيا، عملت جماعات كثيرة من النساء في مصانع التبغ في الأندلس واشبيلية وقادش وبلنسية ومدريد واستورياس وغيرها من المدن.
وكان مصنع التبغ في اشبيلية هو أوّل مصنع يوظّف النساء بدءا من العام 1730م. وكنّ يعملن ابتداءً من سنّ الثالثة عشرة، ولم يكن هناك سنّ محدّد للتقاعد.
كما كان مسموحا للأمّهات العاملات بإحضار أطفالهنّ معهنّ لإرضاعهم ورعايتهم أثناء الاستراحة المخصّصة لذلك.
كان هذا المصنع من اكبر مصانع التبغ في أوربّا، وكان يعمل فيه أكثر من ستّة آلاف امرأة. كانت الرواتب آنذاك زهيدة للغاية. لكن كانت النساء يُمنحن إجازات ولادة وأمومة وتأمينا طبّيا وعلاجا مجّانيا وبدلات وحوافز أخرى.
في ما بعد، تمّ تغيير اسم المصنع إلى "كارمن" على اسم مسرحية جورج بيزيه. وكارمن هو اسم أشهر ماركة سجائر أنتجها المصنع. كما أنه اسم بطلة الأوبرا، وهي فتاة غجرية جميلة تفتن الرجال في إحدى الأساطير التي ارتبطت بمدينة اشبيلية من قديم.
المعروف أن بيزيه استلهم موضوع مسرحيّته الغنائية من آلاف النساء العاملات اللاتي رآهنّ يعملن في المصنع في القرن التاسع عشر.
كانت كارمن امرأة متحرّرة اقتصاديّا، ومن ثم متساوية في علاقتها مع الرجال. غير أن الطبقة البورجوازية كانت تربط بين عمل المرأة وتردّي الأخلاق. وقد راجت في ذلك الوقت أسطورة تقول إن تدخين سيجارة صنعتها امرأة يمكن أن يتسبّب في إثارة الرجل جنسيّا وقد يؤدّي إلى هلاكه.
لوحة بيلباو هذه هي واحدة من سلسلة من اللوحات التي خصّصها لصناعة التبغ في اشبيلية. وهناك من يقول إنه استلهمها من لوحة لاس هيلانديراس "أو أسطورة اراكني" لـ دييغو فيلاسكيز.
بشكل عام، تتحدّث صور بيلباو عن الأخلاقيات وعن الخصوصية المناطقية، كما أنها تحتوي على بعض الرموز. وهي في نفس الوقت تعكس اهتمامه واحترامه للطبقة العاملة التي تسهم بفاعلية في نهوض المجتمع والدفع بالاقتصاد إلى الأمام.
ولد غونثالو مارتينيز بيلباو عام 1860 في اشبيلية لعائلة موسرة. وفي بداياته تتلمذ على يد الفنّان خوسيه اراندا، ثم بدأ مزاولة الرسم وهو في سنّ العشرين. وفي تلك المرحلة بدأ استنساخ بعض لوحات فيلاسكيز وغويا التي سبق أن رآها في متحف البرادو.
لكن، وبإصرار من والده، درس القانون وتخرّج من الجامعة عام 1880. غير انه لم يمارس المحاماة لأنه كان قد قرّر تكريس كلّ وقته وجهده لدراسة الرسم والموسيقى.
ولأنه حقّق نتيجة جيّدة في القانون، أرسله والده إلى ايطاليا وفرنسا. وفي باريس زار عددا من المتاحف ومحترفات الرسّامين الفرنسيين والإسبان الذين كانوا قد تقاعدوا في العاصمة الفرنسية.
مكث الفنّان في ايطاليا ثلاث سنوات قضى معظمها في روما. كما سافر إلى عدّة مدن أخرى مثل نابولي وفينيسيا حيث رسم فيهما مناظر حضرية وريفية قبل أن يعود إلى اسبانيا.
غير أن شخصيّته المتقلّبة حالت بينه وبين العيش في اشبيلية، لذا كان يتنقّل من مكان لآخر بحثا عن طبيعة يرسمها. وكان مكاناه المفضّلان كلا من طليطلة وسيغوفيا.
وفي ما بعد سافر بيلباو إلى المغرب بحثا عن الإلهام ومكث فيها أشهرا، ثمّ عاد مرّة أخرى إلى باريس للبحث عن اتجاهات فنّية جديدة، ولكي يبيع اللوحات التي كان قد رسمها أثناء رحلته إلى المغرب.
وحوالي بدايات القرن الماضي، أصبح أستاذا للرسم في أكاديمية الفنون الجميلة في اشبيلية. ثم عُيّن رئيسا للأكاديمية.
كان بيلباو يعمل بجدّ ونشاط حتى وفاته. وقد كرّس حياته للرسم، وكانت له ارتباطاته وعلاقاته بعالم التبغ الذي رسمه بطريقة لا تخلو من رومانسية. كان ملوّنا عظيما تأثر بالانطباعيين، لكنه لم يتخلَّ عن أسلوبه التقليدي في رسم الطبيعة.
وبعض لوحاته الأخرى يمكن اعتبارها دروسا حيّة في حبّ الإنسان لوطنه ولعمله. وقد استفادت من أسلوبه الواقعيّ المميّز أجيال متتالية من الرسّامين الإسبان.
وعند وفاته في العام 1938 تبرّعت زوجته بمجموعة من أعماله لمتحف الفنّ في اشبيلية، وخُصّصت لتلك الأعمال صالة منفردة.
أما بالنسبة لمصنع التبغ، فمع مرور الزمن دخلت الآلة مجال التصنيع ما أفقد العديد من العمّال وظائفهم. ثمّ شيئا فشيئا بدأ الناس يفتقدون رؤية اولئك النساء بملابسهنّ الزاهية وبأزهارهنّ التي تميّزهنّ.
وفي بداية عام 2003، أعلن مصنع كارمن للتبغ عن إغلاق أبوابه نهائيا بسبب ما قيل عن انخفاض مبيعاته وتدنّي عوائده. وبإغلاقه انتهت حقبة ثقافية واجتماعية مميّزة من تاريخ اسبانيا امتدّت لأكثر من مائتي عام.

