Thursday, April 27, 2017

لوحات عالميـة – 387

إمبراطورية الضوء
للفنان البلجيكي رينـيـه مـاغـريـت، 1953

ذات مرّة، وصف سلفادور دالي رينيه ماغريت بأنه أوّل رسّام سوريالي حقيقيّ.
وفي الحقيقة كان ماغريت أشهر فنّان بلجيكيّ في القرن العشرين. وقد قضى في بداياته بضع سنوات في العمل كفنّان تجاريّ ينتج الإعلانات ويصمّم الكتب.
ونُقل عنه مرّة قوله إن شغفه بالفنّ بدأ عندما رأى وهو طفل فنّانا يرسم في مقبرة. ومنذ تلك اللحظة، بدأ يرسم. وفي ما بعد، ذهب إلى الأكاديمية الملكية في بروكسل، وبدأ ينجذب إلى الأسلوب التكعيبيّ الذي يمكن رؤية تأثيره عليه في لوحاته المبكّرة.
ثم حاول أن يجرّب الانطباعية، وهو ما جرّ عليه انتقادات زملائه ومعجبيه. ورغم انه قرّر في النهاية اتباع السوريالية، إلا انه حافظ على العناصر اللونية للانطباعية في أعماله.
ويُعرف عن ماغريت انه كان يرسم في لوحاته حالات ذهنية ونادرة يمكن ملاحظتها بتأمّل وصمت. كما اشتهر بميله لمزج فنّه بالكلمات وباختياره أسماء شاعرية للوحاته دون أن يكون للاسم علاقة بالمضمون.
وكان أيضا مهتّما بتصوير مفهومه الخاصّ عن الزمن وبقدرته على مناغمة عناصر الطبيعة مع الزمن كما لو أنها شيء واحد.
لوحة إمبراطورية الضوء تمثّل نموذجا للمفارقات البسيطة التي تميّز معظم لوحات ماغريت الناجحة.
وقد لا تلاحظ المفارقة التي تحتويها هذه اللوحة من النظرة الأولى. لكن لو دقّقت النظر قليلا لاكتشفت أن السماء فيها نهارية بينما يظهر المنزل أثناء الليل. وربّما اعتقدت أنها تصوّر تلك اللحظات من الغسق التي تسبق انبلاج الفجر.
المنظر نفسه عبارة عن بيت يطلّ على ما يشبه بركة أو شارعا مبلّلا. والبيت مرسوم في النهار وأمامه عمود إنارة وحيد، بينما يتسرّب النور من بعض نوافذه إلى الخارج.
لكن فوق البيت تبدو السماء زرقاء شاحبة تزيّنها الغيوم البيضاء. وجمال اللوحة يتمثّل في أنها تقدّم صورة يختلط الليل فيها بالنهار.
المنظر سوريالي إلى حدّ ما، وهو يبدو أشبه ما يكون بصورة فوتوغرافية بسبب التفاصيل الجميلة التي رسم بها الفنّان السماء والغيوم.
ومن الملاحظ أنه رسم الظلام في أسفل اللوحة بحيث يبدو أكثر استعصاءً على الاختراق ممّا لو رُسم في بيئة ظلام طبيعيّ. أيضا يُلاحظ أن الماء إلى أسفل يعكس ظلمة الليل بدلا من سطوع السماء.
يقال أن إمبراطورية الضوء هي أفضل أعمال ماغريت، لكن بعض النقّاد يأخذون عليها أنها بلا روح، كما أنها برأيهم لا تثير أيّة مشاعر، ربّما باستثناء الإحساس بالبرد.
السماء الساطعة فيها تبدو باردة وغير مضيافة، على الرغم من أنها مليئة بالضوء. والظلام الذي يلفّ المنزل يبعث إحساسا بالرهبة قد يكون مبعثه أن المنزل مرسوم ليلا.
وأنت تنظر إلى هذه اللوحة، قد يساورك شعور بأن شيئا ما مشئوما على وشك أن يحدث. وعلى الأرجح هذا هو السبب في أن اللوحة وُظّفت كمشهد من فيلم الرعب الشهير "طارد الأرواح" الذي ظهر في منتصف الستّينات، كما استخدم المخرج اللوحة في تصميم ملصق الفيلم.
خلوّ الصورة من الشعور الإنساني قد يكون مردّه أن البيت يغطّيه الظلام الدامس، باستثناء الإضاءة الصادرة عن العامود ومن أنوار الغرف الفارغة بداخل البيت.
صحيح أن ما نراه في اللوحة بأعيننا لا يمكن أن يكون منظرا من الحياة الواقعية. لكن هناك من النقّاد من يرى أن للنور والظلمة معنى أعمق. فقد يكون الضوء رمزا للخير والظلمة رمزا للشرّ. وهذان العنصران، برغم تناقضهما ظاهريّا، يمكن أن يوجدا في مكان واحد.
هناك أيضا في اللوحة عدد من المتضادّات أو المتقابلات: الضوء الطبيعيّ مقابل ضوء المصابيح الاصطناعية، والطبيعة مقابل الإنسان، ودفء أضواء الطبيعة مقابل قسوة الأضواء الاصطناعية.
اتّبع ماغريت أساليب متعدّدة في الرسم وسلك طرقا جديدة في التعبير عن الفنّ في كلّ أعماله. وقد ازداد اهتمام الناس بفنّه في ستّينات القرن الماضي وأثّرت لوحاته على موسيقى البوب وعلى الفنّ التقليلي والمفاهيمي.
وكان قد رسم خلال العشرينات سلسلة لوحات اسماها "رسم الكلمات"، وفيها تبدو الكلمات والصور في حالة تناقض.
كان الفنّان يحبّ المفارقات الصورية ويهتمّ بالعلاقة بين الصور المرسومة والعالم المنظور. وقد عُرف عنه ميله لحياة الهدوء والتأمّل والعزلة. وبينما عاش زملاؤه الفنّانون الفرنسيون حياة رفاهية، فضّل هو أن يعيش حياة الطبقة الوسطى التي تتّسم عادة بالرتابة والهدوء.
رسم ماغريت عدّة نسخ من هذه اللوحة، ولا يُعرف لماذا فعل ذلك. قد يكون السبب أنها راقت له بعد أن أصبحت مشهورة، وربّما رسمها مرارا كي يرضي رغبات زبائنه.
وقد بيعت إحدى نسخها في مزاد بلندن عام 1996 بمبلغ أربعة ملايين دولار، بينما وجدت النسخ الأخرى طريقها إلى المجموعات الفنّية الخاصّة، والبعض استقرّ في بعض المتاحف الكبيرة مثل متحف الفنّ الحديث في نيويورك ومتحف الفنون الجميلة في بروكسل ومتحف غوغنهايم.

