Tuesday, June 09, 2015

لوحات عالميـة – 358

موسيقى في حدائق تويلاري
للفنان الفـرنسـي إدوار مـانـيــه، 1862

ذات مرّة، وصف الشاعر والأديب اميل زولا صديقه إدوار مانيه بأنه رسّام تحليلي، وبأنه لم يُظهر مهاراته التحليلية بشكل أكثر إدهاشا كما عرضها في هذه اللوحة.
كان زولا يؤمن بأن رسم الحياة الحديثة يُعتبر شيئا بطوليا وأنها تستحقّ أن تُرسم، تماما كما كان يحدث في العالم الكلاسيكي القديم. وكان من عادة الاثنين أن يلتقيا يوميا في حدائق تويلاري.
وقد عرض مانيه لوحته هذه لأوّل مرّة في غاليري مارتينيه. وكان الترحاب الذي قوبلت به محفّزا لظهور لوحتيه التاليتين المشهورتين غداء على العشب عام 1863، وأوليمبيا بعد ذلك بعامين.
بالنسبة للمتلقّي الحديث، من الصعب أن نرى تفسيرا مقنعا للضجيج الذي أحاط بهذا العمل. فاللوحة هي عبارة عن بورتريه جماعي يصوّر حشدا من عشّاق الموسيقى في إحدى حدائق باريس القريبة من اللوفر.
وبالنسبة للبعض، قد تبدو اللوحة وكأنها موضة قديمة. فهي تستذكر يوما جميلا في احد المتنزّهات، حيث كانت تقام الحفلات الموسيقية مرّتين في الأسبوع وتجتذب النخبة الحديثة في الإمبراطورية الفرنسية الثانية.
وقبل هذه اللوحة بوقت قصير، رسم مانيه صورة يقلّد فيها لوحة تُعزى إلى الرسّام الاسباني دييغو فيلاسكيز عنوانها حشد من السادة يصوّر فيها اجتماعا لفنّانين إسبان من القرن السابع عشر.
اللوحتان متشابهتان إلى حدّ غريب. ومانيه هنا يحيط نفسه، هو أيضا، بأعظم شخصيات المشهد الفنّي في زمانه، ومن بينهم المؤلّف الموسيقيّ اوفنباخ الذي يجلس إلى اليمين بقبّعة وشاربين ونظّارات، والروائيّ والناقد شامفلوري الذي يجلس إلى اليسار. وهناك أيضا الرسّام جورج بازيل الواقف إلى يمين الوسط متحدّثا إلى امرأة ومرتديا قبّعة سوداء مستديرة.
ومثل فيلاسكيز أيضا، رسم مانيه نفسه في أقصى الجزء الأيسر من اللوحة خلف الرجل الممسك بعصا. ومعنى هذا انه يقارن نفسه بفيلاسكيز الذي رسم نفسه في لوحته المشهورة وصيفات الشرف التي يقال أنها تصوّر العلاقة بين المتلقّي والمنظر الذي يراه. وبوضع مانيه نفسه في هذا الجزء البعيد من اللوحة، فإنه أراد أن يعرّف بنفسه وأن يؤكّد بأنه موجود ضمن هذا الجمع، ولكنه في نفس الوقت مُزاح عنه.
وكما في لوحة فيلاسكيز التي يجلس فيها المتلقّي مكان الملك والملكة، هنا أيضا يحتلّ المتلقّي فراغا متخيّلا في نفس المكان الذي يتعيّن أن يظهر فيه الموسيقيّون والعازفون. مفردة "الموسيقى" في عنوان اللوحة قد يكون المقصود بها المتلقّي نفسه، وهذا ولا شكّ ينطوي على نوع من الخداع الجميل الذي كان فيلاسكيز نفسه يفتخر به.
عناصر هذه اللوحة رُتّبت بعناية لتعكس الأوضاع الجندرية وقتها. فالنساء صامتات ولامباليات. كما أنهنّ يظهرن وهنّ جالسات، بينما الرجال متحرّكون ونشطون، وهم في وضع وقوف.
الكراسي المعدنية المذهّبة في المقدّمة تساعد على تكريس هذا الوضع. وهي توفّر خلطة ألوان تتكرّر في الأشكال الأنثوية للتوليف، أي ألوان القبّعات والفساتين. والرجال غالبا يرتدون الأسود الذي يتماهى مع الخطوط العمودية المظلمة التي تخلقها الأشجار.
ملء فراغ اللوحة بالرجال والنساء لم يكن شيئا ثوريّا أو مستحدثا في رسم القرن التاسع عشر. لكن اللوحة تتضمّن بعض الأشكال المبتكرة، مثل تقليص حجم السماء واختزالها في مثلّث صغير من اللون الأزرق، وكذلك طريقة تعامل الرسّام مع الطلاء.
لا يجب أيضا أن ننسى أن هذه اللوحة هي عن الحداثة في المدن الكبيرة. ومن ثم فإن لها ارتباطا وثيقا بشخصية أخرى مهمّة في المشهد الثقافي الباريسي في ذلك الوقت، وهو شارل بودلير.
كان بودلير يرى أن رسّام الحياة الحديثة يجب أن يُمسك، من خلال عدد قليل من ضربات الفرشاة، بتعبيرات وحركات الأفراد بما يشبه الاختزال البصري الذي تُبسّط فيه الأشكال بتحويلها إلى ما يشبه الكاريكاتير. وهذا ينطبق على الفرشاة الفضفاضة والتلقائية التي استخدمها مانيه هنا.
بودلير أيضا كان يعتبر أن الرسم، وليس الأدب، هو الوسيط المثاليّ للتعبير عن الحداثة، وأن الناس بمعاطفهم وملابسهم هم شجعان على طريقتهم ولا يختلفون في شيء عن مصارعي العصر الروماني.
كما كان يرى أن الحياة اليومية الحديثة يجب أن تكون موضوعا مفضّلا للرسّام، وأن التجربة البصرية للمدينة وطبيعة مناظرها هي التي تعبّر عن جوهرها، وأن حشود الناس جزء لا يتجزّأ من هذا الجوهر. وفي نهاية الأمر، فإن الناس هم من يصنعون المدينة ويقرّرون طبيعة ووتيرة أو سرعة الحياة فيها.
لم يكن بودلير مجرّد شاعر وأديب، بل كان أيضا ناقدا أدبيا وفنّيا. وكان معروفا بنثره وشعره المتفرّد الذي أثّر في الكثيرين ممن أتوا بعده. في ديوانه الأشهر "أزهار الشرّ"، يتحدّث عن الطبيعة المتغيّرة للجمال في مجتمع باريس القرن التاسع عشر. كانت باريس وقتها أكثر مدن العالم نموّا واتّساعا وزيادة في عدد السكّان.
المعروف أن بودلير كان أوّل من صاغ مصطلح "الحداثة"، الذي يصف تجربة الحياة في المدن الكبيرة ومسئولية الفنّ والأدب في الإمساك بتلك الظاهرة وتجسيدها.

