Thursday, October 27, 2016

لوحات عالميـة – 381

شروق الشمس على قلعة نورهام
للفنان البريطاني جوزيف تيرنر، 1845

كان جوزيف تيرنر قد رأى لأوّل مرّة قلعة نورهام التاريخية الواقعة على الحدود ما بين انجلترا وسكوتلندا في العام 1797، وكان يزور آنذاك مناطق شمال انجلترا. وقد أعجب بالمكان وقرّر أن يعاود زيارته من وقت لآخر.
ويُرجّح أن يكون قد رسم هذا المنظر كـ "اسكتش" للوحة كان يفكّر في رسمها في ما بعد. غير أن اللوحة تبدو لمعظم الناس اليوم لوحة كاملة وجميلة ومقبولة بهيئتها هذه. وثمّة احتمال بأن تيرنر كان يراها كذلك، وربّما كان قد رسمها من اجل إرضاء نفسه فحسب.
وفي السنوات التالية رسم نسخا أخرى من هذه اللوحة التي مثّلت ذروة افتتانه الذي رافقه طوال حياته بهذا المكان. كما أن اللوحة تُعتبر أحد أعظم أعماله في تصويرها للضوء والتأثيرات الجوّية.
الألوان النقيّة في المنظر أكثر من الألوان المتباينة وتعبّر عن الضوء المتألّق، بينما تتداخل أشكال المباني التاريخية مع المنظر الطبيعي. وقد ذابت كلّ الأشكال الممكن تمييزها في ضوء الشمس المشرقة.
الرسّام تعامل مع القلعة ومع الأشكال الصلبة الأخرى كعناصر شفّافة من الضوء واللون. والقلعة نفسها رُسمت ملساء وناعمة وسائلة لدرجة أنها ذابت وتناثرت أسفل اللوحة.
لكن برغم أن تيرنر خلق بعض أهم تأثيراته الجوّية هنا، إلا أن المكان لا يبدو من السهل التعرّف عليه أو تمييزه. كما أن بنية التوليف نفسها تبدو كلاسيكية وصارمة.
في بداياته تبنّى الرسّام بالتدريج أسلوبا حرّا وأثيريا شبيها أحيانا بالتجريد. ولم يكن يعرض أعماله تلك على الجمهور، لأنها كانت تفتقر إلى التفاصيل وإلى اللمسات النهائية التي تجعلها مقبولة بحسب معايير الأكاديمية. وقد أسيء فهمه ورُفض من قبل نفس النقّاد الذين سبق وأن أعجبوا به طوال عقود.
بدأ تيرنر دراسته للرسم في الأكاديمية الملكية بلندن مع رسّامين آخرين كبار من أمثال جوشوا رينولدز وبول ساندباي. واجتذبت رسوماته الأولى اهتمام النقّاد والجمهور. وانعكس هذا إيجابا على أحواله المالية، فتمكّن من القيام بالعديد من الزيارات لانجلترا وويلز حيث رسم كثيرا من الأماكن والمعالم.
ثم زار فرنسا وسويسرا حيث اطلع فيهما على أعمال كبار المعلّمين مثل رمبراندت والبيرت كاب وكلود لوران. ويمكن ملاحظة تأثير الأخير بالذات على لوحات تيرنر المبكّرة مثل "الطاعون في مصر" وغيرها.
ويقال انه في تلك الفترة تقريبا وفي احد معارضه في الأكاديمية، سقطت قطعة من إحدى لوحاته على الأرض. وقد قلّل من أهمّية ما حدث قائلا إن الشيء المهم الوحيد هو انه ترك انطباعا. وقد تسبّبت تلك الملاحظة في إثارة دهشة الحضور. الناقد جون راسكن الذي كان صديقا مقرّبا لتيرنر وصف لوحاته بأنها انطباعات لما كان يراه بعقله وليست نتيجة تأمّلاته المباشرة.
