Thursday, May 26, 2016

لوحات عالميـة – 375

شعراء كلاسيكيون على شاطئ مقمر في اليونان القديمة
للفنان الروسي ايفان ايفازوفسكي، 1886

الفكرة الرئيسية المهيمنة على فنّ ايفان ايفازوفسكي إجمالا هي صراع الإنسان مع الطبيعة والعناصر. لكن في أوقات الحروب كان يرسم مشاهد عسكرية. وكان معجبا كثيرا بالقصص البطولية التي كان يسمعها عن اليونانيين وعن حروب الماضي.
ومن وقت لآخر، كان ايفازوفسكي يتناول في أعماله موضوع الشعراء العظام من العالم الكلاسيكيّ القديم ومن العصور المتأخّرة مثل دانتي وبايرون وبوشكين.
وقد تحدّث بعض مؤرّخي الفنّ عن الأسباب التي يمكن أن تدفع رسّاما كبيرا عُرف عنه شغفه الكبير برسم المناظر البحرية لأن يصوّر رجال فكر وأدب. ولوحاته المخصّصة للشعراء الكلاسيكيين تمثّل برأي البعض فصلا غريبا وغامضا في سيرة حياته.
وإحداها هي هذه اللوحة التي تتمتّع بألوانها الجذلة وبمقدرتها الغريبة على ملامسة المشاعر. وربّما لهذا السبب أصبحت من أعظم انجازات هذا الرسّام التي أكسبته إعجاب واعتراف النقّاد والجمهور.
المعروف أن ايفازوفسكي رسم الشاعر الروسيّ الكبير الكسندر بوشكين عندما تقابل الاثنان في أكاديمية الفنون بسانت بطرسبورغ.
وفي ما بعد وجدت أفكار الرسّام عن معنى الحياة ووظيفة الفنّ شكلها المناسب في لوحته المسمّاة "دانتي يشرح لفنّان منظرا لغيوم غير مألوفة".
ثم رسم ايفازوفسكي لوحة أخرى يصوّر فيها الشاعر الانجليزيّ اللورد بايرون أثناء زيارته لأحد الأديرة المشهورة في جزيرة سانت لاتزارو في فينيسيا. وهذه اللوحة كانت، بمعنى ما، تذكيرا بالقضيّة الأرمنية، كون ايفازوفسكي نفسه ينحدر من أصول أرمنيّة.
وهناك لوحة أخرى له اسمها "زواج شاعر في اليونان القديمة".
وكلّ هذه اللوحات الأربع متساوية تقريبا في الحجم وجميعها تستحضر الأجواء الرعوية التي تذكّر بأركاديا.
ورغم هذا التشابه في ما بينها، إلا انه يصعب التأكّد ممّا إذا كان الفنّان قد رسمها بناءً على تكليف من أشخاص ما، أم أنها كانت من بنات أفكاره أو ثمرة لمخيّلته هو.
وأيّا ما كان الأمر، فإن هذه اللوحة بالذات تحتلّ مكانة بارزة في سلسلة رسوماته عن الأزمنة القديمة. وهذا التصوير لمنظر ليليّ هادئ على شاطئ باليونان يتميّز بجماله وحميميّته.
والرسّام هنا، وعلى عكس ما عليه الحال في اللوحات الأخرى، لا يقدّم للناظر صورة لمعابد قديمة. وبالكاد تستطيع رؤية أشجار الغار المخصّصة للفائزين في المسابقة الشعرية المفترضة.
الوجه الشاعريّ لليونان القديمة يتألّف من سمات فنّية مختلفة. هناك مثلا القمر الذي يرتفع فوق البحر وسط طبقة من السحب المظلمة التي تطلّ بصمت وجلال على سطح الماء الساكن الذي يشبه مرآة.
هنا يوصل الفنّان صورة عن غموض الليل وقدرته على إخفاء العالم المنظور، والارتباط الغامض بين جمال ضوء القمر وألوان السماء الليلية الشاحبة وجمال ألوان البحر. البحر والصخور المستحمّة في ضوء القمر الشبحيّ تستدعي الإحساس الرومانسيّ باتساع الأرض وبمظاهر المتعة التي تملؤها.
ومن الواضح أن الرسّام اشتغل كثيرا على رسم القمر، وتبدو براعته بأجلى ما يكون في إيصاله تأثيرات ضوء القمر على السحب والأمواج التي تلامس سطح الماء.
وقد وزّع وهج ضوء القمر بفرشاة ساطعة وإيقاعية تشبه الومضات الذهبية مع ألوان أنيقة وباردة قوامها البنّي والأزرق. الماء والضوء والهواء تمتزج جميعها لتصبح عنصرا واحدا. والسماء تخبر الناظر بالتفصيل عن الوقت من اليوم وعن حالات الجوّ والمزاج.
هذا المحيط الجوّي بتيّاراته وغيومه يلتحم مع القمر الذي يضيء الماء. وهذه هي المنطقة التي تتبدّى فيها براعة الرسّام في أوضح صورها.
كان من عادة ايفازوفسكي أن يضع أبطاله في صوره وهم جالسون أو واقفون على الصخور بجانب الماء، وكان هذا أهمّ أساليبه الفعّالة في تصوير روعة المناظر الليلية وإضفاء قوّة تعبيرية عليها.
وبين تلك الأسطح المظلمة نرى الشعراء في مقدّمة هذا المنظر وهم منهمكون في حواراتهم. وخلفهم هناك توليف طبقيّ من السماء والبحر ينفتح بفعل ضوء القمر المطلّ من علوّه الشفّاف.
كان ايفازوفسكي كثيرا ما يقارن إبداعه بالشعر، وقد قال ذات مرّة إن موضوع الصورة يأتي إلى مخيّلته كما يأتي موضوع القصيدة إلى عقل الشاعر.
لكن يبدو أن موضوع هذه الصورة، أي الأدب والشعر، يتراجع إلى الخلفية. وما يظهر للعيان حقّا هو هذا المشهد بعمومه والذي يبدو أشبه ما يكون بقصيدة متناغمة من الألوان والأضواء.
الجدير بالذكر انه كان من بين أصدقاء ايفازوفسكي الكاتب نيكولاي غوغول والرسّام الكسندر ايفانوف والموسيقيّ ميخائيل غلينكا صاحب المقطوعة المشهورة "رسلان ولودميلا".
من جهته كان الروائيّ الكبير دستويفسكي معجبا كثيرا برسومات ايفازوفسكي، وقد أطلق عليه وصف "المعلّم الذي لا ينافَس في رسم عواصف البحر ذات الجمال الأبديّ والأخّاذ".