Wednesday, May 27, 2015

لوحات عالميـة – 357

الهروب من النقد
للفنان الاسباني بير بوريل ديل كاسو، 1874

تُعتبر هذه اللوحة مثالا جيّدا على فنّ الترومبليه، وهو عبارة عن توظيف صور واقعية لخلق نوع من الخداع البصريّ تظهر فيها الأشياء في مجال ثلاثيّ الأبعاد بدلا من بعدين فقط، وذلك من اجل إضافة محور آخر للرؤية غير موجود.
هذا النوع من الخداع البصري يضفي غبَشا على الحدّ ما بين الفراغ الواقعي والخيالي. والرسّام هنا يحاول أن يخدع أعيننا بخلق نوع من الإيهام البصريّ المقنّع من خلال تحويله الموادّ الجامدة، كالخشب والرخام والطلاء، إلى وسيلة لتعزيز فهمه للعالم.
هنا نرى صبيّاً بملابس رثّة وهو يخطو خارج إطار اللوحة التي هو جزء منها في محاولة يائسة للهرب. وجهه تبدو عليه آثار الخوف أو الصدمة. وضعية اليدين والقدمين والرأس خارج الإطار المرسوم، وكذلك الظلال الهابطة عليها هي التي تخلق وهما بأن الشخص يتسلّق خارج اللوحة.
الألوان في الصورة يغلب عليها الأصفر. والضوء يأتي من جهة اليسار لجذب العين إلى وجه الشخص.
في الواقع لا يُعرف معنى اللوحة ولا القصد من رسمها. لكن عنوانها ربّما يوحي بالنضال والجهد الذي يبذله الرسّامون الشباب عندما يتعرّضون للنقد الشديد على يد من يسمّون أنفسهم بنقّاد الفنّ الضليعين.
في زمن الرسّام، كان نقّاد الفنّ المحافظ يفضّلون رؤية لوحات مليئة بصور الأبطال وترويج القيم الأخلاقية، متجاهلين حيوية ونشاط العالم الواقعي.
فنّ الترومبليه نفسه قديم جدّا. ذات مرّة كتب أفلاطون يقول: كلّ شيء يخدع .. يفتن بنفس الوقت". وفي عالم الفنون فإن هذه الفكرة واضحة وتشرح نفسها بنفسها. وهناك أمثلة مبكّرة عن الترومبليه يمكن أن نجدها في الفنّ الروماني واليوناني القديم، مثل جداريات بومبي المشهورة التي تصوّر مناظر عن طبيعة متخيّلة.
ويمكن القول أيضا بأن الترومبليه لعبة يمارسها الرسّام مع المتلقّي لإثارة أسئلة حول طبيعة الرسم والإدراك وحول منظورنا عن الأشياء، من قبيل أين تنتهي اللوحة وأين يبدأ العالم الحقيقي؟ والغاية هي أن نتعلّم كيف نرى الأشياء بمنظور جديد وأن نقبل ونتعايش مع فكرة أن ما نستقبله محدود بمساحة الصورة أو نطاقها البصريّ.
في القرن التاسع عشر اعتمد رسّامو الطبيعة الانجليز هذا النوع من الإيهام عندما استخدموا ألوانا وأشكالا ومنظورا غير واقعي لكي يبرهنوا على ذكائهم وبراعتهم وليخلقوا نوعا من التأثير على ذهن وإدراك المتلقّي.
ورسّامو الطبيعة الهولنديون من القرن السابع عشر وظّفوا، هم أيضا، هذا النوع من الخداع أو الوهم في أعمال الطبيعة الصامتة. كانوا يرسمون ثمار الفواكه في أطباق من الفضّة، بحيث تتداخل الأطباق مع المائدة الموضوعة فوقها، معطية إحساسا بالعمق وكما لو أن اللوحة ثلاثية الأبعاد.
