Thursday, February 23, 2017

لوحات عالميـة - 383‏

اوغولينو وأبناؤه
للفنان الفرنسي جان باتيست كاربيو، 1865

هذه المنحوتة مقتبَسة من مقطع يصف فيه دانتي قصّة سجن الكونت اوغولينو ديلا جيرارديسكا وأبنائه الأربعة في عام 1288 ثم موتهم جوعا.
كان الكونت اوغولينو نبيلا ايطاليّا وسياسيّا وقائدا بحريّا. وقد اتّهم مرارا بالخيانة العظمى، واجتذبت شخصيّته اهتمام الناس ومخاوفهم خلال الجزء الثاني من القرن التاسع عشر.
والمعلومات عن قصّته قليلة ومتضاربة. ويرجّح أنها اشتهرت بسبب الإشارة إليها في الكوميديا الإلهية.
وقد ذكرها أيضا عدد من الأدباء الآخرين مثل تشوسر وبيرسي شيللي والشاعر شيموس هيني والروائي خوسيه ساراماغو. ورسم القصّة فنّانون كثر من أشهرهم وليم بليك وهنري فوسيلي والنحّات اوغست رودان.
في القرن الثالث عشر، كانت ايطاليا تشهد صراعا عنيفا بين حزبين رئيسيين، أحدهما يدعم سلطة الإمبراطور والثاني يدعم سلطة البابا.
واوغولينو كان من عائلة نبيلة يعود أصلها إلى ألمانيا ومعروفة بتحالفها مع الإمبراطور. وقد أثار غضب الناس بتزويج شقيقته من جيوفاني فيسكونتي ثمّ أعلن ولاءه للأخير ضدّ رغبة سكّان مدينته.
وبعد تمرّد في المدينة، قُبض عليه هو وصهره واتُهما بتدبير مؤامرة وحُكم عليهما بالسجن. وبعد ذلك بفترة قصيرة، توفّي صهره جيوفاني في السجن، بينما أطلق سراح اوغولينو بعد أن انتهى خطره، ثم اُرسل إلى المنفى.
وفي المنفى بدأ يخطّط ثانية مع حكّام فلورنسا ولوكا ضدّ مدينته ومسقط رأسه. وفي ما بعد هاجم مدينته ثم اجبرها على توقيع اتفاق سلام بشروط مذلّة. وبعد أن دخل المدينة أجبر عائلاتها الثريّة على مغادرتها ثم قام بتدمير قصورهم وأعلن نفسه حاكما على المدينة.
لكن في النهاية قُبض عليه مع أبنائه الأربعة مختبئين في برج. وفي عام 1289 أمر حاكم المدينة بإلقاء مفاتيح البرج في نهر ارنو وترك المساجين الخمسة ليموتوا جوعا.
ويقال أن أبناءه ماتوا قبله وكان هو آخر من بقي وأنه، بدافع الجوع، اضطرّ لأكل لحومهم. وفي ما بعد دُفنت جثثهم جميعا في إحدى الكنائس.
دانتي ذكر القصّة في الكوميديا الإلهية وأشار إلى أنه عندما التقى اوغولينو في الجحيم، سمع منه كيف انه كان يعضّ أصابعه ندما ويأسا، بينما كان أبناؤه يظنّون انه جائع ويعرضون عليه أجسادهم كي يطفئ جوعه من لحومهم.
ويورد دانتي أبياتا على لسان اوغولينو يقول فيها: عندما عرفت مظهري في الوجوه الأربعة، رفعت يديّ في حزن. وبينما أبنائي يظنّون أني جائع قالوا صائحين: يا أبانا لن نجزع إن أكلتنا".
وفي آخر تلك الأبيات يترك دانتي للقارئ تخيّل ما الذي حصل بعد ذلك، إذ يقول: ثم ثبت أن الجوع أكثر سطوة من الحزن".
وقد عاقب دانتي اوغولينو بوضعه في حجرة من الثلج في المستوى الثاني من الجحيم، وهو مكان محجوز لخونة أقاربهم وأوطانهم والمحسنين إليهم. والغريب أن الشاعر وضع معه في نفس الغرفة قاتله، أي حاكم المدينة الذي أمر بحبسه ومنع عنه وعن أبنائه الطعام حتى الموت.
النحّات جان باتيست كاربيو في هذا التمثال يصوّر لحظة الحكم على الرجل وأبنائه بالموت جوعا. وفي التمثال يبدو اوغولينو بطلا من العصر الرومانسي، ذقنه يستند إلى يده في تفكير حزين، يحيط به أبناؤه الأربعة.
كان كاربيو نحّاتا بارزا وكان متخصّصا في النحت الأكاديمي للقرن التاسع عشر. وتوليفه هنا يعكس تقديره لميكيل انجيلو وكذلك اهتمامه الكبير بالواقعية التشريحية. وقد صُنع التمثال من الجبس في فيللا ميدتشي في روما في عام 1865، وهو آخر عام من إقامة النحّات في الأكاديمية الفرنسية في روما.
هذا العمل يُعتبر شاهدا على براعة كاربيو وكان سببا في شهرته السريعة. وعند عرضه، لفت التمثال أنظار النقّاد والناس وشجّع العديدين على تكليفه بأعمال أخرى. وعندما عاد إلى فرنسا كلّفته وزارة الثقافة الفرنسية بصبّ التمثال من البرونز، ثم عُرض في صالون باريس عام 1863 قبل أن يُنقل بعد ذلك ليُعرض في حدائق تويلاري.
القصّة المأساوية لاوغولينو وأبنائه راجت كثيرا في الأدب والشعر والفنّ. لكنّ العلماء اليوم، واعتمادا على نتائج الحفريات التي أجريت في مقبرة العائلة، يشكّكون كثيرا في قصّة أكل الرجل للحم أبنائه في أيّامه الأخيرة ويعتبرون ذلك ضربا من الخرافة.