Monday, April 17, 2017

لوحات عالميـة – 386

روحـان متآلفتـان
للفنان الأمريكي آشـر دورانـد، 1849

ظهرت مدرسة نهر هدسون للرسم الأمريكي عام 1850 بتأثير من الرسّام الانجليزيّ المهاجر توماس كول الذي وصل إلى نيويورك عام 1825. وبسبب التأثير الواسع للوحاته عن الطبيعة، فقد اعتبر كول المؤسّس الفعليّ لتلك المدرسة.
وقد أنتجت مدرسة هدسون لوحات لا تُنسى في الرسم الأمريكيّ. وكان من أقطابها بالإضافة إلى توماس كول كلّ من فريدريك تشيس والبيرت بيرستادت وآشر دوراند وغيرهم.
واستوحى هؤلاء إلهامهم من لوحات بعض نظرائهم الأوربّيين مثل كلود لورين وجون كونستابل، ومن أفكار مشاهير الكتّاب الأمريكيين في ذلك الوقت مثل هنري ثورو ورالف ايمرسون وغيرهما.
وكانت الأعمال الملحمية لهؤلاء تجسّد تقديسهم للطبيعة وتعكس القيم الوطنية الأمريكية وأفكار الاستكشاف والارتياد والاستيطان التي كانت سائدة في منتصف القرن التاسع عشر.
وقد خلّدوا في لوحاتهم الأراضي الرائعة لوادي هدسون وما وراءه، كما صاغوا رؤية جديدة عن إمكانيات بلد كان ما يزال يحاول التعرّف على هويّته.
كانت مناظر الطبيعة التي كانوا يرونها في تلك النواحي تثير الرهبة في نفوسهم وكانوا يعتقدون أن تلك الطبيعة غير المروّضة تعكس جوانب من الشخصية الوطنية لبلدهم.
آشر دوراند كان أكثر أعضاء مدرسة نهر هدسون تديّنا، وكان يؤمن بأن الله موجود في كلّ تفاصيل الطبيعة وأن رسم الطبيعة هو نوع من الصلاة أو التعبّد للخالق.
وعندما يُذكر اسم دوراند اليوم، فإن الناس يتذكّرونه بلوحاته التي رسمها للطبيعة الأمريكية البدائية، وخصوصا هذه اللوحة.
وكان قبل أن يرسمها قد تلقّى تكليفا من احد رعاة الفنّ الأمريكيّ آنذاك، ويُدعى لومين ريد، بأن يرسم بورتريهات لسبعة من رؤساء الولايات المتحدة.
ومن خلال ريد تعرّف دوراند إلى الرسّام توماس كول. كان كول ودوراند يجمعهما حبّهما المشترك لرسم المناظر الطبيعية. ثم أصبحا يذهبان معا في رحلات على الأقدام تستغرق أيّاما كي يرسما الطبيعة. وبحلول عام 1840 أصبح الاثنان يُعتبران أفضل رسّامي الطبيعة في أمريكا.
ومع ذلك كان هناك اختلاف بين أسلوبيهما، فلوحات كول كانت تمثّل التسامي وتجسّد المنظور الرومانتيكيّ في الرسم، وهو كان يؤمن بأن تصوير الطبيعة يجب أن يتضمّن رموزا ومفاتيح تعكس جلال وعظمة الخالق.
وفي المقابل، كان دوراند يفضّل رسم الطبيعة الرعوية التي تحتوي على مناظر وأشخاص ويميل إلى الرسم الواقعيّ الذي كان يدعو إليه الناقد الانجليزيّ جون راسكن.
في تلك الأثناء، كان يعيش في نيويورك تاجر يُدعى جوناثان ستورغيس، وقد كلّف دوراند بأن يرسم لوحة يصوّر من خلالها الصداقة التي كانت تربط بين كلّ من أستاذه وصديقه توماس كول والناقد والشاعر وليام برايانت.
وكان هؤلاء الأربعة يشكّلون حلقة واحدة ويجمعهم حبّهم المشترك للأدب والفنون.
وبالفعل رسم دوراند هذه اللوحة التي تصوّر صديقيه كول وبرايانت وهما يقفان فوق حافّة صخرة تشرف على منظر طبيعيّ رائع في منطقة جبال كاتسكيل في نيويورك.
العنوان الذي اختير للوحة مقتبس من بيت شعر ورد في إحدى رباعيّات الشاعر الانجليزيّ جون كيتس بعنوان "عزلة" يتحدّث فيه عن الأرواح المتآلفة والمتحابّة.
وقد طلب دوراند من صديقيه أن يأتيا معه ليرسمهما في ذلك المكان الذي تكثر فيه المنحدرات والشلالات. وكان كول نفسه قد استكشف ذلك المكان ورسمه في حياته أكثر من مرّة بعد أن أعجب بطبيعته.
جبال كاتسكيل تُعتبر من أقدم مناطق الجذب السياحيّ في أمريكا. وكان المهاجرون الهولنديّون أوّل من وصل إلى المنطقة في القرن السابع عشر. ولزمن طويل، كانت غاباتها وجبالها وبحيراتها وشلالاتها مصدر إلهام للعديد من علماء الطبيعة والفنّانين والكتّاب والرسّامين، وظهرت كثيرا في الأدب والشعر والرسم خلال القرن التاسع عشر.
ولطالما اعتُبرت تلك المنطقة صورة نموذجية للحياة الفطرية النقيّة وللأفكار المثالية عن البرّية، بينما رأى البعض فيها شكلا من أشكال الجنّة البدائية.
وكان السكّان الأصليّون من الهنود الحمر يتجنّبونها بسبب ارتفاعها الشاهق وانعدام المراعي فيها. أما المهاجرون الأوربّيون الذين وصلوا إلى العالم الجديد في وقت مبكّر فقد اعتبروا هذه الجبال مناطق خطرة وغير آمنة ولا يجرؤ على سكناها سوى الهنود البدائيين.
وكان من أوائل من كتبوا عن جبال كاتسكيل وامتدح شلالاتها وطبيعتها الكاتب المعروف واشنطون إرفنغ الذي ذكرها في إحدى قصصه المنشورة عام 1819م.
غير أن المنظر الذي رسمه دوراند في هذه اللوحة ليس حقيقيّا تماما ولا يعكس تضاريس المنطقة بدقّة، لأن الرسّام اختار على ما يبدو أن يرسم أفضل ما في ذلك المكان ولم ينسَ أن يضفي على طبيعته مسحة مثالية.
كان الغرض الأساسيّ من اللوحة تصوير الرابطة الحميمة بين شخصين يتشاركان في نفس الأفكار وتجمعهما رؤية فنّية ترتبط بحمال الطبيعة وبالإحساس بروح المكان. كما يمكن اعتبار اللوحة تجسيدا وتخليدا للأخوّة الفكرية والفلسفية بين كول وبرايانت.
بعض الكتّاب يقولون إن هذه اللوحة تُمسك بقصّة بروز نيويورك كعاصمة أدبيّة وفنّية لأمريكا. فوليام برايانت كان من المؤسّسين لمتحف المتروبوليتان في المدينة، مع أن كول نفسه كان معروفا بكراهيته للحياة في المدن وبحبّه للأرياف وللطبيعة التي ما تزال تحتفظ بجمالها البكر.
الجدير بالذكر أن هذه اللوحة ظلّت في عهدة عائلة برايانت إلى أن تبرّعت بها ابنته بعد وفاته إلى مكتبة نيويورك العامّة عام 1904م. وبقيت اللوحة بحوزة المكتبة حوالي مائة عام إلى أن ابتاعها عام 2005 مشترٍ مجهول بمبلغ خمسة وثلاثين مليون دولار.