غير أن بعض مؤرّخي الفنّ يُعيدون فكرة الإيهام الفنّي إلى زمن أقدم، وبالتحديد إلى القرن الخامس قبل الميلاد. فالمؤرّخ الروماني بليني "أو بلينيوس" الأكبر في كتابه "التاريخ الطبيعي" كتب عن أسطورة تحكي عن مسابقة فنّية بين أعظم رسّامين إغريقيين في ذلك الوقت، وهما باراسيوس وزيوكسيس.
وكلاهما كان يرسم على ألواح الخشب وعلى الجدران. كما كان كلّ منهما يعتقد انه الرسّام الأعظم. ولذا قرّرا أن يسوّيا الأمر ويحتكما للجمهور في مسابقة للرسم يتقرّر في نهايتها أيّ منهما يستحقّ اللقب. وقد اختار كلّ منهما جانبا من جدار كي يرسم عليه بحيث لا يرى احدهما الآخر. واختارا عددا من الأشخاص كي يكونوا محكّمين.
كان كلّ من باراسيوس وزيوكسيس بارعا في الترومبليه. وقد أنجز كلّ واحد منهما عمله ثمّ غطّاه بستارة.
وعندما عرض زيوكسيس جداريّته، تبيّن انه رسم آنيّة بسيطة فيها فاكهة منوّعة. كان ما أنجزه عبارة عن طبيعة صامتة رسمها بشكل جميل. كما جعل الشمس تسطع على السطح الأخضر الشاحب لثمار الكمثرى بحيث تبدو رطبة وصلبة في آن. أمّا الرمّان فقد رسمه بطريقة رائعة، لدرجة أن المحكّمين والمتفرّجين كان باستطاعتهم أن يتذوّقوا ثماره تقريبا.
ذُهل الناس من براعة زيوكسيس وتمكّنه. وبينما كانوا يقفون أمام لوحته، ظهر طائر كان قد حطّ على الجدار إلى فوق وطار نزولا إلى حيث إناء الفاكهة المرسوم، ممنّيا نفسه بالتقاط بعض حبّات العنب والطيران بها بعيدا. غير أن رأس الطائر ارتطم بالجدار وسقط على الأرض ميّتا ضحية الوهم.
كان عمل زيوكسيس في غاية الواقعية. وكان متأكّدا من انه سيفوز باللقب بصرف النظر عما سيفعله منافسه.
ثم انتقل المحكّمون إلى الجهة الأخرى من الجدار المخفيّ ليروا ماذا رسم عليه باراسيوس. وطلبوا منه أن يزيل الستارة، فقال إن ذلك غير ممكن. ودُهش الحضور من كلامه. لكنه استدار ناحيتهم قائلا إن الستارة هي اللوحة التي رسمها!
وعلى الرغم من أن لوحة زيوكسيس خدعت الطائر بواقعيّتها الشديدة، إلا أن ستارة باراسيوس كانت واقعية جدّا لدرجة أنها خدعت أو أوهمت زيوكسيس والحكّام والجمهور معا. وانتهت المسابقة بإعلان فوز باراسيوس بلقب الرسّام الأعظم.
بير بوريل ديل كاسو رسّام غير معروف نسبيّا. لكنّه من مواليد إقليم كاتالونيا الاسباني. وقد عاش في الفترة من عام 1835 إلى 1910م. كان أبوه يعمل في النجارة وقد تعلّم منه الابن طريقة التعامل مع الخشب.
ثم ذهب إلى برشلونة ليتلقّى تدريبا في مدرسة الفنون هناك. وقد نأى بنفسه عن الرومانسية التي كانت تهيمن على التعليم في المدارس آنذاك كما رفض الأشكال المثالية. وكان الطلبة وقتها يُشجَّعون على رسم مناظر الهواء الطلق والحياة اليومية.
رسم بوريل مناظر دينية أكثرها موجود اليوم في متحف برشلونة. وفي ما بعد انشأ أكاديميّته الخاصّة للرسم، وكان يقدّم للتلاميذ فيها تدريبا ودروسا في الرسم الواقعي. كما كان يشجّعهم على أن يتركوا قاعات الدراسة ويرسموا في الهواء الطلق.

