Thursday, January 28, 2016

لوحات عالميـة – 368

خـلـق الطيـور
للفنانة الاسبانية ريميـديـوس فـارو، 1957

بعض النقّاد يقلّلون من قيمة الفانتازيا، لكن هذا لا ينفي أنها أداة ضرورية لاكتشاف ذواتنا والعالم من حولنا والعلاقة بين الاثنين.
والسوريالية كانت تستشرف عالم الأحلام والذكريات والروح في محاولة للتعبير عن النفس وعن الوظيفة الفعلية للأفكار.
الرسّامة الاسبانية ريميديوس فارو كانت فنّانة سوريالية مشهورة، وكان أسلوبها يجمع بين الاهتمام العلميّ بعالم الطبيعة والتأثيرات السحرية والدينية في القرون الوسطى.
وفي بعض لوحاتها ثمّة أفكار عن البعث أو الولادة الثانية، وكلّ هذه الاهتمامات كانت انعكاسا لافتتانها بالخيمياء والتصوّف وتحليلات عالم النفس الشهير كارل يونغ. كانت ترى كلّ هذه الأشياء كمصادر لتحقيق الذات وتحوّل أو تغيّر الوعي.
في لوحتها هذه ترسم فارو بومة على هيئة إنسان تجلس إلى طاولة وترسم على الورق طيورا بقلم موصول بآلة كمان تتدلّى من صدرها. الطيور ينيرها ضوء قمر يتسلّل من نافذة جانبية ويمرّ عبر عدسة مكبّرة.
ريش البوم مرسوم ببراعة وبضربات فرشاة دقيقة. وعيناها تبدوان مغمضتين أو نائمتين أو في حالة تأمّل أو تأهّب لاستقبال إشارات الإلهام التي تأتيها من السماء.
وإلى يمينها هناك أجهزة تقطير تستقبل ضوء النجوم وتحوّله إلى ألوان حمراء وصفراء وزرقاء على رقعة تشبه لوحة الألوان التي يستخدمها الرسّام. ويبدو أن الضوء الآتي من القمر والنجوم هو المادّة التي تُخلق منها الطيور وتُنفث فيها الحياة قبل أن تطير بعيدا عبر النافذة.
البومة التي تظهر عليها أمارات الحكمة والوقار تبدو اقرب ما يكون إلى ملامح امرأة بسبب ساقيها الرشيقتين وعينيها الواسعتين. وهي لا تختلف عن ملامح بطلات فارو من الإناث اللاتي يظهرن في رسوماتها.
هذه اللوحة تشهد على الخيال الفنّي الخصب للرسّامة. ويُحتمل أنها تتحدّث عن أصل الحياة عندما يتحوّل ليصبح معجزة حيّة. وبعض النقّاد يرون أن هذه اللوحة تتحدّث عن الكاتب، وربّما عن المبدع بشكل عام، وعن كونه بُوما ليليّا، وأن الإبداعات المكتوبة تشبه الطيور في اللوحة من حيث أنها تكتسب أجنحة ثمّ تطير.
وقد تكون فارو أرادت أن تشير إلى إن الفنّ والطبيعة يعملان يداً بيد وأننا في الحياة نحتاج إليهما معا لدعمنا وبقائنا.
ونظرا لأن الرسّامة تبحث عن إحساس بنفسها أو بذاتها، قد تكون الطيور هي التي تخلق الفنّانة من خلال عملية سيميائية وكلّ واحد منهما يتحوّل إلى الآخر.
معظم أعمال فارو تُفسّر أحيانا كتعبير عن إحباطها من كونها مهمّشة كامرأة وكفنّانة أنثى.
ويقال أنها كانت احد أتباع طريقة صوفية كانت تؤمن بالقوى الروحانية للموسيقى والرقص وبأن ذبذبات الصوت والضوء هي المصدر الذي خُلق منه العالم.
كانت وسيلة فارو لفهم الكون والظواهر تذهب إلى ما وراء المبادئ العلمية. وقد درست عدّة نصوص صوفية وروحانية. وربّما كانت من خلال فنّها تحاول أن تخلق تناغما اكبر بين العلم وبين السحر والأسطورة.
ولدت ريميديوس فارو عام 1913 لعائلة كانت تقدّس الطموحات الفنّية والأكاديمية. وتلقّت تدريبا فنّيا على يد والدها المهندس المعماريّ الذي شجّعها على الاهتمام بالعلم وعلّمها رسم الصور، وهي مهارة استخدمتها طوال حياتها المهنيّة.
في سنّ الخامسة عشرة سجّلت في أكاديمية سان فرناندو المشهورة في مدريد والتي كان يحاضر فيها أشخاص متميّزون مثل ميري كوري وآينشتاين وسلفادور دالي.
ولهذا السبب عرفت فارو الأفكار الجديدة مثل نظريّات سيغموند فرويد التي وسّعت حدود الواقع، وكذلك أفكار اندريه بريتون التي رسمت معالم السوريالية كحركة فنّية وأدبية. كما رأت كنوز متحف برادو وتأثيرات فرانشيسكو دي غويا وإل غريكو وبابلو بيكاسو وجورج براك.
وقد أحضرت معها إلى الرسم معرفة البناء الهندسيّ والاهتمام الكبير بالتفاصيل والخطاب الفلسفيّ وافتتانها بالظواهر الغريبة.
وكانت النتيجة مقاربة شخصيّة للسوريالية ورؤية موحّدة لعالم فانتازي مسكون بمخلوقات خيالية تتحرّك بحرّية داخل وخارج الوعي وتقترح حلولا جديدة وتفسيرات بديلة.
ولوحاتها المبكّرة كانت تتناول أفكارا مثل الجنسانية والقيود المفروضة على المرأة من قبل المجتمع البورجوازي.
في عام 1930 تزوّجت فارو من الرسّام جيراردو ليزراغا، ثم تركته وتزوّجت من الشاعر الفوضويّ بنجامين بيريه.
وفي ما بعد دفعتها الحرب الأهلية الاسبانية إلى الهرب من برشلونة، حيث كانت هناك جزءا من الحركة الطليعية البوهيمية، وذهبت إلى باريس حيث أصبحت جزءا من الحلقة السوريالية وعرضت فيها أعمالها.
وفي باريس أيضا قابلت صديقة عمرها الفنّانة ليونورا كارينغتون. لكن عندما احتلّ النازيّون باريس هربت مع زوجها ومع صديقتها كارينغتون واستقرّوا في المكسيك.
اهتمامات فارو بالاكتشافات العلمية تعكسه عناوين لوحاتها التي تتناول الفضاء والتطوّر والفلك وعلم الوراثة وغيرها. وأبطال لوحاتها يحملون بعضا من ملامحها، كالوجه الذي يأخذ هيئة قلب والعيون اللوزية والأنف الدقيق الطويل والشعر الوفير. وكلّ هذه الملامح تتحرّك في عالم ميتافيزيقيّ.
وبعض النساء في لوحاتها مروّضات وخاضعات ولهنّ اذرع وسيقان وكراسي. أما المشاهد السردية فمليئة بالنباتات والحيوانات الفانتازية.
وفي بعض اللوحات تتحوّر الأشياء لتأخذ خصائص أشخاص ليسوا أحرارا ولا يستطيعون الهرب. وفي لوحات أخرى يبدو الأشخاص مسجونين داخل ملابسهم وأسوارهم وأقنعتهم وكأنهم يتوقون للفرار إلى أزمنة وأمكنة أخرى.
يقول احد النقّاد: مثل الممثّلة التي تلعب أدوارا مختلفة، كانت فارو تستخدم دائما تلك الصور كطريقة لاستكشاف هويّات شخصيّة بديلة بطريقة أصبحت هي سمتها أو ماركتها الخاصّة".
المكسيك، المشهورة بفنّها البدائيّ وبكرم ضيافتها، وفّرت للرسّامة حرّية واسعة لممارسة فنّها السوريالي المتمرّد، وأصبحت وطنها الثاني. وفي السنوات العشر التالية رسمت هناك معظم أعمالها الناضجة. لكن السنوات الأولى هناك اتّسمت بالمصاعب الاقتصادية وبالعزلة الشعورية والإنهاك ومتاعب القلب.
في مرحلة متأخّرة من حياتها أصبحت فارو تعاني من نوبات الاكتئاب. وقد توفّيت في مكسيكو سيتي عن 55 عاما وذلك في الثامن من أكتوبر عام 1963 نتيجة إصابتها بأزمة قلبية.
وبرغم مرور نصف قرن على رحيلها إلا أن فنّها ما يزال يحظى بالرواج والشعبية، خاصّة في المكسيك وفي أمريكا الشمالية.

