أمسية صيفية في بلاد الشمال
للفنان السويدي ريتـشـارد بـيـرغ
قد لا يكون ريتشارد بيرغ اسما مألوفا كثيرا. وشهرته لا تكاد تقارن بشهرة بعض الأسماء السويدية المعاصرة أمثال انغمار بيرغمان وغريتا غاربو وانغريد بيرغمان أو حتى بيورن بورغ.
وهو بالتأكيد اقلّ شهرة من معاصره الرسّام اندرز زورن. لكنه في زمانه كان رسّاما متميّزا وأكاديميا بارزا كتب الكثير من الكتب والمقالات التي ضمّنها أفكاره وآراءه عن علاقة الفنّ بالأدب والموسيقى والفلسفة. كما عُيّن في فترة من الفترات مديرا للمتحف الوطني في السويد.
وقد عاش بيرغ في الوقت الذي كانت المدرسة الرومانسية في الأدب والفنّ في أوج صعودها. وكان معاصرا لأهمّ وأشهر الشخصيات التي عرفتها السويد في القرن التاسع عشر، مثل الكاتب المسرحي اوغست ستريندبيرغ والروائية الحائزة على جائزة نوبل في الأدب سلما لاغرلوف والشاعر كارل غوستاف هيدنستام الحائز هو الآخر على نوبل والمؤلّف الموسيقي وليام ستيبنهامر ولارس اريكسون احد روّاد صناعة التليفون في العالم.
وبيرغ ينحدر من عائلة بورجوازية مرموقة. وكان والده رسّام طبيعة وأستاذا أكاديميا. وفي سنّ الخامسة والعشرين ذهب إلى باريس حيث اطلع على بعض فعالياتها الأدبية والفنية وتعرّف على عدد من رموز الانتيليجنسيا الفرنسية كما تلقى هناك دروسا في الرسم.
كان رومانسيّو القرن التاسع عشر السويديون يُبرِزون في أعمالهم العلاقة الروحية التي تربط الإنسان بالطبيعة. وكانوا يروّجون للبدائية كأسلوب حياة يمكن أن يعوّض الإنسان عن إحساسه بالاستلاب والعزلة الروحية. ولهذا كانت مناطق الشمال الاسكندينافي التي تتميّز بغاباتها الكثيفة وكثرة غدرانها وبحيراتها وجبالها مقصدا لأفراد الطبقة البورجوازية الذين كانوا يذهبون إلى هناك للاستجمام وممارسة الرياضة وقضاء فصل الصيف في أكواخ ونزُل بدائية.
وقد رسم بيرغ هذه اللوحة التي يصوّر فيها مشاعر شخصين، رجل وامرأة، في إحدى أمسيات الصيف في الشمال. واستغرقه العمل على اللوحة سنوات رسَم خلالها العديد من الاسكتشات في محاولة لاختيار الوضعية الأكثر ملاءمة لوقوف الشخصيتين فيها.
واللوحة تظهر رجلا وامرأة يقفان كلّ بمواجهة الآخر أمام منظر طبيعي.
غير أنهما منفصلان عن بعضهما وإن كانا يبدوان متوحّدين روحيّا وهما يتأمّلان الطبيعة ومنظر الغروب امامهما.
طريقة وقوف الرجل والمرأة متباعدَين عن بعضهما يفسح المجال أمام الناظر للمشاركة في تأمّل الطبيعة واستكناه روح المكان.
وثمّة احتمال بأن يكون الرسّام أراد من وراء اختيار وضعية الوقوف هذه التأكيد على المساواة بين الجنسين، وهي الفكرة التي كان يروّج ويدعو لها أتباع المدرسة الرومانسية.
بعض الكتّاب الغربيين تحدّثوا في الكثير من المناسبات عن ارتباط السويديين والنرويجيين الروحي بالطبيعة، وبالغابات على وجه الخصوص، وهو أمر يصعب شرحه أو تفسيره أحيانا. وتمتلئ قصائد الشعر الرومانسي في البلاد الاسكندينافية بالصور التي تتحدّث بتوق جارف عن الأشجار وملاعب الطفولة ومرابع الصبا والأيّام الخوالي التي ذهبت ولن تعود.
