Wednesday, June 21, 2017

لوحات عالميـة – 398

لحظات استرخاء
للفنان الأمريكي جون سنغر سارجنت، 1911

لم يكن جون سنغر سارجنت ألمع رسّامي زمانه وأكثرهم موهبة فحسب، بل يمكن القول انه كان واحدا من أعظم الرسّامين في جميع العصور.
وقد عاش الفنّان معظم حياته في أوربّا ورأى العديد من الثقافات وزار كثيرا من المدن والمتاحف وأتقن أثناء ذلك عددا من اللغات كالفرنسية والايطالية والاسبانية. كما كان موسيقيا موهوبا وعازفا بيانو بارعا.
صور سارجنت الجريئة وغير التقليدية لأشخاص ضمن دائرته، بعضهم مشهورون وبينهم فنّانون وكتّاب معروفون، كشف من خلالها عن مشاعرهم وسمات شخصيّاتهم، بل وفي كثير من الأحيان ضمّنها مشاعره وانطباعاته الشخصية تجاههم دون أن يحابيهم أو يجاملهم.
وكان من بين أصدقائه الذين رسمهم كلّ من بيير رينوار وأوغست رودان والروائيّ هنري جيمس والشاعر وليام تيلر ييتس والروائيّ روبيرت ستيفنسون، بالإضافة إلى كلود مونيه الذي صوّره وهو يرسم على أطراف غابة بمعيّة زوجته.
الشخص الوحيد الذي كان سارجنت يتهيّب رسمه كان هنري جيمس الذي رسم له بورتريها بدا فيه متحفّظا ومتكتّما وغامضا. كان جيمس يؤمن بأن الفنّان الحقيقيّ هو الملاحظ الساخر للمشهد الإنسانيّ، وهذا ما كان سارجنت نفسه يطمح لأن يكونه.
وقد امتدح جيمس سارجنت على ترجمته الفورية وغير العاديّة لشخصيّته وتحويلها إلى صورة كاشفة وبليغة. ولم يكن مستغربا أن تربط بين الاثنين صداقة متينة، فبينهما الكثير من أوجه الشبه، إذ أن كليهما أمريكيّان نشئا في أوربّا لعائلتين موسرتين وكانا في حالة ترحال دائم ولم يعرفا أبدا حياة الاستقرار.
كان سارجنت شخصا خاصّا جدّا، وقد ضحّى بحياته العامّة وفضّل عليها حياة السفر والترحال مع عائلته وبعض أصدقائه. كان دائم الحركة من بلد لآخر بحثا عن طبيعة ومناظر جديدة ليرسمها.
في هذه اللوحة، يرسم سارجنت روز ميري مايكل ابنة أخته التي كانت جليسته المفضّلة وظهرت في العديد من لوحاته.
كانت روز ميري امرأة جميلة وثريّة، وقد نشأت في بيئة مرفّهة وكانت تحيط نفسها بصفوة المجتمع الأوربّي وتتنقّل بين بيوت عائلتها في باريس وسويسرا والريفييرا الايطالية. أما والدها فكان ابنا لعائلة تملك إمبراطورية للسيجار وتتّخذ من سويسرا مقرّا لها.
وعندما رسمها سارجنت لم يرسمها بطريقة تقليدية، بل صوّرها كامرأة مجهولة واهنة الهمّة ومستغرقة في حلم يقظة شاعريّ. وأنت تنظر إلى هذه اللوحة لا بدّ وأن تستوقفك ألوانها المتوهّجة والمتناغمة ونسيجها المرسوم ببراعة ودقّة.
في عام 1913، تزوّجت روز ميري من مؤرّخ للفنون يُدعى روبيرت مايكل. وفي العام التالي ذهب للمشاركة في الحرب العالمية الأولى ولم يلبث أن قُتل في ميدان المعركة.