Thursday, January 12, 2017

لوحات عالميـة – 382

نـرسيـس
للفنان الايطـالـي كـارافــاجـيــو، 1597

لم يمارس أيّ رسّام ايطاليّ نفوذا مثل كارافاجيو، باستثناء ميكيل انجيلو. كان رسّاما ثوريّا وسابقا لعصره. وقد تجاهل القواعد التي اتّبعها الرسّامون قبله.
وشهرة كارافاجيو تأتي أوّلا من سيرة حياته الغريبة، فقد قتل رجلا بسبب رهان ثم مات قبل الأوان في سنّ الثامنة والثلاثين.
ومن بين من تأثّروا به كلّ من روبنز وهولس ورمبراندت وفيرمير وبيرنيني. كان تأثيره كاسحا، لدرجة انه ظهر في ما بعد مصطلح يُسمّى "الكارافاجيوية" نسبةً له.
كان كارافاجيو مفتونا كثيرا بالضوء وباستخدام تقنية "الكياروسكورو" أو التباين الدراماتيكيّ بين العتمة والضوء. وهذا هو السبب في أن معظم أعماله يتخلّلها ضوء ذهبيّ وساطع.
وكان دائما يفضّل وضع شيء مضاء بطريقة دراماتيكية في مكان مظلم من اللوحة، تماما كالممثّل الذي يقف في بؤرة الضوء القويّ والكاشف.
الأشخاص الأسطوريون قليلون في فنّ كارافاجيو. ومع ذلك رسم هذه اللوحة التي تعكس رؤيته الخاصّة لإحدى أشهر الأساطير، أي قصّة نرسيس.
الظروف التي رسم فيها اللوحة غير معروفة. ولا يُعرف أيضا ما إذا كان احد قد كلّفه برسمها. وقد أنجزها في بواكير حياته. وظلّت دائما واحدة من أشهر الأعمال الفنّية التي تناولت هذا الموضوع.
في الأزمنة القديمة، كثيرا ما كانت الأساطير تحدث دون أن تقدّم شرحا مقنعا. لكن هذه الأسطورة بالذات لها دلالة خاصّة، كما أنها تدفعنا لنتخيّل كيف كانت الحياة قبل اكتشاف المرايا.
كان الجمال المفرط يُنظر إليه بحذر وتوجّس. والآلهة يمكن أن تصبح غيورة وتعاقب البشر الذين يتجاوزون حدود الجمال المعقول. سايكي، مثلا، كانت فتاة جميلة جدّا، وبسبب جمالها غضبت عليها الآلهة وحاولت أن تقتلها.
نرسيس، هو الآخر، كان شابّا جميلا جدّا. وقد وقع في حبّ صورته التي رآها منعكسة على مياه احد الغدران. وبسبب افتتانه بملامحه أصبح يتجاهل مشاعر الإعجاب من الآخرين، بل حتى الحورية الجميلة ايكو لم تستطع إغواءه بسبب اعتداده الكبير بجماله.
وفي النهاية مات نرسيس عطشا، مفضّلا الموت على أن يكفّ عن تأمّل صورته. وبعد موته نبتت في مكانه زهرة جميلة تحمل اسمه حتى اليوم، أي "النرجس".
القصّة الأصلية، كما سجّلها اوفيد في كتاب التحوّلات، تجري فصولها في طبيعة رائعة ومغمورة بالضوء، مع بعض التفاصيل الأخرى كالحورية ايكو والأزهار على حافّة البركة والكلب والغزال، وكلّ هذه الثيمات أصبحت ترمز لنرسيس الصيّاد.
لكن كارافاجيو فضّل أن يستبعد كلّ تلك التفاصيل، وركّز على الإمساك بجوهر القصّة كما يرويها اوفيد الذي يشير إلى أن نرسيس أخذ ينظر وهو صامت إلى صورته المنعكسة في الماء و"بقي هناك ساهما مثل تمثال من رخام".
المشهد في اللوحة يصوّر بداية القصّة وفي نفس الوقت ذروتها، أي اللحظة التي يثني فيها نرسيس جسده ويمدّ يده في الماء كي يشرب. هنا لاحظَ ظلّه ثم وقع في حبّ صورته. وبعد قليل ستقع مأساة موته.
واللوحة تركّز على انعكاس صورته وتستبعد كلّ شيء حوله. ربّما كان هذا هو ما شعر به نرسيس عندما حدّق في صورته، كما لو انه لم يرَ أيّ شيء آخر. وحتى عندما عبَر نهر ستيكس بعد موته كما تذكر الأسطورة، كان ما يزال يحدّق في صورته.
خلفية اللوحة فارغة وقاتمة وتوحي بالحزن. والماء يبدو مظلما، ولهذا ارتباط على ما يبدو بما تذكره كتب القدماء عن نهر ستيكس والبرك المظلمة وأزهار الحداد.