Sunday, January 10, 2016

لوحات عالميـة – 367

انتحـار لوكـريشيـا
للفنان الهولندي رمبـرانــدت، 1666

وصف فان غوخ رمبراندت ذات مرّة بأنه "رجل غامض جدّا يقول من خلال فنّه أشياء لا توجد لها كلمات في أيّ لغة".
كان الهاجس الذي رافق رمبراندت طوال حياته هو رسم الحياة الداخلية للآخرين. العمق السيكولوجي في معظم صوره مصدره موهبة استثنائية من التعاطف، مع مقدرة غير عاديّة على إسقاط مشاعر الرسّام نفسه على الموضوع.
ومن الواضح أن رمبراندت استجمع كلّ مواهبه الشخصية ووضعها في هذه اللوحة الحزينة والمؤثّرة التي تشبه الصرخة والتي رسمها في نهايات حياته.
وهو هنا يصوّر حادثة موت لوكريشيا التي تسبّبت في نشوب ثورة أطاحت في النهاية بالملكية في ايطاليا وأسّست لقيام جمهورية روما.
وقبل الحديث عن اللوحة يحسن التوقّف قليلا عند قصّة هذه المرأة والدور المهمّ الذي لعبته في تاريخ الرومان.
كانت لوكريشيا امرأة تنحدر من عائلة من نبلاء روما. وقد حدثت قصّتها في القرن السادس قبل الميلاد وذكرها المؤرّخ سانت اوغستين في كتابه "مدينة الربّ" في معرض دفاعه عن النساء المسيحيات اللاتي اغتصبن في روما ولم يقدمن على الانتحار.
تذكر القصّة أن زوج لوكريشيا، واسمه كولاتينوس، تفاخر ذات ليلة أمام زملائه من الجنود بأن عفاف زوجته وإخلاصها يفوق ذاك الذي لزوجات زملائه جميعا. وقد أرادوا أن يختبروا كلامه فذهبوا من فورهم إلى روما، وهناك اكتشفوا أن لوكريشيا ووصيفاتها كنّ يقضين الليل في غزل الصوف.
وكان من بين أولئك الجنود سيكستوس ابن الإمبراطور الرومانيّ تاركوينيوس طاغية روما في ذلك الوقت. ويبدو انه أعجب كثيرا بجمال لوكريشيا عندما رآها لأوّل مرّة، فقرّر بعد أيّام أن يعود إلى بيتها. وقد استقبلته كضيف كريم، لكنه خالف أصول الضيافة بدخوله غرفتها الخاصّة وتهديدها بأن يقتلها إن لم تسلّم له نفسها. وعندما قاومته قال لها: إن لم تنامي معي سأقتلك وأضعك في غرفة نومك مع خادمك الميّت". وفي النهاية اغتصبها سيكستوس رغما عن إرادتها.
وفي اليوم التالي استدعت لوكريشيا والدها وزوجها وأخبرتهم بما حدث. ورغم أنهم اعتبروها ضحيّة بريئة ومغلوبا على أمرها، إلا أنها أصرّت على أن تُنهي حياتها لكي تستعيد شرفها. فاستلّت سكّينا من خزانتها وغرسته في قلبها وماتت.
والدها وزوجها اللذان استولى عليهما الغضب والحزن ممّا حدث أقسما، مع اثنين من اقرب أصدقائهما، على الأخذ بثأرها. وقد تسبّب اغتصابها في النهاية في قيام ثورة أطاحت بطغيان الملكية وأسهمت في تأسيس جمهورية روما.
وهناك لوحات فنّية كثيرة صوّرت حادثة انتحار لوكريشيا. ومن بين أشهر من رسموها كلّ من تيشيان وديورر ورافائيل وبوتيتشيللي وغيرهم. ومعظم اللوحات التي رُسمت للمرأة قبل رمبراندت ركّزت على لوكريشيا كرمز للفضيلة الأنثوية، والبعض الآخر ركّز على انتهاك الجسد أكثر من انتهاك العواطف.
غير أن لوحة رمبراندت هذه متميّزة، ويمكن اعتبارها عملا شخصيّا جدّا لأسباب سيرد ذكرها بعد قليل.
في اللوحة، تُمسك لوكريشيا بالخنجر بيد، وباليد الأخرى تجذب حبلا يُفترض أن يقرع الجرس في غرف البيت الأخرى ليوقظ عائلتها وخدمها ويدفعهم لأن يأتوا. وهناك خطّ من الدم يتدفّق نزولا من الجرح الذي في بطنها.
ورغم أنها غرست الخنجر في جسدها، إلا أن هناك لحظة هدوء معلّقة في الصورة. الدموع المتدفّقة من عينيها والفراغ المظلم بين شفتيها يعطي الصورة توتّرا ويضفي على المشهد جوّا من الكرب والرعب.