موضوع ذو صلة: ايفازوفسكي شاعر البحر

Thursday, May 19, 2016

لوحات عالميـة – 374

العنكبـوت المبتـسم
للفنان الفرنسـي اوديـلـون رِيـدون، 1881

كان اوديلون ريدون يقول إن الخوارق ليست من مصادر إلهامه وأنه يكتفي بتأمّل العالم الخارجيّ والحياة عموما، ومن ثمّ يرسم انطباعاته عن ما يراه.
لكن هناك عدّة مصادر أسطورية وأدبية وشعرية يُعتقد أنها أسهمت في تشكيل ثقافته الصُورية وتغذية خياله.
كان، مثلا، صديقا لستيفان مالارميه، كما استوحى بعضا من رسوماته من عالم شكسبير، وممّا لا شك فيه انه تأثّر أيضا بأعمال إدغار آلان بو وفلوبير.
وهناك مفارقة صارخة بين الأسلوب المنزليّ لهذا الرسّام الأنيق الذي كان يعيش حياة هادئة مع زوجته وطفله في شقّة باريسية، وبين الشخصيات الفانتازية، والمخيفة أحيانا، التي كان يضمّنها رسوماته.
وما زاد في غموض أعماله الغريبة حقيقة انه كان دائما يرفض تفسيرها أو شرحها أو الحديث عن أصولها.
في تلك الفترة أيضا كان ريدون منكبّا على قراءة قصص ثيودور غراندفيل المستمدّة من عالم الخيال. وربّما من تلك العوالم الفانتازية خرج هذا العنكبوت العملاق الظاهر في اللوحة بعينين وابتسامة غامضة بينما يبدو منهمكا في رقصة مخيفة.
وكان زميله غوستاف دوريه قد رسم قبل ذلك لوحة اسماها "العنكبوت". ويبدو أن ريدون رسم هذه اللوحة وفي ذهنه أن يغامر بالدخول في عالم المسوخ مستلهما دوريه.
في ذلك الوقت، كان ريدون يعاني من سلسلة من نوبات الاكتئاب. ولهذا السبب، ربّما، رأى بعض النقّاد في لجوئه إلى الرسم بالفحم أسبابا روحية وسيكولوجية.
واستخدام الفحم مثّل نقطة تحوّل كبيرة في تاريخ الرسم. وكانت تلك الخطوة تشكّل قطيعة مع الأسلوب الأكاديمي في الرسم آنذاك. والمعروف أن الفحم يختلف عن اللون الأسود التقليديّ في أن الأوّل يعطي عددا بلا نهاية من الظلال.
جماعة الأنبياء، مثلا، ومن بينهم موريس دونيه وفويار وبيير بونار، كان ريدون على علاقة وثيقة بهم رغم تباين السنّ. وهؤلاء أيضا كانوا يدركون الأهمية الكبيرة للفحم في تطوّر الفنّ فاستخدموه في أعمالهم.
وفي نفس الفترة التي رسم فيها هذه اللوحة، رسم ريدون لوحة أخرى اسماها "الملاك الساقط من عليائه". كان مهتمّا بالملائكة والمخلوقات الغيبية، لكن الكائن المرسوم في اللوحة لا يبدو على هيئة ملاك.
كان مهتمّا برسم الوحوش والمسوخ الغريبة. ويبدو انه كان يتعمّد أن يرسم صورة مجازية للعالم تنسجم مع الصورة الخيالية التي كانت في ذهنه.
وفي كلّ الأحوال، يظلّ ريدون رسّاما متفرّدا لعب دورا مهما في تأسيس الرمزية وتأثّر به السورياليون.
بالنسبة لهذه اللوحة، لا يُعرف على وجه التحديد لماذا رسمها الفنّان ولماذا أعطى العنكبوت بعض خصائص الإنسان، ابتسامته تحديدا. هل أراد مثلا أن يبدو شرّيرا وبشعا؟ أم انه كان يحاول استكشاف الأبعاد الغامضة للأشياء؟
الأمر المؤكّد هو أن "العنكبوت المبتسم" كان بداية انشغاله بفكرة الكائنات المهجّنة التي يبدو أنها تجذّرت في ذهنه نتيجة افتنانه بالنباتات وبعلم الحيوان وعلم الأحياء المجهرية والنظريات الداروينية.
وبعض النقّاد أشاروا إلى أن اللوحة تتضمّن بعض السخرية، ويمكن أن تُقرأ باعتبارها كاريكاتيرا أراد ريدون من ورائه أن ينتقد عصره، بالنظر إلى المصاعب التي واجهها في حياته المبكّرة قبل أن يصل للشهرة التي كان يصبو إليها.
العنكبوت فكرة تكرّرت كثيرا في الثقافة والفنّ منذ القدم. وكثيرا ما يُصوّر على انه مخلوق مفترس وسامّ ومخادع. والعديد من الكتّاب والفنّانين تناولوا في أعمالهم الأسطورة القديمة عن أنثى العنكبوت القاتلة.
لوحة اراكني للرسّام الاسباني الكبير دييغو فيلاسكيز تصوّر أسطورة بطلها عنكبوت. والفيلسوف جان جاك روسّو أوصى ذات مرّة بأن يكون لكلّ إنسان مجاله الخاصّ والمحدّد، تماما مثل العنكبوت، كي نسيطر على ما يمكن أن يصل إليه نفوذنا وتأثيرنا. وفكرة روسّو مشابهة للقول الشائع "إعرف نفسك". أما ديدرو فقد كتب مقارنة فلسفية بين العنكبوت والإنسان.
ولد اوديلون ريدون عام 1840 في بوردو لعائلة متوسّطة الحال. تعلّم الموسيقى منذ وقت مبكّر وكان دائما قارئا نهما. وفي بداياته قضى بضعة أشهر في مرسم الفنّان جان ليون جيروم. كما تأثّر بدافنشي ورمبراندت.
في الحرب العالمية الأولى، عام 1914، تمّ تجنيد ابنه في الجيش الفرنسيّ، وأصبح هو متشائما سوداويّ المزاج. وتوفّي بعد ذلك بعامين، أي في 1916، بينما كان يعمل على انجاز لوحته "العذراء".