قصّة نرسيس ظلّت تحتفظ بسحرها على مرّ القرون وتلهم الكتّاب والشعراء والفلاسفة. دانتي وبترارك ذكراها في أشعارهما. وفرويد ابتكر مصطلح "النرجسية" عند تناوله للأسطورة. وهناك العديد من الفنّانين ممّن رسموها بعد أن وجدوها مثيرة للاهتمام، ومن أشهرهم ووترهاوس وبوسان ولوران ودالي.
والأسطورة تحاول أن تبرهن على النهاية التعيسة التي تنتظر أولئك الذين يحدّقون في صورهم ولا يرون إلا أنفسهم. ويبدو أن رسالتها هي تذكير الناس بالمتع الدنيوية الزائلة. كما أنها تشبه إلى حدّ ما قصص الفانيتا، من حيث أنها تحذّر البشر من الآثار السيّئة للانغماس في المتع المرتبطة بالحبّ والشباب.
هناك من يرجّح أن كارافاجيو رسم اللوحة مباشرة على قطعة القماش وبدون اسكتشات أو رسومات أوّليّة. وقد كلّف صديقا له يُدعى فرانسيسكو بونيري كي يقوم بدور نرسيس في اللوحة، لأنه لم يكن يتحمّل أن يدفع لموديل.
لاحظ كيف أن ملامح نرسيس تشبه ملامح الموديل الذي يظهر في لوحة الرسّام الأخرى المشهورة "استراحة أثناء الرحلة إلى مصر".
كارافاجيو أيضا تجاهل في رسمه للوحة الأشكال والتفسيرات المثالية، وأشبع المشهد بالضوء والظلّ لكي ينتج جوّاً دراماتيكيّا، ووضع البطل لوحده في دائرة الضوء القويّ والكاشف.
أسطورة نرسيس تركت أثرا كبيرا على الفنّ والأدب. رواية "صورة دوريان غراي" استوحاها اوسكار وايلد من هذه الأسطورة. كان بطل الرواية قد رسم لنفسه لوحة وأخذ يحدّق فيها طوال الوقت. وكلّما ارتكب خطئاً في حياته، كلّما أصبحت صورته أقدم وأقبح، مع انه هو نفسه ظلّ جميلا وشابّا.
وفي رواية ميلتون "الفردوس المفقود"، تحدّق حوّاء في انعكاس صورتها في بحيرة وتشتهيها عبثا، كما يفعل نرسيس.
حياة كارافاجيو كانت مليئة بالجرائم والإثارة. ورسوماته فيها الكثير من المزاج والحركة والنشاط. وهو ينتمي إلى حركة الباروك التي ظهرت في ايطاليا وكان من أقطابها كلّ من ميكيل انجيلو وتنتوريتو.
وقد حظيت تلك الحركة بدعم ورعاية كلّ من الكنيسة الكاثوليكية والعائلات الارستقراطية. وغالبا كان رجال الدين والأغنياء يرون في الباروك وسيلة أو أداة للبرهنة على الثروة والسلطة.
ورسْم الباروك لم يكن يختلف كثيرا عن عصر النهضة، باستثناء أن ألوانه كانت أكثر ثراءً وقتامة، مع تركيز خاصّ على المواضيع الدينية.
أسطورة نرسيس ما تزال وثيقة الصلة بعالمنا اليوم. فكلّ إنسان لا يخلو من شعور بالأنانية. واستغراق الناس بذواتهم هي سمة من سمات هذا العصر، لدرجة أننا لا نرى في الآخرين سوى انعكاس لذواتنا، وهذا التفسير يبدو مقنعا إلى درجة كبيرة.
أيضا موت نرسيس يعلّمنا انه من غير اللائق أن نحبّ أنفسنا أكثر من اللازم، وأننا نموت بسبب استغراقنا في التفكير بذواتنا. ولأن نرسيس كان أنانيّا فقد عوقب بالنبذ والإبعاد ثم مات كإنسان خاطئ. وهي نهاية محزنة ولا شكّ، لأن عقوبته لم تكن عادلة ولا مبرّرة، فمن الواضح انه كان يفكّر مثل أيّ إنسان آخر.
غير أن الجانب الايجابي في قصّته هو أنها وفّرت افكارا مثالية للفنّانين، ويقال أحيانا أن أوّل مبتكر للرسم كان نرسيس نفسه، لأن الرسم في النهاية ليس سوى انعكاس لنظرة الرسّام إلى نفسه.
بل إن بعض المؤرّخين ذهبوا إلى أن كارافاجيو أيضا كان نرجسيّا وأنه في اللوحة إنّما كان يرسم نفسه. والحقيقة أن لهذه النظرية أصلا، فكلّ رسّام بداخله نرسيس، لأنه عندما يخلق أو ينتج فنّا فإنه إنّما ينظر إلى نفسه في حالة الإلهام والإبداع.
الرسّام الفرنسي نيكولا بوسان الذي كان معاصرا لكارافاجيو لم يكن يطيق أسلوب الأخير في الرسم. وقد قال ذات مرّة إن كارافاجيو أتى إلى هذا العالم كي يدمّر الرسم. غير أن ترجمة بوسان لأسطورة نرسيس كانت تقليدية وكلاسيكية مقارنة مع نسخة كارافاجيو الجميلة والقاتمة.