هذه اللوحة كثيرا ما يُطلق عليها اسم آخر هو الأنوار الشمالية، ربّما لأنها تذكّر بأجواء شمال أوربا الشديدة البرودة حيث تختفي الشمس معظم أيّام السنة ويتلاشى مفهوم الليل والنهار ويفقد الناس إحساسهم بالزمن، وكلّ ما يمكن رؤيته بعد ذلك مجرّد ضوء شاحب ومعتم يخلع على الطبيعة رداءً فانتازيا وساحرا. كما يحيل الاسم إلى الظاهرة الفلكية النادرة التي تظهر في تلك الأرجاء في بعض الليالي على هيئة كرنفال صاخب من الألوان الزرقاء والخضراء والبيضاء التي تتراقص فوق سماوات القطب المخملية بفعل تأثير الرياح الشمسية، وهو ما يعتبره العلماء أحد أجمل المناظر الكونية التي يمكن رؤيتها من على كوكب الأرض.
من الواضح أن اللوحة شديدة الواقعية، وما من شكّ في أن تفاصيلها رُسمت بعناية فائقة. والذي يراها للوهلة الأولى قد يظنّها صورة فوتوغرافية لشدّة واقعيّتها وقد لا يصدّق أنها رُسمت قبل أكثر من مائة عام.
كان ريتشارد بيرغ يرفض الأفكار المسيحية واليهودية عن الحياة بعد الموت ويؤمن بأن الغاية من الوجود تتحقق فقط في هذه الحياة. ومثل الرومانسيين الآخرين، لم يكن يعوّل كثيرا على السيرورة التاريخية أو الانتقال من طور لآخر، بل كان اهتمامه منصبّا على أن يستمتع الإنسان بوجوده الأرضي وأن لا يشغل نفسه كثيرا بالأمور الميتافيزيقية أو الغيبية.
وكان أيضا يؤمن بأن الفنّ متجذّر في الطبيعة وخاضع لقوانينها رغم أن تفسير تلك القوانين قد يأخذ أحيانا تمظهرات صوفية وغامضة. كما كان يرى بأن الفنّ ليس سوى انعكاس لحاجة فطرية للتعبير عن الشعور وأن الفنان يجب أن لا يتوقّف عند المظاهر الخارجية بل أن ينفذ إلى جوهر الأشياء كي يصل إلى الحقيقة المطلقة.
Richard Bergh, Nordic Summer Evening, 1900
Tuesday, June 23, 2009
لوحات عالميـة - 201
Monday, June 01, 2009
لوحات عالميـة - 200
صـوت قـديـم، تجريد على الأسْوَد
للفنان السويسـري بـول كْـلِـي
الألوان الخفيفة والباردة كثيرا ما تروق للعين خاصّة إذا وضعت ضمن توليف لوني متناغم وأنيق تحسّ وأنت تنظر إليه وتتأمّله كما لو أنك تقرأ قصيدة شعر أو تستمع إلى قطعة موسيقية.
والحقيقة أن هذا الشكل التجريدي الجميل والشبيه برقعة الموزاييك يتضمّن كل هذه العناصر. ففيه موسيقى وشعر، كما أن فيه فكرا لأن من رسمه كان شاعرا وموسيقيا وفيلسوفا وناقدا موهوبا بالإضافة إلى كونه احد أشهر الرسّامين الذين ظهروا في القرن العشرين.
كان بول كْلِي عازف كمان موهوبا. لكنّ شغفه بالرسم غلب على حبّه للموسيقى. وقد وجد في الموسيقى، كما في الشعر، نوعا من الإلهام الذي كان يوظّفه في رسم لوحاته.
وأعماله هي مزيج من التكعيبية والسوريالية والفنّ البدائي. وكثيرا ما كان يملأ لوحاته بالرموز والأحرف والأرقام والإشارات التي كان يستحضرها من اللاوعي في محاولة - كما كان يقول - للتوفيق بين التجريد والواقع من خلال التعبير عن الذات الداخلية والكشف عمّا هو مخبّأ تحت أسطح الأشياء والمظاهر.
غير أن شاغله الأوّل كان اللون والضوء. وقد رسم هذه اللوحة أثناء زيارة له إلى شمال أفريقيا لتصبح في ما بعد إحدى أشهر وأجمل لوحاته.
في اللوحة رسَم كْلِي شبكة من المربّعات ذات الألوان الخفيفة على خلفية سوداء. والألوان، بالإضافة إلى تناغمها القويّ، تبدو ذات أسطح لامعة بفعل انبثاق الضوء الذي يشكّل تباينا مع الخلفية المظلمة.