Sunday, March 06, 2016

لوحات عالميـة – 370

تابلو رقم 2 (أو توليف رقم 7)
للفنان الهولنـدي بِـيـت مـونـدريــان، 1913

مثل العديد من روّاد الرسم التجريدي، كان دافع بيت موندريان الأساسيّ روحيّا، وكان فنّه مرتبطا جدّا بدراساته الروحانية والفلسفية. وهو من خلال لوحاته كان يهدف إلى تصفية العالم وإعادته إلى جوهره النقيّ.
ولكي يحقّق هذا الهدف، كان يفضّل مبادئ معيّنة، كالاستقرار والثبات والروحانية. وإطاره الفلسفيّ كان أفكار الأفلاطونية الجديدة ونصوص الكتّاب المنتمين للمجتمع الثيوصوفي الهولنديّ الذي كان موندريان احد رموزه منذ عام 1909.
منذ ذلك الوقت، أصبح موندريان مهتمّا بالحركة الثيوصوفية التي أطلقتها هيلينا بلافاتسكي في أواخر القرن قبل الماضي. كانت بلافاتسكي تعتقد أن الإنسان من خلال المعرفة الروحية يمكن أن يتحصّل على معرفة أكثر عمقا بالطبيعة ممّا لو استخدم لذلك أساليب تجريبية. وكلّ أعمال موندريان وحتى نهاية حياته كانت بحثا عن تلك المعرفة واستلهاما لها.
"تابلو رقم 2 أو توليف رقم 7" رسمها موندريان بعد عام من وصوله إلى فرنسا. واللوحة تمثّل احترامه وانجذابه المستمرّ نحو المدارس والأساليب الجديدة في الرسم.
وقد قيل دائما إن من الضروري أن ترى اللوحات الأصلية لموندريان كي تستمتع بتفاصيلها وتقدّر جمالها. والنسخة الأصلية من هذه اللوحة فيها طاقة وجمال لا توفّرهما ولا توصلهما الصور المستنسخة. وربّما ليس من المتيسّر إعطاء وصف كافٍ للجودة التي رُسمت بها، ابتداءً من المزج البارع للألوان والنسيج والطبقات أو غيرها من اللمسات الجميلة، كالنوتات المتألّقة للون الأصفر.
الأسلوب المتّبع في اللوحة استلهمه الرسّام من التكعيبية التحليلية، وقد قام بتجزئة الموتيف، وهو في هذه الحالة شجرة، إلى شبكة من الخطوط السوداء المتداخلة والأسطح اللونية التي يغلب عليها الألوان الصفراء والرمادية والبيضاء وتدرّجاتها، ما يذكّر بألوان التكعيبية.
في الشجرة، وهي احد موتيفات موندريان المفضّلة، كلّ ما هو أفقيّ يرمز للطبيعة، وكلّ ما هو عموديّ يرمز للإنسان. والجذع يمثّل وعي الإنسان في مواجهة التنوّع اللانهائي للعالم الذي تمثّله وترمز إليه الأغصان.
وهذه اللوحة وغيرها توضح أن اهتمام موندريان الأكبر هو أن يتصالح مع البعد الثنائيّ للسطح المرسوم، كما أنها تؤكّد على رفضه للتقليد الذي كان يعتبره محاكاة خادعة للواقع.
ولد بيت موندريان في هولندا لعائلة محافظة وتلقّى تربية بروتستانتية صارمة. كان ثاني أبناء العائلة. وكان والده معلّما في مدرسة. وقد تعرّف على الرسم منذ سنّ مبكّرة جدّا.
وفي عام 1892 دخل أكاديمية الفنّ التشكيليّ في أمستردام، وبعد تخرّجه أصبح أستاذا للرسم ورسّاما. وأعماله المبكّرة تغلب عليها الصفة الانطباعية، ومعظمها كانت مناظر طبيعية ورعوية من بلده الأمّ تصوّر طواحين هواء وحقولا وأنهارا وذلك بأسلوب الانطباعيين الهولنديين.
وبعد ذلك أصبح يرسم لوحات فيها قدر من التجريد عبارة عن مناظر خافتة لأشجار وبيوت غير واضحة المعالم ومنعكسة في مياه ساكنة. وربّما يوفّر البحث في تلك الأعمال المبكّرة دليلا عن جذور التجريدية التي ظهرت مستقبلا عند موندريان.
وعلى كلّ حال كان الفنّان ما يزال يبحث عن أسلوبه الفنّي الخاصّ عندما رأى لوحات بيكاسو وجورج براك في معرض أقيم في أمستردام عام 1911. وقد شجّعه ذلك على أن يذهب إلى باريس للمزيد من الدراسة والاطلاع.
وفي باريس تعلّم شيئا عن النقطية والوحوشية وأظهر تأثيراتهما في بعض لوحاته آنذاك. لكنه ذهب بعد ذلك إلى ما هو ابعد عندما اطلع عن قرب على التجريدية والتكعيبية وأصبح يرسم على منوالهما.
كان موندريان في كتاباته يتحدّث عن الطبيعيّ كما يمثّله الأفقيّ، وعن الروحيّ كما يمثّله العموديّ. وبناءً عليه قد تكون الشجرة في اللوحة استعارة بصرية للبحث عن توازن ما بين الهويتين المتباينتين للطبيعة وللإنسان.
والفكرة الروحية عنده تتمثّل في أن تناغم الكون يتجسّد في الطبيعة. كما أن العناصر الأفقية والعمودية لتوليفاته موضوعة ومرتّبة لخلق سيميترية متوازنة تضاهي التوازن الديناميكيّ لعالم الطبيعة.
يقول احد النقّاد أن مبعث المتعة في النظر إلى لوحات موندريان يعود إلى توازنها غير العاديّ والذي يلفت الاهتمام ويثير الإعجاب. ويضيف إن ما يثيرنا فيها أنها مدهشة وغريبة وغير متصوّرة وغامضة. وتصاميمها مجرّدة، ليس فقط من التجسيد "أي من الصور"، وإنما أيضا من الأشكال والنسيج، بل وحتى من الفراغ الصوريّ الذي نجده في لوحات رسّامين مثل بولوك ودي كوننغ مثلا.
خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، استمرّ موندريان في تبنّي المزيد من التجريد رافضا الخطوط القُطرية. كما أصبح يقلّل من اعتماده على مواضيعه المفضّلة، أي الأشجار ومناظر البحر والعمارة لأنه لم يكن يرى ضرورة لإعادة إنتاج المظهر العابر للأشياء. كان يقرأ ويترجم الأشكال كرموز لدنة أو مطواعة لواقع أكثر عمقا، وكاستعارات بصرية لمعاني الوجود.
عندما بلغ بيت موندريان الحادية والسبعين من عمره، أي في خريف عام 1943، انتقل إلى محترفه الذي انتهى من تأسيسه في مانهاتن والتي كان يعتبرها أفضل مكان أقام فيه.
لكن المؤسف انه عاش فيها لبضعة أشهر فقط قبل أن يتوفّى في فبراير من عام 1944 بالتهاب رئويّ. وقد دُفن في بروكلين بنيويورك، وكان من بين من حضروا جنازته زملاؤه مارك شاغال وفرناند ليجيه ومارسيل دوشان وغيرهم.
وبعد رحيله قام صديقه وراعيه الثريّ هاري هولتزمان بتوثيق محتويات محترفه على فيلم قبل أن يعلن عن افتتاحه للعامّة. كما أسّس هولتزمان جمعية اسماها "وديعة موندريان - هولتزمان"، وعهد إليها بمهمّة نشر الوعي بأعمال الرسّام والتأكّد من أصالة لوحاته.