Thursday, October 27, 2016

لوحات عالميـة – 381

شروق الشمس على قلعة نورهام
للفنان البريطاني جوزيف تيرنر، 1845

كان جوزيف تيرنر قد رأى لأوّل مرّة قلعة نورهام التاريخية الواقعة على الحدود ما بين انجلترا وسكوتلندا في العام 1797، وكان يزور آنذاك مناطق شمال انجلترا. وقد أعجب بالمكان وقرّر أن يعاود زيارته من وقت لآخر.
ويُرجّح أن يكون قد رسم هذا المنظر كـ "اسكتش" للوحة كان يفكّر في رسمها في ما بعد. غير أن اللوحة تبدو لمعظم الناس اليوم لوحة كاملة وجميلة ومقبولة بهيئتها هذه. وثمّة احتمال بأن تيرنر كان يراها كذلك، وربّما كان قد رسمها من اجل إرضاء نفسه فحسب.
وفي السنوات التالية رسم نسخا أخرى من هذه اللوحة التي مثّلت ذروة افتتانه الذي رافقه طوال حياته بهذا المكان. كما أن اللوحة تُعتبر أحد أعظم أعماله في تصويرها للضوء والتأثيرات الجوّية.
الألوان النقيّة في المنظر أكثر من الألوان المتباينة وتعبّر عن الضوء المتألّق، بينما تتداخل أشكال المباني التاريخية مع المنظر الطبيعي. وقد ذابت كلّ الأشكال الممكن تمييزها في ضوء الشمس المشرقة.
الرسّام تعامل مع القلعة ومع الأشكال الصلبة الأخرى كعناصر شفّافة من الضوء واللون. والقلعة نفسها رُسمت ملساء وناعمة وسائلة لدرجة أنها ذابت وتناثرت أسفل اللوحة.
لكن برغم أن تيرنر خلق بعض أهم تأثيراته الجوّية هنا، إلا أن المكان لا يبدو من السهل التعرّف عليه أو تمييزه. كما أن بنية التوليف نفسها تبدو كلاسيكية وصارمة.
في بداياته تبنّى الرسّام بالتدريج أسلوبا حرّا وأثيريا شبيها أحيانا بالتجريد. ولم يكن يعرض أعماله تلك على الجمهور، لأنها كانت تفتقر إلى التفاصيل وإلى اللمسات النهائية التي تجعلها مقبولة بحسب معايير الأكاديمية. وقد أسيء فهمه ورُفض من قبل نفس النقّاد الذين سبق وأن أعجبوا به طوال عقود.
بدأ تيرنر دراسته للرسم في الأكاديمية الملكية بلندن مع رسّامين آخرين كبار من أمثال جوشوا رينولدز وبول ساندباي. واجتذبت رسوماته الأولى اهتمام النقّاد والجمهور. وانعكس هذا إيجابا على أحواله المالية، فتمكّن من القيام بالعديد من الزيارات لانجلترا وويلز حيث رسم كثيرا من الأماكن والمعالم.
ثم زار فرنسا وسويسرا حيث اطلع فيهما على أعمال كبار المعلّمين مثل رمبراندت والبيرت كاب وكلود لوران. ويمكن ملاحظة تأثير الأخير بالذات على لوحات تيرنر المبكّرة مثل "الطاعون في مصر" وغيرها.
ويقال انه في تلك الفترة تقريبا وفي احد معارضه في الأكاديمية، سقطت قطعة من إحدى لوحاته على الأرض. وقد قلّل من أهمّية ما حدث قائلا إن الشيء المهم الوحيد هو انه ترك انطباعا. وقد تسبّبت تلك الملاحظة في إثارة دهشة الحضور. الناقد جون راسكن الذي كان صديقا مقرّبا لتيرنر وصف لوحاته بأنها انطباعات لما كان يراه بعقله وليست نتيجة تأمّلاته المباشرة.