Tuesday, May 17, 2016

لوحات عالميـة – 373

عقـوبة البـذخ
للفنان الايطالي جيوفـاني سيغانتيـني، 1891

كان اسم هذه اللوحة في البداية "عقاب الشهوة". وكان يُعتقد بأن هذا الاسم مستفزّ، لذا تمّ تغييره إلى "عقاب البذخ".
واللوحة واحدة من ثلاث لوحات رسمها جيوفاني سيغانتيني، مستلهما إيّاها من مقطع من قصيدة ايطالية بعنوان "نيرفانا" كتبها في القرن الثاني عشر راهب مسيحيّ يُدعى "لويجي ايليكا" يحاكي فيها نصّا هنديّا قديما.
يقول المقطع واصفاً العقوبة الأخروية المخصّصة للنساء اللاتي يرفضن الدور البيولوجيّ للمرأة كأمّ: الأمّ الرديئة في الوادي القاحل تدور دون توقّف في البرد الأبديّ، حيث لا غصن يخضرّ ولا زهرة تتفتّح".
سيغانتيني أصبح يتيما في سنّ الثامنة، وقضى بقيّة طفولته في عهدة أقاربه في ميلانو. وفي سنّ الشباب، عاش على عوائد أعماله الزخرفية، بينما كان يأخذ دروسا مسائية في الزخرفة والرسم الديكوري.
وحوالي العام 1880، اكتشفه متعهّد فنّي يُدعى فيتوريو دي دراغون ودعم مشاركته في معارض محليّة ودوليّة. وقد أصبح معروفا في ألمانيا خاصّة.
وفي عام 1896، أقام معرضا منفردا في ميونيخ، كما كان محطّ إعجاب رسّامين مثل فان غوخ وإنسور ومونك. أما كاندينسكي فقد وصفه بأنه احد أوائل من تبنّوا الروحانية في الفنّ.
أعمال سيغانتيني المبكّرة تتضمّن مشاهد ريفية خارج البيوت. وفي مرحلة تالية، شجّعه راعيه دي دراغون على أن يتبنّى التقسيمية أو النقطية. وكان الهمّ الأساس لهذه المدرسة هو الكيفية التي ترى بها العين الضوء والتجانب وطبقات اللون على رقعة القماش لإنتاج اهتزازات لامعة الألوان.
وقد استخدم الرسّام التقسيمية للإيحاء بالصفات الغامضة والصوفية ولتكثيف ردّ فعل المتلقّي الانفعالي، مع انه كان يسود اعتقاد آنذاك بأن كلّ من يرسم بالأسلوب التقسيميّ أو النقطي يعاني من الهستيريا وأمراض العيون.
في اللوحة نرى مجموعة من النساء وهنّ يعاقبن لارتكابهنّ خطيئة الإجهاض عن وعي أو بدافع الإهمال. أرواحهنّ تطفو على خلفية ثلجية من جبال الألب السويسرية حيث قضى سيغانتيني جانبا كبيرا من حياته.
عظمة وروحانية منطقة الألب كانت مصدر إلهام مستمرّ للرسّام الذي قيل أن آخر كلمات لفظها قبيل وفاته كانت عبارة عن مناجاة لتلك الجبال الباردة.
كان سيغانتيني قد فقد أمّه عندما كان في السابعة، وربّما كانت تحدوه الرغبة في تصوير صدمته الشخصية بفقدان والدته في تلك السنّ الغضّة.
كان يَعتقد أن دور المرأة في الحياة هي أن تكون أمّاً، وأن المرأة التي ترفض مسئوليات الأمومة لا بدّ وأن تكون بالضرورة امرأة شرّيرة وسيّئة وأنانية. وقد استمدّ هذا التصوّر من الأفكار الدينية ومن قداسة مريم العذراء وأيضا من خصوبة الطبيعة.
الشجرة الكبيرة إلى يمين اللوحة قد تكون رمزا دينيّا لشجرة الحياة. فرغم أنها تبدو متيّبسة وميّتة في الشتاء، إلا أنه مقدّر لها أن تولد من جديد وتزهر في فصل الربيع.
القصيدة نفسها التي ألهمت الرسّام توحي بإمكانية التجدّد والتحوّل، والأمّ الرديئة قد تعود في النهاية إلى فطرتها الطبيعية كما تكتسي شجرة ميّتة في فصل الشتاء بالأوراق والأغصان من جديد مع بوادر حلول فصل الربيع.
المعروف أن سيغانتيني أتى من بلد محكوم بالكاثوليكية، وهذا هو السبب في أن معظم أعماله متأثّرة بالأفكار الدينية. ومع ذلك يقال أنه لم يكن في حياته الخاصّة منسجما تماما مع العقيدة الكاثوليكية. فقد رفض، مثلا، أن يتزوّج من رفيقته وأمّ أولاده الأربعة.
ورغم الفكرة المأساوية للوحة، إلا أن التأثير والشعور الذي تثيره طقوسيّ وحالم بسبب الفرشاة الريشية الموظّفة فيها. أما الجوّ الغامض للمنظر فينسجم مع رؤية سيغانتيني الغيبية عن العلاقة ما بين الإنسان وعالم الطبيعة.
ولد جيوفاني سيغانتيني في ترينتينو التي كانت آنذاك جزءا من الإمبراطورية النمساوية المجرية. وقضى أولى سنوات عمره في رعاية أمّه التي مرّت بتجربة اكتئاب شديد بعد موت أخيه الأصغر. وقد اتسمت تلك السنوات بالفقر والجوع وقلّة التعليم نظرا لضعف حيلة الأمّ.
في شبابه المبكّر اكتسب سيغانتيني رزقه من رعي الغنم في الجبال. وكان يقضي ساعات طويلة هناك في عزلة وهو يرسم. ثم انتقل بعد ذلك إلى ميلانو حيث عمل بتدريس الرسم ورسم الصور الشخصية. وفي تلك الفترة كرّس جهده لدراسة الحياة في الجبال وأصبح يوصف بأنه "رسّام جبال الألب".
سيغانتيني معروف جيّدا في ايطاليا وسويسرا والنمسا، لكنه ما يزال شبه مجهول خارج هذه البلدان. والمؤسف أن لوحاته غالبا موجودة في مجموعات فنّية خاصّة ولا يمكن العثور على أيّ منها في أيّ متحف.
وقد قضى هذا الرسّام حياته كلّها في سويسرا كشخص بلا جنسية، رغم انه تقدّم مرارا يطلب نيل الجنسية السويسرية. لكن بعد أن أصبح مشهورا وطاعنا في السنّ وافقت سويسرا على منحه جنسيّتها. لكنه رفضها رغم مشاكله قائلا إن ايطاليا هي موطنه الحقيقيّ.
كان سيغانتيني منجذبا دائما نحو الطبيعة. وشغفه هذا أدّى في النهاية إلى موته، إذ أصيب أثناء إحدى جولاته في الجبال بالتهاب في الغشاء الداخلي للبطن، ولم يكن ممكنا إسعافه أو نقله بسرعة إلى البلدة، فتوفّي في الطريق.