وهناك احتمال أن يكون الرسّام أراد من اللوحة أن تكون دراسة عن العلاقة بين العتمة وبين تمظهرات اللون وتدرّجاته. غير أن هناك من اعتبرها رحلة إلى عالم الإحساس البدائي بما يتضمّنه من رؤى وإدراك وكشوفات عن الذات.
وقد كان كْلِي ذا نظرة عميقة في فهمه للون ومحاولة تطويعه كي يصبح وسيلة للمزاوجة ما بين الفكر والعاطفة. وكان دائم الحديث عن الروحانية في الفنّ. ومن آرائه أن كلّ شيء إلى زوال وأن ما يبقى من الحياة في النهاية هو جانبها الروحي الذي يجسّده الفن.
اسم هذه اللوحة معبّر وينطوي على شاعرية واضحة. وكْلِي كان معروفا بانجذابه الشديد للشعر. وقد انعكس هذا على أسلوبه في اختياره أسماء جذّابة للوحاته.
ولا بدّ وأنه، بحكم خبرته في الموسيقى، كان يعرف الأسس الرياضية للأنغام الموسيقية التي ابتكرها الإغريق. ويُحتمل انه أراد بالمربّعات في اللوحة أن تكون رمزا لتلك الأسس وأن يقرنها في نفس الوقت بموسيقى الألوان.
في بعض الأوقات، راجت نظريات كثيرة تشبّه الرسم التجريدي بالموسيقى. فالمغني يلجأ أحيانا إلى جعل صوته يبدو أجشّ غليظا كي يعبّر عن إحساس أو انفعال معيّن. والرسّام التجريدي يستخدم ضربات فرشاة قويّة وخشنة ويرسم أشكالا وألوانا في الفراغ لكي يعبّر عن مشاعر أو انفعالات دفينة.
وبينما يمكن أن تكون الموسيقى حزينة أو متوتّرة أو باعثة على الابتهاج والفرح، يمكن للتجريد أيضا أن يحدث نفس التأثير من خلال استخدام الخطوط والأشكال والتوليفات والألوان.
في إحدى مراحل حياته كان كْلِي زميلا لـ كاندينيسكي الأب الروحي للتجريد. وقد عملا معا بالتدريس في أكثر من جامعة في ألمانيا. ووضع الاثنان في تلك الفترة بعض أهمّ نظرياتهما ودراساتهما عن التجريد.
وقد شكّل مجيء النازيين إلى السلطة في ألمانيا نقطة تحوّل مهمّة في حياة الفنان. إذ تمّ فصله من وظيفته وصودر منزله وأمواله وأزيلت لوحاته من كافة الأماكن، بل وأحرق بعضها بعد أن اتهم، مع رسّامين آخرين، بأنهم يروّجون "للفنّ المنحلّ".
وقيل وقتها أن السبب الحقيقي في كراهية النازيين لـ كْلِي هو انه رفض منذ البداية إعلان ولائه لهم وفضّل أن يتمسّك بمواقفه وقناعاته حتى النهاية.
وعندما عاد إلى مسقط رأسه سويسرا، رفضت السلطات هناك منحه الجنسية السويسرية. ولم يحصل عليها إلا بعد وفاته.
وقد اتّسمت السنوات الأخيرة من حياة بول كْلِي بالكثير من الألم والمعاناة. فقد هاجمه مرض تيبّس الجلد فشوّه ملامحه وشلّ أطرافه تدريجيا. ولوحاته التي رسمها قبيل وفاته مليئة بالتأمّلات المظلمة والمتشائمة عن الموت والحرب وغباء الإنسان وعدمية الحياة. وتكثر في تلك اللوحات صور الجماجم والأقنعة والشياطين والهياكل العظمية والوجوه المشوّهة. ويبدو أن ذلك كان مؤشّرا على اشتداد مرض الفنان وإحساسه باليأس وخوفه من دنوّ الأجل.
على الجانب الشخصي، عُرف عن كْلِي شغفه الكبير بموسيقى موزارت الذي كان يعتبره مؤلّفه الموسيقي المفضل. كما عُرف بشخصيّته الهادئة إذ لم يكن يتكلّم كثيرا، ربّما لأنه كان يدرك أن لوحاته هي خير من يعبّر عن مزاجه وأفكاره. وقد بيع بعضها في ما بعد بملايين الدولارات.
وقبيل رحيله في العام 1940، أوصى كْلِي بأن تحرق جثّته ويُنثر رمادها فوق بيرن، المدينة التي ولد فيها وعاش سنواته الأخيرة.