Wednesday, May 06, 2015

لوحات عالميـة – 356

لايَقِيـن الشـاعـر
للفنان اليوناني جيـورجيـو دي كيـريكــو، 1913

في هذه اللوحة يرسم الفنّان مكانا معتما يقوم على احد جانبيه عدد من القناطر المظلمة والمنذرة بالخطر. وفي مقدّمة المنظر نرى ما يشبه ساحة يقف في مقدّمتها تمثال كلاسيكيّ بلا رأس ولا ذراعين أو ساقين، وإلى جواره فرع موز ضخم وناضج. وفي البعيد، في خلفية المنظر، نلمح شراع سفينة وقطارا مسرعا على وشك أن يخرج من اللوحة نافثاً دخانه الكثيف.
ليس من الواضح لماذا رسم دي كيريكو هذا المنظر الغامض والغريب، الذي يسخر فيه من نظريات المنظور والأسطح. كما أن لا أحد يعرف على وجه التأكيد العلاقة بين شراع السفينة والقطار المسرع ولا الرابط بين التمثال الكلاسيكي وثمار الموز.
بداية، يبدو التمثال في اللوحة ساكنا وغير قادر على الحركة أو التفاعل. كما انه بلا رأس ولا أطراف أو حواسّ. أي انه لا يستطيع أن يلمس أو يشعر أو يأكل أو يرى. ورغم حقيقة أن التمثال فقد رأسه، إلا انه يبدو كما لو انه ليس مصنوعا من حجر، بل من لحم ودم بفضل حركته الدائرية.
في العالم الطبيعي، يُعتبر الموز والتمثال شكلين متعارضين غالبا. التمثال صنعه بشر، وهو يقاوم التلف. أما الموز فنبات عضويّ، وهو عرضة للتحلّل والموت السريع. ومع ذلك فحتى التمثال يمكن أن يتعرّض للبلى والتحلّل بفعل عوامل الزمن.
هذه اللوحة تنتمي إلى المرحلة الميتافيزيقية عند الرسّام، أي عندما كان متأثّرا بفلسفة شوبنهاور ونيتشه. كان شوبنهاور يعتقد أن الفنّ متى ما قُدّم بطريقة معيّنة يمكن أن يكشف للمتلقّي أن العالم الذي نعيش فيه لا نرى منه سوى أشكال وتمظهرات.
ومن خلال جمعه أشياء لا رابط أو علاقة بينها، يحاول الرسّام أن يفعل هذا. ووضع هذه الأشياء في اللوحة يبدو غير منطقي. والناظر يشعر أن وضعها هكذا يدلّ على أنها موضوعة في مكان ما خارج الزمن. وربّما أراد الرسّام أن يشير إلى حقيقة أننا نفهم شيئا ما من خلال فهم علاقته بغيره من الأشياء في الزمان والمكان.
وهناك من يعتقد أن دي كيريكو ربّما استوحى موضوع اللوحة من قصيدة للشاعر الانجليزي ييتس تحدّث فيها عن شعره وقارنه بشيء ما ميّت وأن له خاصّية ليست بشرية. وكان الشاعر يشير إلى الإحساس بالفنّ الذي يوجد مستقلا عنّا وخارج مشاعرنا وأفكارنا اليومية.
والقناطر بُنية كلاسيكية لا يوجد خلفها سوى السواد والعتمة والحدّ الباهت الذي تصبح عنده الكلمات قصيدة وضربات الفرشاة لوحة.
والشاعر عندما يحسّ بشيء ما يجهد كي يجد الكلمات المناسبة للتعبير عنه. لكنه لا يعرف الكلمات التي يريدها إلى أن يجدها. وهو لا يستطيع أن يعرف كنه هذا الجنين الذي يتشكّل في داخله ما لم يتحوّل إلى كلمات مرتّبة بنظام صحيح. وعندما يجد الشاعر الكلمات المعبّرة فإن الشيء الذي ظلّ يبحث له عن كلمات يكون قد اختفى وحلّت مكانه قصيدة.
وفي الواقع لا يوجد في لوحة أخرى مثل هذا العدد الكبير من الموز. كما لا يوجد موز مشحون بمثل هذا الغموض وموضوع إلى جوار تمثال مكسور لأفرودايت في ميدان فارغ ذات نهار مشمس.
ولكي يُضفي جوّا إضافيّا من التعب والغموض على المنظر، رسم الفنّان سفينة راسية وقطارا ينفث دخانا ولا يعرف احد إلى أين هو متّجه، بالإضافة إلى تلك الموزات الفاسدة.
دي كيريكو عندما رسم اللوحة، كان يحاول استنباط مبادئ لما كان يسمّيه بالفنّ الميتافيزيقي. وكان يريد، ليس إعادة إنتاج الواقع الخارجي، وإنما أن يستثير الأحاسيس الغريبة، أي لحظات الكشف والتجلّي التي كان يمرّ بها في الحياة العادية.