Thursday, March 17, 2016

لوحات عالميـة – 372

عائلـة داريـوس أمـام الاسكنـدر
للفنان الايطالي باولـو فيـرونيـزي، 1565

تصوّر هذه اللوحة حادثة مهمّة ذكرها المؤرّخون القدامى. وأصل القصّة يعود إلى العام 333 قبل الميلاد، عندما ألحق الاسكندر المقدوني الهزيمة بداريوس ملك الفرس وآخر ملوك الدولة الإخمينية في معركة ايسوس.
وقد نجا داريوس من الأسر عندما فرّ من ميدان المعركة. لكنّ والدته وزوجته وابنتيه اُخذوا أسرى. وطبقا لـ بلوتارك، فقد منحهم الاسكندر العفو وعاملهم باحترام.
وفي تفاصيل القصّة أن الاسكندر ذهب إلى خيمة عائلة الملك المهزوم مصطحبا معه هيفاستيون مساعده ومستشاره وصديق طفولته، لتأمينهم وطمأنتهم.
واللوحة تصوّر ذلك المشهد الدرامي المهيب. والدة داريوس تجثو أمام الاسكندر وتتوسّل إليه بأن يُبقي على حياتها وعائلتها. وخلف الأمّ تقف زوجة داريوس وابنتاه، بينما الاسكندر يقف إلى اليمين مرتديا ملابس حمراء ومحاطا بجنوده وحرسه ومشيرا بيده إلى مساعده المقرّب الواقف إلى يساره.
بعض المصادر التاريخية تذكر أن والدة داريوس ركعت أمام هيفاستيون ظنّا منها انه الاسكندر، لكن احد المرافقين لفت انتباهها لذلك الخطأ، فما كان من الاسكندر إلا أن تدخّل مؤكّدا أن لا فرق بينه وبين مساعده.
وخلف الزوجة، يقف رجل ملتح قد يكون مترجما أو مرافقا، كما يمكن رؤية عدد من الجند يراقبون ما يحدث، بالإضافة إلى كلب وقرد وولد يستريح على درع. وهناك أيضا منظر غامض لحصان ضخم يقف في أقصى اليمين.
من الواضح أن الرسّام ركّز بشكل خاص على شخص الاسكندر. لكن اللوحة تمتلئ بالتفاصيل الكثيرة التي ربّما كان الهدف منها ملء الفراغ.
والحقيقة أن لا أحد يعرف إن كان شخص ما كلّف الفنّان فيرونيزي برسم هذه القصّة، أو انه رسمها لأنه قرأ عنها فأعجبته. الاحتمال الأخير مرجّح، لأن الحادثة تتضمّن لفتة فروسية وتنطوي على معنى أخلاقيّ.
فالقائد المنتصر، أي الاسكندر، يظفر بعائلة خصمه، لكنه يعفو عنهم ويعاملهم معاملة لائقة فيحفظ لهم ألقابهم وامتيازاتهم الملوكية. ورغم أن زوجة داريوس، واسمها ستاتيرا، كانت مشهورة بجمالها، إلا أن الاسكندر لم يرغب في الاقتراب منها بل عاملها وابنتيها بكلّ تكريم واحترام.
الرسّام لم يتمسّك بحرفية وصف المؤرّخين للحادثة. فاللقاء بين الاسكندر وعائلة داريوس في اللوحة يجري في قاعة قصر فخم وليس في خيمة. وأعمال الخشب والرخام والديكور تحمل بصمة فينيسيا التي عاش فيها الرسّام ولا علاقة لها بفارس القديمة ولا ببلدان الشرق عامّة.
ويقال بأن فيرونيزي استعار صور بعض معاصريه ليضمّنها في اللوحة، كما جرى العرف في رسم المواضيع التاريخية. فالنساء الجاثيات هنّ زوجة الرسّام وابنتاه، والرجل الذي يقدّمهنّ ويرتدي لباسا بنفسجيّا هو الرسّام نفسه.
التصميم المسرحيّ الذي صنعه فيرونيزي للوحة، والخلفية البيضاء من الرخام، والأرضيّة ذات الألوان الخفيفة، وكلّ تفاصيل الهندسة المعمارية التي تنظّم حركة الشخصيات؛ هذا النوع من التفاصيل هو ما كان يفضّله في أعماله. وقد رسم اسكتشات ومراجعات عديدة للوحة، كما أضاف الشرفة في الخلفية والعديد من الشخوص.