Paul Klee, Ancient Sound, Abstract on Black, 1925
Wednesday, May 27, 2009
لوحات عالميـة - 199
عـودة غيـر متوقّعـة
للفنان الروسي إيـليـا ريـبـيـن
لم يكن إيليا ريبين أحد أشهر رسّامي روسيا في القرن التاسع عشر فحسب، وإنما يمكن اعتباره مفكّرا سياسيا واجتماعيا وزعيما ثوريا كثيرا ما تردّد صدى أفكاره ومواقفه في أعمال الأدباء الروس الكبار في زمانه. وهناك من يضع اسمه جنبا إلى جانب مع أسماء تولستوي ودستويفسكي وغوركي وتشايكوفيسكي وريمسكي كورساكوف الذين كانت أعمالهم انعكاسا لروح ومزاج الشعب الروسي وتعبيرا عن همومه وتطلعاته.
ولوحات ريبين التي تجذب العين بقوّتها وإحكامها وبتفاصيلها وأجوائها المشحونة عاطفيا ودراميا تذكّر بطبيعة المجتمع الروسي وما كان يمرّ به من أحداث مصيرية وعاصفة خلال السنوات الأخيرة من حكم القياصرة.
ولوحته هنا يمكن اعتبارها احد أفضل الأعمال التشكيلية الروسية والعالمية، كما أنها توفّر مثالا ممتازا على تمكّن الفنان وبراعته في الإمساك بأدقّ وأصعب المواقف والانفعالات الإنسانية.
في اللوحة يصوّر ريبين المشاعر الإنسانية المتفاوتة لأفراد عائلة عاد والدهم من أحد معسكرات الاعتقال في سيبيريا بعد صدور عفو مفاجئ عنه.
في ذلك الوقت، كان كلّ من يُنفى إلى سيبيريا يعتبر في حكم الأموات. والكثيرون ممّن نُفوا إلى تلك الأرض الباردة والموحشة انتهى بهم الأمر إمّا إلى الموت أو الجنون أو الانتحار بعد أن تعرّضوا للجوع والتعذيب وشتّى صنوف القمع والإذلال بسبب معارضتهم للسلطة القيصرية.
وكان من عادة الأسر التي تعرّض بعض أفرادها للنفي أن تفرض ستارا من الصمت على مصيرهم وتحاول إقناع الأفراد الأصغر سنّا في العائلة بأن المفقود مات أو انه لن يعود أبدا.
وقد كان ما يحدث في معسكرات التعذيب تلك من أهوال وقصص مرعبة، سواءً في عهد القياصرة أو في العهود اللاحقة، موضوعا للكثير من الأعمال الأدبية لعلّ أشهرها رواية أرخبيل الغولاغ للروائي الروسي الكسندر سولجنتسين.
ولا بدّ وأن كلّ هذه القصص والوقائع كانت حاضرة في ذهن الرسّام وهو يخطّط لتفاصيل هذه اللوحة التي يمكن القول أنها عبارة عن قّصّة، لكنها مكتوبة بالفرشاة والألوان بدلا من الكلمات.
فقد عاد هذا الأب من منفاه السيبيري بشكل غير متوقّع إثر صدور عفو عنه بعد سنوات طويلة من الغياب. لكنه يعود بنفس منكسرة ووجه يعلوه الوجوم، بينما يبدو ممسكا بقبّعته ومتردّدا في الدخول إلى الغرفة حيث تجلس والدته وزوجته وطفلاه.
والدته العجوز لا تنكر ملامحه. لذا تهبّ واقفة من على كرسيّها تحت وقع المفاجأة وتتفرّس في وجه ابنها وكأنها غير مصدّقة ما تراه.
والزوجة المنهمكة في العزف على البيانو تتعرّف هي أيضا عليه، فتتوقّف عن العزف فجأة. إنها تتشبّث بالكرسي بينما تثبّت عينيها المرعوبتين على الرجل تحت تأثير إحساسها بالصدمة وعدم اليقين.
الابن الظاهر في أقصى يمين اللوحة يتعرّف هو أيضا على ملامح والده فتعلو وجهه ابتسامة هي مزيج من الفرح والذهول.
لكن البنت الصغيرة تنظر إلى ما يجري بشكّ واستغراب وربّما بخوف. فهي لا تتذكّر وجه والدها جيّدا. ويُحتمل انه بدأ رحلة النفي قبل أن تولد أو وهي بعدُ في سنّ صغيرة جدّا.