Thursday, April 13, 2017

لوحات عالميـة – 385

على الشرفة في سيفري
للفنانة الفرنسية ماري براكمون، 1880

بنهاية القرن التاسع عشر، أصبحت الانطباعية أسلوبا فنّيّا عالميّا يتبناه الرسّامون في كلّ مكان، من روسيا إلى أوربّا وأمريكا. واستمرّت تلك المدرسة تلهم المزيد من الفنّانين الذين ضاقوا ذرعا بالاتجاهات والمدارس الفنّية القديمة.
وبالنسبة إلى الجمهور، لم يكن هناك أسلوب فنّي آخر ينافس ما للانطباعية من حداثة وشعبية. وقد أصبحت صورها معروفة ومألوفة كثيرا بتركيزها على تصوير الحالات المتغيّرة للعالم من حولنا.
أمّا نقّاد ومؤرّخو الفنّ فقد كانوا يتنبّئون بأن الانطباعية ليست سوى بداية لحركات فنّية أخرى ستأتي في ما بعد. وكانوا بذلك يشيرون إلى التكعيبية والسوريالية وغيرهما من أساليب الرسم الحديث التي يُعتقد أنها خرجت جميعها من معطف الانطباعية.
كانت ماري براكمون رسّامة انطباعية فرنسية. وقد وُصفت في زمانها بأنها إحدى أعظم ثلاث رسّامات انطباعيّات. والأخريان هما الرسّامة الفرنسيّة بيرتا موريسو والأمريكية ماري كاسات.
لكن الكتب التي تتحدّث عن تاريخ الفنّ وعن الرسّامات من النساء غالبا ما تتجاهل براكمون، وظلّت دائما هي الأقلّ شهرة بين النساء الانطباعيات.
وربّما يعود السبب في أنها لم تحظَ بما تستحقّه من شهرة هو تعمّد زوجها، الرسّام هو الآخر، إعاقة تطوّرها كرسّامة. كان الزوج غيورا جدّا من نجاحها. وقد أسهمت شخصيّته الصعبة وانتقاداته الدائمة لها في وضع العديد من المشاكل والعقبات في طريقها.
زد على ذلك أنه لم يكن مرتاحا للأسلوب الانطباعيّ الذي كانت تتبنّاه زوجته. وعلى الرغم من انه كان صديقا لبعض الرسّامين الانطباعيين، إلا انه كان يرفض جماليّاتهم.
لوحات براكمون لا يتجاوز عددها المائة بالإضافة إلى عدد من الاسكتشات. وفي الغالب كانت ترسم مناظر منزلية. ورسوماتها تتضمّن الكثير من الألوان والنساء اللاتي يرتدين ملابس زاهية.
ولوحتها هنا تُعدّ من أشهر أعمالها. وفيها تصوّر منظرا واقعيّا من الحياة اليومية الحديثة يظهر فيه أشخاص يقضون وقتا للراحة في مكان يتضمّن ضوء شمس وطبيعة ذات ألوان جميلة ومبهجة.
في اللوحة تظهر شقيقة الرسّامة إلى اليمين مرتدية فستانا ابيض وقبّعة كبيرة، بينما يجلس على يمينها الرسّام هنري فونتان لاتور وزوجته اللذين كانا صديقين للرسّامة وزوجها.
سمات الانطباعية واضحة في اللوحة، مثل الضربات الفضفاضة والناعمة للفرشاة والألوان الحرّة والحوافّ الناعمة وتفاعل الضوء والظلّ وغياب الأشكال والخطوط.
ولدت براكمون عام 1840 في مقاطعة بريتاني. ونشأت في بيئة تختلف عن البيئة المثقّفة والمرفّهة نوعا ما التي كانت لغيرها من الرسّامات مثل كاسات وغونزاليس وموريسو.
كانت الرسّامة ثمرة لزواج لم يكن سعيدا بما فيه الكفاية. والدها كان قبطانا بحريّا، وقد توفّي بعد ولادتها مباشرة. وبعد وفاته تزوّجت والدتها بسرعة من رجل آخر، ثم نشأت بين الأمّ وابنتها علاقة غير مستقرّة.
في بداياتها كانت براكمون منجذبة لأسلوب الرسّام البلجيكيّ الفريد ستيفنز الذي كان متخصّصا في ترميم اللوحات الفنّية، وفي نفس الوقت كان يعطي دروسا خصوصية للرسّامات الناشئات.
ثم قُدّمت إلى جان دومينيك آنغر الذي قدّمها بدوره لاثنين من تلاميذه. وقد وصفها احدهما آنذاك بأنها كانت واحدة من أذكى التلاميذ في محترف آنغر.
لكنها تركته بعد فترة وأصبحت تتلقّى طلبات برسم بورتريهات، كان احدها من الإمبراطورة اوجيني التي كلّفتها برسم بورتريه للكاتب الاسبانيّ سيرفانتس في السجن. وقد سُرّت براكمون بذلك التكليف لأنه أهّلها لأن تقوم باستنساخ بعض لوحات اللوفر بتكليف من إدارة المتاحف الفرنسية.
وفي تلك الأثناء تعرّفت على الرسّام فيليكس براكمون الذي وقع في حبّها ثم تزوّجها في نفس تلك السنة وأنجب منها طفلا وحيدا.
وبسبب تأثير الانطباعيين، بدأت الرسّامة تغيّر أسلوبها في الرسم وأصبحت توليفاتها اكبر وألوانها أكثر عمقا. ثم انتقلت للرسم خارج البيت وصار كلّ من ديغا ومانيه من بين معلّميها. وبعض أفضل لوحاتها رسمتها في حديقة منزلها.
وقد شدّها إلى الانطباعيين أنهم يرسمون ما يرونه بأعينهم، وليس العوالم المتخيّلة من الأساطير التاريخية. وكانت تقف مع هؤلاء كتفا إلى كتف رغم أنها لم تحظَ بالشهرة الكافية.
وفي مرحلة تالية، قابلت براكمون الرسّام بول غوغان الذي أصبح له تأثير على أسلوبها في الرسم. وقد علّمها كيفية تحضير القماش للحصول على ألوان مكثّفة وساطعة.
كانت الفنّانة قد أصبحت معروفة بقربها من دوائر الانطباعيين، رغم أنها تعيش في ظلّ زوجها المعروف جيّدا في أوساط الرسم بعدائه للانطباعية. وهذا أدّى إلى إثارة حنق الزوج الذي كان يرفض انتقاداتها لأعماله ويمنعها من عرض لوحاتها على الزوّار. ونتيجة لخلافاتهما المستمرّة، أصبحت محبطة بسبب قلّة الاهتمام بأعمالها.
على العكس من زميلاتها، لم تستمتع براكمون بموهبتها ولم تجنِ من ورائها أيّة فائدة. ويمكن القول إلى حدّ كبير أنها كانت هي معلّمة نفسها على الرغم من أنها تعرّفت إلى أقطاب الحركة الانطباعية بمن فيهم رينوار.
وفي مقابل غيرة زوجها وخذلانه لها، وجدت براكمون الكثير من الدعم والتشجيع من ابنها الذي آزرها ووقف إلى جانبها دائما. وفي عام 1919، أي بعد وفاتها بسنوات، نظّم ابنها معرضا استعاديّا لأعمالها في غاليري باريس، تضمّن تسعين لوحة ما بين ألوان مائيّة وأعمال حفر ورسوم أوليّة.