هذه اللوحة اعتُبرت من أعظم لوحات فينيسيا. وقد جذبت إعجاب العديد من الكتّاب، منهم غوته وراسكين وهنري جيمس. غوته، مثلا، ذكرها بإعجاب في سياق حديثه عن وقائع زيارته لفينيسيا في نهاية القرن الثامن عشر. وقد رآها أثناء مكوثه في قصر بالاتزو بيساني موريتا، وأكّد على القصّة التي تقول إن فيرونيزي رسم اللوحة وأهداها لعائلة بيساني كلفتة شكر وعرفان لهم على استضافته في القصر.
نخبة فينيسيا في ذلك الوقت كانوا من الأغنياء والمتعلّمين. وكان هؤلاء معتادين على أن ينفقوا المال ببذخ للتشاوف والتفاخر بثقافتهم وذوقهم في الفنّ والعمارة.
في عام 1664، حاول وكلاء ملكة السويد كريستينا شراء اللوحة، وتفاوضوا مع سفير فينيسيا في روما آنذاك، لكن الثمن المطلوب كان باهظا.
وفي عام 1856، وبعد مفاوضات دامت أربع سنوات، قرّر رئيس الناشيونال غاليري بلندن شراء اللوحة مقابل أربعة عشر ألف جنيه استرليني. واعتُبر اقتناء الغاليري البريطانيّ لها انتصارا ثقافيا، لدرجة أن الملكة فيكتوريا قامت بزيارة خاصّة للغاليري لكي تراها.
اللوحة ضخمة، عرضها خمسة عشر قدما، وطولها ثمانية أقدام. وفي ما بعد، عندما رآها الكاتب هنري جيمس أثناء زيارة له للندن وصفها قائلا: رأيت الاسكندر في إهاب شابّ فينيسيّ وسيم يرتدي بنطالا قرمزيّ اللون. وما من شكّ في أن وجود هذه اللوحة يبعث وهجا دافئا في ليل لندن البارد".
يمكن القول أن جمال هذه اللوحة يكمن في براعة الرسم والتخطيط والتحكّم في الضوء والظلّ واختيار الألوان. ولا عجب في هذا، فرسّامو فينيسيا كانوا يعتبرون فيرونيزي الملوّن الأعظم.
ومع ذلك كان هو اقلّ شخصيات رسّامي عصر النهضة الفينيسية الثلاثة اعتبارا وقيمة، والآخران هما تيشيان وتنتوريتو. ولطالما نُظر إليه، وحتى منتصف القرن الماضي، باعتباره رسّاما ومزيّنا بارعا أكثر منه معلّما عظيما.
صحيح أن بعض لوحاته تمتّع العين وتبهج المشاعر، لكن لا يبدو أن الكثيرين يقفون أمامها طويلا في المتاحف هذه الأيّام، لأن هناك من النقّاد ومن المهتمّين بالرسم من يعتبرون فيرونيزي ولوحاته "موضة قديمة".
المشكلة أن الناس أصبحوا يفضّلون الانفعالات والدراما على الجمال المحض. ولوحات فيرونيزي، على الرغم من جمال ألوانها وتفاصيلها، ليس فيها تلك الدراما المثيرة ولا التعبيرات اللافتة.
في الرسم، أكثر من أيّ شيء آخر، كان فيرونيزي يعرف كيف يمجّد رعاته بإظهار ثرواتهم ومكانتهم ومعرفتهم الواسعة.
وبحسب بعض النقّاد، فإن مذهب المتعة الذي كان يؤمن به الرسّام ورعاته قد يكون السبب في أن الناس في العصر الحديث ينظرون إليه على انه رسّام متصنّع مهتمّ برسم الأماكن الفخمة والحشود الكثيرة أكثر من اهتمامه بالتقاط جوهر ومضمون وروح المشاهد التاريخية التي كان يرسمها.
لكن قد يكون عذره انه درس النحت في بداياته، والنحت يعتمد على الحركات والإيماءات والإشارات. وظلّت تجربته وخبرته تلك في النحت أساسا لأسلوبه في رسم الصور الذي يُفترض انه يعتمد على التعبيرات والمشاعر والانفعالات.