وذات مرّة كان تيرنر في ضيافة راعيه والتر فوكس في يوركشاير عندما هبّت فجأة عاصفة رعدية بدّدت هدوء ذلك المساء. ثمّ ما لبث أن هطل المطر بقوّة. وبسرعة قام تيرنر ليرسم المطر الغزير والغيوم الثقيلة.
ثم قال لمضيفه: خلال سنتين من الآن سترى هذه الاسكتشات وقد تحوّلت إلى لوحة بعنوان "هانيبال يعبر جبال الألب". وفي عام 1812، عرض تيرنر لوحته الطموحة تلك بنفس ذلك العنوان والتي أصبحت مشهورة جدّا في ما بعد.
وقد شجّعه نجاحها عند عرضها على أن يرسم المزيد من المناظر التاريخية مثل لوحته "أفول امبراطورية قرطاج" وغيرها.
نمت شعبية تيرنر بعد ذلك بسرعة. وقد وجد في روما مواضيع جديدة ومناسبة لعبقريّته. عقليته المتفتّحة وجدت في ايطاليا عالما لم يخبره من قبل من الألوان والأضواء والأجواء. وقد زار تورينو وميلانو وفينيسيا ونابولي، ودرس أعمال الرسّامين العظام مثل تيشيان ورافائيل، كما التقى النحّات المشهور انطونيو كانوفا.
وفي السنة التالية عاد إلى انجلترا وصوّر ذكريات زيارته الايطالية التي تركت بصمتها على أعماله التالية مثل "المنتدى الروماني" أو لوحته الأخرى عن رافائيل وفورنارينا. ثمّ زار ايطاليا مرّة أخرى بعد ذلك بثمان سنوات. وابتداءً من مطلع ثلاثينات القرن التاسع عشر أصبح أسلوبه أكثر حرّية.
لوحته "شروق الشمس مع وحوش بحرية" هي احد أفضل الأمثلة على لوحاته الأخيرة، فأشكال وحوش البحر فيها من الصعب تمييزها وسط أجواء البحر. والضوء الذي يبدو محاطا بهالة من القداسة يعكس نظرية تيرنر التي تعتبر أن الشمس هي مركز الحياة كلّها.
أعمال الرسّام الأخيرة كانت تضجّ بالفوضى وقد انتُقدت باعتبارها أعمال رجل مجنون. ويقال انه حتى الملكة فيكتوريا رفضت أن تخلع عليه لقب فارس، وهو شرف ناله رسّامون اقلّ منه أهمية بكثير، لأنها كانت تعتبره بالفعل شخصا معتوها.
وكان من السهل وصف تيرنر بالمجنون أخذا في الاعتبار الظروف التي رافقت ولادته، فأمّه قضت أربع سنوات من حياتها في مشفى للأمراض العقلية. لكن التشوّش الذي ملأ لوحاته الأخيرة كان في الواقع نتيجة تطوّر فنّي معقّد سبق خلاله بعقود العديد من أبناء جيله.
كان تيرنر أكثر من مجرّد رسّام مناظر بحرية، بالرغم من أن عددا من أعظم انجازاته حقّقه من رسم مناظر البحر والماء. ذوبان الأشكال في لوحاته الأخيرة فُسّر من قبل نقّاد عديدين على انه بوادر الخرف. حتى راسكن أزعجته أعمال تيرنر تلك وكان ينصح بتثبيت مسامير على إطارات اللوحات لتشير إلى أجزائها العلوية والسفلية.
في أكتوبر من عام 1851، كان تيرنر يتعرّض لأزمة صحّية خطيرة. وبسببها نصحه الأطبّاء بالكفّ عن الرسم. وفي التاسع عشر من ديسمبر من ذلك العام توفّي في منزله في تشيلسي بلندن ودُفن جثمانه في كاثدرائية سينت بول.
ويمكن رؤية اكبر عدد من أعماله اليوم في جناح خاصّ يحمل اسمه في متحف تيت البريطاني.