Thursday, March 30, 2017

لوحات عالميـة – 384

اختطـاف ريبـيكا
للفنان الفرنسي أوجيـن ديـلاكـــروا، 1846

ذات مرّة، وصف الشاعر والناقد شارل بودلير الرسّام اوجين ديلاكروا بأنه آخر الرومانتيكيين وأوّل الحداثيين.
وربّما كان ديلاكروا آخر الرسّامين العظماء الذين اقترب فنّهم من مفهوم الحداثة. لكن لم يكن له سخرية مانيه ولا شكوك سيزان. ويبدو كما لو انه كان قانعا بالمتعة التي كان يرسم بها وبفكرة الفنّ من اجل الفنّ.
ومع ذلك كان ديلاكروا فنّانا استثنائيا في زمانه. وقد استطاع أن يرسم لوحات دينية مثيرة للمشاعر على الرغم من انه هو نفسه لم يكن متديّنا.
لوحاته مزيج من العنف والعاطفة والإغراء: حريم، انتحارات جماعية، معارك، مذابح، وملائكة وغير ذلك. كان يرسم كلّ شيء بحساسية فائقة وبفهم غير عاديّ لوظيفة الألوان.
ويقال أحيانا انه ما من رسّام آخر تمتّع بنفس تأثير ديلاكروا ونفوذه الدائم والمستمرّ. كان رسّاما منضبطا وثائرا. ولوحاته الأدبيّة، أي تلك التي استوحاها من روايات، فيها تطرّف وعاطفة واضطراب، وبعضها يثير الخوف، لكنّها مع ذلك جميلة ومعبّرة على الدوام.
وكان هناك من الرسّامين من ينظرون له نظرة إجلال وتقديس مثل غوستاف مورو وغوغان واديلون ريدون الذي التقاه مرّة في حفل وفُتن بملامحه الجميلة وبتحفظّه وانعزاليّته.
رينوار أيضا أحبّ ألوان ديلاكروا ورسم نسخا من لوحاته الجزائرية. ومانيه وفان غوخ كانا أيضا معجبَين بسطوع ألوانه وأناقتها الواضحة. وقد استلهم الانطباعيّون ومن أتوا بعدهم طريقته المتفرّدة في توظيف واستخدام الألوان.
ومصادر إلهام ديلاكروا تأتي في الأساس من الأحداث التاريخية أو المعاصرة ومن أعمال الأدب. روايات السير والتر سكوت مثلاً، بأفكارها الغرائبية والعنيفة، كانت ذات شعبية كبيرة عند الرسّامين الأوربّيين الرومانتيكيين. ورغم تحفّظ ديلاكروا على قيمتها الأدبية، إلا انه وفي مناسبات عديدة وجد في بعض تلك الكتابات شيئا من الإلهام.
في هذه اللوحة، يرسم ديلاكروا منظرا من رواية ايفانهو لسكوت والمنشورة عام 1819م. كان ايفانهو نبيلا انجليزيا وفارسا مخلصا للملك ريتشارد الأوّل الملقّب بقلب الأسد.
وقد عاد ايفانهو بصحبة الملك سرّا إلى انجلترا بعد انتهاء الحروب الصليبية وبعد سجن ريتشارد في النمسا، لأنه وأثناء غياب الملك قام أخوه جون، وبمساعدة من نبلاء النورمان، بالاستيلاء على عرش انجلترا.
وقد قام ايفانهو بدور مشهود في إلحاق الهزيمة بفرسان الأمير جون وعلى رأسهم كلّ من برايان دو غيلبيرت وريجينالد دو بوف.
لكن بطريقة ما، تمكّن هذان الأخيران من اعتقال ايفانهو الجريح ووالده وسجنوهما في إحدى القلاع. وكان مسجونا في تلك القلعة أيضا تاجر يهوديّ مع ابنته الجميلة التي تُدعى ريبيكا.
كان دو بوف قد وقع في حبّ المرأة ثم اختطفها وحبسها في القلعة على أمل أن يتّخذها خليلة. لكن أثناء حرق ونهب القلعة، التي تبدو في خلفية اللوحة، حُملت ريبيكا بعيدا على يد عبدين وبناءً على أوامر من دو غيلبيرت الذي كان واقعا في هواها هو الآخر.
وهذا هو الجزء الذي رسمه ديلاكروا من الرواية، حيث صوّر الدراما المكثّفة من خلال الخطوط والألوان الساطعة. واللوحة تُظهر الرسّام وهو في أوج إبداعه وتألّقه، كما يمكن اعتبارها امتدادا لإبداعه الذي بدأه في لوحته "نساء الجزائر". لكنّ الألوان هنا اخفّ وأكثر تعبيريةً. وضربات الفرشاة تبدو عصبية، لدرجة أنها تشعل السطح بأكمله. المشهد أيضا يذكّر ببعض لوحات روبنز وبمناظر الحرب التي استوحى منها الشاعر الانجليزيّ اللورد بايرون قصائده.