Thursday, February 18, 2016

لوحات عالميـة – 369

دانتي يقابل بياتريس في بونتي سانتا ترينيتا
للفنان البريطاني هنـري هـوليـداي، 1883

هذه اللوحة الأيقونية هي أهمّ وأشهر أعمال الرسّام هنري هوليداي. وفكرتها مستلهمة من السيرة الذاتية لشاعر القرون الوسطى الايطالي دانتي الليغييري (1265-1321).
وفيها يصوّر الرسّام اللحظة المصيرية التي يقابل فيها دانتي ملهمته بياتريس بوتيناري على ضفاف نهر الآرنو في فلورنسا.
ونفس هذه اللحظة هي التي سبق لدانتي أن ذكرها بتفاصيل شعرية دقيقة في كتابه "لا فيتا نوفا" أو الحياة الجديدة.
كان الرسّام هوليداي مهتمّا كثيرا بدانتي. وكان قد رسم للشاعر وبياتريس لوحة أخرى قبل ذلك وهما طفلان أثناء لقاء لهما في حديقة والدها.
في اللوحة نرى منظرا لشارع في فلورنسا يقع في لوغارنو بمنطقة بونتي سانتا ترينيتا. هنا يقابل دانتي بياتريس التي تظهر مرتدية فستانا أصفر، ترافقها وصيفتاها جيوفانا بفستان أحمر ومونا فانا التي ترتدي فستانا ازرق.
دانتي يظهر في الجزء الأيمن من اللوحة وهو ينظر بخجل وارتباك، بينما تحوّل بياتريس نظرها بعيدا عنه. إنها تتجاهله ولا تردّ تحيّته بعد أن سمعت شائعات عن حبّه لنساء أخريات. والمرأتان الأخريان تحاولان قياس ردّ فعله على إعراض بياتريس عنه.
نظرات النساء وحركات أجسادهنّ تكفي لخلق قصّة درامية. وهذا التبادل البصريّ الذي يركّز بالأخصّ على نظرة الأنثى هو ما ألهم الشاعر بأن يبدأ احتفالية حبّه العظيم.
تذكر المصادر التاريخية أن بياتريس تزوّجت من رجل آخر، وتوفّيت بعد ثلاث سنوات من زواجها وهي في سنّ الرابعة والعشرين. وقد حزن عليها دانتي حزنا عظيما وظلّ مخلصا لها بقيّة حياته وبقيت على الدوام مصدر إلهامه الأوّل وذكرها في معظم أعماله الشعرية، مثل "الحياة الجديدة" و"الكوميديا الإلهية".
وأغلب الظن أن بياتريس لم تحبّ دانتي أبدا وماتت دون أن تقرأ حتى ولو سطر واحد من أشعاره فيها. ويبدو انه أحبّها من بعيد معظم حياته، وعلى الأرجح لم يتقابلا وجها لوجه.
في القرن الثالث عشر، كانت الزيجات المرتّب لها مسبقا هي القاعدة في فلورنسا، خاصّة بين أفراد الطبقات العليا التي كان ينتمي إليها كلّ من دانتي وبياتريس. لذا لم يكد الشاعر يبلغ سنّ الحادية والعشرين حتى تزوّج من فتاة تُدعى جيما دوناتي.
كان حبّ دانتي لبياتريس حبّا مثاليّا وصعب المنال لأنه كان قائما على الاحترام والإعجاب. وهي لم تكن تعلم شيئا عن عمق محبّته لها. ومع ذلك أصبحت هذه المرأة احد أشهر الشخصيّات في الأدب الكلاسيكيّ، بل وحقّقت خلودا أدبيّا نادرا برغم حياتها القصيرة.
يمكن القول أن هذه اللوحة تُعتبر إحدى أكثر الصور استنساخا في عصرها لأسباب من بينها أنها تُظهر امرأتين بملابس شبه شفّافة. وقد ركّز الرسّام التوليف على التعبيرات الأمامية للنساء الثلاث أثناء مرورهنّ من أمام الشاعر المتعفّف الواقف جانبيّا.