وذات مرّة كان تيرنر في ضيافة راعيه والتر فوكس في يوركشاير عندما هبّت فجأة عاصفة رعدية بدّدت هدوء ذلك المساء. ثمّ ما لبث أن هطل المطر بقوّة. وبسرعة قام تيرنر ليرسم المطر الغزير والغيوم الثقيلة.
ثم قال لمضيفه: خلال سنتين من الآن سترى هذه الاسكتشات وقد تحوّلت إلى لوحة بعنوان "هانيبال يعبر جبال الألب". وفي عام 1812، عرض تيرنر لوحته الطموحة تلك بنفس ذلك العنوان والتي أصبحت مشهورة جدّا في ما بعد.
وقد شجّعه نجاحها عند عرضها على أن يرسم المزيد من المناظر التاريخية مثل لوحته "أفول امبراطورية قرطاج" وغيرها.
نمت شعبية تيرنر بعد ذلك بسرعة. وقد وجد في روما مواضيع جديدة ومناسبة لعبقريّته. عقليته المتفتّحة وجدت في ايطاليا عالما لم يخبره من قبل من الألوان والأضواء والأجواء. وقد زار تورينو وميلانو وفينيسيا ونابولي، ودرس أعمال الرسّامين العظام مثل تيشيان ورافائيل، كما التقى النحّات المشهور انطونيو كانوفا.
وفي السنة التالية عاد إلى انجلترا وصوّر ذكريات زيارته الايطالية التي تركت بصمتها على أعماله التالية مثل "المنتدى الروماني" أو لوحته الأخرى عن رافائيل وفورنارينا. ثمّ زار ايطاليا مرّة أخرى بعد ذلك بثمان سنوات. وابتداءً من مطلع ثلاثينات القرن التاسع عشر أصبح أسلوبه أكثر حرّية.
لوحته "شروق الشمس مع وحوش بحرية" هي احد أفضل الأمثلة على لوحاته الأخيرة، فأشكال وحوش البحر فيها من الصعب تمييزها وسط أجواء البحر. والضوء الذي يبدو محاطا بهالة من القداسة يعكس نظرية تيرنر التي تعتبر أن الشمس هي مركز الحياة كلّها.
أعمال الرسّام الأخيرة كانت تضجّ بالفوضى وقد انتُقدت باعتبارها أعمال رجل مجنون. ويقال انه حتى الملكة فيكتوريا رفضت أن تخلع عليه لقب فارس، وهو شرف ناله رسّامون اقلّ منه أهمية بكثير، لأنها كانت تعتبره بالفعل شخصا معتوها.
وكان من السهل وصف تيرنر بالمجنون أخذا في الاعتبار الظروف التي رافقت ولادته، فأمّه قضت أربع سنوات من حياتها في مشفى للأمراض العقلية. لكن التشوّش الذي ملأ لوحاته الأخيرة كان في الواقع نتيجة تطوّر فنّي معقّد سبق خلاله بعقود العديد من أبناء جيله.
كان تيرنر أكثر من مجرّد رسّام مناظر بحرية، بالرغم من أن عددا من أعظم انجازاته حقّقه من رسم مناظر البحر والماء. ذوبان الأشكال في لوحاته الأخيرة فُسّر من قبل نقّاد عديدين على انه بوادر الخرف. حتى راسكن أزعجته أعمال تيرنر تلك وكان ينصح بتثبيت مسامير على إطارات اللوحات لتشير إلى أجزائها العلوية والسفلية.
في أكتوبر من عام 1851، كان تيرنر يتعرّض لأزمة صحّية خطيرة. وبسببها نصحه الأطبّاء بالكفّ عن الرسم. وفي التاسع عشر من ديسمبر من ذلك العام توفّي في منزله في تشيلسي بلندن ودُفن جثمانه في كاثدرائية سينت بول.
ويمكن رؤية اكبر عدد من أعماله اليوم في جناح خاصّ يحمل اسمه في متحف تيت البريطاني.