وربّما يكون ديلاكروا قد أحبّ في رواية ايفانهو فكرة العنف التي كانت تروق للرومانتيكيين عادة. ومن الواضح أن ما كان يهمّه في المقام الأوّل هو النوعية الغرائبية للقصّة.
العديد من النقّاد المعاصرين للرسّام امتدحوا تلقائية اللوحة وقوّتها الكامنة وتناغم ألوانها. وهناك أيضا تفاصيل أخرى تلفت الانتباه، كالنار المنطلقة من عقالها والجواد الأشهب الجميل وتفاصيل الملابس.
غير أن النقّاد المحافظين آنذاك هاجموا اللوحة لنقص الرسم فيها والفراغات غير المتناسقة ولانتهاك الرسّام للقواعد الكلاسيكية. ديلاكروا نفسه كان يدرك عيوب هذه اللوحة جيّدا، لكنه رغب في التضحية بكلّ شيء من اجل أن يخلق تأثيرا دراميّا. لكن ممّا لا شكّ فيه أن اللوحة لا تفتقر للفخامة والجمال.
اللون نفسه يبدو مندمجا في نسيج اللوحة لدرجة انه يتحوّل إلى روح. وأنت تنظر إلى الألوان، قد تلاحظ أنها تتحوّل وتتدرّج من الخفيف إلى القاتم وبالعكس وكأنّها تتنفّس في داخل المشهد.
كان ديلاكروا يقول إن القيمة الأولى للوحة هي أن تكون مبهجة للعين. وكان ينظر إلى قلب الإنسان كمنطقة قاسية ومضطربة. والبشر والحيوانات التي كان يرسمها تبدو وكأنها تتبادل الأدوار في ما بينها. وهذا التعقيد والمزج بين التطرّف والمحافظة كان سمة للرسّامين الفرنسيين الكبار من القرن التاسع عشر.
كان ديلاكروا أوّل رسّام فرنسيّ مهمّ لا يزور ايطاليا، وبدلا من ذلك ذهب إلى المغرب. وباختياره ذاك أحدثَ تطوّرا في الرسم الفرنسيّ، إذ ابتعد عن الكلاسيكية وفضّل أن يهتمّ أكثر باللون والحركة.
وعندما وصل إلى المغرب كتب يقول: الإغريق والرومان وجدتهم عند عتبة بابي. إنهم العرب الذين يلفّون أنفسهم بالعباءات البيضاء ويبدون بملامح كاتو وبروتوس". رحلته إلى شمال أفريقيا بدأت عام 1832، وقد وجد هناك سماوات مفتوحة وعواطف متوقّدة وحياة ذات نمط قديم، وغيّر ذلك حياته كلّها جذريّا.
قضى ديلاكروا بقيّة حياته محاولا استيعاب تجربته المشرقية. وعندما عاد إلى فرنسا، عكف على رسم الموتيفات الشرقية التي رآها في رحلته وأذهلت مجتمع باريس.
بعض أهم أعمال الفنّان كُلّف برسمها كي تزيّن جدران وأسقف بعض مباني باريس العامّة. وأشهر لوحاته مثل "الحرّية تقود الشعب" و"موت ساردانابالوس" و"نساء الجزائر" تُعتبر اليوم من ايقونات الرسم الفرنسيّ ونادرا ما تغادر أراضي فرنسا لتُعرض خارجها.
كان ديلاكروا عاشقا للأدب والفنّ. والكثير من أعماله مستوحى من أعمال أدباء مثل شكسبير وغوته وغيرهما. كما رسم عددا من البورتريهات لشخصيّات معروفة مثل الموسيقيّ الايطاليّ نيكولا باغانيني والموسيقيّ البولنديّ فريدريك شوبان والأديبة الفرنسية جورج صاند التي بقيت في محترفه حتى وفاته عام 1863.
كان ديلاكروا يرى أن الأشياء إن لم تكشف عن معناها على الفور فليست لها قيمة". ومع ذلك، فإن هذا الوصف لا ينطبق على مناظر الدراما الإنسانية التي كان يرسمها، إذ يلزمك أحيانا نظر طويل حتى تكتشفها وتلمّ بتفاصيلها.
شطآن البحار التي كان يصوّرها تبدو تدريجيّا منذرة بالخطر كما لو أنها هاوية العالم. وميدان المعركة يصبح محيطا اخضر. ويقال أن أحدا لم يرسم غموض البحر وروعته بمثل ما فعل ديلاكروا. بحره يمكن أن يكون رمزا لفنّه: جامح، قويّ وعنيف، لكن مسيطَر عليه بطريقة غامضة.