تنظر إلى عيني لوكريشيا فيما الحياة تتسرّب من جسدها بعد أن طعنت نفسها، فتُذهل من القوّة التعبيرية الهائلة التي تختزنها هذه الصورة. التوتّر المحيط بالمنظر يلتقط المعضلة الأخلاقية لامرأة أجبرت على أن تختار بين الحياة أو الشرف: النظرات في عينيها، طبقات الألوان السميكة، الأثر الذي تركه الجرح في بطنها.
حرّية رمبراندت في التعامل مع الطلاء هي ما يدفع الناظر لأن يُعجب بالصورة. كما أن تحكّمه في درجات وأنواع اللون مذهل. هناك أيضا تأثيرات الضوء الرائعة والإيحاءات التعبيرية. والحقيقة انك كلّما نظرت إلى اللوحة، كلّما اندهشت أكثر لقوّتها التعبيرية أكثر من التكنيك المستخدم فيها. وربّما كان أجمل ما قيل في وصف اللوحة أن المرأة إذ تقتل نفسها فإن السكّين تتحوّل إلى فرشاة والدم إلى طلاء.
بالنسبة لرمبراندت، هذه الصورة لها معنى عميق جدّا. وهي، على مستوى ما، صرخة رجل فقد حبيبته بسبب قسوة وتسلّط المجتمع. وهناك من يقول إن اللوحة ليست في واقع الأمر سوى بورتريه لرفيقته هندريكا ستوفيلس التي تظهر هنا كموديل والتي دخلت حياته بعد وفاة زوجته الأولى.
لم يكن رمبراندت حرّا ليتزوّج بسبب وصيّة زوجته "ساسكيا" له بألا يتّخذ امرأة أخرى بعد وفاتها. فاضطرّ إلى الدخول في علاقة حبّ مع هندريكا وعاشا كزوج وزوجة إلى أن أصبحت حاملا. وبعد أن علمت الكنيسة بذلك أجبرت المرأة على أن تعترف أنها كانت تعيش مع الرسّام كمومس، ثم طُردت من الكنيسة وفقدت مكانتها في المجتمع. ونتيجة لذلك خسر رمبراندت نفسه عددا كبير من رعاته، وهذا كان احد أسباب إفلاسه. وكان عليهما أن ينتقلا إلى مكان بعيد إلى أن توفّيت هندريكا عام 1663.
رمبراندت حمّل المسئولية عن موت هندريكا لأولئك الذين هاجموها وشوّهوها. وبعد موتها بثلاثة أعوام رسم هذه اللوحة التي يحاول فيها تذكّر ذلك الحبّ الضائع. في ذهن رمبراندت، كانت لوكريشيا أشبه ما تكون بهندريكا من حيث أنهما كانتا ضحيّتين مظلومتين لأشخاص ذوي سلطة ونفوذ في المجتمع.
هذه اللوحة تعزّز مكانة رمبراندت كأشهر رسّام واقعيّ هولنديّ. كما أنها تدلّل على براعته في استخدام تقنية الشياروسكورو، أي إضفاء طابع ثلاثيّ الأبعاد على وجه وجسد الشخصية. مهارة الرسّام أيضا تتجلّى في إظهار حالة المرأة الداخلية ومشاعرها المنعكسة في عينيها وتعبيرات وجهها عن الفضيلة والعفاف ومعنى الشرف والواجب.
حادثة اغتصاب لوكريشيا وانتحارها لم تلهم الرسّامين فقط، بل اجتذبت أيضا العديد من الشعراء والموسيقيين والكتّاب الذين رأوا فيها رمزا للعفّة والإخلاص الزوجي. شكسبير مثلا ألّف مسرحية عن القصّة استند فيها إلى معالجة اوفيد للحادثة. وفي الكوميديا الإلهية، تظهر لوكريشيا لدانتي في المكان المخصّص لنبلاء روما من أهل الفضائل والخصال الحميدة. كما كانت القصّة موضوعا لأوبرا للموسيقيّ البريطانيّ بنجامين بريتن.
في نهايات حياته، عانى رمبراندت من الفقر المدقع واضطرّ لبيع قبر زوجته الأولى ساسكيا، ثم ماتت هندريكا بالطاعون عام 1663، وبعدها بخمس سنوات مات ولده تايتوس، وظلّ بعد ذلك وحيدا.
ورغم أن تلك الفترة اتّسمت بالقلق والعزلة والديون والوحدة والحزن، إلا أنه عمل ببراعة وإتقان وقوّة انفعالية استثنائية. كانت تلك أكثر سنوات حياته إنتاجا. وخلالها رسم أعمالا يعتبرها الكثيرون أعظم لوحاته، بل ومن أشهر الصور التي ظهرت في تاريخ الرسم الأوربّي كلّه.
الجدير بالذكر أن رمبراندت رسم للوكريشيا لوحتين: الأولى موجودة في الناشيونال غاليري بلندن، والثانية "أي هذه" من مقتنيات معهد مينيابوليس للفنون بالولايات المتّحدة.