وغالبا ما كانت كشوفاته تلك تأتيه على هيئة حزن ومشاعر متوتّرة عندما كان يتجوّل وحيدا في بعض الأماكن. وقد أحسّ لأوّل مرّة بمثل ذلك الشعور بالكآبة والحزن عندما كان يتمشّى في ردهات قصر فرساي الفرنسي. كان يتأمّل الفلسفة العدمية لنيتشه عندما أحسّ برجفة باردة وبمتعة العزلة التي تفضي إلى التجلّي.
وحدثت معه نفس هذه التجربة في فلورنسا وروما عندما حرّك مشاعره مرأى قناطر قديمة وظلال على الجدران الباردة و"موسيقى غريبة بلون أزرق داكن يشبه ظهيرة على شاطئ البحر"، على حدّ وصفه.
كان دي كيريكو يحبّ القناطر الرومانية، أوّلا لبساطة أشكالها الهندسية والغموض الذي تختزنه، وثانيا لأنها برأيه ترمز لقيم خالدة ويمكن أن تكون دليلا على وجود قوانين خفيّة.
والحضور المتكرّر للتماثيل الكلاسيكية في لوحاته يوحي باهتمامه بتاريخ العالم القديم. لكنه عُرف أيضا بحبّه لمدينة تورين الايطالية. كان يزور هذه المدينة من وقت لآخر ويتأمّل قناطرها وتماثيلها الكثيرة التي تعود للعصور الكلاسيكية.
ولو أمعنت النظر في لوحاته، لوجدت أن معظمها لا يخلو من عنصر من العناصر التي جمعها في هذه اللوحة، كالساحة المقفرة، أو التمثال المكسور الذي كان مكتملا وبهيّا ذات يوم، أو الضوء الحادّ الساطع لظهيرة أحد الأيّام، أي الوقت الذي يكون فيه كلّ شيء ساكنا ولا يحدث فيه شيء عادة.
كان دي كيريكو يرى في الأماكن المعمارية صورا ونماذج للواقع المعادي والعنيد، بينما القطار الصغير العبثى والسفينة المتأهّبة للرحيل قد يكونان رمزا لحاجة الإنسان إلى أهداف وطموحات. أما التمثال المكسور فقد يكون تذكيرا بالصروح التي أقامها الإنسان ليتغلّب على إحساسه بعدم أهميّته أو ضآلته في هذا العالم.
وفي بعض الأحيان، ظهرت محاولات لربط رمزية اللوحات بهواجس الرسّام المفترضة، وكما لو أن كلّ لوحة رسمها لها قصّة في مفكّرة أحلامه ينبغي فكّ شفرتها وتفسيرها من قبل طبيب نفسيّ.
مثلا قيل إن السفينة هي رمز لطفولته في اليونان، أي للشاطئ الذي أبحر منه البطل الأسطوري جيسون بحثا عن الفروة الذهبية. أمّا القطار المتحرّك بعيدا وجدار الطوب البنّي فيمثّلان والد الرسّام الذي كان يعمل مهندسا بإحدى سكك الحديد ولم تكن علاقة الاثنين على ما يرام. أمّا التمثال المشوّه لامرأة عارية فقد يكون بورتريها انتقاميّا من والدته المستبدّة.
وهناك من ذهب إلى أن الرسّام حوّل في لا وعيه والده ووالدته إلى أشياء صالحة للأكل كي يدمّرهما بأكثر الطرق إمتاعا بالنسبة له.
وبعض الفرويديين رأوا أن الموز قد يكون رمزا لإحباطات الفنّان الجنسية. وعند محلّلين آخرين، فإن الميدان والقناطر الفارغة تعبّر عن إحساس الرسّام بالخواء.
ولد جورجيو دي كيريكو في اليونان لأبوين ايطاليين عام 1888م. وقضى طفولته وتلقّى أوّل دروس له في الرسم في أثينا عام 1900. وبعد ستّ سنوات انتقلت العائلة إلى ميونيخ بألمانيا حيث انتظم في أكاديميّتها للفنون الجميلة وتعرّف إلى أعمال الرسّام السويسري ارنولد باكلين وكتابات نيتشه.
وفي يوليو من عام 1911 وصل دي كيريكو إلى باريس قادما من ايطاليا واجتذب اهتمام النقّاد عندما عرض لوحاته فيها.
الشاعر والكاتب الفرنسي غيوم ابولينير أصبح أقوى داعم له. وقد وصف أعماله بأنها طبيعة ميتافيزيقية. كان الاثنان قريبين من بعضهما، ويقال أن الشاعر هو الذي اختار أسماء بعض لوحات الرسّام من تلك الفترة. بل إن مفردة "الشاعر" ترد في عنوان أكثر من لوحة، مثل "حلم شاعر" و"رحيل الشاعر"، بالإضافة إلى اسم هذه اللوحة.
بعض الشعراء راقت لهم لوحة دي كيريكو هذه. ومن هؤلاء شاعرة تُدعى ويندي كوب كتبت قصيدة هي عبارة عن تحيّة ساخرة إلى هذه اللوحة تقول فيها: أنا شاعرة مغرمة بالموز. وأنا موزة مغرمة جدّا بشاعر".