التعبيرات التمثالية والرزينة لبياتريس في اللوحة تتباين مع وقفة المرأتين الأخريين اللتين تبدوان وكأنهما تترقّبان ردّ فعل الشاعر. وواضح أنهما تتعاملان مع اللمحة العجلى لبياتريس كما لو أنها تنظر إلى معجب.
أما نظرات دانتي في اللوحة فقد تكون من بين أكثر النظرات إلهاما وأهميّة في تاريخ الأدب. غير أن الكتّاب والرسّامين على مرّ السنين اهتمّوا أكثر بتعبيرات النساء ونظرات عيونهنّ. في ذلك الوقت لم يكن مألوفا أن تحدّق النساء في الرجال بشيء من الاهتمام.
هذه اللوحة كانت نتيجة دراسة متأنّية للرسّام في فلورنسا التي سافر إليها عام 1881. وكان حريصا على تصوير الطابع الحضريّ للمدينة التي عاش فيها دانتي لكي تخرج اللوحة صحيحة ودقيقة من الناحية التاريخية.
ولهذا الغرض أعدّ مخطّطا للموضوع وبضع دراسات. كما أجرى بحثا للمكان، واكتشف أن لوغارنو كانت في القرن الثالث عشر مرصوفة بالطوب وكان فيها دكاكين ومحلات قام بتضمينها في اللوحة. كما اكتشف أن الجسر كان قد دمّره فيضان في عام 1235 بينما كان ما يزال تحت الإنشاء.
كانت تلك الزيارة مصدر إلهام له، إذ عرف كيف أن فنّاني عصر النهضة ارتادوا آفاقا جديدة وتحوّلوا عن النمط القوطي كي يعكسوا عصرهم.
وقد كتب هوليداي عن هذه الصورة في ما بعد يقول: لقد فُتنت بسحر وصف دانتي لحزنه عندما رفضت بياتريس ردّ تحيّته".
كانت بياتريس أكثر من مجرّد ملهمة بالنسبة للشاعر. كانت حبيبة مثالية؛ ذلك النوع من الحبّ الذي يسمو فوق رغبات الجسد. وقد تحدّث عنها في كتاباته. كانت بالنسبة له نوعا من الخلاص وتجسيدا للرحمة والعاطفة. وقد أصبحت في ما بعد دليله الخاصّ إلى الجنّة في كتابه "الكوميديا الإلهية".
قصّة دانتي وبياتريس ألهمت عددا كبيرا من الفنّانين. ومن أشهر هؤلاء الرسّام غابرييل روزيتي. كان دانتي شبحا في منزل روزيتي لأن والده كان، هو الآخر، خبيرا في سيرة حياة الشاعر. وكان الهاجس الذي رافق الأب طوال حياته هو العثور على آثار أو تلميحات ماسونية في أعمال دانتي.
في سنواته المبكّرة، كان روزيتي يعشق شكسبير ووالتر سكوت، لكن في ما بعد أصبح دانتي شيئا خاصّا جدّا بالنسبة له وموضوعا متكرّرا في رسوماته. وفي ما بعد قام بترجمة ديوان "الحياة الجديدة" إلى الانجليزية. وعلى ما يبدو كان يرى في قصّة حبّه لإليزابيث سيدال، الموديل التي تظهر في العديد من لوحاته، قصّة موازية لقصّة حبّ دانتي وبياتريس.
الفنّان هنري هوليداي ولد في لندن عام 1839، وأظهر منذ صغره ميلا واضحا للفنّ وتلقّى دروسا في الرسم على يد وليام توماس.
وقد تأثّر، مثل الكثيرين من أبناء جيله، بالرسّامين ما قبل الرافائيليين، وكان على اتصال مع جان فرانسوا ميليه وهولمان هنت وإدوارد بيرن جونز وروزيتي، كما كان صديقا للناقد جون راسكين الذي دعمه وشجّعه.
حضر هوليداي دروسا في أكاديمية لي. وفي عام 1855 تمّ قبوله في الأكاديمية الملكية.
في ما بعد، ذهب إلى سيلان في بعثة استكشافية، ثم إلى مصر التي رسم فيها سلسلة من اللوحات المائية عن الحضارة الفرعونية القديمة هناك.