Thursday, October 20, 2016

لوحات عالميـة – 380

فجـر بـلا أمـل
للفنان البريطاني فـرانك بـراملـي، 1888

عندما عُرضت هذه اللوحة لأوّل مرّة في الأكاديمية الملكية في لندن قبل 130 عاما وُضع معها اقتباس من مقالة كتبها الناقد جون راسكين يقول فيها:
الإنسان والحزن متلازمان إلى الأبد، ومن عصر إلى عصر تجري الأمواج دائما والرياح تعوي والقلوب المؤمنة تعاني وتمرض والرجال الشجعان يواجهون الشطآن الثائرة بضراوة. لكن خلف دفّة كلّ قارب أو سفينة، ثمّة يد الله التي تمنح البحّارة مفاتيح السماء".
واللوحة تصوّر مشهدا حزينا من العصر الفيكتوري. فالمرأة الجاثية تدرك أن زوجها توفّي في البحر أثناء رحلة صيد، بينما تحاول حماتها أو أمّ زوجها مواساتها والتخفيف عنها. وعبر النافذة يمكن رؤية بحر هائج وأنوار الفجر في سماء عاصفة.
الكتاب المقدّس المفتوح والطاولة على شكل مذبح على الجدار تتضمّنان تلميحا بأن الدين يساعد في تعزية الإنسان والتخفيف عنه.
لكن كلا المرأتين فقدتا الأمل في عودة الزوج والابن بعد أن انتظرتا خبرا عنه ليومين كاملين. وهما لم تناما طوال الليل، تقرآن الصلوات والأدعية وتنتظران بلا أمل عودته.
الرسّام يخلق تباينا بين ضوء الصباح الشحيح والشمعة المتوهّجة على الطاولة، بينما على حافّة النافذة تظهر شمعة منطفئة يمكن أن تكون رمزا لموت الصيّاد. وخارج النافذة تستمرّ العاصفة بلا رحمة. الزجاج المتصدّع يوحي بضعف البشر مقابل لا مبالاة وقسوة البحر.
وقد وُصفت اللوحة في بعض الأحيان بأنها ذات مضمون عاطفيّ وسرديّ قويّ مع جاذبية جمالية وتناغم لونيّ، ما يجعلها أحد أكثر الأعمال الفنّية جاذبية وجمالا.
صحيح أن المنظر يصوّر أحزان حياة صيّادي الأسماك وعائلاتهم. لكنه أيضا يقدّم العزاء بالقول إن الربّ لا يتخلّى عن عباده وأن رحمته هي الهادي في الليالي المظلمة وعندما لا يبدو أن الفجر يحمل أملا بالخلاص.
احد النقّاد ذهب إلى انجلترا قبل سنوات ورأى اللوحة في التيت غاليري وقد وصفها بقوله: كانت أعمال رمبراندت وكونستابل وغينسبورو معروضة في غرفة بعد غرفة. وقد أعجبت بجمالها وقدّرت البراعة التي تطلّبها إنتاج مثل تلك التحف الرائعة. لكن في زاوية هادئة من الطابق الثالث، شدّت انتباهي لوحة، بل أقول أنها أسرت قلبي.
وأضاف: لقد رسم الفنّان كوخا متواضعا أمام البحر تظهر بداخله امرأتان، زوجة صيّاد غائب وأمّه، وهما تنتظران طوال الليل عودته، والآن تدركان انه لن يعود أبدا. الزوجة تدفن رأسها في حضن العجوز وهي تبكي بحرقة ويأس.
وختم الناقد كلامه بالقول: أحسست بألم المرأتين وحزنهما. والعنوان المؤرّق الذي أعطاه الرسّام لعمله هذا يخبر عن القصّة المأساوية. ومع ذلك فالموت حقيقة من حقائق الحياة لا يستثني أحدا، ويمكن أن يكون مؤلما جدّا أن نفقد أحدا من أحبّتنا".
ولد فرانك براملي في لنكولنشاير في مايو من عام 1857 ودرس في مدرسة لنكولن للفنّ، ثم في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة حيث تتلمذ على يد تشارلز فيرلات.
وقد عاش الرسّام في فينيسيا بإيطاليا مدّة عامين وتزوّج من رسّامة زميلة هي كاثرين غريهام. وكان من بين زملائه ستانهوب فوربس الذي كان يعتبر براملي من الأشخاص الروّاد في مدرسة نيولاين للرسم.
تخصّص براملي في رسم الديكور المنزليّ وفي مزج الضوء الطبيعيّ بالاصطناعيّ في لوحاته، كما فعل في هذه اللوحة.
وفي عام 1894 أصبح أستاذا في الرويال أكاديمي، ونال في إحدى السنوات ميدالية ذهبية من صالون باريس.