Saturday, September 27, 2014

لوحات عالميـة – 355

امـرأة بفستـان اصفـر
للفنان النمساوي ماكسيـميليـان كورزويـل ، 1899

بعض الرسّامين ليسوا معروفين على نطاق واسع، مع أن لهم أعمالا مشهورة ومألوفة إلى حدّ ما.
ومن هؤلاء الرسّام ماكسيميليان كورزويل، المولود عام 1867 في بلدة تقع اليوم في جمهورية التشيك.
كورزويل أسّس، مع غوستاف كليمت ورسّامين آخرين، حركة فنّية في فيينا في مطلع القرن الماضي أسموها "الانفصال" أو اتحاد الفنّانين النمساويين.
كانت الحركة تضمّ رسّامين ونحّاتين ومهندسين معماريين. وكان هؤلاء يلتقون في النوادي الليلية وفي المقاهي. وكانت لهم مجلّة تنطق باسمهم تُدعى "الربيع المقدّس".
كانت "الانفصال" ترفض تحويل الفنّ إلى سلعة أو تجارة وتؤكّد على فردانية الفنّان. كما كانت ترفض الأساليب المحافظة التي تركّز غالبا على المواضيع التاريخية والدينية. وقد أرسى أعضاؤها قواعد جديدة للفنّ الحديث واستفادوا من الخطوط القويّة لفنّ عصر الباروك.
وبشكل عام، كان أعضاء الحركة متأثّرين بالانطباعية الفرنسية التي عملوا على نشرها والترويج لها في أرجاء النمسا. وقد اخذوا عن الانطباعيين استخدامهم للألوان الساطعة وإظهار تأثيرات الضوء والظلّ.
في هذه اللوحة ذات الألوان الحيّة والنشطة، يرسم كورزويل زوجته "مارثا" وهي تجلس فوق أريكة. ذراعاها يرتاحان على طرفي الأريكة المطرّزة بأنماط خضراء. ومن الواضح أن الرسّام ركّز على لون الفستان الأصفر أكثر من أيّ شيء آخر، بتبايناته المتناغمة بطريقة ناعمة مع ألوان الأريكة.
الأنماط والألوان الكثيرة في اللوحة تؤشّر إلى افتتان الرسّام بالديكور وبالتصميم الزخرفي. والصورة تعطي انطباعا عن امرأة رصينة وواثقة، مع إحساس ما بالحزن. التعبيرات الواهنة والمنعزلة على وجهها ربّما تتضمّن نبوءة بالنهاية الدرامية والمشئومة لحياة الرسّام.
درس ماكسيميليان كورزويل الرسم أوّلا في أكاديمية فيينا للفنون الجميلة. ثم سافر إلى باريس لمواصلة دراسته، وعرَض بعض أعماله هناك.
وفي عام 1894، عاد إلى فيينا ليدرس رسم البورتريه. وقد تأثّر في رسمه للبورتريه بالرسّامين الانطباعيين الذين كانوا يوظّفون ألوانا أخفّ وأكثر سطوعا.
في عام 1895، تزوّج من مارثا التي تعود أصولها إلى بلدة بريتاني. وكان الاثنان معتادين على قضاء أشهر الصيف في بريتاني والشتاء في فيينا.
شارك كورزويل في العديد من المعارض الفنّية بأعمال مثل هذه اللوحة الموجودة اليوم في متحف فيينا للفنون. كما عمل أستاذا للرسم في أكاديمية فيينا للرسّامين من الإناث.
وقد أقدم كورزويل على الانتحار عام 1916 وهو في سنّ التاسعة والأربعين، بعد أن أطلق النار على إحدى طالباته في الأكاديمية والتي كانت تربطها به علاقة عاطفية.
ورغم أن حياته المهنية كانت قصيرة، إلا انه يُنظر إليه باحترام. ويعتبره الكثيرون احد أعظم ثلاثة رسّامين أنجبتهم النمسا. والاثنان الآخران هما غوستاف كليمت وإيغون شيلا.