Thursday, January 28, 2016

لوحات عالميـة – 368

خـلـق الطيـور
للفنانة الاسبانية ريميـديـوس فـارو، 1957

بعض النقّاد يقلّلون من قيمة الفانتازيا، لكن هذا لا ينفي أنها أداة ضرورية لاكتشاف ذواتنا والعالم من حولنا والعلاقة بين الاثنين.
والسوريالية كانت تستشرف عالم الأحلام والذكريات والروح في محاولة للتعبير عن النفس وعن الوظيفة الفعلية للأفكار.
الرسّامة الاسبانية ريميديوس فارو كانت فنّانة سوريالية مشهورة، وكان أسلوبها يجمع بين الاهتمام العلميّ بعالم الطبيعة والتأثيرات السحرية والدينية في القرون الوسطى.
وفي بعض لوحاتها ثمّة أفكار عن البعث أو الولادة الثانية، وكلّ هذه الاهتمامات كانت انعكاسا لافتتانها بالخيمياء والتصوّف وتحليلات عالم النفس الشهير كارل يونغ. كانت ترى كلّ هذه الأشياء كمصادر لتحقيق الذات وتحوّل أو تغيّر الوعي.
في لوحتها هذه ترسم فارو بومة على هيئة إنسان تجلس إلى طاولة وترسم على الورق طيورا بقلم موصول بآلة كمان تتدلّى من صدرها. الطيور ينيرها ضوء قمر يتسلّل من نافذة جانبية ويمرّ عبر عدسة مكبّرة.
ريش البوم مرسوم ببراعة وبضربات فرشاة دقيقة. وعيناها تبدوان مغمضتين أو نائمتين أو في حالة تأمّل أو تأهّب لاستقبال إشارات الإلهام التي تأتيها من السماء.
وإلى يمينها هناك أجهزة تقطير تستقبل ضوء النجوم وتحوّله إلى ألوان حمراء وصفراء وزرقاء على رقعة تشبه لوحة الألوان التي يستخدمها الرسّام. ويبدو أن الضوء الآتي من القمر والنجوم هو المادّة التي تُخلق منها الطيور وتُنفث فيها الحياة قبل أن تطير بعيدا عبر النافذة.
البومة التي تظهر عليها أمارات الحكمة والوقار تبدو اقرب ما يكون إلى ملامح امرأة بسبب ساقيها الرشيقتين وعينيها الواسعتين. وهي لا تختلف عن ملامح بطلات فارو من الإناث اللاتي يظهرن في رسوماتها.
هذه اللوحة تشهد على الخيال الفنّي الخصب للرسّامة. ويُحتمل أنها تتحدّث عن أصل الحياة عندما يتحوّل ليصبح معجزة حيّة. وبعض النقّاد يرون أن هذه اللوحة تتحدّث عن الكاتب، وربّما عن المبدع بشكل عام، وعن كونه بُوما ليليّا، وأن الإبداعات المكتوبة تشبه الطيور في اللوحة من حيث أنها تكتسب أجنحة ثمّ تطير.
وقد تكون فارو أرادت أن تشير إلى إن الفنّ والطبيعة يعملان يداً بيد وأننا في الحياة نحتاج إليهما معا لدعمنا وبقائنا.
ونظرا لأن الرسّامة تبحث عن إحساس بنفسها أو بذاتها، قد تكون الطيور هي التي تخلق الفنّانة من خلال عملية سيميائية وكلّ واحد منهما يتحوّل إلى الآخر.
معظم أعمال فارو تُفسّر أحيانا كتعبير عن إحباطها من كونها مهمّشة كامرأة وكفنّانة أنثى.
ويقال أنها كانت احد أتباع طريقة صوفية كانت تؤمن بالقوى الروحانية للموسيقى والرقص وبأن ذبذبات الصوت والضوء هي المصدر الذي خُلق منه العالم.
كانت وسيلة فارو لفهم الكون والظواهر تذهب إلى ما وراء المبادئ العلمية. وقد درست عدّة نصوص صوفية وروحانية. وربّما كانت من خلال فنّها تحاول أن تخلق تناغما اكبر بين العلم وبين السحر والأسطورة.
ولدت ريميديوس فارو عام 1913 لعائلة كانت تقدّس الطموحات الفنّية والأكاديمية. وتلقّت تدريبا فنّيا على يد والدها المهندس المعماريّ الذي شجّعها على الاهتمام بالعلم وعلّمها رسم الصور، وهي مهارة استخدمتها طوال حياتها المهنيّة.