وقد حزنت عليه روز ميري كثيرا ثم قرّرت أن تكرّس وقتها كلّه لمعالجة جرحى ومصابي الحرب. لكن في العام التالي سقط صاروخ ألمانيّ على الدير الذي كانت ترعى فيه المصابين ما أدّى إلى مقتلها. ودُفنت إلى جوار زوجها في إحدى بلدات شمال فرنسا. وقد صُدم سارجنت لمقتلها لأنها كانت قريبة منه جدّا وكانت هي متعلّقة به كثيرا.
فكرة المرأة المستلقية أو الغارقة في حلم يقظة كانت إحدى الأفكار الرائجة في الرسم، وكثيرا ما تُصوّر الشخصية في جوّ من الهدوء الحزين واللامبالاة والرفاهية البالغة.
ويبدو أن سارجنت كان يوثّق من خلال هذه اللوحة لنهاية عصر، لأن هالة التهذيب والأناقة التي كانت من سمات نهاية القرن التاسع عشر، كما يعكسها هذا البورتريه، سرعان ما تلاشت بفعل الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي عصفت بالعالم في بدايات القرن العشرين.
قدرة سارجنت الفنّية على تصوير شخوصه في أماكن رائعة وفخمة أدّت إلى ازدياد شعبيّته في أوساط الرعاة الأغنياء. وهو نفسه كان مفتونا بتصوير نزوات المشاهير وميلهم لحياة التباهي والخيلاء على نحو ما كانت عليه الحال في تلك الفترة، أي في أواخر العصر الفيكتوريّ.
لكن بحلول عام 1909، كان قد تخلّى عن رسم البورتريه التقليديّ كي يجرّب أنواعا أخرى من الرسم.
ولد جون سنغر سارجنت في فلورنسا بإيطاليا عام 1856 لأبوين أمريكيين. وفي البداية، درس الرسم في باريس مع الرسّام كارلوس دُوران قبل أن ينتقل إلى لندن. وقد مرّ بزمن الانطباعيين وهو شابّ، ثم عاد في ما بعد إلى بعض تقنياته السابقة ليستخدمها في رسم الطبيعة والأشخاص.
كان سارجنت نجما في حياته، وكان معروفا بتدخينه الشَّرِه للسيغار وبخجله الغريب ووعيه بذاته وتركيزه أوّلا وأخيرا على خلق الجمال. كما كان دائما يتجنّب المقابلات ويحرص على حماية خصوصيّته ما أمكن. ويقال انه كان من عادته أن يتحدّث كثيرا أثناء الرسم ويمشي داخل الغرفة جيئة وذهابا، وبين وقت وآخر يتوقّف عن الرسم ليعزف على البيانو.
وبعض النقّاد يشبّهون رسوماته بموسيقى موزارت أو باخ بسبب صرامتها ودقّتها. ورغم ذلك، كان سارجنت احد الرسّامين الذين تجاهلهم مؤرّخو الفنّ في القرن العشرين. والسبب الذي يؤاخذه عليه معظم النقّاد اليوم هو انه كرّس فنّه كلّه تقريبا لرسم أفراد المجتمع الرفيع والمشاهير دون أن يهتمّ بتصوير حياة وهموم الناس العاديّين.
لكن بعد مرور أكثر من تسعين عاما على وفاته في عام 1925، فإن بورتريهات سارجنت الكاشفة والاستثنائية ما تزال تُقيّم عاليا في جميع أنحاء العالم. والغريب أنه هو نفسه لم يحرص على أن يرسم صورا لشخصه، وعندما فعل كان ذلك بتكليف وإصرار من أناس آخرين. والمفارقة أن صوره التي رسمها لنفسه لا تكشف سوى عن النزر القليل من شخصيّته.