Thursday, February 23, 2017

لوحات عالميـة - 383‏

اوغولينو وأبناؤه
للفنان الفرنسي جان باتيست كاربيو، 1865

هذه المنحوتة مقتبَسة من مقطع يصف فيه دانتي قصّة سجن الكونت اوغولينو ديلا جيرارديسكا وأبنائه الأربعة في عام 1288 ثم موتهم جوعا.
كان الكونت اوغولينو نبيلا ايطاليّا وسياسيّا وقائدا بحريّا. وقد اتّهم مرارا بالخيانة العظمى، واجتذبت شخصيّته اهتمام الناس ومخاوفهم خلال الجزء الثاني من القرن التاسع عشر.
والمعلومات عن قصّته قليلة ومتضاربة. ويرجّح أنها اشتهرت بسبب الإشارة إليها في الكوميديا الإلهية.
وقد ذكرها أيضا عدد من الأدباء الآخرين مثل تشوسر وبيرسي شيللي والشاعر شيموس هيني والروائي خوسيه ساراماغو. ورسم القصّة فنّانون كثر من أشهرهم وليم بليك وهنري فوسيلي والنحّات اوغست رودان.
في القرن الثالث عشر، كانت ايطاليا تشهد صراعا عنيفا بين حزبين رئيسيين، أحدهما يدعم سلطة الإمبراطور والثاني يدعم سلطة البابا.
واوغولينو كان من عائلة نبيلة يعود أصلها إلى ألمانيا ومعروفة بتحالفها مع الإمبراطور. وقد أثار غضب الناس بتزويج شقيقته من جيوفاني فيسكونتي ثمّ أعلن ولاءه للأخير ضدّ رغبة سكّان مدينته.
وبعد تمرّد في المدينة، قُبض عليه هو وصهره واتُهما بتدبير مؤامرة وحُكم عليهما بالسجن. وبعد ذلك بفترة قصيرة، توفّي صهره جيوفاني في السجن، بينما أطلق سراح اوغولينو بعد أن انتهى خطره، ثم اُرسل إلى المنفى.
وفي المنفى بدأ يخطّط ثانية مع حكّام فلورنسا ولوكا ضدّ مدينته ومسقط رأسه. وفي ما بعد هاجم مدينته ثم اجبرها على توقيع اتفاق سلام بشروط مذلّة. وبعد أن دخل المدينة أجبر عائلاتها الثريّة على مغادرتها ثم قام بتدمير قصورهم وأعلن نفسه حاكما على المدينة.
لكن في النهاية قُبض عليه مع أبنائه الأربعة مختبئين في برج. وفي عام 1289 أمر حاكم المدينة بإلقاء مفاتيح البرج في نهر ارنو وترك المساجين الخمسة ليموتوا جوعا.
ويقال أن أبناءه ماتوا قبله وكان هو آخر من بقي وأنه، بدافع الجوع، اضطرّ لأكل لحومهم. وفي ما بعد دُفنت جثثهم جميعا في إحدى الكنائس.
دانتي ذكر القصّة في الكوميديا الإلهية وأشار إلى أنه عندما التقى اوغولينو في الجحيم، سمع منه كيف انه كان يعضّ أصابعه ندما ويأسا، بينما كان أبناؤه يظنّون انه جائع ويعرضون عليه أجسادهم كي يطفئ جوعه من لحومهم.
ويورد دانتي أبياتا على لسان اوغولينو يقول فيها: عندما عرفت مظهري في الوجوه الأربعة، رفعت يديّ في حزن. وبينما أبنائي يظنّون أني جائع قالوا صائحين: يا أبانا لن نجزع إن أكلتنا".
وفي آخر تلك الأبيات يترك دانتي للقارئ تخيّل ما الذي حصل بعد ذلك، إذ يقول: ثم ثبت أن الجوع أكثر سطوة من الحزن".
وقد عاقب دانتي اوغولينو بوضعه في حجرة من الثلج في المستوى الثاني من الجحيم، وهو مكان محجوز لخونة أقاربهم وأوطانهم والمحسنين إليهم. والغريب أن الشاعر وضع معه في نفس الغرفة قاتله، أي حاكم المدينة الذي أمر بحبسه ومنع عنه وعن أبنائه الطعام حتى الموت.
النحّات جان باتيست كاربيو في هذا التمثال يصوّر لحظة الحكم على الرجل وأبنائه بالموت جوعا. وفي التمثال يبدو اوغولينو بطلا من العصر الرومانسي، ذقنه يستند إلى يده في تفكير حزين، يحيط به أبناؤه الأربعة.
كان كاربيو نحّاتا بارزا وكان متخصّصا في النحت الأكاديمي للقرن التاسع عشر. وتوليفه هنا يعكس تقديره لميكيل انجيلو وكذلك اهتمامه الكبير بالواقعية التشريحية. وقد صُنع التمثال من الجبس في فيللا ميدتشي في روما في عام 1865، وهو آخر عام من إقامة النحّات في الأكاديمية الفرنسية في روما.
هذا العمل يُعتبر شاهدا على براعة كاربيو وكان سببا في شهرته السريعة. وعند عرضه، لفت التمثال أنظار النقّاد والناس وشجّع العديدين على تكليفه بأعمال أخرى. وعندما عاد إلى فرنسا كلّفته وزارة الثقافة الفرنسية بصبّ التمثال من البرونز، ثم عُرض في صالون باريس عام 1863 قبل أن يُنقل بعد ذلك ليُعرض في حدائق تويلاري.
القصّة المأساوية لاوغولينو وأبنائه راجت كثيرا في الأدب والشعر والفنّ. لكنّ العلماء اليوم، واعتمادا على نتائج الحفريات التي أجريت في مقبرة العائلة، يشكّكون كثيرا في قصّة أكل الرجل للحم أبنائه في أيّامه الأخيرة ويعتبرون ذلك ضربا من الخرافة.