Thursday, October 20, 2016

لوحات عالميـة – 380

فجـر بـلا أمـل
للفنان البريطاني فـرانك بـراملـي، 1888

عندما عُرضت هذه اللوحة لأوّل مرّة في الأكاديمية الملكية في لندن قبل 130 عاما وُضع معها اقتباس من مقالة كتبها الناقد جون راسكين يقول فيها:
الإنسان والحزن متلازمان إلى الأبد، ومن عصر إلى عصر تجري الأمواج دائما والرياح تعوي والقلوب المؤمنة تعاني وتمرض والرجال الشجعان يواجهون الشطآن الثائرة بضراوة. لكن خلف دفّة كلّ قارب أو سفينة، ثمّة يد الله التي تمنح البحّارة مفاتيح السماء".
واللوحة تصوّر مشهدا حزينا من العصر الفيكتوري. فالمرأة الجاثية تدرك أن زوجها توفّي في البحر أثناء رحلة صيد، بينما تحاول حماتها أو أمّ زوجها مواساتها والتخفيف عنها. وعبر النافذة يمكن رؤية بحر هائج وأنوار الفجر في سماء عاصفة.
الكتاب المقدّس المفتوح والطاولة على شكل مذبح على الجدار تتضمّنان تلميحا بأن الدين يساعد في تعزية الإنسان والتخفيف عنه.
لكن كلا المرأتين فقدتا الأمل في عودة الزوج والابن بعد أن انتظرتا خبرا عنه ليومين كاملين. وهما لم تناما طوال الليل، تقرآن الصلوات والأدعية وتنتظران بلا أمل عودته.
الرسّام يخلق تباينا بين ضوء الصباح الشحيح والشمعة المتوهّجة على الطاولة، بينما على حافّة النافذة تظهر شمعة منطفئة يمكن أن تكون رمزا لموت الصيّاد. وخارج النافذة تستمرّ العاصفة بلا رحمة. الزجاج المتصدّع يوحي بضعف البشر مقابل لا مبالاة وقسوة البحر.
وقد وُصفت اللوحة في بعض الأحيان بأنها ذات مضمون عاطفيّ وسرديّ قويّ مع جاذبية جمالية وتناغم لونيّ، ما يجعلها أحد أكثر الأعمال الفنّية جاذبية وجمالا.
صحيح أن المنظر يصوّر أحزان حياة صيّادي الأسماك وعائلاتهم. لكنه أيضا يقدّم العزاء بالقول إن الربّ لا يتخلّى عن عباده وأن رحمته هي الهادي في الليالي المظلمة وعندما لا يبدو أن الفجر يحمل أملا بالخلاص.
احد النقّاد ذهب إلى انجلترا قبل سنوات ورأى اللوحة في التيت غاليري وقد وصفها بقوله: كانت أعمال رمبراندت وكونستابل وغينسبورو معروضة في غرفة بعد غرفة. وقد أعجبت بجمالها وقدّرت البراعة التي تطلّبها إنتاج مثل تلك التحف الرائعة. لكن في زاوية هادئة من الطابق الثالث، شدّت انتباهي لوحة، بل أقول أنها أسرت قلبي.
وأضاف: لقد رسم الفنّان كوخا متواضعا أمام البحر تظهر بداخله امرأتان، زوجة صيّاد غائب وأمّه، وهما تنتظران طوال الليل عودته، والآن تدركان انه لن يعود أبدا. الزوجة تدفن رأسها في حضن العجوز وهي تبكي بحرقة ويأس.
وختم الناقد كلامه بالقول: أحسست بألم المرأتين وحزنهما. والعنوان المؤرّق الذي أعطاه الرسّام لعمله هذا يخبر عن القصّة المأساوية. ومع ذلك فالموت حقيقة من حقائق الحياة لا يستثني أحدا، ويمكن أن يكون مؤلما جدّا أن نفقد أحدا من أحبّتنا".
ولد فرانك براملي في لنكولنشاير في مايو من عام 1857 ودرس في مدرسة لنكولن للفنّ، ثم في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة حيث تتلمذ على يد تشارلز فيرلات.
وقد عاش الرسّام في فينيسيا بإيطاليا مدّة عامين وتزوّج من رسّامة زميلة هي كاثرين غريهام. وكان من بين زملائه ستانهوب فوربس الذي كان يعتبر براملي من الأشخاص الروّاد في مدرسة نيولاين للرسم.
تخصّص براملي في رسم الديكور المنزليّ وفي مزج الضوء الطبيعيّ بالاصطناعيّ في لوحاته، كما فعل في هذه اللوحة.
وفي عام 1894 أصبح أستاذا في الرويال أكاديمي، ونال في إحدى السنوات ميدالية ذهبية من صالون باريس.