Friday, January 01, 2016

لوحات عالميـة – 366

عائلة بيلووي أو بورتريه عائلي
للفنان الفرنسي إدغــار ديغـــا، 1858

قد يبدو هذا البورتريه غريبا بالنسبة للذين اعتادوا رؤية أعمال إدغار ديغا المشهور بتابلوهاته الفخمة عن راقصات الباليه وسباقات الخيول وأنشطة الحياة الاجتماعية في باريس منتصف القرن التاسع عشر.
ومع ذلك يُعتبر البورتريه إحدى التحف التي رسمها ديغا في حياته المبكّرة وصوّر فيها طبيعة التوتّرات العائلية التي تعزل كلّ فرد من أفراد العائلة عن الآخر. وقد وظّف فيها الخبرة والمعرفة التي اكتسبها في ايطاليا أثناء دراسته هناك.
كان ديغا قد غادر باريس إلى ايطاليا لمواصلة دراسته للرسم في يوليو من عام 1856. وقد أقام في ايطاليا ثلاث سنوات، وهناك واتته فكرة رسم هذه اللوحة التي بدأ رسمها في نابولي عندما كان في زيارة عمّته "شقيقة والده" لورا وزوجها البارون جينارو بيلووي وابنتيهما غيوليا وجيوفانا. ثم أتمّ رسمها عندما عاد إلى باريس.
كان عمر ديغا وقتها أربعة وعشرين عاما. ويمكن أن يقال عن اللوحة أنها دراسة في العلاقات الإنسانية. وبعض النقّاد وصفها بأنها اقرب صورة لأجواء روايات القرن التاسع عشر.
كانت عمة الرسّام قد أسرّت له أن الحياة مع زوجها صعبة جدّا وأنه لا يملك وظيفة مهمّة وأن ذلك قد يقودها قريبا إلى القبر. كانت حاملا آنذاك، ويقال أن ظروفها ومن ثمّ موت الطفل وهو رضيع قد تكون وراء إحساس العائلة بالتعاسة والتوتّر المنزلي. وكلّ هذه الصراعات وفّرت الخلفية والمضمون لهذه اللوحة.
وأحد الجوانب المهمّة في كون اللوحة متفرّدة ومتميّزة هو توليفها الذي يقدّم بورتريها عائليا مرسوما على نفس المستوى الفخم للدراما التاريخية. وهناك سبب آخر، وهو أن مضمونها يمكن ترجمته كوثيقة أو كدراسة سيكولوجية. وهناك عامل إضافي وهو الطريقة التي اتّبعها الرسّام في اختيار أوضاع الشخصيات وأماكنها بحيث أن كلّ شيء يوحي بالهجر والتباعد بين الوالدين وكذلك بالولاءات المتضاربة والمنقسمة لأطفالهما.
في اللوحة تشغل المرأة الجزء الأكبر من المكان. وقد رسمها بهيئة نبيلة ومتقشّفة وبفستان يرمز للحداد. في ذلك الوقت لم يكن قد مرّ على وفاة والدها سوى فترة قصيرة، وهو يظهر في صورة على الجدار الذي خلفها. وبتضمين ديغا لبورتريه جدّه في الصورة كان يريد الربط بين أجيال عائلته. وقد استعار هذا التقليد من عصر النهضة حيث جرت العادة على أن يتضمّن البورتريه صورا للأسلاف.
حركة العمّة مرتبطة بحركات ابنتيها، بينما يبدو الأب منفصلا عن عائلته، ارتباطه بالتجارة والأعمال والعالم الخارجيّ يشي به موقعه على طرف الطاولة.
في اللوحة لا احد ينظر إلى احد. والزوج/الأب لا يفعل شيئا تقريبا، ويبدو بعيدا عن عائلته من الناحية الشعورية والعاطفية. ظهره للناظر ووجهه في الظلّ. الأمّ وقورة بشكل لافت مع إحساس بالسيطرة. وهذه السّمة تتباين مع حالة الانطواء النسبيّ للأب. التعبيرات العميقة على وجه الأمّ توحي بالمشاكل العاطفية داخل العائلة.
الابنة غيوليا تقف ويداها معقودتان في ظلّ أمّها. وعلى العكس منها، تبدو جيوفانا في المنتصف تماما، مستقلّة ونصف جالسة. الأولى رسمها الفنّان داخل مثلّث الأمّ كي يوحي بعلاقتها العاطفية القويّة بوالدتها. الابنة الثانية لا علاقة وثيقة بينها وبين أبويها، وجهها باتجاه أبيها، لكن نظراتها لا تقابل نظراته. بشكل عام، الأعين تعطي انطباعا بعدم الاستلطاف أو التقبّل، والنظرات مليئة بالبرود.
الأبعاد الواسعة والألوان الرصينة وألعاب المنظور المفتوح (الأبواب والمرايا) كلّها عناصر تسهم في تعزيز جوّ التنائي والانقباض. ومن خلال ملاحظة ديغا الشخصية القويّة وطريقة بنائه للتوليف استطاع أن يعطي كلّ شخص دليلا على سمات شخصيّته وأن يربط بين الحياة الشخصية لهؤلاء الأشخاص في فنّه.
بعد أن عاد الرسّام إلى باريس كتبت إليه عمّته تقول: لا بدّ وأنك الآن سعيد جدّا بعودتك إلى عائلتك بدلا من وجودك أمام وجه حزين مثل وجهي ووجه كريه كوجه زوجي".
بؤس عائلة بيلووي لم يكن بالأمر الشاذّ أو الخارج عن المألوف. الحقيقة أن التباعد والهجر بين الجنسين كان دائما حالة متكرّرة في أعمال ديغا في سبعينات القرن التاسع عشر.
وبورتريهاته ومشاهده بشكل عام يصوغها وجوده الاجتماعيّ. كان مهتمّا برسم شخصية الإنسان وجوهره السيكولوجي. الجديد هنا انه رسم أجواء التوتّر والتنائي التي رآها وعايشها داخل عائلته هو.
احد النقّاد كتب تعليقا بليغا عن هذه اللوحة عندما قال: ربّما لو قضيت مع هذه العائلة أسابيع أو أشهرا ما كنت ستفهمها مثلما ستفهمها وأنت تنظر إلى هذه اللوحة التي صوّر الرسّام جوّها النفسيّ والمزاجي بمهارة واقتدار.
مفهوم المعنى المركّب في الرسم رافق ديغا في جميع مراحل حياته. هو نفسه كان احد أعظم رسّامي البورتريه في زمانه. لكن كانت له دائما طريقته الساحرة في تناول المشاهد والقصص المنزلية التي لم يَخبَرها هو بنفسه بحكم انه اختار أن يظلّ أعزب طوال حياته.
ولد إدغار ديغا في باريس. وكان معروفا برسوماته الانطباعية رغم انه لم يكن متماهيا مع الكثير من أفكار الانطباعيين، كما أن طبيعته كانت تنفر من الرسم في الهواء الطلق. وقد كانت علاقته صعبة مع كلود مونيه الذي ظلّ مخلصا للانطباعية طوال حياته.
كان ديغا اكبر إخوته الخمسة. والده كان موظّفا مصرفيّا، ولم يشجّعه على أن يصبح رسّاما، إذ كانت لدى الأب خطط أخرى وكان يريد منه أن يتخصّص في القانون. وقد درس في الجامعة ونال درجة البكالوريوس في الأدب.
كميل بيسارو أحد زملاء ديغا قال عن حرصه على الإجادة والإتقان أن ديغا دائما ما يشقّ طريقه إلى الأمام وكثيرا ما يجد تعبيرا ما في كلّ شيء يحيط به.
الغريب انه في نهايات حياته كان يداوم على شراء لوحات سيزان وفان غوخ وديلاكروا وال غريكو، وكأنه كان يريد تقوية علاقته مع زملائه الذين كان معجبا بهم وليؤكّد على فكرة الاستمرارية أو السيرورة في الفنّ. وفي النهاية استطاع أن يجمع أكثر من عشرين لوحة كانت هي بالنسبة له بمثابة عائلته التي حُرم منها.
في أخريات حياته فقد ديغا بصره تماما ولم يعد قادرا على رؤية اللوحات، بل كان يكتفي بتمرير أصابعه فوقها. وكان كثيرا ما يُرى وهو يمشي لوحده في شوارع باريس متّكئا على عصا ومثيرا تعاطف المارّة وشفقتهم.