في سنّ الخامسة عشرة سجّلت في أكاديمية سان فرناندو المشهورة في مدريد والتي كان يحاضر فيها أشخاص متميّزون مثل ميري كوري وآينشتاين وسلفادور دالي.
ولهذا السبب عرفت فارو الأفكار الجديدة مثل نظريّات سيغموند فرويد التي وسّعت حدود الواقع، وكذلك أفكار اندريه بريتون التي رسمت معالم السوريالية كحركة فنّية وأدبية. كما رأت كنوز متحف برادو وتأثيرات فرانشيسكو دي غويا وإل غريكو وبابلو بيكاسو وجورج براك.
وقد أحضرت معها إلى الرسم معرفة البناء الهندسيّ والاهتمام الكبير بالتفاصيل والخطاب الفلسفيّ وافتتانها بالظواهر الغريبة.
وكانت النتيجة مقاربة شخصيّة للسوريالية ورؤية موحّدة لعالم فانتازي مسكون بمخلوقات خيالية تتحرّك بحرّية داخل وخارج الوعي وتقترح حلولا جديدة وتفسيرات بديلة.
ولوحاتها المبكّرة كانت تتناول أفكارا مثل الجنسانية والقيود المفروضة على المرأة من قبل المجتمع البورجوازي.
في عام 1930 تزوّجت فارو من الرسّام جيراردو ليزراغا، ثم تركته وتزوّجت من الشاعر الفوضويّ بنجامين بيريه.
وفي ما بعد دفعتها الحرب الأهلية الاسبانية إلى الهرب من برشلونة، حيث كانت هناك جزءا من الحركة الطليعية البوهيمية، وذهبت إلى باريس حيث أصبحت جزءا من الحلقة السوريالية وعرضت فيها أعمالها.
وفي باريس أيضا قابلت صديقة عمرها الفنّانة ليونورا كارينغتون. لكن عندما احتلّ النازيّون باريس هربت مع زوجها ومع صديقتها كارينغتون واستقرّوا في المكسيك.
اهتمامات فارو بالاكتشافات العلمية تعكسه عناوين لوحاتها التي تتناول الفضاء والتطوّر والفلك وعلم الوراثة وغيرها. وأبطال لوحاتها يحملون بعضا من ملامحها، كالوجه الذي يأخذ هيئة قلب والعيون اللوزية والأنف الدقيق الطويل والشعر الوفير. وكلّ هذه الملامح تتحرّك في عالم ميتافيزيقيّ.
وبعض النساء في لوحاتها مروّضات وخاضعات ولهنّ اذرع وسيقان وكراسي. أما المشاهد السردية فمليئة بالنباتات والحيوانات الفانتازية.
وفي بعض اللوحات تتحوّر الأشياء لتأخذ خصائص أشخاص ليسوا أحرارا ولا يستطيعون الهرب. وفي لوحات أخرى يبدو الأشخاص مسجونين داخل ملابسهم وأسوارهم وأقنعتهم وكأنهم يتوقون للفرار إلى أزمنة وأمكنة أخرى.
يقول احد النقّاد: مثل الممثّلة التي تلعب أدوارا مختلفة، كانت فارو تستخدم دائما تلك الصور كطريقة لاستكشاف هويّات شخصيّة بديلة بطريقة أصبحت هي سمتها أو ماركتها الخاصّة".
المكسيك، المشهورة بفنّها البدائيّ وبكرم ضيافتها، وفّرت للرسّامة حرّية واسعة لممارسة فنّها السوريالي المتمرّد، وأصبحت وطنها الثاني. وفي السنوات العشر التالية رسمت هناك معظم أعمالها الناضجة. لكن السنوات الأولى هناك اتّسمت بالمصاعب الاقتصادية وبالعزلة الشعورية والإنهاك ومتاعب القلب.
في مرحلة متأخّرة من حياتها أصبحت فارو تعاني من نوبات الاكتئاب. وقد توفّيت في مكسيكو سيتي عن 55 عاما وذلك في الثامن من أكتوبر عام 1963 نتيجة إصابتها بأزمة قلبية.
وبرغم مرور نصف قرن على رحيلها إلا أن فنّها ما يزال يحظى بالرواج والشعبية، خاصّة في المكسيك وفي أمريكا الشمالية.