Thursday, June 15, 2017

لوحات عالميـة – 397

متـآمـرون في اللَّيـل
للفنان الفرنسي ايتـيان دينـيه، 1923

تعود الجذور الأولى لفنّ الاستشراق إلى عصر النهضة. لكنّه لم يكتسب شهرة واسعة في أوساط جامعي الفنّ والنقّاد والجمهور إلا في بدايات القرن التاسع عشر، بسبب المزاج الرومانسيّ الذي كان سائدا في أوربّا آنذاك.
وهناك اتّفاق بين المؤرّخين على أن العامل الأهمّ الذي دفع بالاستشراق إلى مركز الصدارة كان غزو نابليون لمصر عام 1798، والذي أثار اهتماما كبيرا في أوربّا بالمنطقة العربية وثقافاتها المتنوّعة.
ونتيجة لذلك بدأ عدد من الرسّامين الأوربّيين، ومعظمهم فرنسيّون، بالتوافد على بلدان المشرق وشمال أفريقيا، حيث أنتجوا هناك العديد من الرسومات التي تناولت الحياة اليومية للناس مع صور لمساجد وقوافل وأسواق وخلافه.
ومن بين أهمّ الرسّامين الأوائل الذين تبنّوا الرسم الاستشراقيّ الفنّان الفرنسيّ الرومانسيّ الكبير اوجين ديلاكروا وزميله الرسّام الأكاديميّ جان ليون جيروم. لكن كان هناك رسّامون آخرون ذهبوا إلى الشرق وصوّروا جوانب مختلفة من حياة شعوبه وثقافاته.
ومن بين هؤلاء ايتيان دينيه الذي زار منطقة شمال أفريقيا، ثم أقام في الجزائر بشكل دائم بعد أن أحبّ شعبها وطبيعتها، وفيها اعتنق الإسلام وغيّر اسمه من ايتيان إلى نصر الدين دينيه.
وأكثر لوحات هذا الفنّان التي رسمها هناك يظهر فيها أطفال صغار وهم يلهون ويلعبون. كما تصوّر لوحات أخرى له مناظر غناء ورقص وبعض المظاهر الدينية.
في هذه اللوحة، يرسم دينيه مشهدا ليليّا لخمسة رجال غامضين يحملون الأسلحة. وظهور رجال بأسلحتهم يُعتَبر أمرا نادر الشيوع في مجموعة لوحات الرسّام. الرجال في الصورة يرتدون زيّا قبائليا موحّدا، وهم مجتمعون ليلا في مكان مظلم وكثير الأشجار.
و دينيه يترك للناظر حرّية أن يتوقّع ما الذي ينوي هؤلاء الرجال الخمسة فعله. سرّية المكان والتركيز الذي يبديه زعيم المجموعة، إلى اليسار، والذي يؤمي بيده باتجاه رفاقه، يقود المرء لأن يفترض أنهم يخطّطون لإعداد كمين ما.
وربّما يكونون صيّادين يستعدّون للانقضاض على فريسة. وهناك احتمال آخر بأن يكون الرجال الخمسة منهمكين في التخطيط لغارة على قبيلة مناوئة أو لعملية تهريب أو قطع طريق.
ومن الواضح أن الرسّام درس تعبيرات الأشخاص جيّدا قبل تنفيذ اللوحة. وهم يبدون متنبّهين ويقظين وأيديهم على بنادقهم، بينما يستمعون بحرص إلى توجيهات زعيمهم. الرجل إلى أقصى يمين الصورة وضعيّته تشير إلى أن دوره قد يكون الأهمّ وأن مهمّته تتطلّب أسلوب المباغتة والكُمون والحذر.
هذه الصورة توفّر مثالا على أسلوب دينيه في تصوير نمط الحياة في الصحراء من خلال مزج تقنية الكياروسكورو، أي التباين ما بين الضوء والظلّ، مع تقنيات الرسم الكلاسيكيّ.
وقد درس الفنّان وخطّط بدقّة تعبيرات الأشخاص الذين تبدو ملامح وجوههم مقرّبة، وكأنّما أراد أن يمسك بالروح البدوية للقبائل.
ونفس ملامح زعيم هذه المجموعة تظهر في لوحات أخرى للفنّان، كما انه مرسوم هناك بنفس الحركات والإيماءات التي يشير بها إلى رفاقه في هذه اللوحة.
صور المغامرات والصّيد في الصحراء كانت ذات شعبية كبيرة بين الرسّامين الأوربّيين الأوائل الذين زاروا الجزائر ومناطق شمال أفريقيا.
وكان من عادة دينيه عند رسمه مناظر لفرسان على ظهور الخيل أن يضفي على هذه الصور إحساسا بالنبل والدراما.
وباختيار الرسّام تخوم الصحراء الكبرى كخلفيّة للموضوع ووَضْع شخوصه في وسط اللوحة بدلا من الصخور الحمراء التي تظهر عادة في رسوماته الأخرى، فإنه يؤكّد على اهتمامه بإبراز هيئات وملامح هؤلاء الرجال الذين اختار أن يقيم له منزلا في وسطهم.
هذه اللوحة موجودة اليوم في إحدى المجموعات الفنّية الخاصّة، لكنّ مالكها الأوّل كان رجلا فرنسيّا وفنّانا كان يعرف دينيه. كما كان صديقا لأحد أعيان القبائل ويُدعى إبراهيم بن سليمان. وقد اعتاد دينيه على أن يلتقي بصديقيه وزوّار آخرين من محبّي ومشتري وهواة الرسم الذين كانوا يأتون إليه في منزله لمعاينة اللوحات التي كان يرسمها.
كان بعض المؤرّخين والنقّاد يصوّرون الفنّ الاستشراقي على انه دعاية ثقافية مضلّلة وأن وراءه أجندة استعمارية خفيّة. وهذا الوصف قد يكون صحيحا إلى حدّ ما، لكنه ليس صحيحا على إطلاقه. وهو ينطبق بوجه خاصّ على بعض الأعمال التي كانت تلعب على وتر التهويمات الايروتيكية لجامعي الفنون الأوربّيين والعوامّ على حدّ سواء.
ولد ايتيان دينيه في باريس عام 1861 لأب كان يعمل في القضاء. وقد درس الرسم في مدرسة الفنون الوطنية في باريس. وفي السنة التالية تعلّم على يد وليام بوغرو وفيكتور غالان. وكان من بين زملائه كارلوس دوران وبوفي دو شافان والنحّات اوغست رودان.
وقد وصل دينيه إلى الجزائر لأوّل مرّة عام 1884، وفي زيارة تالية لها في عام 1903 اشترى منزلا دائما في ضاحية بوسعادة. وبعد خمس سنوات أعلن اعتناقه للإسلام وأسمى نفسه نصر الدين. وفي عام 1929، ذهب إلى مكّة المكرّمة بصحبة زوجته لأداء مناسك الحجّ.
وطوال إقامته في الجزائر، ظلّ الرسّام يحظى باحترام ومحبّة الجزائريين. وعندما توفّي في يناير من عام 1930 عن تسعة وستّين عاما، سار الآلاف منهم في جنازته.