Thursday, January 12, 2017

لوحات عالميـة – 382

نـرسيـس
للفنان الايطـالـي كـارافــاجـيــو، 1597

لم يمارس أيّ رسّام ايطاليّ نفوذا مثل كارافاجيو، باستثناء ميكيل انجيلو. كان رسّاما ثوريّا وسابقا لعصره. وقد تجاهل القواعد التي اتّبعها الرسّامون قبله.
وشهرة كارافاجيو تأتي أوّلا من سيرة حياته الغريبة، فقد قتل رجلا بسبب رهان ثم مات قبل الأوان في سنّ الثامنة والثلاثين.
ومن بين من تأثّروا به كلّ من روبنز وهولس ورمبراندت وفيرمير وبيرنيني. كان تأثيره كاسحا، لدرجة انه ظهر في ما بعد مصطلح يُسمّى "الكارافاجيوية" نسبةً له.
كان كارافاجيو مفتونا كثيرا بالضوء وباستخدام تقنية "الكياروسكورو" أو التباين الدراماتيكيّ بين العتمة والضوء. وهذا هو السبب في أن معظم أعماله يتخلّلها ضوء ذهبيّ وساطع.
وكان دائما يفضّل وضع شيء مضاء بطريقة دراماتيكية في مكان مظلم من اللوحة، تماما كالممثّل الذي يقف في بؤرة الضوء القويّ والكاشف.
الأشخاص الأسطوريون قليلون في فنّ كارافاجيو. ومع ذلك رسم هذه اللوحة التي تعكس رؤيته الخاصّة لإحدى أشهر الأساطير، أي قصّة نرسيس.
الظروف التي رسم فيها اللوحة غير معروفة. ولا يُعرف أيضا ما إذا كان احد قد كلّفه برسمها. وقد أنجزها في بواكير حياته. وظلّت دائما واحدة من أشهر الأعمال الفنّية التي تناولت هذا الموضوع.
في الأزمنة القديمة، كثيرا ما كانت الأساطير تحدث دون أن تقدّم شرحا مقنعا. لكن هذه الأسطورة بالذات لها دلالة خاصّة، كما أنها تدفعنا لنتخيّل كيف كانت الحياة قبل اكتشاف المرايا.
كان الجمال المفرط يُنظر إليه بحذر وتوجّس. والآلهة يمكن أن تصبح غيورة وتعاقب البشر الذين يتجاوزون حدود الجمال المعقول. سايكي، مثلا، كانت فتاة جميلة جدّا، وبسبب جمالها غضبت عليها الآلهة وحاولت أن تقتلها.
نرسيس، هو الآخر، كان شابّا جميلا جدّا. وقد وقع في حبّ صورته التي رآها منعكسة على مياه احد الغدران. وبسبب افتتانه بملامحه أصبح يتجاهل مشاعر الإعجاب من الآخرين، بل حتى الحورية الجميلة ايكو لم تستطع إغواءه بسبب اعتداده الكبير بجماله.
وفي النهاية مات نرسيس عطشا، مفضّلا الموت على أن يكفّ عن تأمّل صورته. وبعد موته نبتت في مكانه زهرة جميلة تحمل اسمه حتى اليوم، أي "النرجس".
القصّة الأصلية، كما سجّلها اوفيد في كتاب التحوّلات، تجري فصولها في طبيعة رائعة ومغمورة بالضوء، مع بعض التفاصيل الأخرى كالحورية ايكو والأزهار على حافّة البركة والكلب والغزال، وكلّ هذه الثيمات أصبحت ترمز لنرسيس الصيّاد.
لكن كارافاجيو فضّل أن يستبعد كلّ تلك التفاصيل، وركّز على الإمساك بجوهر القصّة كما يرويها اوفيد الذي يشير إلى أن نرسيس أخذ ينظر وهو صامت إلى صورته المنعكسة في الماء و"بقي هناك ساهما مثل تمثال من رخام".
المشهد في اللوحة يصوّر بداية القصّة وفي نفس الوقت ذروتها، أي اللحظة التي يثني فيها نرسيس جسده ويمدّ يده في الماء كي يشرب. هنا لاحظَ ظلّه ثم وقع في حبّ صورته. وبعد قليل ستقع مأساة موته.
واللوحة تركّز على انعكاس صورته وتستبعد كلّ شيء حوله. ربّما كان هذا هو ما شعر به نرسيس عندما حدّق في صورته، كما لو انه لم يرَ أيّ شيء آخر. وحتى عندما عبَر نهر ستيكس بعد موته كما تذكر الأسطورة، كان ما يزال يحدّق في صورته.
خلفية اللوحة فارغة وقاتمة وتوحي بالحزن. والماء يبدو مظلما، ولهذا ارتباط على ما يبدو بما تذكره كتب القدماء عن نهر ستيكس والبرك المظلمة وأزهار الحداد.