Sunday, January 10, 2016

لوحات عالميـة – 367

انتحـار لوكـريشيـا
للفنان الهولندي رمبـرانــدت، 1666

وصف فان غوخ رمبراندت ذات مرّة بأنه "رجل غامض جدّا يقول من خلال فنّه أشياء لا توجد لها كلمات في أيّ لغة".
كان الهاجس الذي رافق رمبراندت طوال حياته هو رسم الحياة الداخلية للآخرين. العمق السيكولوجي في معظم صوره مصدره موهبة استثنائية من التعاطف، مع مقدرة غير عاديّة على إسقاط مشاعر الرسّام نفسه على الموضوع.
ومن الواضح أن رمبراندت استجمع كلّ مواهبه الشخصية ووضعها في هذه اللوحة الحزينة والمؤثّرة التي تشبه الصرخة والتي رسمها في نهايات حياته.
وهو هنا يصوّر حادثة موت لوكريشيا التي تسبّبت في نشوب ثورة أطاحت في النهاية بالملكية في ايطاليا وأسّست لقيام جمهورية روما.
وقبل الحديث عن اللوحة يحسن التوقّف قليلا عند قصّة هذه المرأة والدور المهمّ الذي لعبته في تاريخ الرومان.
كانت لوكريشيا امرأة تنحدر من عائلة من نبلاء روما. وقد حدثت قصّتها في القرن السادس قبل الميلاد وذكرها المؤرّخ سانت اوغستين في كتابه "مدينة الربّ" في معرض دفاعه عن النساء المسيحيات اللاتي اغتصبن في روما ولم يقدمن على الانتحار.
تذكر القصّة أن زوج لوكريشيا، واسمه كولاتينوس، تفاخر ذات ليلة أمام زملائه من الجنود بأن عفاف زوجته وإخلاصها يفوق ذاك الذي لزوجات زملائه جميعا. وقد أرادوا أن يختبروا كلامه فذهبوا من فورهم إلى روما، وهناك اكتشفوا أن لوكريشيا ووصيفاتها كنّ يقضين الليل في غزل الصوف.
وكان من بين أولئك الجنود سيكستوس ابن الإمبراطور الرومانيّ تاركوينيوس طاغية روما في ذلك الوقت. ويبدو انه أعجب كثيرا بجمال لوكريشيا عندما رآها لأوّل مرّة، فقرّر بعد أيّام أن يعود إلى بيتها. وقد استقبلته كضيف كريم، لكنه خالف أصول الضيافة بدخوله غرفتها الخاصّة وتهديدها بأن يقتلها إن لم تسلّم له نفسها. وعندما قاومته قال لها: إن لم تنامي معي سأقتلك وأضعك في غرفة نومك مع خادمك الميّت". وفي النهاية اغتصبها سيكستوس رغما عن إرادتها.
وفي اليوم التالي استدعت لوكريشيا والدها وزوجها وأخبرتهم بما حدث. ورغم أنهم اعتبروها ضحيّة بريئة ومغلوبا على أمرها، إلا أنها أصرّت على أن تُنهي حياتها لكي تستعيد شرفها. فاستلّت سكّينا من خزانتها وغرسته في قلبها وماتت.
والدها وزوجها اللذان استولى عليهما الغضب والحزن ممّا حدث أقسما، مع اثنين من اقرب أصدقائهما، على الأخذ بثأرها. وقد تسبّب اغتصابها في النهاية في قيام ثورة أطاحت بطغيان الملكية وأسهمت في تأسيس جمهورية روما.
وهناك لوحات فنّية كثيرة صوّرت حادثة انتحار لوكريشيا. ومن بين أشهر من رسموها كلّ من تيشيان وديورر ورافائيل وبوتيتشيللي وغيرهم. ومعظم اللوحات التي رُسمت للمرأة قبل رمبراندت ركّزت على لوكريشيا كرمز للفضيلة الأنثوية، والبعض الآخر ركّز على انتهاك الجسد أكثر من انتهاك العواطف.
غير أن لوحة رمبراندت هذه متميّزة، ويمكن اعتبارها عملا شخصيّا جدّا لأسباب سيرد ذكرها بعد قليل.
في اللوحة، تُمسك لوكريشيا بالخنجر بيد، وباليد الأخرى تجذب حبلا يُفترض أن يقرع الجرس في غرف البيت الأخرى ليوقظ عائلتها وخدمها ويدفعهم لأن يأتوا. وهناك خطّ من الدم يتدفّق نزولا من الجرح الذي في بطنها.
ورغم أنها غرست الخنجر في جسدها، إلا أن هناك لحظة هدوء معلّقة في الصورة. الدموع المتدفّقة من عينيها والفراغ المظلم بين شفتيها يعطي الصورة توتّرا ويضفي على المشهد جوّا من الكرب والرعب.