Friday, June 09, 2017

لوحات عالميـة – 396

فـنّ الرّسـم
للفنان الهولندي يوهـان فيـرميـر،1666

لّلون أهميّة خاصّة في لوحات فيرمير. كان دائما يفضّل اللازورد أو الفيروزي المستخلص من حجر سماويّ شديد الزرقة. والفيروز الذي استخدمه في هذه اللوحة هو الأغلى في العالم. أما كيف استطاع استخدام هذا اللون رغم تكلفته الباهظة، فأمر ما يزال إلى اليوم لغزا.
يقال أحيانا أن أفضل لوحات فيرمير هي ديكوراته المنزلية التي تظهر فيها امرأة واحدة تزاول نشاطا منزليّا ما، مثل "خادمة الحليب" و"امرأة تُمسك ميزاناً" وغيرهما.
ومع ذلك فإن هذه اللوحة، أي "فنّ الرّسم"، كانت وما تزال احد أشهر أعماله. وبعض مؤرّخي الفنّ يعتبرونها أكثر أعماله فتنةً وإثارةً للاهتمام. وكلّ تفصيل فيها يمتصّ ويعكس الضوء بطريقة مختلفة. وهي تدلّ على طموح الرسّام ومدى قدرته على الابتكار والتنفيذ المتقن.
ويمكن أيضا اعتبار اللوحة احتفاءً بالرّسم. السمة المسرحية فيها واضحة، تؤكّدها الستارة البارزة الضخمة إلى اليسار والتي تنسحب إلى الخلف كما لو أنها تكشف عن خشبة مسرح. وعندما تنظر إلى ما وراء الستارة، سترى غرفة أو محترفا تضيئه أنوار ساطعة.
ومن الواضح أن الغرفة أكثر أناقة مما تبدو عليه ورش الرسّامين عادة. فهي تحتوي على ثريّا ذهبية وأثاث رائع وبلاط من الرخام الفخم. والطريقة التي صوّر بها فيرمير الأرضية الرخامية والنجفة الضخمة هي مثال على حرفيّته ومعرفته بالمنظور.
واللوحة بكلّ ما تشتمل عليه من تفاصيل هي محاولة فيرمير للإجابة على سؤال قديم طالما شغل الكتّاب والرسّامين والنحّاتين وهو: ما مكانة الرسّام في المجتمع؟ هل هو حرفيّ كالنجّار والبنّاء والحدّاد، أم مفكّر مبدع حاله حال الشاعر والمعماريّ والفيلسوف؟
وإجابة فيرمير على هذا السؤال هي أن الرسم يشبه الفنون الأخرى من حيث انه قادر على تجسيد الأفكار والمشاعر والتأثير في عقل وقلب المتلقّي من خلال اللون والخطّ والضوء والظلّ.
في اللوحة، نرى فنّانا يرسم امرأة ترتدي فستانا ازرق وتقف بجوار نافذة، وعلى الجدار خلفها تظهر خارطة كبيرة للأراضي المنخفضة. الديكور الهولنديّ الجميل من القرن السابع عشر الذي تضيئه أنوار ناعمة رُسمت تفاصيله ببراعة.
والرسّام الظاهر في اللوحة يُعتقد أنه فيرمير نفسه، وهو يرسم في نسخة متخيّلة من مرسمه، أمّا المرأة فقد تكون ابنته.
الرسّام يجلس أمام اللوحة مرتديا ملابس سوداء أنيقة مع فتحات على الأكمام والظهر. وهذا اللباس كان غالي الثمن في زمن فيرمير ولم يكن يقتنيه سوى نخبة المجتمع. وقد ظهر في لوحات قليلة، منها بورتريه رسمه بيتر بول روبنز لنفسه.
والملاحظ أن فيرمير صوّر الرسّام من الخلف للتأكيد على عالمية الحرفة، وربّما للإشارة إلى انه، هو نفسه، ظلّ غير معروف أثناء حياته رغم انه جلب الشهرة والمجد لبلده.
ويُفترض أن المرأة في اللوحة تجسّد شخصية "كلييو" ملهمة التاريخ في الأساطير. وما يرجّح هذا الاحتمال هو إكليل الغار الذي يعلو رأسها، كما أنها تمسك بيد بوقاً وبالأخرى نسخة من كتاب يُعتقد انه لهيرودوت.