Sunday, October 16, 2016

لوحات عالميـة – 379

لقاء عند البوّابة الذهبية
للفنان الايطالي جيوتو دي بوندوني، 1305

طبقا للعقيدة المسيحية، فإن مريم العذراء وُلدت بنفخة من روح الربّ. وفي روايات الرهبان الأوائل فإن أبوي مريم أيضا أنجباها من دون اتصال جنسي. كان يجب أن تبدأ حياة العذراء بمعجزة عندما حملت بها امرأة في سنّ اليأس. وهذه الفكرة، أي الحمل الإعجازي، تتخلّل عددا كبيرا من القصص الواردة في الإنجيل.
تصوّر هذه اللوحة قصّة والدي مريم، يواكيم و حنّة. كان قد مضى على زواجهما ثلاثون عاما دون أن يُرزقا بأطفال. وكانا محبّين لبعضهما، لكنهما لم يكونا سعيدين لأنهما كانا يحلمان بطفل. وكانا يظنّان أن الله لا بدّ وأن يكون غير راض عنهما.
وقد ذهب يواكيم إلى معبد أورشليم ليقدّم قربانا لعلّ أمنيته تتحقّق. لكن الكهّان صدّوه، لذا اتخذ له ملجئا عند الرعاة. ثم أتاه ملاك وأخبره بأن صلاته استجيب لها. وقد وجّه الملاك الزوجين بأن يذهب كلّ في طريق وأن يلتقيا عند البوّابة الذهبية لأورشليم وأن يقبّل كلّ واحد منهما الآخر هناك.
وعند البوّابة اجتمع شمل الزوجين للمرّة الأولى منذ أن غادر يواكيم البيت ليسأل الكهنة عن الحدث الكبير والوشيك الذي سيغيّر حياتهما إلى الأبد. ويُفترض رمزيا أن لقاء البوّابة الذهبية واحتضان الزوجين لبعضهما هو الذي أدّى إلى الحمل بمريم.
في اللوحة يظهر الزوجان وهما يقبّلان بعضهما البعض أسفل قوس مزخرف يحيط بهما عدد من الناس.
وقد وُصف اللقاء في الكتب القديمة بأن حنّة ألقت بنفسها في أحضان زوجها، ثم حمد الاثنان الله على منّه وكرمه بأن منحهما طفلا. وقد عرفا من رسول السماء، أي الملاك، بأن الطفل سيكون أنثى وأنها ستصبح في ما بعد ملكة قويّة في السماء والأرض.
وفي مختلف الرسومات القديمة التي تصوّر القصّة، يظهر الزوجان عند البوّابة الذهبية وهما في حالة عناق. الفنّان الألماني البيرت ديورر رسم نفس القصّة ووظّف فيها تقاليد عصر النهضة المبكّرة، كالنظر عبر شبّاك مفتوح والمزج بين الديني والدنيوي من حياة ذلك العصر.
في اللوحة أيضا يظهر يواكيم بصحبة الراعي، وجزء من الراعي مقتطع من الصورة لخلق انطباع بتتابع المشاهد من خلال إطارات تُتوّج بالمشهد الأخير والأهم، أي موكب الزوجين.
الخطوط العمودية في المعمار والقوس الذهبيّ لبوّابة المدينة تؤطّر الطريق الذي يسلكه الزوجان. هنا يتقابل الاثنان فوق الجسر ويحتضنان بعضهما بحنان. في الفنّ الكلاسيكي الأوربّي يُعتبر مشهد القبلات أمرا نادرا، وحتى نهاية القرن الماضي كانت شيئا مبتدعا وجريئا. والقبلة في اللوحة لا علاقة لها بالجنس، وأهميّتها تنبع من حركة وتعابير الأجساد.
رُسمت هذه اللوحة قبل سبعمائة عام كجدارية لتزيّن إحدى الكنائس في بادوا بإيطاليا. وما تزال موجودة في مكانها حتى اليوم. وربّما يلاحظ الناظر أن ملامح الأشخاص فيها تتسم بالصرامة، وتلك سمة ملازمة لرسومات جيوتو بشكل عام وقد كانت دائما مصدر تقدير عند النقّاد. أحدهم قال في زمانه أن جيوتو ترجم فنّ الرسم من اليونانية إلى اللاتينية، أي انه غيّره من تسطيح الأيقونات اليونانية إلى صلابة التماثيل الرومانية.
لكن بالنسبة للعين الحديثة، فإن هذه الصلابة تشوّه الشكل التشريحي. وبسبب انثناءات الجسد في رسوماته، تبدو بدائية وطفولية، وهذا بالضبط ما كان يروق لبعض رسّامي الحداثة في القرن العشرين. حذَرُ شخوص الرسّام وثباتهم وبطء حركتهم ربّما يلخص أسلوبهم في التواصل مع العالم ومع بعضهم البعض.
في اللوحة هناك بعض التفاصيل اللافتة مثل القوس الذهبي للبوّابة واستخدام الأسود في عباءة إحدى النساء، وكذلك الراعي وهو احد شخصيات القصّة الذي يظهر نصفه في طرف اللوحة الأيسر. كما أن هناك جدلا بشأن المرأة التي ترتدي الأسود، ويبدو أنها الشخص الوحيد غير السعيد باللقاء.
جيوتو يتمتّع بحضور قويّ في الفنّ الغربيّ، وقد استحدث أبعادا ثلاثية في لوحاته وأعماقا متراجعة في فراغاتها. ولد وعاش في فلورنسا، ويقال انه كان راعيا بسيطا كان يرسم أغنامه في التلال إلى أن اكتشفه احد الرسّامين وقدّم له التشجيع والرعاية. وهو اليوم يُعتبر من أشهر فنّاني عصر النهضة الإيطالي.