Saturday, December 05, 2015

لوحات عالميـة – 365

منظر طبيعيّ مع بورتريه للناسك جيروم
للفنان الهولندي يواكيم باتينير، 1520

كان جيل الرسّامين الهولنديين الأوائل هم الأشهر في أوربّا في زمانهم. ومن بينهم اكتسب الفنّان انطوني فان ايك بالذات مكانة أسطورية باعتباره مبتكر الرسم بالزيت. وأعمال هؤلاء كان يطلبها الملوك والأمراء والتجّار في أرجاء القارّة لجودة ألوانها وتنفيذها ولدقّتها التعبيرية الكبيرة.
وما غذّى صناعة وسوق الرسم آنذاك هو الاقتصاد النشط والمتعافي في الأراضي المنخفضة وكذلك ازدهار التجارة الدولية بشكل عام. وجزء مهمّ ممّا تزخر به المتاحف العالمية اليوم من أعمال فنّية مصدره مدينتا انتويرب وبروغيس.
وسواءّ كانت الرسومات الهولندية أشياءً للتقديس أو سجلات لوجود الإنسان في زمن ومكان معيّنين أو لزخرفة أو تزيين المساكن والمعابد، فإن ممّا لا شكّ فيه أن الأعمال المبكّرة تكشف عن هدف مشترك ألا وهو جعل الصورة المرسومة حاضرة بقوّة وجعل غير المنظور محسوسا وملاحَظا.
ومن أشهر الرسّامين الهولنديين الأوائل يواكيم باتينير الذي وصفه مواطنه البريخت ديورر بأنه كان بارعا على وجه الخصوص في رسم المناظر الطبيعية. وهناك العديد من الأعمال المنسوبة إليه، لكن لا توجد اليوم سوى خمس لوحات فقط تحمل توقيعه.
كان باتينير يرسم مناظر طبيعية ضخمة مع اهتمام غير عاديّ بالتفاصيل. وتلك اللوحات يغلب عليها الطابع الفانتازي والسوريالي، والأشخاص فيها صغار جدّا. وكثيرا ما كان يرسم الأشخاص في لوحاته رسّامون آخرون غيره، وكان هذا تقليدا شائعا ومقبولا في ذلك الوقت.
في هذه اللوحة، يرسم باتينير قصّة من التراث المسيحيّ عن ناسك يُدعى جيروم، او هيرونيموس كما يُسمّى أحيانا. كان هذا الراهب قد هاجر من بلاده في البلقان إلى بيت لحم في فلسطين مع بدايات ظهور المسيحية. وهو أوّل من وضع ترجمة للأناجيل من اللغة الآرامية إلى اللاتينية.
تقول الأسطورة إن هذا القدّيس مرّ ذات يوم من أمام حيوان كاسر قد يكون أسدا. ولاحظ أن الحيوان يعاني من عدم القدرة على المشي. وفهم أن سبب آلامه يعود إلى انغراز شوكة في أحد مخالبه. لذا قرّر على الفور أن يساعده، وأزال الشوكة ثم عالج جرحه. وتعبيرا من الأسد عن شكره وامتنانه، عرض نفسه كحارس للدير الذي كان يعيش فيه الناسك.
في الجزء الأماميّ من اللوحة نرى شيئا يشبه الكهف، بينما يجلس الناسك وقد أمسك بالأسد بطريقة حانية كي يزيل الشوكة عن مخلبه.
والقدّيس يجلس هنا في عزلته مع جمجمة وصليب. لكن الرجل ليس هو العنصر المهمّ الوحيد في المنظر، وإنّما هناك أيضا تفاصيل الطبيعة التي تحيط به من تلال خضراء وأشجار كثيفة وجبال زرقاء تغطّيها الغيوم.
الطبيعة في اللوحة لها حضور أقوى من حضور الشخصية نفسها. وتفاصيل التضاريس والأرض تعطي انطباعا عن دراما على هيئة قصّة أو حكاية في كتاب. والواقع أن ما نراه هو عبارة عن طبيعة بانورامية رائعة تحرّض الناظر على أن يتجوّل فيها ببصره ويستمتع بتفاصيلها.
إلى جانب المشهد الأساسيّ، نرى عدّة مشاهد ثانوية. فإلى اليمين إلى أسفل، هناك رجل عجوز يمشي مع صبيّ. وفوق قليلا نرى أسدا أو نمرا يهاجم فلاحا على حماره. هذا المشهد كوميديّ نوعا ما، إذ يظهر الفلاح وهو على وشك السقوط عن ظهر الحمار من شدّة الخوف.
وفي قمّة الجبل نرى الكنيسة والطرق العديدة التي تقود إليها. وإلى اليمين هناك قرية وإلى جوارها مزرعة مع بركة. وفي أعلى اللوحة نرى بحرا وميناءً وجسرا وعدّة قوارب. وهناك أيضا قلعة تبرز من أعماق الغابة، بالإضافة إلى تشكيلات صخرية غريبة. وقد ضُمّنت هذه المشاهد المختلفة في اللوحة بطريقة غريبة نوعا ما.
هذه القصّة، بالإضافة إلى رمزيّتها الأخلاقية، لها معنى مجازيّ في تقاليد الكاثوليكية. فالشوكة هي صورة عن تاج الأشواك الذي كان يرتديه المسيح وقت صلبه، وهو يمثّل الخطيئة. ومثل ما استطاع جيروم انتزاع الشوكة من مخلب الأسد، تمكّن المسيح أيضا من تخليص أرواح الناس من الخطيئة، بحسب الأدبيّات المسيحية.
باتينير وزملاؤه الرسّامون الهولنديون الأوائل منحوا بعدا جديدا للتجربة الدينية، فأصبح إطار الصورة عتبة إلى عالم سبق وصفه في الكتابة، لكن لم يسبق أبدا أن جُسّد في الرسم.
كان هناك إحساس بالتناسق والحركة وبتفاصيل الديكور المستمدّ من عصر النهضة. وكلّ هذه السمات تخلّلت الرسم الهولنديّ المبكّر. وفي نفس الوقت اظهر الرسّامون اهتماما متزايدا بالعناصر الدنيوية، أي الطبيعة والحياة الصامتة ومناشط الحياة اليومية المختلفة، وأصبحت هذه العناصر تتنافس مع العناصر الدينية في أعمالهم. وأدّى هذا إلى ظهور نوع جديد من الرسم أصبح مألوفا في القرن السابع عشر.
بعض النقّاد يعتبرون هذه اللوحة معلما مهمّا في تاريخ الرسم الأوربّي. وقد يكون الفنّان كُلّف برسمها كي تُعلّق في كنيسة في جنوب ألمانيا. وفي ما بعد ضُمّت إلى المجموعة الفنّية الخاصّة بالملك الإسباني فيليب الثاني الذي وهبها إلى قصر الاسكوريال. ثم بعد ذلك أصبحت من مقتنيات متحف برادو منذ العام 1839م.
يواكيم باتينير رسّام غير معروف كثيرا، ربّما بسبب قلّة عدد لوحاته الموجود معظمها في مجموعات فنّية خاصّة. ولهذا السبب كان من الصعب، حتى على المتخصّصين، دراسة حياته أو فنّه باعتباره كان شخصا غامضا ومثيرا للاهتمام.
لكن مؤرّخي الرسم يعتبرونه رائدا لرسم الطبيعة كنوع مستقلّ من الرسم. وهو أوّل رسّام هولنديّ كان يعتبر نفسه رسّام مناظر طبيعية. كما أنه أحد الرسّامين الذين يعود لهم الفضل في توسيع حدود وآفاق الرسم. لاحظ مثلا كيف انه رسم في الأفق البعيد جبالا مشوبة بزرقة يبدو معها المنظر الطبيعيّ ممتدّا بلا نهاية.
وكثيرا ما يقارَن باتينير بفنّانين هولنديين من أمثال هيرونيموس بوش وبيتر بريغل. البريخت ديورر كان صديقا له. وقد حضر هذا الأخير الزواج الثاني للأوّل ورسم له بورتريها للمناسبة. كما كان له صديق آخر هو الرسّام كوينتين ميتسيز الذي أصبح "أي متسيز" وصيّا على أبنائه بعد وفاته.
وفي الواقع لا يُعرف متى ولد الرسّام، لكن يُرجّح انه رأى النور حوالي العام 1482 في ما يُعرف اليوم ببلجيكا، كما عمل طوال حياته في مدينة انتويرب التي توفّي فيها عام 1524م.
في ذلك الوقت، كانت انتويرب السوق الرئيسية للفنّ في أوربّا. وكانت الأعمال المنتجة هناك كثيرة جدّا. وكان الرسّامون هم من يتحكّمون في سوق الفنّ وليست الكنيسة كما جرت العادة في بقيّة أنحاء القارّة.