Saturday, March 12, 2016

لوحات عالميـة – 371

صـانعـات التبـغ
للفنان الاسباني غونثـالو مارتينـيز بيلبـاو، 1915

هناك ثلاث ملاحظات أوّلية عن هذه اللوحة. الأولى أنها أشهر أعمال الرسّام غونثالو بيلباو. والثانية أن اللوحة أصبحت منذ ظهورها بمثابة تحيّة ورمز للمرأة العاملة. والملاحظة الثالثة اختيارها لتظهر في فيلم "كارمن" المأخوذ عن أوبرا للمؤلّف الموسيقيّ الفرنسيّ جورج بيزيه.
أمّا المكان الذي يصورّه الرسّام فكان أوّل مصنع للتبغ تمّ افتتاحه في مدينة اشبيلية. وكانت شركة خاصّة قد افتتحت المصنع في بدايات القرن الثامن عشر، أي قبل رسم اللوحة بحوالي قرنين.
المعروف أن اشبيلية أصبحت منذ ذلك الحين مركز تجارة التبغ وذلك بعد أن لاحظ الإسبان أن سكّان أمريكا الأصليين، أي الهنود الحمر، يدخّنون النبتة.
في اللوحة ينقل الفنّان بطريقة واقعية جوّ يوم من أيّام العمل في المصنع. في المقدّمة، نرى أمّين ترضعان طفليهما وسط ابتسامات زميلاتهما، بينما تتابع النساء الأخريات أعمالهنّ الروتينية.
تفاصيل اللوحة وألوانها شديدة الواقعية كما هو واضح. الضوء يغمر الداخل من خلال الممرّ والفتحات الجانبية، وهناك تلاعب جميل بالمنظور. أسلوب مقاربة الرسّام للمنظور يسمح لنا بالنظر عميقا إلى داخل الممرّ حيث تعمل نساء أخريات.
من الأشياء اللافتة للاهتمام في اللوحة الملابس القشيبة المطرّزة للنساء والأزهار في شعورهنّ ونظرات الحنان الامومية والسعادة المنعكسة على الوجوه مانحة إحساسا بالحرّية والقناعة.
في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وفي العديد من مدن اسبانيا، عملت جماعات كثيرة من النساء في مصانع التبغ في الأندلس واشبيلية وقادش وبلنسية ومدريد واستورياس وغيرها من المدن.
وكان مصنع التبغ في اشبيلية هو أوّل مصنع يوظّف النساء بدءا من العام 1730م. وكنّ يعملن ابتداءً من سنّ الثالثة عشرة، ولم يكن هناك سنّ محدّد للتقاعد.
كما كان مسموحا للأمّهات العاملات بإحضار أطفالهنّ معهنّ لإرضاعهم ورعايتهم أثناء الاستراحة المخصّصة لذلك.
كان هذا المصنع من اكبر مصانع التبغ في أوربّا، وكان يعمل فيه أكثر من ستّة آلاف امرأة. كانت الرواتب آنذاك زهيدة للغاية. لكن كانت النساء يُمنحن إجازات ولادة وأمومة وتأمينا طبّيا وعلاجا مجّانيا وبدلات وحوافز أخرى.
في ما بعد، تمّ تغيير اسم المصنع إلى "كارمن" على اسم مسرحية جورج بيزيه. وكارمن هو اسم أشهر ماركة سجائر أنتجها المصنع. كما أنه اسم بطلة الأوبرا، وهي فتاة غجرية جميلة تفتن الرجال في إحدى الأساطير التي ارتبطت بمدينة اشبيلية من قديم.
المعروف أن بيزيه استلهم موضوع مسرحيّته الغنائية من آلاف النساء العاملات اللاتي رآهنّ يعملن في المصنع في القرن التاسع عشر.
كانت كارمن امرأة متحرّرة اقتصاديّا، ومن ثم متساوية في علاقتها مع الرجال. غير أن الطبقة البورجوازية كانت تربط بين عمل المرأة وتردّي الأخلاق. وقد راجت في ذلك الوقت أسطورة تقول إن تدخين سيجارة صنعتها امرأة يمكن أن يتسبّب في إثارة الرجل جنسيّا وقد يؤدّي إلى هلاكه.