Thursday, October 06, 2016

لوحات عالميـة – 378

ليـدا اتـوميكـا
للفنان الاسباني سلفادور دالي، 1949

لم يكن هناك شيء عاديّ في شخصية سلفادور دالي أو في أعماله أو في أسلوب حياته. لذا لم يكن مستغربا أن تعكس لوحاته طبيعته الغريبة.
كانت زوجته غالا مصدر إلهام كبير له. وعندما يستحضرها كان يصنع أعمالا متسامية. وقد قال انه عندما رسم هذه اللوحة إنما أراد من خلالها أن يمجّدها.
كان أيضا متأثّرا بفنّ وميثولوجيا وتاريخ اليونان. ويقال أنه رسم صورة لهيلين أميرة طروادة قبل بلوغه سنّ العاشرة. وتتضمّن أعماله العديد من الإشارات الميثولوجية.
موضوع هذه اللوحة استلهمه الرسّام من الأسطورة الكلاسيكية المشهورة عن ليدا ابنة ملك اتوليا. وتحكي الأسطورة أن زيوس، كبير آلهة اليونان القديمة، وقع في حبّ ليدا. وعندما تمنّعت عليه حوّل نفسه إلى إوزّة ثمّ نام معها وأحبلها.
قصّة ليدا والإوزّة ظلّت دائما تتمتّع بالرواج والشعبية طوال تاريخ الفنّ. غير أن دالي حوّلها إلى قصّة داخلية عن الجمال والإغراء.
وقد بدأ رسم هذه اللوحة في الولايات المتحدة، ويصوّر فيها زوجته وملهمته غالا على أنها ليدا. وتبدو وهي تجلس عارية على قاعدة تمثال بينما تداعب بيدها اليسرى إوزّة وتقترب منها كي تقبّلها.
الكتب والفقاعات الفضّية تتطاير في الجوار وحول ليدا مثل الالكترونات حول النواة، وطبعا كلّ هذه الأشياء لا علاقة لها بالأسطورة الأصلية.
وحول ليدا، المرسومة داخل شكل فيثاغورسي ثمانيّ الأضلاع، هناك أشياء أخرى مثل كتاب ومربّع، بالإضافة إلى بيضة ترمز إلى ثمرة الاتحاد بين ليدا والإوزّة التي وُلد منها توأمان.
كانت البيضة احد موتيفات دالي المفضّلة، وهو يربطها بالنسل والذرّية والوالدين، ويستخدمها رمزا للحبّ والأمل.
وفي الخلفية تظهر صخور كيب نورفو في إشارة إلى مسقط رأس دالي.
كلّ شيء في اللوحة مرسوم بحرص لكي يكون ساكنا في الفراغ، رغم عدم وجود ما يربط هذه الأشياء منطقيّا ببعضها البعض.
الشاعر الانجليزي وليام بتلر ييتس كان قد وصف في إحدى قصائده المشهورة قصّة اللقاء الغريب بين زيوس وليدا. وكانت هذه الأسطورة مشهورة وشائعة في القرن السادس عشر.
والمفارقة أنه في ذلك الوقت كان مقبولا أن تُرسم صورة لامرأة في فعل جماع مع إوزّة، بينما كان محظورا تصويرها على تلك الحال مع رجل.
بعض معاصري دالي كانوا يرون أن توظيف الرياضيات، كما فعل في هذه اللوحة، يسيء إلى العمل الفنّي ويعطّل الإبداع. لكن دالي كان يرى أن أيّ عمل فنّي يجب أن يرتكز على التوليف والحساب.
وفي تناوله للقصّة، من الواضح انه تعامل مع الحبّ بطريقة أكثر روحانية ممّا تعامل به أكثر الرسّامين الآخرين الذين ركّزوا في تصويرهم لهذه الأسطورة على الجانب الجسديّ لاتحاد زيوس وليدا كما فعل ميكيل انجيلو ونيكولا بُوسان.
في اللوحة كلّ شيء تقريبا أثيريّ وليست هناك ملامسة من أيّ نوع، بل وحتى البحر لا يلامس الأرض. ونفس هذه السمة يمكن أن نراها في بعض لوحات الرسّام الأخرى، إذ يظهر فيها الأشخاص وهم في حالة ارتقاء وسموّ.
ويقال أن دالي كان يرى تماهياً مع شخصيات اللوحة، فزوجته غالا هي هيلين التي كان جمالها عظيما لدرجة انه أدّى إلى إشعال حرب بين الإغريق وأهل طروادة. وأحد التوأمين كان شقيقه الميّت، بينما شقيقته هي كليتمنسترا.
ولأنه كان كاثوليكيّا، فقد فتح هذا المجال لتفسيرات أخرى، منها مثلا أن في اللوحة إشارة إلى حمل العذراء بابنها وبأنه نفخة من الروح القدس. وربّما أراد أن يقول انه يحبّ غالا مثلما أحبّ الله العذراء.
افتتان دالي بالعلم يظهر في العديد من أعماله التي أنجزها خلال وبعد الحرب العالمية الثانية. وممّا يؤثر عنه انه قال ذات مرّة: في الفترة السوريالية أردت أن اخلق رسومات ايقونية عن العالم الداخليّ؛ عالم الدهشة، عالم والدي الروحيّ فرويد. واليوم فإن العالم الخارجيّ، أي عالم الفيزياء، تجاوز علم النفس، ووالدي اليوم هو الدكتور آيزنبيرغ".
وكان دالي يقصد العالم ويرنر آيزنبيرغ الذي تحدّث في نظرياته عن مبدأ اللا يقين. ومع هذا التغيير ظهر اهتمام الرسّام بالدين، ثم صاغ على إثره مصطلحه "الغموض النوويّ".
ومنذ ذلك الوقت أصبح دالي يهتمّ بالعلم والتكنولوجيا. والكثير من لوحاته التي رسمها آنذاك تصوّر مفهوم أن كلّ شيء هو في حالة تعليق وطفوّ من خلال تنافر البروتونات والالكترونات.
كما كان أيضا مفتونا بالحالة العابرة للعقل ما بين النوم واليقظة، ما بين الحلم والواقع، وما بين العقل والجنون، معتبرا أنها الحالة التي يعمل فيها العقل بصفاء، دون أن تعطّله قيود المنطق ومقتضيات السلوكيات الاجتماعية.
أثناء رسم دالي لهذه اللوحة، اخذ له المصوّر الفوتوغرافيّ المشهور فيليب هالسمان لقطة لا تُنسى اسماها "دالي اوتوميكوس"، صوّر فيها الهستيريا والسوريالية التي كان دالي من أنصارهما.
المعروف أن دالي كان مفتونا بكلّ شيء باذخ ومذهّب، وكان يعشق الرفاهية والملابس الشرقية. ولطالما ردّد أن عائلة أمّه ذات جذور يهودية وأن أسلافه كانوا من العرب.
كان واسع الخيال ويتصرّف بطريقة غريبة كي يجذب الانتباه إلى نفسه، وهذا كان يسعد محبّي فنّه، لكنه كان يضايق النقّاد.