Tuesday, November 24, 2015

لوحات عالميـة – 364

الملكة ماري انطوانيت وأطفالها
للفنانة الفرنسية لويـز فيجـي لـو بـران، 1787

هذه اللوحة، التي تصوّر امرأة جميلة مع أطفالها، قد توحي بعائلة سعيدة ومستريحة. لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو أن الثورة كانت على وشك أن تعصف بكلّ هذا وتُعرّض للخطر كلّ ما كان بحوزة هذه المرأة وعائلتها من سلطة وثراء.
وقريبا سيزحف الناس لاقتحام قصر فرساي في باريس عنوة، ومن ثمّ سيُودَع الملك لويس السادس عشر والملكة ماري انطوانيت وأبناؤهما وأقاربهما السجن تمهيدا لمحاكمتهم ومن ثمّ إعدامهم.
بعبارة أخرى، تستطيع أن تقول أن هذا بورتريه مثاليّ لعائلة تسير نحو مصير مأساوي. ومع ذلك فالصورة نفسها تخلو من أيّ نوع من المشاعر أو الدراما أو العنف.
كان عمر الملكة ماري انطوانيت عندما رُسمت لها هذه اللوحة اثنين وثلاثين عاما. وهي هنا تظهر بصحبة أطفالها الثلاثة في غرفة الجلوس. وكان من المفترض أن تضمّ اللوحة أيضا ابنتها الرابعة الرضيعة الأميرة صوفي لولا أنها توفّيت قبل ذلك بفترة وجيزة، ما دفع الرسّامة لأن تكتفي برسم مهدها أو سريرها الأزرق بدلا منها.
الملكة ترتدي فستانا بنفسجيا نفيسا وتسند قدميها إلى أريكة، في إشارة إلى مكانتها الرفيعة. والأطفال أيضا ملابسهم مترفة، كأن الرسّامة تريد أن تلفت انتباه الناظر إلى ثروة الملكة الأمّ وأطفالها ومكانتهم الاجتماعية.
وأنت تتأمّل اللوحة، لا بدّ وأن تستنتج أن الرسّامة بذلت جهدا كبيرا وقضت وقتا طويلا في رسم التفاصيل الصغيرة الظاهرة على الأريكة والقماش والملابس والسجّاد، ما يؤكّد براعتها كرسّامة للبلاط.
ثم لاحظ أيضا كيف أنها أضفت على الشخصيّات طابعا مقدّسا باختيارها توليفا شبه هرميّ يذكّر بلوحات عصر النهضة التي تصوّر العذراء والمسيح والقدّيس يوحنّا.
الابنة الكبرى الأميرة ماري تيريز تميل باتجاه أمّها متأبّطة ذراعها، بينما يجلس الأمير الرضيع شارل في حضنها، وإلى اليمين يقف الأمير لويس جوزيف مشيرا بيده إلى السرير الفارغ لشقيقته الراحلة.
في عام 1788، عندما فتح صالون باريس أبوابه، لم تكن هذه اللوحة قد اكتملت تماما. ولأيّام ظلّ الإطار المخصّص لها فارغا. كان ذلك عشيّة ما أصبح يُسمّى بالثورة، وكان الناس يتحدّثون علانية عن مشاكل البلاد المالية وعن الإفلاس الذي كانت بوادره تلوح في الأفق.
لكن في اللوحة تبدو الملكة ماري وكأنها جاهلة أو غير مكترثة بالاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تهزّ فرنسا آنذاك.
وفي الواقع، هناك احتمال أن يكون هذا البورتريه رُسم لأغراض الدعاية ولإصلاح سمعة الملكة المغضوب عليها وتصويرها باعتبارها أمّا رحيمة ومتعاطفة تهتمّ بأطفالها أكثر من الموضة. ورسالة اللوحة هي أننا في حضرة ملكة، هي أوّلا أمّ؛ ليس لأطفالها فحسب وإنّما لعامّة الناس أيضا.
علاقة الملكة ماري انطوانيت بأطفالها تلعب دورا مهمّا في العديد من تفاصيل قصّة حياتها. فكلّ هؤلاء الأطفال كانوا أبناءً بالتبنّي. والمحزن أنهم واجهوا مصيرا مشئوما بعد إعدام والديهم الملك والملكة. فمنهم من قُتل في ظروف غامضة في نفس تلك السنة، ومنهم من قضى في السجن أو توفّي في ما بعد لأسباب ما تزال إلى اليوم مجهولة.
المعروف أن فيجيه لوبران رسمت للملكة ماري انطوانيت حوالي ثلاثين بورتريها. وهذا البورتريه الموجود اليوم في إحدى غرف قاعة المرايا في فرساي هو آخر تلك البورتريهات الايقونية التي رسمتها الفنّانة للملكة القتيلة.