تنظر إلى عيني لوكريشيا فيما الحياة تتسرّب من جسدها بعد أن طعنت نفسها، فتُذهل من القوّة التعبيرية الهائلة التي تختزنها هذه الصورة. التوتّر المحيط بالمنظر يلتقط المعضلة الأخلاقية لامرأة أجبرت على أن تختار بين الحياة أو الشرف: النظرات في عينيها، طبقات الألوان السميكة، الأثر الذي تركه الجرح في بطنها.
حرّية رمبراندت في التعامل مع الطلاء هي ما يدفع الناظر لأن يُعجب بالصورة. كما أن تحكّمه في درجات وأنواع اللون مذهل. هناك أيضا تأثيرات الضوء الرائعة والإيحاءات التعبيرية. والحقيقة انك كلّما نظرت إلى اللوحة، كلّما اندهشت أكثر لقوّتها التعبيرية أكثر من التكنيك المستخدم فيها. وربّما كان أجمل ما قيل في وصف اللوحة أن المرأة إذ تقتل نفسها فإن السكّين تتحوّل إلى فرشاة والدم إلى طلاء.
بالنسبة لرمبراندت، هذه الصورة لها معنى عميق جدّا. وهي، على مستوى ما، صرخة رجل فقد حبيبته بسبب قسوة وتسلّط المجتمع. وهناك من يقول إن اللوحة ليست في واقع الأمر سوى بورتريه لرفيقته هندريكا ستوفيلس التي تظهر هنا كموديل والتي دخلت حياته بعد وفاة زوجته الأولى.
لم يكن رمبراندت حرّا ليتزوّج بسبب وصيّة زوجته "ساسكيا" له بألا يتّخذ امرأة أخرى بعد وفاتها. فاضطرّ إلى الدخول في علاقة حبّ مع هندريكا وعاشا كزوج وزوجة إلى أن أصبحت حاملا. وبعد أن علمت الكنيسة بذلك أجبرت المرأة على أن تعترف أنها كانت تعيش مع الرسّام كمومس، ثم طُردت من الكنيسة وفقدت مكانتها في المجتمع. ونتيجة لذلك خسر رمبراندت نفسه عددا كبير من رعاته، وهذا كان احد أسباب إفلاسه. وكان عليهما أن ينتقلا إلى مكان بعيد إلى أن توفّيت هندريكا عام 1663.
رمبراندت حمّل المسئولية عن موت هندريكا لأولئك الذين هاجموها وشوّهوها. وبعد موتها بثلاثة أعوام رسم هذه اللوحة التي يحاول فيها تذكّر ذلك الحبّ الضائع. في ذهن رمبراندت، كانت لوكريشيا أشبه ما تكون بهندريكا من حيث أنهما كانتا ضحيّتين مظلومتين لأشخاص ذوي سلطة ونفوذ في المجتمع.
هذه اللوحة تعزّز مكانة رمبراندت كأشهر رسّام واقعيّ هولنديّ. كما أنها تدلّل على براعته في استخدام تقنية الشياروسكورو، أي إضفاء طابع ثلاثيّ الأبعاد على وجه وجسد الشخصية. مهارة الرسّام أيضا تتجلّى في إظهار حالة المرأة الداخلية ومشاعرها المنعكسة في عينيها وتعبيرات وجهها عن الفضيلة والعفاف ومعنى الشرف والواجب.
حادثة اغتصاب لوكريشيا وانتحارها لم تلهم الرسّامين فقط، بل اجتذبت أيضا العديد من الشعراء والموسيقيين والكتّاب الذين رأوا فيها رمزا للعفّة والإخلاص الزوجي. شكسبير مثلا ألّف مسرحية عن القصّة استند فيها إلى معالجة اوفيد للحادثة. وفي الكوميديا الإلهية، تظهر لوكريشيا لدانتي في المكان المخصّص لنبلاء روما من أهل الفضائل والخصال الحميدة. كما كانت القصّة موضوعا لأوبرا للموسيقيّ البريطانيّ بنجامين بريتن.
في نهايات حياته، عانى رمبراندت من الفقر المدقع واضطرّ لبيع قبر زوجته الأولى ساسكيا، ثم ماتت هندريكا بالطاعون عام 1663، وبعدها بخمس سنوات مات ولده تايتوس، وظلّ بعد ذلك وحيدا.
ورغم أن تلك الفترة اتّسمت بالقلق والعزلة والديون والوحدة والحزن، إلا أنه عمل ببراعة وإتقان وقوّة انفعالية استثنائية. كانت تلك أكثر سنوات حياته إنتاجا. وخلالها رسم أعمالا يعتبرها الكثيرون أعظم لوحاته، بل ومن أشهر الصور التي ظهرت في تاريخ الرسم الأوربّي كلّه.
الجدير بالذكر أن رمبراندت رسم للوكريشيا لوحتين: الأولى موجودة في الناشيونال غاليري بلندن، والثانية "أي هذه" من مقتنيات معهد مينيابوليس للفنون بالولايات المتّحدة.