Tuesday, June 14, 2016

لوحات عالميـة – 377

نهاية العشاء
للفنان الفرنسي جـول الكسنـدر غـرون، 1913

كان جول الكسندر غرون أحد رموز الرسم الأكاديميّ في عصره، ومع ذلك كان معروفا بارتباطه بالمدرسة الانطباعية. كان يتمتّع بموهبة ممتازة، وإحدى لوحاته المبكّرة امتدحها النقّاد ولاقت نجاحا مدوّيا، رغم انه في ذلك الوقت بالكاد تجاوز الثامنة عشرة من عمره.
إحدى المطبوعات التي تعود إلى مطلع القرن الماضي تصفه بأنه "فرنسيّ كان الفنّ والحياة عنده ممتزجين ببعضهما. وقد اختار الرسم لأنه كان يحبّ الحياة ويحتاج إلى التعبير عن مشاعره بطريقة ملوّنة وحيّة".
صحيح أن فنّ غرون يُنظر إليه اليوم كموضة قديمة، لكن انجازاته يجب أن تُعطى قدرها، مثل هذه اللوحة الفخمة التي يصوّر فيها أشخاصا كثيرين يحضرون مأدبة عشاء.
كانت حفلات العشاء في ذلك الوقت، وكما هو الحال اليوم، جزءا لا يتجزّأ من حياة الأوربّيين وواجبا من أهمّ واجبات الزوجات في الطبقات الاجتماعية الرفيعة. فالمضيفة أو ربّة البيت يجب أن تهتمّ بأدقّ تفاصيل الحفل، من قائمة الضيوف إلى أماكن الجلوس إلى الديكور ونوعية الأطباق المقدّمة.
كان الغرض من هذه الحفلات الحفاظ على علاقات اجتماعية طيّبة وودّية بين العائلات المختلفة. والمضيفة أو زوجة صاحب الدعوة كانت تدعو للمأدبة الأشخاص الذين تعتبرهم جديرين بالدعوة، كالأصدقاء الجدد والقدامى والأثرياء والأشخاص الذين تعتقد أنهم قد يكونون مفيدين لزوجها.
وكان على كلّ من يلبّي الدعوة أن لا يعتذر عن الحضور، إلا إن كان فاقدا لقريب أو مصابا بمرض مُعدٍ أو خطير. وبالإضافة إلى الساسة والفنّانين، كانت الدعوات تُوجّه للعزّاب من الشباب الذين يمكنهم إدارة النقاشات وإثارة الأحاديث الممتعة بين الضيوف.
رسم جول غرون هذه اللوحة الضخمة لصالة الرسّامين الفرنسيين عام 1912. ولم يكن هذا أمرا غريبا أو محض صدفة، فللرسّام لوحات ضخمة كثيرة. واللوحة تصوّر وليمة عشاء يحضرها مجموعة من رجال ونساء الطبقة الباريسية الرفيعة.
بناء اللوحة المتناغم ولمعانها وتلقائيّتها هي من الأشياء التي تلفت الانتباه. ولو نظرت إليها عن قرب ستقدّر كلّ التفاصيل الجميلة التي أودعها الرسّام فيها.
لمسته الواسعة تذكّر بأستاذه غيميه. وبراعته في تصوير تأثيرات الضوء يمكن أن تضعه في عداد الرسّامين الحداثيين.
موضوع اللوحة يذكّر بأحوال المجتمع الفرنسي في ما عُرف بـ "الحقبة الجميلة"، فمجتمع باريس يظهر هنا بتنوّعاته وأطيافه المختلفة، من فنّانين وممثّلين إلى ساسة وصحافيّين وأطبّاء مع زوجاتهم.