كانت ماري وقتها في ذروة شبابها وجمالها. وكانت هي والرسّامة ترتبطان بعلاقة شخصية حميمة. وفي مذكّراتها، تتحدّث الرسّامة بانبهار وحنين عن علاقتها بالملكة، وعن الحساسية والاحترام التي كانت تعاملها بهما ماري انطوانيت.
ويبدو أن الملكة والفنّانة اكتشفا أن هناك الكثير ممّا يجمعهما، فهما زوجتان غير سعيدتين، كما أنهما مادّة للكثير من الافتراءات والشائعات. ومع ذلك، كان يجمعهما عشق الموسيقى، ولوبران نفسها كانت تتمتّع بصوت غنائيّ جميل.
كانت لوبران أشهر رسّامة امرأة في القرن الثامن عشر. والدها كان هو أيضا رسّاما، وهو الذي اشرف على تعليمها. وقد بدأت عرض أعمالها وهي في السادسة عشرة من عمرها. ثم أصبحت عضوا في أكاديمية الفنّ في عمر الثالثة والعشرين.
وبعد ذلك أصبحت عضوا مهمّا في الحياة الاجتماعية للطبقة الارستقراطية الباريسية. وكان لها ابنة واحدة هي ثمرة زواجها من فنّان وناقد يُدعى بيير لوبران.
وقد أنتجت الفنّانة خلال حياتها ما يربو على ثمانمائة لوحة. وساعدتها علاقتها بـ ماري انطوانيت في العثور على زبائن من ذوي السلطة والغنى آنذاك. لكن مع اندلاع الثورة فإن علاقتها الوثيقة بالملكة أصبحت تشكّل خطرا على حياتها في باريس. لذا هربت هي وابنتها من المدينة في نفس اليوم الذي سُجنت فيه الملكة وعائلتها.
في السادس عشر من أكتوبر عام 1793، أي بعد أشهر من إعدام زوجها الملك لويس السادس عشر، اُعدمت ماري انطوانيت بالمقصلة. وكانت آخر كلماتها قبل قتلها "سامحني يا سيّدي، لم أكن اقصد ذلك". وقد قالتها للجلاد عندما تعثّرت بقدمه أثناء صعودها إلى المقصلة.
وبعد إعدامها، اُلقي بجثّتها في قبر مجهول. لكن بعد ذلك بعشرين عاما، استُخرجت رفاتها ورفات زوجها واُقيمت لهما جنازة حسب التعاليم المسيحية، ثم دُفنا في مقبرة ملوك فرنسا.
أما الرسّامة فقد ظلّت تعيش في المنفى خارج فرنسا لاثني عشر عاما، متنقّلة ما بين ايطاليا وروسيا والنمسا. وكانت تُعيل نفسها من عوائد رسمها لصور العائلات الثريّة في تلك البلدان. لكن في عام 1802 سمح لها النظام الجديد بالعودة إلى باريس استجابة لالتماس قدّمه زملاؤها الفنّانون.
غير أن مكانتها كفنّانة كانت قد تلاشت. وبسبب صلتها بـ ماري انطوانيت، دخلت لوبران عالم النسيان وأصبحت شخصية مهمَلة تقريبا في تاريخ الفنّ، رغم أنها عاشت أربعين سنة أخرى في ظلّ حكم نابليون.
ومذكّراتها توحي بأنها كانت امرأة مهتمّة بالأضواء وأخبار المجتمع أكثر من اهتمامها بالفنّ. لكن ممّا لا شكّ فيه أنها كانت تملك إصرارا قويّا على تحقيق النجاح في عملها رغم العقبات الكثيرة التي كانت تواجه عمل النساء في القرن الثامن عشر.
أما الملكة ماري انطوانيت، فعلى الرغم من مرور أكثر من مائتي عام على موتها، إلا أنها ما تزال شخصية تاريخية مهمّة ارتبطت بالأفكار المحافظة وبالكنيسة الكاثوليكية وبالثروة والموضة. كما أنها كانت وما تزال موضوعا للعديد من الأعمال الفنّية والأدبية والسينمائية.
وبعض المؤرّخين يرون أنها كانت تجسيدا للصراع الطبقيّ، وأنها كانت السبب الأساس في نشوب الثورة الفرنسية. والبعض الآخر يرون أنها ذهبت ضحيّة طموحاتها العائلية والوضع العام في فرنسا. لكن الكثيرين يعترفون بخصالها الفريدة كأمّ، وبشجاعتها وهي تواجه الموت.
وقد نُسبت إليها العبارة المشهورة "فليأكلوا الكعك" عندما قيل لها إن الناس لا يجدون ما يكفي من الخبز ليأكلوه. لكن لا يوجد دليل مؤكّد على أنها تلفّظت بتلك الجملة فعلا، وعلى الأرجح كانت تلك كذبة ذات دوافع سياسية نشرتها وروّجت لها بعض الصحف في ذلك الوقت.