Monday, September 08, 2014

لوحات عالميـة – 354

فينـوس وأدونيـس
للفنان الهولندي بيتـر بـول روبنــز، 1635

كان الفنّ في عصر الباروك يتسم بالحسّية وسيادة اللون وحيوية الأشخاص والجاذبية العاطفية. وكان بيتر بول روبنز احد أشهر رسّامي ذلك العصر. وقد عُرف بتوليفاته الضخمة التي تفيض بالنساء المثيرات وبالكيوبيدات والشخصيات الأسطورية.
كان هذا الرسّام يلخّص المثل والقيم الجمالية لهولندا أو البلاد المنخفضة في القرن السابع عشر. وقد تأثّر بلوحات عصر النهضة وبالمنحوتات الكلاسيكية والأدب الإنساني بعد أسفاره المتعدّدة إلى كلّ من ايطاليا واسبانيا.
وعلى الرغم من انه كان كاثوليكيا متديّنا، إلا انه لم يكن ملتزما بالأفكار المتشدّدة في عصره ولم يطبّق الأساليب الأكاديمية والتقليدية السائدة آنذاك. وإلى جانب كونه رسّاما مشهورا، كان روبنز أيضا عالما ودبلوماسيا. وكان يتحدّث الفرنسية والألمانية والاسبانية، بالإضافة إلى لغته الأصلية.
من أشهر لوحاته هذه اللوحة عن الأسطورة الإغريقية التي تحكي قصّة فينوس وأدونيس.
أدونيس، كما تقول الأسطورة، كان أجمل إنسان في العالم. كان مولودا من شجرة. ولم يكن يحبّ شيئا قدر حبّه لصيد الحيوانات.
وقد أحبّته فينوس إلهة الحبّ والجمال وأصبحت متيّمة به بعد سهم أطلقه عليها ابنها كيوبيد. وفي محاولة للفت إعجابه، بدأت ترتدي ثياب ديانا إلهة الصيد. كان أدونيس أحبّ إليها من أيّ شيء آخر. في ما مضى، كان كلّ همّها الاستلقاء تحت ظلال الأشجار أو إظهار جمالها وفتنتها. وهي الآن ترافقه أينما ذهب مع كلابها وأرانبها وأيائلها وتتنزّه معه في الغابات والتلال وعلى ضفاف الأنهار.
لكن فينوس كانت تتجنّب الذئاب والدببة وتحذّر أدونيس من مواجهة الحيوانات الخطيرة بقولها: كن شجاعا مع الجبان، لكن لا تهاجم السباع التي وهبتها الطبيعة سلاحا. واحذر أن تُظهر شجاعتك مع الحيوانات القويّة فتعرّض حياتك، ومعها سعادتي، للخطر. شبابك وجمالك ليس لهما تأثير على قلوب الأسود والنمور. فقط فكّر في مخالبها القويّة. ولا تصطد كلّ ما هو ناعم ورقيق الملمس".
غير أن أدونيس كان من النبل وحبّ المغامرة بحيث لم يستمع لنصائحها. وفي احد الأيّام، هاجمت كلابه خنزيرا برّيّا في مخبئه. وعندما رأى أدونيس ما حدث، تصدّى للخنزير الهائج وطعنه برمح وجرحه. لكن الخنزير انتزع الرمح بأنيابه ثم اندفع وراء أدونيس ونهشه بشراسة، ثم سحبه على الأرض وتركه ينزف حتى الموت.
سمعت فينوس أنين حبيبها المحتضر وهي في عربتها السماوية، ثم رأت من بعيد على الأرض جثّته الساكنة والغارقة في الدم. كان أثر موته عليها رهيبا، فضربت صدرها ومزّقت شعرها وبكته بألم. ثم خلّدت قصّة حبّها له بتحويل دمه إلى زهرة حمراء بلون الدم.
وروبنز في اللوحة يصوّر اللحظة التي تحاول فيها فينوس، وبمساعدة ابنها كيوبيد، عبثا إقناع عشيقها القابل للفناء بالعدول عن قراره بالذهاب لرحلة الصيد لأنهما يعلمان عن مصيره مسبقا وأنه سيتعرّض للأذى.
هذه اللوحة تمثّل الأسلوب المغري الذي تبنّاه روبنز بعد مكوثه الطويل نسبيّا في ايطاليا. وقد رسمها بالقرب من نهاية حياته. وكان وقتها يعاني من آلام المفاصل المزمن. اللون الأحمر اللامع والمبهج فيها يذكّر بكلام الرسّام الايطالي غويدو ريني الذي وصف روبنز ذات مرّة بأنه "الرجل الذي يمزج ألوانه بالدم".
في عصر الباروك، كان يُطلب من الرسّامين عادة أن يرسموا صورا انفعالية ومثيرة تعلن عن تفوّق الكنيسة الكاثوليكية كردّ فعل على ظهور المصلح الديني مارتن لوثر. وكان لوثر قد أسّس آنذاك المذهب البروتستانتي متحدّيا سلطة الكنيسة الكاثوليكية. غير أن هذه اللوحة تتناول موضوعا مختلفا عمّا كان سائدا في تلك الأيّام. وقد كلّف روبنز برسمها الامبراطور جوزيف الأوّل الذي قدّمها بدوره هديّة إلى دوق مارلبورو الانجليزي.
أسطورة فينوس وأدونيس كانت موضوعا مفضّلا في فنّ وأدب عصري النهضة والباروك. ومن أشهر من رسمها بالإضافة إلى روبنز كلّ من تيشيان وفيرونيزي. كما كتب شكسبير قصيدة من وحي القصّة.
ومن الواضح أن روبنز استلهم هذه اللوحة من تيشيان الذي رسم الموضوع في لوحة كان روبنز قد رآها في متحف برادو الاسباني ثم قام باستنساخها عام 1628. وكان تيشيان قد رسم نسختين من لوحته تلك، توجد إحداهما في المتروبوليتان بنيويورك والأخرى في متحف برادو بمدريد.
روبنز كان معجبا بالفنّ القديم. ورغم ذلك فإن شخوص لوحاته واقعيون ومملوءون بالحياة، خاصّة نساءه العاريات اللاتي يبدين اقلّ صرامة وأكثر حسّية. وقد شاع في ما بعد مصطلح الفنّ الروبنزي ليصف رسوماته التي تصوّر نساء بدينات وذوات خصور واسعة ومثيرة.
كان روبنز يدير ورشة رسم كبيرة. وكان من بين مساعديه كلّ من مواطنيه يان بريغل وانطوني فان ايك. كان من عادته أن يرسم الاسكتش الأوّلي للوحة، ثم يعهد به إلى مساعديه، قبل أن يباشر هو وضع اللمسات الأخيرة على العمل. وفكرة أن يتولّى الفنان لوحده رسم اللوحة بالكامل هي فكرة حديثة نسبيّا ولم تكن موجودة زمن روبنز.