ونقطة الارتكاز في اللوحة هي المرأة ذات الفستان الأحمر والزهريّ التي تعطي ظهرها للناظر. وقد جرى تعريفها على أنها جينيت لانتوم زوجة مدير جريدة لوماتان العريقة. كانت هذه المرأة مشهورة في مجتمع باريس بجمالها وحضورها الأخّاذ.
الرسّام غيميه، معلّم غرون، هو أيضا حاضر وكذلك الرسّام جورج روشيغرو، بالإضافة إلى غرون نفسه.
الكتب الخاصّة بإيتكيت الطعام والحفلات والمآدب خلال القرنين الثامن والتاسع عشر تزوّدنا بلمحة عن الآمال الموضوعة على المرأة، وخاصّة الزوجة في مجتمع النخبةّ.
كان على صاحبة الدعوة، مثلا، أن تهتمّ بأماكن الجلوس المناسبة لكلّ ضيف، لأن خطأ واحدا يمكن أن يتسبّب في إحراج شخص أو جرح كرامته. وهناك نظام صارم للجلوس، لدرجة أن تغييرا بسيطا في قائمة المدعوّين يمكن أن يغيّر كامل النظام. ويمكن لمدعوّ أن يُعطي ظهره للجالس إلى جواره كنوع من التعبير عن احتجاجه على إجلاسه بجانب شخص غير جدير بمحادثته.
وكان من عادة المضيفة عند انتهاء العشاء أن تصحب المدعوّات إلى غرفة أخرى لتدور دردشة نسائية عن الموضة والقيل والقال، وهي المواضيع الوحيدة التي كان يُعتقد أنها تناسب السيّدات. بينما يبقى الرجال بعد العشاء لمناقشة المواضيع الذكورية كالسياسة والعلوم وما في حكمها.
لكن ابتداءً من القرن العشرين، أصبح الرجال ينضمّون للنساء في غرفة واحدة يمكن للجميع فيها أن يثيروا معا أحاديث عامّة الطابع.
ولد جول الكسندر غرون في باريس في مايو من عام 1868، وكان أبوه يريده أن يصبح تاجرا. لكنه اتفق مع عائلته على أن يدرس الديكور، ثم تتلمذ على يد جان باتيست لافستر مزيّن المسارح المشهور في أوبرا باريس وأنطوان غيميه رسّام المناظر الطبيعية.
في البداية، عمل غرون كرسّام كاريكاتير ومصمّم بوسترات في مونمارتر. وقد وضع الرسوم التوضيحية لمجموعة من الأغاني بتكليف من ملهى القطّ الأسود، كما رسم جداريات لتزيّن ملاهي وحانات ليلية أخرى.
لكنّ هذا كان لكسب لقمة العيش اليومية فقط. وسرعان ما أصبح مشهورا في المجال الذي نافس فيه جميع زملائه، أي رسم البوسترات. وهذا فتح أمامه الباب للذهاب إلى مونمارتر، حيث استقرّ هناك وافتتح له محترفا في المكان الذي اعتاد فيه الرسّامون أن يعيشوا حياة بوهيمية وأصبح بسرعة أحدهم.
كان غرون بطبيعته شخصا مرحا ومحبّا للحياة، وكان على الدوام يصادق رسّامين أكبر منه سنّا. ومعظم هؤلاء كانوا من رسّامي الكاريكاتير الذين كانوا يتّسمون بروح الدعابة. ثم أصبح جزءا من مجتمع باريس المخمليّ آنذاك.
في نهايات حياته، عمل الرسّام كمحكّم وعضو في لجنة المحلّفين في الصالون. لكنه أصيب بمرض باركنسون في أواخر الثلاثينات. وقد عزله المرض عن المجتمع وقضى على قدراته الفنّية إلى أن توفّي في فبراير من عام 1934.