كان المنظّرون يرون أن أنبل التعبيرات الفنّية هي تلك التي يجسّدها الرسم التاريخيّ، وهو مصطلح يتضمّن المواضيع التاريخية والدينية والأسطورية.
وبوضع الرسّام ملهمة التاريخ في وسط اللوحة، فإنه إنّما يؤكّد على أهميّة التاريخ بالنسبة للفنون البصريّة، ومن ضمنها الرّسم.
المرأة والخريطة والقماش المطرّز والستارة والنجفة والقناع الجبسيّ على الطاولة، كلّها رموز توصل معنى وأهميّة فنّ الرّسم.
فالقناع يُستخدم عادة كرمز للمحاكاة أو التقليد، ومن ثم للرّسم. والخريطة الضخمة في مؤخّرة الغرفة تشير إلى تاريخ هولندا الحديث، وهي من تصميم رسّام الخرائط الهولنديّ المشهور كلاس فيشر. وفيها تظهر الأقاليم السبعة عشر التي كانت تتألّف منها هولندا، مع عشرين مدينة رئيسية.
كانت خارطة فيشر قد أصبحت متقادمة عندما رسم فيرمير اللوحة. فاستصلاح الأراضي غيّر طبيعة تضاريس البلاد، كما أثّرت التغييرات السياسية على حدودها.
وقد تكون الفكرة من وراء وضع الخريطة هي الإشارة إلى أيّ مدى يمكن أن تصل شهرة الرسّام وذيوع اسمه، مع انتقال أعماله من مدينة لأخرى.
هناك أيضا الثريّا الذهبية الفخمة في السقف والتي يتوسّطها من أعلى رسم لنسر برأسين يقال انه كان رمزا لأمجاد أسرة هابيسبيرغ الملكية. والأثاث الفخم في الصورة يمكن أيضا أن يكون رمزا للرخاء المادّيّ الذي يحقّقه كلّ رسّام موهوب.
وربّما أراد فيرمير من رسم الخريطة والثريّا أن يشير إلى أن الفنّان يجلب الشهرة لوطنه ولمدينته، من خلال معرفته بالتاريخ وقدرته على رسم المواضيع والأفكار المهمّة. وكانت مثل هذه الأشياء مثار إعجاب الهولنديين وتقديرهم في زمانه.
لكن يمكن أن يكون هذان الرمزان انعكاسا للذوق الذي كان سائدا في عصر فيرمير، بالإضافة إلى أنهما يتضمّنان عنصر حنين إلى الأيّام التي كانت هولندا فيها بلدا موحّدا.
وهناك من يقول إن تأكيد فيرمير على التاريخ يمكن أن يعني أيضا أن قوّة الرسّام تتمثّل في قدرته على تحويل الأشياء الموقّتة والعابرة إلى أبدية وخالدة، وبالتالي يحقّق لنفسه من خلالها الذيوع والخلود.
كان فيرمير يحبّ هذه اللوحة كثيرا وكانت لها مكانة خاصّة في نفسه، لدرجة انه رفض أن يبيعها أثناء حياته حتى عندما كان مثقلا بالديون.
وفي عام 1676، تنازلت عنها أرملته لوالدتها للحيلولة دون بيعها من اجل سداد ديون الدائنين. لكن في العام التالي بيعت معظم لوحات فيرمير في مزاد في مدينة ديلفت. ولم يُعرف من اشترى هذه اللوحة بالتحديد.
ثم تبيّن أن ثَريّا يُدعى جيرارد فان سويتن ابتاعها ثم تنازل عنها لأخيه الذي اشتراها منه في ما بعد أمير نمساويّ. وأخيرا اشترى اللوحة ادولف هتلر بمبلغ مليوني مارك ألماني وضمّها إلى مجموعة متحف لينزر.
وقد نجت اللوحة مع غيرها من الأعمال الفنّيّة من غارات الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية بعد أن أخفيت في منجم للملح.
وفي نهاية الحرب أعادها الأمريكيون للحكومة النمساوية. وفي عام 1958 نُقلت إلى متحف تاريخ الفنّ في فيينا حيث ظلّت فيه إلى اليوم.