وعلى الباب تقف الخادمة وهي ما تزال تمسك بالمقبض بينما تبدو على وجهها علامات الجدّية والوقار بانتظار ما سيحدث لاحقا.
اختيار الفنان لأماكن الشخصيات في اللوحة، وهم أفراد أسرته الحقيقيون، ينمّ عن مهارة وإتقان عاليين. فالناظر يرى الوجوه من أيّ اتجاه ويلمس نوعية الانفعالات الظاهرة على ملامح كلّ شخص بطريقة مباشرة وواضحة.
هذه اللوحة يمكن اعتبارها دراسة نموذجية في طريقة التعبير عن تباين الانفعالات الإنسانية إزاء موقف أو حالة ما في لحظة معيّنة.
ومن الأمور اللافتة فيها براعة الرسّام في توزيع الظلّ والضوء. ورغم كثرة الظلال الداكنة التي تتوزّع على مساحة اللوحة معمّقة الإحساس بالقلق والتوتّر، فإن المشهد ما يزال يثير شعورا نسبيا بالارتياح بفعل لمعان اللوحة وسطوع الألوان في تلك المناطق التي يغمرها الضوء.
لكن بوسع الناظر إلى اللوحة أن يتنبّأ بما سيعقب هذه اللحظة المتجمّدة من الزمن وما سينجلي عنه المشهد بعد لحظات من صرخات فرح ودموع ابتهاج احتفالا بعودة الغائب ومعه انتهاء سنوات الآلام والمعاناة.
كان ايليا ريبين وما يزال مصدر إلهام للكثير من الرسّامين الروس. وقد عُرف على نحو خاصّ برسوماته للطبيعة والمواضيع الدينية وباهتمامه بتصوير متاعب الطبقة الفقيرة وبورتريهاته التي رسمها لأصدقائه من الكتّاب والمثقفين الروس وفي طليعتهم الروائي الكبير ليو تولستوي والموسيقي موديست موسوريسكي .
درس ايليا ريبين الرسم في أكاديمية سانت بيترسبورغ للفنون. وفي إحدى الفترات سافر إلى ايطاليا ثم استقرّ في باريس لبعض الوقت حيث اجتذبته لوحات مانيه وعقد صداقة مع الموسيقي الفرنسي كميل سان سونس . وفيها أيضا التقى ناتاليا نوردمان؛ المرأة التي أصبحت في ما بعد زوجته.
وعندما عاد الفنان إلى روسيا لم يستقرّ به المقام فيها طويلا. فسافر إلى فنلندا المجاورة حيث ابتاع فيها منزلا وأقام هناك بشكل دائم.
كان ريبين دائما مقاتلا من اجل الحرّية والمساواة والعدالة الاجتماعية. وعندما قامت ثورة أكتوبر الاشتراكية في العام 1917، فضّل البقاء في فنلندا رغم الإغراءات الكثيرة التي قدّمها له القادة الجدد لكي يعود.
ويبدو انه لم يعترف بالثورة ولم يتسامح مع العنف وسفك الدماء وعمليات الإعدام التي ارتكبها البلاشفة آنذاك.
وبعد وفاته في فنلندا عام 1930 وهو في سنّ السادسة والثمانين، تمّ تحويل منزله إلى متحف يضمّ لوحاته وأشياءه الخاصّة. غير أن هذه اللوحة وغيرها من لوحات ريبين انتقلت في ما بعد لتصبح من مقتنيات متحف تريتيكوف في موسكو.
Ilya Repin, Unexpected Return, 1884
Sunday, May 24, 2009
لوحات عالميـة - 198
بورتريه الكونتيسـة آنـا دي نـوي
للفنان الاسباني إغنـاثيـو ثولـواغـا
في بدايات القرن العشرين، لم يكن في فرنسا امرأة تنافس ما كان لـ آنا دي نوي من مكانة وشهرة. فقد كانت جزءا من مجتمع باريس المخملي، وكان صالونها الأدبي ملتقى لأهمّ الأدباء والكتّاب المعروفين آنذاك، مثل بول فاليري وجان كوكتو وادمون روستان واندريه جيد ومارسيل بروست.
كانت دي نوي شاعرة وروائية في نفس الوقت. بل كانت أوّل شاعرة في فرنسا تنال تكريما عاليا بمنحها وسام الأكاديمية الفرنسية بمرتبة الشرف. وقد عُرف عنها رعايتها للآداب والفنون وتأسيسها جائزة لأفضل النساء الكاتبات إبداعا وتميّزا.