Tuesday, September 02, 2014

لوحات عالميـة – 353

مـدام شاربـونتيـيه وطفـلاها
للفنان الفرنسي بييـر رينـوار، 1878

رسم رينوار خلال حياته آلاف اللوحات الجميلة والدافئة. وأصبح بعضها من أشهر الأعمال الفنّية وأكثرها استنساخا في تاريخ الرسم.
كان يبني تفاصيل مناظره من خلال ألوان ولمسات فرشاة حرّة. ولهذا السبب يمتزج شخوصه ويذوبون واحدهم بالآخر وبكلّ ما يحيط بهم.
لوحات رينوار تُظهر تأثّره بلمعان وحيوية ألوان اوجين ديلاكروا وكميل كورو. كما كان أيضا معجبا بواقعية غوستاف كوربيه وإدوار مانيه. وأعماله المبكّرة تشبه أعمالهم من حيث استخدامه للأسود كلون. وكان أيضا مفتونا بالإحساس بالحركة الذي كان يراه في لوحات ادغار ديغا. وهناك رسّام آخر تأثّر به رينوار هو فنّان القرن الثامن عشر فرانسوا بوشيه.
ولأن رينوار كان شخصا يحتفي بالجمال، كانت الأنثى العارية احد مواضيعه الأساسية. ولذا قيل انه كان الممثّل الأخير لاتجاه في الرسم بدأه روبنز وكرّسه واتو.
في العام 1879، وكان رينوار قد أصاب نجاحا وأصبح يرسم الأغنياء والوجهاء، قرّر أن يرسم بورتريها اجتماعيا ضخما. والنتيجة هي هذا البورتريه الموجود اليوم في متحف المتروبوليتان في نيويورك. وفيه يصوّر رينوار مدام مارغريت شاربونتييه التي كانت سيّدة مجتمع باريسية معروفة. كانت هذه المرأة تتمتّع بنفوذ كبير في مجتمع البورجوازية الجديدة، جنبا إلى جنب مع زوجها الذي كان أهمّ ناشر في باريس حينها. أمّا والدها فكان احد اكبر تجّار المجوهرات في فرنسا.
إميل زولا وفلوبير ومالارميه والأخوان غونكور، أي مجموعة الأدباء الفرنسيين الأشهر في فرنسا آنذاك، كانوا جزءا من هذه الدائرة.
وكان لعائلة شاربونتييه منزل فخم في باريس يضمّ عددا من القطع الفنّية ويستقبل الشخصيات الاجتماعية المهمّة، بمن فيهم رينوار نفسه.
كان في بيتهم غرف بديكورات غريبة. وهذه الغرفة التي في الصورة كانت إحداها. كان اسمها الغرفة الشرقية وكانت تضمّ ديكورات وزخارف شرق أوسطية وصينية.
في اللوحة نرى السيّدة شاربونتييه مرتدية فستانا أنيقا، وإلى جوارها ابنها بول ذو الثلاث سنوات الذي يبدو بشعر طويل، بالإضافة إلى ابنتها جورجيت التي تداعب كلب الأسرة.
رينوار قال في ما بعد إن مدام شاربونتييه تذكّره بمن أحبّهن في فترة شبابه وبموديلات فراغونار. "جلست المرأة وطفلاها أمامي طواعية لوقت طويل وبلا مشاكل".
عائلة شاربونتييه كانت دائما تساعد رينوار وقت حاجته. وبالمقابل رسم هو بورتريهات لأفرادها. لكن هذه هي انجح تلك اللوحات بلا منازع. وقد رسمها بناءً على تكليف من السيّدة. كان في ذهن رينوار أن يرسم صورة قريبة من الذوق التقليدي. وعلى ما يبدو، لم يكن هناك أفضل من هذه اللوحة. وعند إتمامها قُدّمت إلى الصالون عام 1879. وقد استغلّت السيّدة نفوذها كي تُعلّق في مكان بارز من الصالون. وبسبب مكانتها الاجتماعية، حقّقت اللوحة نجاحا كبيرا.
لكن لنعد إلى اللوحة قليلا. لاحظ أن كلّ تفاصيل الديكور رُسمت بطريقة ساحرة وجميلة، مع بقع زاهية من المخمل والحرير والفراء والسجّاد والمعدن والبورسلين والأزهار. كل شيء يدلّ على أن هذا المكان مختلف وباذخ. ثم لاحظ حميمية التوليف والألوان المشبعة والضوء المفعم بالحياة، وهي سمات يمكن أن نراها في جميع أعمال رينوار بلا استثناء.
في السنوات الأولى من القرن العشرين، عانى رينوار من التعب والإعاقة في يديه بسبب تأثيرات الروماتيزم. وقد اعتكف في بيته في جنوب فرنسا وأصبح الرسم بالنسبة له مؤلما وأحيانا مستحيلا. كان أحيانا يضطرّ لربط الفرشاة في يده المشلولة. ومع ذلك استمرّ يرسم حتى وفاته في ديسمبر عام 1919.
لكن قبيل وفاته، كانت الحكومة الفرنسية قد اشترت بورتريه مدام شاربونتييه. وقد سافر رينوار إلى باريس كي يرى اللوحة معلّقة في اللوفر. وكان ذلك بمثابة تكريم له من الدولة. وفي مرحلة لاحقة، ابتاع متحف المتروبوليتان في نيويورك هذه اللوحة بثمانين ألف فرنك فرنسي.