Tuesday, June 06, 2017

لوحات عالميـة – 395

الفقـهـاء
للفنان النمساوي لودفيـك دويتـش، 1905

كان للرسومات الاستشراقية اثر كبير في تطوّر العلاقة بين الشرق والغرب. وقد سافر العديد من الرسّامين الأوربّيين إلى بلدان الشرق وأسّسوا لهم فيها محترفات، وبعضهم تزوّجوا من نساء عربيات وتعلّموا لغات المنطقة وفتحوا دروبا للمعرفة والتفاهم بين الشرق والغرب.
جاذبية الرسم الاستشراقي استمرّت من خلال لوحات عدد من رسّامي القرنين الثامن والتاسع عشر. وكان لهذا النوع من الرسم أتباع كثيرون في الشرق والغرب ممّن كانوا منجذبين إلى الواقعية والأسلوب والتفاصيل والرسائل التي كان يتضمّنها.
وقد أرضى استشراق القرن التاسع عشر فضول العامّة من الأوربّيين الذين كانوا توّاقين لمعرفة الشرق، خاصّة بعد حملة نابليون على مصر ثم نشر كتاب "وصف مصر" الذي تناول جغرافية وتاريخ وعادات وتقاليد المصريين.
ومن بين الرسّامين الأوربّيين الذين ذهبوا إلى مصر وصوّروا بعضا من جوانب الحياة فيها الرسّام النمساوي لودفيك دويتش الذي زار مصر خمس مرّات ما ببن عامي 1883 و 1904.
وقد ضمّن دويتش لوحاته صورا لحرّاس القصور النوبيين ومواكب المحمل في شوارع القاهرة ومضيئي الشموع في بدايات الليل والأضرحة وحواة الأفاعي والدلالين ورعاة الأغنام وغيرهم.
لكن في أواخر عام 1890 بدأ الرسّام تنفيذ سلسلة من الأعمال التي تناول فيها طبقة العلماء والمثقّفين في صور تأمّلية يظهر فيها أشخاص متعلّمون وهم يقرءون رسائل أو كتبا أو مخطوطات.
وقد اعتُبرت تلك اللوحات دليلا على نضج دويتش وتوسّع معرفته ببلدان المنطقة وازدياد أهمية التعليم في مصر بسبب إصلاحات محمّد علي التي سبقت ذلك التاريخ بعقود.
في هذه اللوحة، يرسم دويتش ثلاثة علماء دين وهم يتأمّلون مخطوطات من أنواع مختلفة في غرفة تحتوي على خزانة كتب خشبية مع نقوش ارابيسك بديعة. وأرضية الغرفة مزيّنة بسجّادة كردية أو فارسية مع صندوق خشبيّ مطعّم باللآليء.
الرجال الثلاثة يرتدون الملابس التقليدية التي تتألّف من عمامة وطربوش وجبّة أو قفطان، بالإضافة إلى أحذية مغربية حمراء. وظهور الثلاثة بأحذيتهم هي إشارة إلى أنهم لا يجتمعون في مسجد، وإنّما على الأغلب في منزل خاصّ.
الأسطح المصقولة والواقعية الشديدة التي تميّز فنّ دويتش، ومن ضمنه هذه اللوحة، كان وراءها مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي جمعها الرسّام في القاهرة مع المئات من قطع الديكور الأخرى. وقد أخذ كلّ هذه الأشياء معه إلى فرنسا كي يزيّن بها مرسمه الباريسيّ. وكان من عادته أن يضع اسكتشات لوحاته في القاهرة ثم يكمل رسمها عندما يعود إلى باريس.
وعلى الرغم من مكانة دويتش المهمّة في الرسم الاستشراقي الأوربّي، إلا أن تفاصيل حياته ما تزال قليلة أو غامضة. لكن من المعروف انه يتحدّر من عائلة يهودية معروفة، وكان والده يعمل في البلاط النمساويّ.
وقد درس في أكاديمية فيينا للرسم عام 1872، ثم استقرّ في باريس اعتبارا من عام 1878. وكان قد سبقه إلى هناك مواطنه الرسّام الاستشراقي المعروف رودولف ارنست.
وفي باريس، درس دويتش على يد رسّام المواضيع التاريخية جان بول لوران، قبل أن يختطّ لنفسه أسلوب رسم واقعيّا وذا سمات لا تخلو من الفخامة والدراماتيكية.
وقد هيمنت مواضيعه الاستشراقية على فنّه، وبفضل تلك المناظر المفصّلة التي رسمها عن الحياة اليومية في مصر اكتسب نجاحا كبيرا وثناءً غير مسبوق أهّله لنيل ميدالية ذهبية من معرض أقيم في باريس عام 1900.
وفي مرحلة تالية، استبدل أسلوبه الأكاديميّ الصارم بآخر أكثر تحرّرا وتلقائية.
ودويتش يُعتبر اليوم أكثر رسّام استشراقيّ نمساويّ يبحث هواة الأعمال الفنّية عن أعماله. وكثيرا ما تباع لوحاته بأسعار مرتفعة. ومعظمها موجودة الآن في مجموعات خاصّة.
إحدى لوحاته واسمها صلاة الفجر ، بيعت قبل فترة بأكثر من نصف مليون جنيه استرليني، وفيها يظهر رجلان يؤدّيان الصلاة داخل احد مساجد القاهرة الفاطمية.
ومن بين أفضل لوحات دويتش الأخرى واحدة بعنوان النذور ، ويظهر فيها جانب من جامع السلطان حسن بالقاهرة مع أشخاص يرتدون ملابس أنيقة ويحملون عددا من الهدايا إلى داخل المسجد. وقد بيعت هذه اللوحة بمليوني جنيه استرليني، كما بيعت لوحته الأخرى حارس القصر بحوالي هذا السعر.