لوحة بيلباو هذه هي واحدة من سلسلة من اللوحات التي خصّصها لصناعة التبغ في اشبيلية. وهناك من يقول إنه استلهمها من لوحة لاس هيلانديراس "أو أسطورة اراكني" لـ دييغو فيلاسكيز.
بشكل عام، تتحدّث صور بيلباو عن الأخلاقيات وعن الخصوصية المناطقية، كما أنها تحتوي على بعض الرموز. وهي في نفس الوقت تعكس اهتمامه واحترامه للطبقة العاملة التي تسهم بفاعلية في نهوض المجتمع والدفع بالاقتصاد إلى الأمام.
ولد غونثالو مارتينيز بيلباو عام 1860 في اشبيلية لعائلة موسرة. وفي بداياته تتلمذ على يد الفنّان خوسيه اراندا، ثم بدأ مزاولة الرسم وهو في سنّ العشرين. وفي تلك المرحلة بدأ استنساخ بعض لوحات فيلاسكيز وغويا التي سبق أن رآها في متحف البرادو.
لكن، وبإصرار من والده، درس القانون وتخرّج من الجامعة عام 1880. غير انه لم يمارس المحاماة لأنه كان قد قرّر تكريس كلّ وقته وجهده لدراسة الرسم والموسيقى.
ولأنه حقّق نتيجة جيّدة في القانون، أرسله والده إلى ايطاليا وفرنسا. وفي باريس زار عددا من المتاحف ومحترفات الرسّامين الفرنسيين والإسبان الذين كانوا قد تقاعدوا في العاصمة الفرنسية.
مكث الفنّان في ايطاليا ثلاث سنوات قضى معظمها في روما. كما سافر إلى عدّة مدن أخرى مثل نابولي وفينيسيا حيث رسم فيهما مناظر حضرية وريفية قبل أن يعود إلى اسبانيا.
غير أن شخصيّته المتقلّبة حالت بينه وبين العيش في اشبيلية، لذا كان يتنقّل من مكان لآخر بحثا عن طبيعة يرسمها. وكان مكاناه المفضّلان كلا من طليطلة وسيغوفيا.
وفي ما بعد سافر بيلباو إلى المغرب بحثا عن الإلهام ومكث فيها أشهرا، ثمّ عاد مرّة أخرى إلى باريس للبحث عن اتجاهات فنّية جديدة، ولكي يبيع اللوحات التي كان قد رسمها أثناء رحلته إلى المغرب.
وحوالي بدايات القرن الماضي، أصبح أستاذا للرسم في أكاديمية الفنون الجميلة في اشبيلية. ثم عُيّن رئيسا للأكاديمية.
كان بيلباو يعمل بجدّ ونشاط حتى وفاته. وقد كرّس حياته للرسم، وكانت له ارتباطاته وعلاقاته بعالم التبغ الذي رسمه بطريقة لا تخلو من رومانسية. كان ملوّنا عظيما تأثر بالانطباعيين، لكنه لم يتخلَّ عن أسلوبه التقليدي في رسم الطبيعة.
وبعض لوحاته الأخرى يمكن اعتبارها دروسا حيّة في حبّ الإنسان لوطنه ولعمله. وقد استفادت من أسلوبه الواقعيّ المميّز أجيال متتالية من الرسّامين الإسبان.
وعند وفاته في العام 1938 تبرّعت زوجته بمجموعة من أعماله لمتحف الفنّ في اشبيلية، وخُصّصت لتلك الأعمال صالة منفردة.
أما بالنسبة لمصنع التبغ، فمع مرور الزمن دخلت الآلة مجال التصنيع ما أفقد العديد من العمّال وظائفهم. ثمّ شيئا فشيئا بدأ الناس يفتقدون رؤية اولئك النساء بملابسهنّ الزاهية وبأزهارهنّ التي تميّزهنّ.
وفي بداية عام 2003، أعلن مصنع كارمن للتبغ عن إغلاق أبوابه نهائيا بسبب ما قيل عن انخفاض مبيعاته وتدنّي عوائده. وبإغلاقه انتهت حقبة ثقافية واجتماعية مميّزة من تاريخ اسبانيا امتدّت لأكثر من مائتي عام.