Sunday, October 16, 2016

لوحات عالميـة – 379

لقاء عند البوّابة الذهبية
للفنان الايطالي جيوتو دي بوندوني، 1305

طبقا للعقيدة المسيحية، فإن مريم العذراء وُلدت بنفخة من روح الربّ. وفي روايات الرهبان الأوائل فإن أبوي مريم أيضا أنجباها من دون اتصال جنسي. كان يجب أن تبدأ حياة العذراء بمعجزة عندما حملت بها امرأة في سنّ اليأس. وهذه الفكرة، أي الحمل الإعجازي، تتخلّل عددا كبيرا من القصص الواردة في الإنجيل.
تصوّر هذه اللوحة قصّة والدي مريم، يواكيم و حنّة. كان قد مضى على زواجهما ثلاثون عاما دون أن يُرزقا بأطفال. وكانا محبّين لبعضهما، لكنهما لم يكونا سعيدين لأنهما كانا يحلمان بطفل. وكانا يظنّان أن الله لا بدّ وأن يكون غير راض عنهما.
وقد ذهب يواكيم إلى معبد أورشليم ليقدّم قربانا لعلّ أمنيته تتحقّق. لكن الكهّان صدّوه، لذا اتخذ له ملجئا عند الرعاة. ثم أتاه ملاك وأخبره بأن صلاته استجيب لها. وقد وجّه الملاك الزوجين بأن يذهب كلّ في طريق وأن يلتقيا عند البوّابة الذهبية لأورشليم وأن يقبّل كلّ واحد منهما الآخر هناك.
وعند البوّابة اجتمع شمل الزوجين للمرّة الأولى منذ أن غادر يواكيم البيت ليسأل الكهنة عن الحدث الكبير والوشيك الذي سيغيّر حياتهما إلى الأبد. ويُفترض رمزيا أن لقاء البوّابة الذهبية واحتضان الزوجين لبعضهما هو الذي أدّى إلى الحمل بمريم.
في اللوحة يظهر الزوجان وهما يقبّلان بعضهما البعض أسفل قوس مزخرف يحيط بهما عدد من الناس.
وقد وُصف اللقاء في الكتب القديمة بأن حنّة ألقت بنفسها في أحضان زوجها، ثم حمد الاثنان الله على منّه وكرمه بأن منحهما طفلا. وقد عرفا من رسول السماء، أي الملاك، بأن الطفل سيكون أنثى وأنها ستصبح في ما بعد ملكة قويّة في السماء والأرض.
وفي مختلف الرسومات القديمة التي تصوّر القصّة، يظهر الزوجان عند البوّابة الذهبية وهما في حالة عناق. الفنّان الألماني البيرت ديورر رسم نفس القصّة ووظّف فيها تقاليد عصر النهضة المبكّرة، كالنظر عبر شبّاك مفتوح والمزج بين الديني والدنيوي من حياة ذلك العصر.
في اللوحة أيضا يظهر يواكيم بصحبة الراعي، وجزء من الراعي مقتطع من الصورة لخلق انطباع بتتابع المشاهد من خلال إطارات تُتوّج بالمشهد الأخير والأهم، أي موكب الزوجين.
الخطوط العمودية في المعمار والقوس الذهبيّ لبوّابة المدينة تؤطّر الطريق الذي يسلكه الزوجان. هنا يتقابل الاثنان فوق الجسر ويحتضنان بعضهما بحنان. في الفنّ الكلاسيكي الأوربّي يُعتبر مشهد القبلات أمرا نادرا، وحتى نهاية القرن الماضي كانت شيئا مبتدعا وجريئا. والقبلة في اللوحة لا علاقة لها بالجنس، وأهميّتها تنبع من حركة وتعابير الأجساد.
رُسمت هذه اللوحة قبل سبعمائة عام كجدارية لتزيّن إحدى الكنائس في بادوا بإيطاليا. وما تزال موجودة في مكانها حتى اليوم. وربّما يلاحظ الناظر أن ملامح الأشخاص فيها تتسم بالصرامة، وتلك سمة ملازمة لرسومات جيوتو بشكل عام وقد كانت دائما مصدر تقدير عند النقّاد. أحدهم قال في زمانه أن جيوتو ترجم فنّ الرسم من اليونانية إلى اللاتينية، أي انه غيّره من تسطيح الأيقونات اليونانية إلى صلابة التماثيل الرومانية.
لكن بالنسبة للعين الحديثة، فإن هذه الصلابة تشوّه الشكل التشريحي. وبسبب انثناءات الجسد في رسوماته، تبدو بدائية وطفولية، وهذا بالضبط ما كان يروق لبعض رسّامي الحداثة في القرن العشرين. حذَرُ شخوص الرسّام وثباتهم وبطء حركتهم ربّما يلخص أسلوبهم في التواصل مع العالم ومع بعضهم البعض.
في اللوحة هناك بعض التفاصيل اللافتة مثل القوس الذهبي للبوّابة واستخدام الأسود في عباءة إحدى النساء، وكذلك الراعي وهو احد شخصيات القصّة الذي يظهر نصفه في طرف اللوحة الأيسر. كما أن هناك جدلا بشأن المرأة التي ترتدي الأسود، ويبدو أنها الشخص الوحيد غير السعيد باللقاء.
جيوتو يتمتّع بحضور قويّ في الفنّ الغربيّ، وقد استحدث أبعادا ثلاثية في لوحاته وأعماقا متراجعة في فراغاتها. ولد وعاش في فلورنسا، ويقال انه كان راعيا بسيطا كان يرسم أغنامه في التلال إلى أن اكتشفه احد الرسّامين وقدّم له التشجيع والرعاية. وهو اليوم يُعتبر من أشهر فنّاني عصر النهضة الإيطالي.