Tuesday, May 31, 2016

لوحات عالميـة – 376

امرأتان في الشارع
للفنان الألماني إرنست لودفيغ كيرشنر، 1914

هذه اللوحة هي واحدة من سلسلة من سبع لوحات رسمها إرنست كيرشنر، يصوّر فيها الحياة في شوارع برلين على مدى عامين. والموتيف الرئيسي في هذه اللوحات هي فتيات الليل، وهو اختيار غير مألوف كرمز للمدينة. وقد وظّف الرسّام فيها اللغة البصرية للأشكال الخشنة وضربات الفرشاة المتوتّرة.
واللوحات تستدعي التناقضات الصارخة لمجتمع المدينة الحديثة، حيث الوهج والخطر والحميمية والانحلال والوحدة تتعايش مع بعضها البعض وحيث كل شيء للبيع.
كما أن هذه اللوحات تمثّل نقطة تحوّل في مسيرة الفنّان الفنّية، إذ انه انتقل فيها من الألوان الساطعة والخطوط المنحنية التي كان يوظّفها في أعماله المبكّرة إلى ألوان أشدّ قتامة وأشكال أكثر حدّة، في محاولته تصوير مجتمع برلين الحيويّ والمتوهّج آنذاك.
والمزاج المتوتّر الذي تشيعه هذه المجموعة من اللوحات يعزّزه الشعور بالاضطراب والقلق عشيّة اندلاع الحرب العالمية الأولى.
في ما بعد، تحدّث كيرشنر عن هذه السلسلة فقال: لقد رسمتها في أكثر أوقات حياتي إحساسا بالوحدة. التوتّر والألم دفعا بي إلى الخارج، إلى الشوارع في أوقات الليل والنهار، وكانت مليئة بالناس والسيّارات".
تلك الفترة اتّسمت بالتطوّر والتغيير السريع ومثّلت وقتا مهمّا، ليس في حياة كيرشنر فقط، وإنّما أيضا في تاريخ برلين وألمانيا كلّها.
وعندما تنظر إلى هذه اللوحات للوهلة الأولى قد تظنّ أن الرسّام يصوّر نساءً بملابس أنيقة وهنّ في طريقهنّ إلى حدث سعيد. غير أن نظرات النساء، بأجسادهنّ المتأرجحة وخطواتهنّ السريعة والمختصرة، توحي بدور آخر مختلف.
إحدى أشهر لوحات السلسلة هي هذه اللوحة التي يرسم فيها كيرشنر امرأتين تمشيان في شارع. واللوحة تتميّز عن بقيّة السلسلة في أنها صورة مقرّبة تُظهر فقط جذعا المرأتين. أيضا وجهاهما تجريديان ومسطّحان مع ثلمات غير طبيعية تشبه الخشب، وربّما كان في ذلك إشارة إلى الفنّ الأفريقي والاوقيانوسي الذي كان يجتاح أوربّا في ذلك الوقت.
قصّات وألوان ملابس المرأتين التي يغلب عليها الألوان الزهرية والخضراء والصفراء تشير إلى أنهما من سيّدات المجتمع الرفيع.
إحداهما، ذات الجاكيت البرتقالي، ترتدي قبّعة بنفس لون الجاكيت الفيروزي الطاووسي لرفيقتها. وألوان الياقتين متماثلة من خلال غلبة الأصفر الليموني عليهما.
ورغم المسحة التجريدية للمنظر، إلا أن فيه حضورا وتفاعلا إنسانيا واضحا. كما أن فيه لمسة من تكعيبية بيكاسو التي كان كيرشنر متأثّرا بها. ممّا يجدر ذكره أن هناك لوحة أخرى له يقلّد فيها لوحة بيكاسو المشهورة "آنسات افينيون" وتظهر فيها خمس نساء مصطفّات بشكل إيقاعيّ.
كان الرسّام حديث عهد ببرلين عندما رسم هذه اللوحة. وكانت درسدن التي عاش فيها من قبل هادئة جدّا ومتحفّظة أخلاقيّا مقارنة مع برلين المتحرّرة والمتسامحة والتي كانت ثالث اكبر مدينة في أوربّا بعد كلّ من لندن وباريس.
بعض لوحات الرسّام الأخرى تركّز على اظهر المباني والجسور وغيرها من الصروح الحضرية، ولا ظهور للناس فيها إلا بالكاد، وهي سمة تشي بدراسة كيرشنر المبكّرة للهندسة المعمارية.
في عام 1980 اختارت محطة البي بي سي هذه اللوحة من بين أعظم مائة لوحة في تاريخ الفنّ. وطبقا لأحد النقّاد فإن اللوحة تتضمّن تشوّهات بشعة تسخر من تصنّع الرسّامين المتأنقين "أو الماناريست" في مجتمع برلين الفنّي.
كان كيرشنر عضوا في جماعة الجسر. وقد رفض منذ البداية الفنّ التقليديّ للأكاديمية، وفضّل عليه أسلوبا تعبيريّا أكثر طبيعية وتلقائية.
في عام 1937 قام النازيّون بمصادرة أكثر من ستمائة من لوحات إرنست كيرشنر وعرضوا بعضها في معرض "الفنّ المنحلّ" في ميونيخ، قبل أن يقدم هو على الانتحار بإطلاق النار على نفسه في السنة التالية.
وأعماله الباقية موجودة اليوم في متاحف ومجموعات خاصّة في ألمانيا وسويسرا وايطاليا والولايات المتّحدة.