قصّة نرسيس ظلّت تحتفظ بسحرها على مرّ القرون وتلهم الكتّاب والشعراء والفلاسفة. دانتي وبترارك ذكراها في أشعارهما. وفرويد ابتكر مصطلح "النرجسية" عند تناوله للأسطورة. وهناك العديد من الفنّانين ممّن رسموها بعد أن وجدوها مثيرة للاهتمام، ومن أشهرهم ووترهاوس وبوسان ولوران ودالي.
والأسطورة تحاول أن تبرهن على النهاية التعيسة التي تنتظر أولئك الذين يحدّقون في صورهم ولا يرون إلا أنفسهم. ويبدو أن رسالتها هي تذكير الناس بالمتع الدنيوية الزائلة. كما أنها تشبه إلى حدّ ما قصص الفانيتا، من حيث أنها تحذّر البشر من الآثار السيّئة للانغماس في المتع المرتبطة بالحبّ والشباب.
هناك من يرجّح أن كارافاجيو رسم اللوحة مباشرة على قطعة القماش وبدون اسكتشات أو رسومات أوّليّة. وقد كلّف صديقا له يُدعى فرانسيسكو بونيري كي يقوم بدور نرسيس في اللوحة، لأنه لم يكن يتحمّل أن يدفع لموديل.
لاحظ كيف أن ملامح نرسيس تشبه ملامح الموديل الذي يظهر في لوحة الرسّام الأخرى المشهورة "استراحة أثناء الرحلة إلى مصر".
كارافاجيو أيضا تجاهل في رسمه للوحة الأشكال والتفسيرات المثالية، وأشبع المشهد بالضوء والظلّ لكي ينتج جوّاً دراماتيكيّا، ووضع البطل لوحده في دائرة الضوء القويّ والكاشف.
أسطورة نرسيس تركت أثرا كبيرا على الفنّ والأدب. رواية "صورة دوريان غراي" استوحاها اوسكار وايلد من هذه الأسطورة. كان بطل الرواية قد رسم لنفسه لوحة وأخذ يحدّق فيها طوال الوقت. وكلّما ارتكب خطئاً في حياته، كلّما أصبحت صورته أقدم وأقبح، مع انه هو نفسه ظلّ جميلا وشابّا.
وفي رواية ميلتون "الفردوس المفقود"، تحدّق حوّاء في انعكاس صورتها في بحيرة وتشتهيها عبثا، كما يفعل نرسيس.
حياة كارافاجيو كانت مليئة بالجرائم والإثارة. ورسوماته فيها الكثير من المزاج والحركة والنشاط. وهو ينتمي إلى حركة الباروك التي ظهرت في ايطاليا وكان من أقطابها كلّ من ميكيل انجيلو وتنتوريتو.
وقد حظيت تلك الحركة بدعم ورعاية كلّ من الكنيسة الكاثوليكية والعائلات الارستقراطية. وغالبا كان رجال الدين والأغنياء يرون في الباروك وسيلة أو أداة للبرهنة على الثروة والسلطة.
ورسْم الباروك لم يكن يختلف كثيرا عن عصر النهضة، باستثناء أن ألوانه كانت أكثر ثراءً وقتامة، مع تركيز خاصّ على المواضيع الدينية.
أسطورة نرسيس ما تزال وثيقة الصلة بعالمنا اليوم. فكلّ إنسان لا يخلو من شعور بالأنانية. واستغراق الناس بذواتهم هي سمة من سمات هذا العصر، لدرجة أننا لا نرى في الآخرين سوى انعكاس لذواتنا، وهذا التفسير يبدو مقنعا إلى درجة كبيرة.
أيضا موت نرسيس يعلّمنا انه من غير اللائق أن نحبّ أنفسنا أكثر من اللازم، وأننا نموت بسبب استغراقنا في التفكير بذواتنا. ولأن نرسيس كان أنانيّا فقد عوقب بالنبذ والإبعاد ثم مات كإنسان خاطئ. وهي نهاية محزنة ولا شكّ، لأن عقوبته لم تكن عادلة ولا مبرّرة، فمن الواضح انه كان يفكّر مثل أيّ إنسان آخر.
غير أن الجانب الايجابي في قصّته هو أنها وفّرت افكارا مثالية للفنّانين، ويقال أحيانا أن أوّل مبتكر للرسم كان نرسيس نفسه، لأن الرسم في النهاية ليس سوى انعكاس لنظرة الرسّام إلى نفسه.
بل إن بعض المؤرّخين ذهبوا إلى أن كارافاجيو أيضا كان نرجسيّا وأنه في اللوحة إنّما كان يرسم نفسه. والحقيقة أن لهذه النظرية أصلا، فكلّ رسّام بداخله نرسيس، لأنه عندما يخلق أو ينتج فنّا فإنه إنّما ينظر إلى نفسه في حالة الإلهام والإبداع.
الرسّام الفرنسي نيكولا بوسان الذي كان معاصرا لكارافاجيو لم يكن يطيق أسلوب الأخير في الرسم. وقد قال ذات مرّة إن كارافاجيو أتى إلى هذا العالم كي يدمّر الرسم. غير أن ترجمة بوسان لأسطورة نرسيس كانت تقليدية وكلاسيكية مقارنة مع نسخة كارافاجيو الجميلة والقاتمة.