كانت دي نوي امرأة ذات شخصيّة قويّة ومتنفّذة. وقد ساعدها على البروز أكثر انتماؤها إلى عائلة ارستقراطية من الأمراء والنبلاء.
ويقال إن قربها من مارسيل بروست دفعه إلى استلهام شخصيّتها في إحدى رواياته. وقد كان شديد الإعجاب بها، إلى حدّ انه وصفها في إحدى المناسبات بأنها ملكة فرنسا وأفضل شاعراتها.
وقد اجتذبت موهبة المرأة ومكانتها وجمالها عددا من الفنانين الذين رسموا لها بورتريهات ومن أهمّهم فيليب دي لازلو وجان لوي فورين، بالإضافة إلى اوغست رودان الذي نحت لها تمثالا نصفيا من المرمر هو اليوم من مقتنيات متحف المتروبوليتان في نيويورك.
غير أن هذه اللوحة التي رسمها لها اغناثيو ثولواغا، والموجودة اليوم في متحف بيلباو في مدريد، ظلّت دائما أشهر لوحة تصوّر الأميرة الشاعرة. بل إن هناك من يعتبرها من بين أفضل الأعمال التشكيلية التي ظهرت في القرن الماضي. وقد أنجز الفنان اللوحة أثناء إقامته في فرنسا. وفيها تبدو الكونتيسة دي نوي متّكئة على أريكة ومرتدية فستانا زهريا بينما طوّقت كتفيها العاريين بوشاح بنّي اللون.
نظرات المرأة الهادئة ووجهها الوسيم ذو الملامح الدقيقة وابتسامتها الخفيفة تنبئ عن طبيعتها الواثقة ومزاجها الشاعري والمتأمّل.
وعلى الأرضية هناك مزهرية وكتاب مفتوح وإلى جوارهما عقد ضخم ومجموعة من الكتب.
ألوان الغرفة الداكنة، الستائر ذات الألوان السوداء والأرجوانية والخلفية الزرقاء تحيل الناظر تلقائيا للتركيز على وسط اللوحة، أي على هيئة المرأة، بملابسها الفاتحة ولون بشرتها، التي تعكس تباينا مع بقيّة العناصر الأخرى في الغرفة.
تميّزت أشعار دي نوي بالغنائية وقوّة العاطفة وكثافة الصور. ومواضيعها تتمحور حول أفكار الحبّ والطبيعة والموت. وبعض قصائدها يغلب عليها الجانب الايروتيكي مع مسحة من العنف والمأساوية التي طبعت أشعارها المتأخّرة.
وبالإضافة إلى الشعر، ألّفت عددا من الروايات والقصص القصيرة. وكانت مصادر إلهامها مزيجا من ثقافة اليونان الوثنية وأفكار فريدريش نيتشه المتطرّفة.
بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، تغيّر المشهد الأدبي كثيرا في فرنسا مع ظهور الداديّة والرمزية والسوريالية وموجة الأدب والفنّ الطليعي. ويبدو أن دي نوي وجدت صعوبة في التكيّف مع التغيير الجديد، ففضّلت الاحتفاظ بأسلوبها القديم.
وعندما توفيت في العام 1933 سار في جنازتها نخبة الأدباء والفنانين والساسة المعروفين في ذلك الوقت.
اليوم وبعد مرور حوالي مائة عام على وفاتها، لا يكاد احد يتذكّر الكونتيسة دي نوي إلا باعتبارها سيّدة ارستقراطية جميلة وصديقة للأدباء والكتاب في زمانها.
أما اغناثيو ثولواغا فقد عُرف بتأثّره بالرسّامين الأسبان الكبار. وبعض لوحاته لا يمكن تمييزها عن لوحات فيلاسكيز وإل غريكو. لكن بعضها الأخر يبدو أكثر شبها بـ دي غويا. فقد كان هو أيضا معنيا بتصوير الوجه الحقيقي لاسبانيا لكن ضمن منظور أكثر حداثة.
ومثل غويا أيضا، كان ثولواغا منجذبا لرسم مباريات مصارعة الثيران والغجر والمغنّين المتجوّلين والفلاحين وشعراء التروبادور.
Ignacio Zuloaga, Portrait of Countess Anna de Noailles, 1913