Sunday, March 06, 2016

لوحات عالميـة – 370

تابلو رقم 2 (أو توليف رقم 7)
للفنان الهولنـدي بِـيـت مـونـدريــان، 1913

مثل العديد من روّاد الرسم التجريدي، كان دافع بيت موندريان الأساسيّ روحيّا، وكان فنّه مرتبطا جدّا بدراساته الروحانية والفلسفية. وهو من خلال لوحاته كان يهدف إلى تصفية العالم وإعادته إلى جوهره النقيّ.
ولكي يحقّق هذا الهدف، كان يفضّل مبادئ معيّنة، كالاستقرار والثبات والروحانية. وإطاره الفلسفيّ كان أفكار الأفلاطونية الجديدة ونصوص الكتّاب المنتمين للمجتمع الثيوصوفي الهولنديّ الذي كان موندريان احد رموزه منذ عام 1909.
منذ ذلك الوقت، أصبح موندريان مهتمّا بالحركة الثيوصوفية التي أطلقتها هيلينا بلافاتسكي في أواخر القرن قبل الماضي. كانت بلافاتسكي تعتقد أن الإنسان من خلال المعرفة الروحية يمكن أن يتحصّل على معرفة أكثر عمقا بالطبيعة ممّا لو استخدم لذلك أساليب تجريبية. وكلّ أعمال موندريان وحتى نهاية حياته كانت بحثا عن تلك المعرفة واستلهاما لها.
"تابلو رقم 2 أو توليف رقم 7" رسمها موندريان بعد عام من وصوله إلى فرنسا. واللوحة تمثّل احترامه وانجذابه المستمرّ نحو المدارس والأساليب الجديدة في الرسم.
وقد قيل دائما إن من الضروري أن ترى اللوحات الأصلية لموندريان كي تستمتع بتفاصيلها وتقدّر جمالها. والنسخة الأصلية من هذه اللوحة فيها طاقة وجمال لا توفّرهما ولا توصلهما الصور المستنسخة. وربّما ليس من المتيسّر إعطاء وصف كافٍ للجودة التي رُسمت بها، ابتداءً من المزج البارع للألوان والنسيج والطبقات أو غيرها من اللمسات الجميلة، كالنوتات المتألّقة للون الأصفر.
الأسلوب المتّبع في اللوحة استلهمه الرسّام من التكعيبية التحليلية، وقد قام بتجزئة الموتيف، وهو في هذه الحالة شجرة، إلى شبكة من الخطوط السوداء المتداخلة والأسطح اللونية التي يغلب عليها الألوان الصفراء والرمادية والبيضاء وتدرّجاتها، ما يذكّر بألوان التكعيبية.
في الشجرة، وهي احد موتيفات موندريان المفضّلة، كلّ ما هو أفقيّ يرمز للطبيعة، وكلّ ما هو عموديّ يرمز للإنسان. والجذع يمثّل وعي الإنسان في مواجهة التنوّع اللانهائي للعالم الذي تمثّله وترمز إليه الأغصان.
وهذه اللوحة وغيرها توضح أن اهتمام موندريان الأكبر هو أن يتصالح مع البعد الثنائيّ للسطح المرسوم، كما أنها تؤكّد على رفضه للتقليد الذي كان يعتبره محاكاة خادعة للواقع.
ولد بيت موندريان في هولندا لعائلة محافظة وتلقّى تربية بروتستانتية صارمة. كان ثاني أبناء العائلة. وكان والده معلّما في مدرسة. وقد تعرّف على الرسم منذ سنّ مبكّرة جدّا.
وفي عام 1892 دخل أكاديمية الفنّ التشكيليّ في أمستردام، وبعد تخرّجه أصبح أستاذا للرسم ورسّاما. وأعماله المبكّرة تغلب عليها الصفة الانطباعية، ومعظمها كانت مناظر طبيعية ورعوية من بلده الأمّ تصوّر طواحين هواء وحقولا وأنهارا وذلك بأسلوب الانطباعيين الهولنديين.
وبعد ذلك أصبح يرسم لوحات فيها قدر من التجريد عبارة عن مناظر خافتة لأشجار وبيوت غير واضحة المعالم ومنعكسة في مياه ساكنة. وربّما يوفّر البحث في تلك الأعمال المبكّرة دليلا عن جذور التجريدية التي ظهرت مستقبلا عند موندريان.
وعلى كلّ حال كان الفنّان ما يزال يبحث عن أسلوبه الفنّي الخاصّ عندما رأى لوحات بيكاسو وجورج براك في معرض أقيم في أمستردام عام 1911. وقد شجّعه ذلك على أن يذهب إلى باريس للمزيد من الدراسة والاطلاع.
وفي باريس تعلّم شيئا عن النقطية والوحوشية وأظهر تأثيراتهما في بعض لوحاته آنذاك. لكنه ذهب بعد ذلك إلى ما هو ابعد عندما اطلع عن قرب على التجريدية والتكعيبية وأصبح يرسم على منوالهما.
كان موندريان في كتاباته يتحدّث عن الطبيعيّ كما يمثّله الأفقيّ، وعن الروحيّ كما يمثّله العموديّ. وبناءً عليه قد تكون الشجرة في اللوحة استعارة بصرية للبحث عن توازن ما بين الهويتين المتباينتين للطبيعة وللإنسان.
والفكرة الروحية عنده تتمثّل في أن تناغم الكون يتجسّد في الطبيعة. كما أن العناصر الأفقية والعمودية لتوليفاته موضوعة ومرتّبة لخلق سيميترية متوازنة تضاهي التوازن الديناميكيّ لعالم الطبيعة.
يقول احد النقّاد أن مبعث المتعة في النظر إلى لوحات موندريان يعود إلى توازنها غير العاديّ والذي يلفت الاهتمام ويثير الإعجاب. ويضيف إن ما يثيرنا فيها أنها مدهشة وغريبة وغير متصوّرة وغامضة. وتصاميمها مجرّدة، ليس فقط من التجسيد "أي من الصور"، وإنما أيضا من الأشكال والنسيج، بل وحتى من الفراغ الصوريّ الذي نجده في لوحات رسّامين مثل بولوك ودي كوننغ مثلا.
خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، استمرّ موندريان في تبنّي المزيد من التجريد رافضا الخطوط القُطرية. كما أصبح يقلّل من اعتماده على مواضيعه المفضّلة، أي الأشجار ومناظر البحر والعمارة لأنه لم يكن يرى ضرورة لإعادة إنتاج المظهر العابر للأشياء. كان يقرأ ويترجم الأشكال كرموز لدنة أو مطواعة لواقع أكثر عمقا، وكاستعارات بصرية لمعاني الوجود.
عندما بلغ بيت موندريان الحادية والسبعين من عمره، أي في خريف عام 1943، انتقل إلى محترفه الذي انتهى من تأسيسه في مانهاتن والتي كان يعتبرها أفضل مكان أقام فيه.
لكن المؤسف انه عاش فيها لبضعة أشهر فقط قبل أن يتوفّى في فبراير من عام 1944 بالتهاب رئويّ. وقد دُفن في بروكلين بنيويورك، وكان من بين من حضروا جنازته زملاؤه مارك شاغال وفرناند ليجيه ومارسيل دوشان وغيرهم.
وبعد رحيله قام صديقه وراعيه الثريّ هاري هولتزمان بتوثيق محتويات محترفه على فيلم قبل أن يعلن عن افتتاحه للعامّة. كما أسّس هولتزمان جمعية اسماها "وديعة موندريان - هولتزمان"، وعهد إليها بمهمّة نشر الوعي بأعمال الرسّام والتأكّد من أصالة لوحاته.