Thursday, June 01, 2017

لوحات عالميـة – 394

السيّدة المريضة
للفنان الهولندي سامويل فان هوغستراتن، 1660

كان سامويل فان هوغستراتن احد رسّامي المدرسة الواقعية الهولندية. لكنه اشتهر أكثر بوصفه أديبا وشاعرا أكثر من كونه رسّاما.
وقد نشر قبيل وفاته كتابا بعنوان "العالم المنظور"، ضمّنه آراءً ونقاشات عن الرسم والفنون والفلسفة. كما تناول فيه تاريخ الفنّ العالميّ مع إشارات متعدّدة إلى معلّمه رمبراندت وأسلوبه وإرشاداته. وقد اعتُبر ذلك الكتاب احد أكثر الدراسات طموحا وإحاطة في عصره.
أبدى فان هوغستراتن اهتماما بالرسم منذ سنّ السابعة وقام والده بتعليمه أساسيات وتقنيات الحرفة. وفي ما بعد أصبح احد تلاميذ رمبراندت، ويمكن رؤية تأثير أستاذه في لوحاته التي رسمها في بداياته.
"المرأة المريضة" تُعدّ أشهر لوحات الرسّام. وفيها نرى امرأة شاحبة الوجه تجلس على كرسيّ وتبدو مريضة، لكن مرضها غير معروف.
وخلفها يقف رجلان، الأوّل إلى اليمين يُفترض انه طبيب، رغم انه يرتدي ملابس غريبة. وهو يبدو منهمكا في تفحّص زجاجة تحتوي على عيّنة من بول المرأة ليتأكّد ممّا إذا كانت حاملا.
أما الرجل الآخر الواقف إلى يساره فيُحتمل انه زوجها أو قريبها. وهو ينظر إلى الزجاجة وعلى وجهه علامات توتّر، كما لو انه خائف من نتيجة الفحص.
وعلى أرضية الغرفة عند قدم المرأة، يجثم قطّ يُطبق بمخالبه على فأر صغير. وبالقرب من القطّ حفر الرسّام الأحرف الأولى من اسمه على الأرضية الخشبية. وتحت قدمي المرأة صندوق صغير مفتوح من احد جوانبه وبداخله موقد للتدفئة.
قماش المائدة المطرّز والمنسدل إلى أسفل تظهر عليه صورة لشخصين عاريين. وإلى يسار الغرفة يوجد درج يقود إلى غرفة أخرى. والملابس الأنيقة وديكور البيت وما يحتويه من لوحات فنّية وأثاث فخم يدلّ على ثراء المرأة.
بعض خبراء الرسم يشيرون إلى احتمال وجود علاقة غير شرعية بين المرأة والرجل الواقف خلفها. والرموز التي تركها الرسّام في اللوحة يمكن أن تؤكّد هذا الاستنتاج.
فالقطّ، مثلا، كان في القرون الوسطى يرمز للشهوة، ووجوده في اللوحة قد يدلّ على علاقة ما خارج الزواج. وهو هنا لا يبدو قطّا عاديّا متمدّدا على الأرض بارتياح، بل لقد اصطاد للتوّ فأرا وهو يمسك به بين مخالبه.
ومثل الفأر الذي بين مخالب القطّ، قد يكون الرجل والمرأة عالقين في قبضة الرغبة المحرّمة. وحتى صورة فينوس المعلّقة فوق باب الغرفة ومنظر الطبيب المزيّف يمكن أن توحي بالكثير.
ولو كانت اللوحة تخلو من هذه التفاصيل الصغيرة، لكن الموحية، لأمكن القول إن المرأة تعاني من مرض أو علّة ما.
الغريب أن هذه اللوحة ظلّت مختلفة تماما عما تبدو عليه اليوم، إذ لم يكن فيها أثر لصورة الرجل الواقف إلى اليسار أو صورة القطّ والفأر قبل عام 1989، أي عندما جرى ترميم اللوحة.
وعلى الأرجح طُمست هذه التفاصيل تحت طبقة سميكة من الطلاء في وقت ما من القرن التاسع عشر، لأنه لم يكن من اللائق آنذاك الإشارة إلى حمل غير مرغوب فيه. وقد استُبعدت صورة الرجل والقطّ والفأر كي تكون الرسالة اقلّ وضوحا.
ولد الرسّام سامويل فان هوغستراتن عام 1627 في بلدة دوردريخت الهولندية. كان اكبر إخوته السبعة وكانت خلفية العائلة فنّية، فأبوه وجدّه كانا رسّامين. كما كان أجداده يعملون في تجارة الذهب والفضّة.
وقد تلقّى تعليما أوّليّا في الرسم على يد والده. ثم انتقل في وقت لاحق إلى أمستردام وانتظم في مدرسة رمبراندت التي كان يؤمّها الكثير من طلاب الرسم، وأصبح صديقا لعدد من الرسّامين المشاهير مثل كارل فابريتيوس وغيريت دو ونيكولاس ميس. ورغم تأثّره برمبراندت، إلا انه في ما بعد رسم الحياة اليومية والديكور المنزليّ.
وقد عاش فان هوغستراتن لسنوات في فيينا وروما ولندن قبل أن يعود إلى بلدته ليستقرّ بها حتى وفاته عام 1678 عن عمر يناهز الخمسين.