Tuesday, November 03, 2015

لوحات عالميـة – 363

ساتير يبكي حزنا على حوريّة
للفنان الايطالي بييرو دي كوزيمو، 1495

أحيانا نعرف طبيعة وموضوع لوحة ما عندما تكون مستندة إلى عمل أدبيّ؛ مسرحية أو رواية أو قصيدة، أو إلى واقعة تاريخية. لكن هذه اللوحة لا تدخل ضمن هذا التوصيف، بل إن بعض مؤرّخي الفنّ يعتبرونها واحدة من أكثر اللوحات غموضا في تاريخ الرسم الكلاسيكيّ الغربيّ.
حتى الفنّان الذي رسمها لا يُعرف عنه وعن حياته سوى النزر اليسير. ولوحاته الباقية حتى اليوم قليلة جدّا، كما أنها لا تحمل توقيعه ولا أيّ تاريخ.
في اللوحة، يرسم بييرو دي كوزيمو حورية بحر ميّتة على ارض معشبة وعلى يديها ومعصمها وعنقها آثار جروح، بينما ينحني فوق جثمانها مخلوق نصف إنسان "أو ساتير: وهو إله من آلهة الغابات عند الإغريق له ذيل وأذُنا وقائمتا فَرَس" تبدو على ملامحه علامات الحزن والتأثّر، وعند قدميها يقف كلب صيد متأثّرا بالمشهد.
يقال أن اللوحة ترجمة صورية لحكاية أوردها اوفيد في كتابه "التحوّلات" عندما تحدّث عن موت الأميرة بروكريس ابنة ملك أثينا التي قُتلت عن طريق الخطأ على يد زوجها الأمير سيفالوس أثناء رحلة لصيد الغزلان. ويبدو أن تلك الحادثة المشئومة وقعت ولم يكن قد مرّ على زواج الاثنين سوى بضعة أشهر.
لكن الغريب أن اللوحة تخلو من شخص سيفالوس، كما أن لا اثر فيها للرمح الذي يُفترض انه قتلها به. والملاحظ أن قصّة اوفيد هذه ظهرت مرّة أخرى في نهاية القرن الخامس عشر، أي زمن رسم اللوحة، في مسرحية للكاتب الايطالي كوريجيو الذي أضاف إليها أفكارا مسيحية.
هذه اللوحة تُعتبر من انجح وأكثر أعمال دي كوزيمو شعبية. وهي طويلة جدّا من حيث الحجم. وهناك احتمال أنها استُخدمت كخلفية لأريكة أو خزانة في قصر بفلورنسا أو في غرفة عروس من نساء الطبقة الرفيعة. وما يزال بالإمكان رؤية آثار بصمات أصابع الرسّام في الجزء العلويّ منها.
الدراما في اللوحة تحدث على ارض منخفضة عند مصبّ نهر. في الخلفية، الحياة مستمرّة، وهناك سفن مبحرة ونوارس وبجع وكلاب صيد. التدرّج في استخدام ألوان خفيفة وناعمة في الخلفية كانت طريقة ابتدعها دافنشي. والكلب في اللوحة ليس عنصرا مكمّلا أو مجرّد رفيق صيد بل صوّره الرسّام كشريك للإنسان في الحداد والحزن، وهذه تُعتبر فكرة ثورية وغريبة على فنّ عصر النهضة.
دي كوزيمو كان بارعا في رسم الحيوانات، وقد رسم الكلب هنا بطريقة تشي بنبل هذا الحيوان وإخلاصه وصدق مشاعره. وحسب اوفيد، كان الملك مينوس والد بروكريس هو من أهدى الكلب إلى عريسها.
المصدر الوحيد لأيّ معلومات متوفّرة عن هذا الرسّام هو كتاب "حياة الفنّانين" للمؤرّخ الايطاليّ جورجيو فاساري. وهذا الأخير لم يكن بالتأكيد أنزه المؤرّخين، لكن يمكن أن يكون في بعض ما ذكره شيء من الحقيقة. وهو في كلامه عن دي كوزيمو يرسم صورة لإنسان غريب الأطوار ودائم السخرية من العالم. وقد يكون هذا هو السبب في أن السورياليين انجذبوا إليه وأحبّوا أعماله.
فاساري يصف دي كوزيمو بأنه كان شخصا شاذّ الطباع، بوهيميّا وكارها للمجتمع. وهو يقدّمه كنموذج لنوعية الحياة التي يجب على كلّ فنّان أن يتجنّبها. كان الرسّام مفتونا بالحيوانات التي تظهر في لوحاته كثيرا. كما كان مغرما بالعزلة، وكثيرا ما كان في أوقات فراغه ينسج الأحلام ويبني قصورا في الهواء.
كان دي كوزيمو يعيش كحيوان برّي أكثر منه إنسانا. وفي كلّ أعماله، هناك روح تختلف عن أعمال غيره وبراعة في استكشاف الطبيعة وتوظيف ذلك من اجل متعته الخاصّة. ولطالما تمنّى الرسّام أن يموت في الهواء الطلق وحوله أناس كثيرون يؤازرونه بالكلمات الطيّبة وكاهن يدعو له قبل أن يذهب برفقة الملائكة إلى الجنّة. كان يردّد مثل هذه الأحاديث والأفكار كثيرا بالقرب من نهايات حياته إلى أن وُجد ميّتا ذات يوم أسفل دَرَج منزله.
بعض مؤرّخي الفنّ اليوم يستبعدون أن تكون هذه اللوحة تصويرا لحادثة القتل التي كتب عنها اوفيد، بل يرجّحون أن تكون عن جريمة قتل متعمّدة. ودليلهم في ذلك أن الجرح الناتج عن نفاذ رمح في جسد إنسان لا يتوافق مع الجروح الظاهرة على جسد المرأة في اللوحة.
وما يسوقه هؤلاء من حجج هو دليل آخر على أن المعرفة العلمية يمكن أن توفّر منظورا جديدا في فهم اللوحات الكلاسيكية. مثلا، الجروح والتشوّهات التي لحقت بيدي المرأة تشي بأنها كانت تحاول أن تمنع مهاجما كان يتقدّم نحوها، وقد جرحها بطريقة عنيفة وربّما كان يحمل سكّينا أو سيفا. وبالتأكيد لا يمكن لرمح أن يخلّف مثل هذه الجروح.
وهناك أيضا يد المرأة اليسرى المنثنية للخلف؛ هذه الوضعية تدلّ على أنها تلقّت ضربة خطيرة ومميتة على العنق. ومثل هذه الضربة، حسب الأطبّاء، تتسبّب عادة في تلف الأعصاب التي تجعل معصم اليد ينثني والأصابع تتيبّس. ويخلص هؤلاء إلى أن هذه صورة لامرأة رُضّ عنقها بعد أن حاولت بيأس أن تدافع عن نفسها في وجه قاتل يُشهر آلة حادّة.
وهناك رواية أخرى تقول أن دي كوزيمو كان يحاول فعلا أن يرسم موت بروكريس. وما حدث هو انه ذهب إلى مستودع للجثث وطلب أن يُسمح له برسم جثّة امرأة شابّة قُتلت بسكين. وعندما سُمح له، بدأ برسم ما رآه على القماش. وتصادف أن لا يتوافق ما رسمه مع فهمنا اليوم لما يمكن أن يحدث لامرأة تعرّضت لضربة من رمح.
أشهر لوحات دي كوزيمو موضوعاتها أسطورية وتمتلئ بصور الجان والمخلوقات الهجينة والأقوام البدائيين. ويقال إن الرسّام عندما توفّي أستاذه، ويُدعى روسيللي، استولى عليه الحزن الشديد فأغلق على نفسه باب منزله ولم يسمح لأحد بزيارته وأهمل تنظيف غرفته وتشذيب حديقته. ولهذا السبب رأى البعض في اللوحة ما يمكن أن يكون "بيان نعي أو حِداد" من الرسّام على معلّمه.
الكلاب وطيور البحر والسفن والطريق المتعرّج عناصر قد تتضمّن رمزية تتعلّق بالموت أو بمراحل الحياة. وقد تشير أيضا إلى رحلة الحياة المحفوفة بالمخاطر أو إلى النهاية الحتمية لكلّ شيء.
يذكر فاساري أن دي كوزيمو كاد يُجنّ لوفاة معلّمه. ويبدو انه لم يُشفَ من ذلك الجنون أبدا. كان روسيللي بالنسبة له معلّما محبّا وأبا عطوفا. والكلب قد يكون رمزا لرفقتهما ولإخلاص الرسّام ووفائه الأبديّ لذكرى سيّده.
أمّا الساتير أو إله الغابات فربّما يعكس انجذاب الرسّام للحياة الفطرية والسلوك الغريزيّ. وقد يكون هذا المخلوق هو دي كوزيمو نفسه وهو يبكي الجمال المخبوء في معلّمه الراحل محاولا أن يبعثه إلى الحياة من جديد من خلال فنّه.