Thursday, October 06, 2016

لوحات عالميـة – 378

ليـدا اتـوميكـا
للفنان الاسباني سلفادور دالي، 1949

لم يكن هناك شيء عاديّ في شخصية سلفادور دالي أو في أعماله أو في أسلوب حياته. لذا لم يكن مستغربا أن تعكس لوحاته طبيعته الغريبة.
كانت زوجته غالا مصدر إلهام كبير له. وعندما يستحضرها كان يصنع أعمالا متسامية. وقد قال انه عندما رسم هذه اللوحة إنما أراد من خلالها أن يمجّدها.
كان أيضا متأثّرا بفنّ وميثولوجيا وتاريخ اليونان. ويقال أنه رسم صورة لهيلين أميرة طروادة قبل بلوغه سنّ العاشرة. وتتضمّن أعماله العديد من الإشارات الميثولوجية.
موضوع هذه اللوحة استلهمه الرسّام من الأسطورة الكلاسيكية المشهورة عن ليدا ابنة ملك اتوليا. وتحكي الأسطورة أن زيوس، كبير آلهة اليونان القديمة، وقع في حبّ ليدا. وعندما تمنّعت عليه حوّل نفسه إلى إوزّة ثمّ نام معها وأحبلها.
قصّة ليدا والإوزّة ظلّت دائما تتمتّع بالرواج والشعبية طوال تاريخ الفنّ. غير أن دالي حوّلها إلى قصّة داخلية عن الجمال والإغراء.
وقد بدأ رسم هذه اللوحة في الولايات المتحدة، ويصوّر فيها زوجته وملهمته غالا على أنها ليدا. وتبدو وهي تجلس عارية على قاعدة تمثال بينما تداعب بيدها اليسرى إوزّة وتقترب منها كي تقبّلها.
الكتب والفقاعات الفضّية تتطاير في الجوار وحول ليدا مثل الالكترونات حول النواة، وطبعا كلّ هذه الأشياء لا علاقة لها بالأسطورة الأصلية.
وحول ليدا، المرسومة داخل شكل فيثاغورسي ثمانيّ الأضلاع، هناك أشياء أخرى مثل كتاب ومربّع، بالإضافة إلى بيضة ترمز إلى ثمرة الاتحاد بين ليدا والإوزّة التي وُلد منها توأمان.
كانت البيضة احد موتيفات دالي المفضّلة، وهو يربطها بالنسل والذرّية والوالدين، ويستخدمها رمزا للحبّ والأمل.
وفي الخلفية تظهر صخور كيب نورفو في إشارة إلى مسقط رأس دالي.
كلّ شيء في اللوحة مرسوم بحرص لكي يكون ساكنا في الفراغ، رغم عدم وجود ما يربط هذه الأشياء منطقيّا ببعضها البعض.
الشاعر الانجليزي وليام بتلر ييتس كان قد وصف في إحدى قصائده المشهورة قصّة اللقاء الغريب بين زيوس وليدا. وكانت هذه الأسطورة مشهورة وشائعة في القرن السادس عشر.
والمفارقة أنه في ذلك الوقت كان مقبولا أن تُرسم صورة لامرأة في فعل جماع مع إوزّة، بينما كان محظورا تصويرها على تلك الحال مع رجل.
بعض معاصري دالي كانوا يرون أن توظيف الرياضيات، كما فعل في هذه اللوحة، يسيء إلى العمل الفنّي ويعطّل الإبداع. لكن دالي كان يرى أن أيّ عمل فنّي يجب أن يرتكز على التوليف والحساب.
وفي تناوله للقصّة، من الواضح انه تعامل مع الحبّ بطريقة أكثر روحانية ممّا تعامل به أكثر الرسّامين الآخرين الذين ركّزوا في تصويرهم لهذه الأسطورة على الجانب الجسديّ لاتحاد زيوس وليدا كما فعل ميكيل انجيلو ونيكولا بُوسان.
في اللوحة كلّ شيء تقريبا أثيريّ وليست هناك ملامسة من أيّ نوع، بل وحتى البحر لا يلامس الأرض. ونفس هذه السمة يمكن أن نراها في بعض لوحات الرسّام الأخرى، إذ يظهر فيها الأشخاص وهم في حالة ارتقاء وسموّ.
ويقال أن دالي كان يرى تماهياً مع شخصيات اللوحة، فزوجته غالا هي هيلين التي كان جمالها عظيما لدرجة انه أدّى إلى إشعال حرب بين الإغريق وأهل طروادة. وأحد التوأمين كان شقيقه الميّت، بينما شقيقته هي كليتمنسترا.
ولأنه كان كاثوليكيّا، فقد فتح هذا المجال لتفسيرات أخرى، منها مثلا أن في اللوحة إشارة إلى حمل العذراء بابنها وبأنه نفخة من الروح القدس. وربّما أراد أن يقول انه يحبّ غالا مثلما أحبّ الله العذراء.
افتتان دالي بالعلم يظهر في العديد من أعماله التي أنجزها خلال وبعد الحرب العالمية الثانية. وممّا يؤثر عنه انه قال ذات مرّة: في الفترة السوريالية أردت أن اخلق رسومات ايقونية عن العالم الداخليّ؛ عالم الدهشة، عالم والدي الروحيّ فرويد. واليوم فإن العالم الخارجيّ، أي عالم الفيزياء، تجاوز علم النفس، ووالدي اليوم هو الدكتور آيزنبيرغ".
وكان دالي يقصد العالم ويرنر آيزنبيرغ الذي تحدّث في نظرياته عن مبدأ اللا يقين. ومع هذا التغيير ظهر اهتمام الرسّام بالدين، ثم صاغ على إثره مصطلحه "الغموض النوويّ".
ومنذ ذلك الوقت أصبح دالي يهتمّ بالعلم والتكنولوجيا. والكثير من لوحاته التي رسمها آنذاك تصوّر مفهوم أن كلّ شيء هو في حالة تعليق وطفوّ من خلال تنافر البروتونات والالكترونات.
كما كان أيضا مفتونا بالحالة العابرة للعقل ما بين النوم واليقظة، ما بين الحلم والواقع، وما بين العقل والجنون، معتبرا أنها الحالة التي يعمل فيها العقل بصفاء، دون أن تعطّله قيود المنطق ومقتضيات السلوكيات الاجتماعية.
أثناء رسم دالي لهذه اللوحة، اخذ له المصوّر الفوتوغرافيّ المشهور فيليب هالسمان لقطة لا تُنسى اسماها "دالي اوتوميكوس"، صوّر فيها الهستيريا والسوريالية التي كان دالي من أنصارهما.
المعروف أن دالي كان مفتونا بكلّ شيء باذخ ومذهّب، وكان يعشق الرفاهية والملابس الشرقية. ولطالما ردّد أن عائلة أمّه ذات جذور يهودية وأن أسلافه كانوا من العرب.
كان واسع الخيال ويتصرّف بطريقة غريبة كي يجذب الانتباه إلى نفسه، وهذا كان يسعد محبّي فنّه، لكنه كان يضايق النقّاد.