Saturday, May 27, 2017

لوحات عالميـة – 393

رحلة بالقارب على ضفاف السين
للفنان الفرنسي بيير اوغست رينوار، 1879

قال ناقد ذات مرّة انه من بين جميع الرسّامين الانطباعيين فإن بيير اوغست رينوار يمكن تمييزه بسهولة. انه الرسّام العظيم لمتع الحياة البسيطة. ولوحاته في الغالب تصوّر أشخاصا يفعلون القليل أو لاشيء، لكنهم يفعلونه بطريقة جميلة.
وعندما تنظر إلى إحدى لوحات رينوار، فلا بدّ أن تتساءل عمّا يحاول أن يخفيه. عالمه المغسول بالشمس جميل جدّا وباعث على السرور كثيرا وخالٍ من التعقيد.
وإذا كانت الصورة انعكاسا للشخص، فإن رينوار سهل وبسيط للغاية. هو ليس بشاعر طبيعة غنائية مثل كلود مونيه، وليس باحثا معذّبا مثل بول سيزان، وليس ملاحظا جادّا مثل إدوار مانيه.
لوحات رينوار هي احتفاء بالرفقة الطيّبة والطعام الجيّد والطبيعة الرائعة، ولا مكان للظلمة السيكولوجية في عالمه المشمس والرتيب نوعا ما.
والمتع المرسومة في لوحاته بالفرشاة الانطباعية الفضفاضة تعتمد على فكرة أن تستمتع باللحظة التي أنت فيها ولا تفكّر أكثر ممّا ينبغي.
المناظر التي كان يرسمها رينوار وثّق فيها بأسلوبه المبتكر تفاصيل الطبيعة المتغيّرة في ذلك العصر والأنشطة الاجتماعية الجديدة التي جلبتها التحوّلات الطارئة. وأحيانا كان يستخدم الطبيعة لكي يقدّم أفكارا عنها وعن ارتباطها بالمجتمع.
كانت مناظر الطبيعة تمثل اهتماما جديدا لسكّان المدينة، فهي تذكّرهم بأعاجيب الطبيعة خارج المدن التي تنمو وتتغيّر باستمرار. كما أنها كانت تشعرهم بأهميّة استحداث أماكن للاسترخاء والترفيه داخل النسيج الحضريّ للمدن الحديثة.
في سبعينات القرن قبل الماضي، رسم رينوار عدّة لوحات تصوّر رحلات بالقارب على نهر السين. و"رحلة بالقارب على ضفاف السين" كانت إحداها. المكان الذي تصوّره اللوحة غير معروف تماما، لكن يُرجّح انه جانب من منطقة شاتو على السين غرب باريس.
في الصورة نرى امرأة تبحر مع أخرى في قارب صغير فوق مياه لامعة. وهما ترتديان ملابس عصرية وقبّعات قد لا تنسجم مع طبيعة الرحلة في البحر. لكن هذه النوعية من اللباس كانت الموضة الشائعة في حفلات القارب التي كان يقيمها أفراد الطبقة الوسطى الباريسية في أواخر القرن التاسع عشر.
المنظر يوصل إحساسا بالهدوء والأمان. واستخدام الرسّام للألوان البرّاقة وضربات الفرشاة الواسعة وتأثيرات الضوء والظلّ، كلّها تتضافر لخلق إحساس بالتلقائية والدفء.
على ضفّة النهر نلمح فيللا كبيرة وجدارا ابيض وبوّابة. والخضرة المحيطة تشكّل جزءا من مساحة للوقوف. وهذه التفاصيل تؤكّد طبيعة النهر كمكان هادئ يقضي فيه أفراد الطبقة الوسطى أوقات راحتهم. أما القطار الذي يمرّ في الخلفية فيذكّر بارتباط هذا المكان بالعاصمة وما تموج به من ازدحام وصخب.
الألوان البرتقالية للقارب تتباين مع زرقة النهر، والبرتقالّي والأزرق لونان متضادّان في الأساس، ويصبحان أكثر كثافة عندما يوضعان جنبا إلى جنب.
كان الموضوع المفضّل لرينوار هو العيش في اللحظة الراهنة والاستغراق في متع الحياة البسيطة. وقد عبّر عن هذه الفكرة في أعماله أكثر من أيّ رسّام انطباعيّ آخر.
كان يستمتع برسم أصدقائه في حفلات الغداء والعشاء موصلا إحساسا بالحميمية. وهذه اللحظات العابرة كثيرا ما تتحوّل إلى ذكريات وحنين لزمن مضى ولن يعود.
في بداياته، كان الفنّان يستخدم رسوماته للطبيعة كي يمارس فنّه في الهواء الطلق وليتحرّر من قيود الاستديو. وكانت الرسومات الأوّلية لمناظر خارج البيوت جزءا من التدريب الأكاديميّ الذي يتلقّاه الرسّامون عادة.
وهذه الأيّام هناك من الرسّامين من يعتقدون أن لوحات الطبيعة ينبغي أن تخلو من البشر. ومعظم الأعمال الفنّية التي ظهرت قبل رينوار كانت تتضمّن أشخاصا لتوفير سياق لقصّة ما.
ثم ابتكر كميل بيسارو فكرة الطبيعة النقيّة، وهو مصطلح استخدمه لوصف لوحات الطبيعة التي لا يظهر فيها أشخاص كلّيّة، أو يظهرون فيها ليضيفوا معنى أو وظيفة للتوليف.
واللوحات النقيّة التي ظهرت خلال القرن التاسع عشر كانت ردّ فعل مضادّا لما أحدثته الثورة الصناعية من تغييرات ديموغرافية واجتماعية وثقافية.
ومعظم لوحات رينوار التي تصوّر طبيعة يمكن وصفها بالنقيّة، لأنها لا تتضمّن قصّة أو عنصرا سرديّا، وإنما تهتمّ في المقام الأوّل بالتركيز على عناصر جمالية مثل تأثيرات الظلّ والضوء وخلافها.