Sunday, January 14, 2018

لوحات عالميـة – 441

وليمـة كليـوباتـرا
للفنان الايطالي جيوفـاني باتيـستا تيـابولـو، 1744

كان جيوفاني باتيستا تيابولو احد أشهر الرسّامين في أوربّا في القرن الثامن عشر. صوره المتخيّلة التي تصوّر تاريخ وأساطير العالم القديم وقصص الكتب المقدّسة كانت تحظى بشهرة واسعة بسبب لغتها المسرحية والفخمة. وقد عُدّت تلك اللوحات امتدادا لتقاليد عصري الباروك والروكوكو.
عُرف تيابولو بتمثيله الرائع للملابس المترفة والأبنية المعمارية الفخمة. وأوّل لوحاته كانت سلسلة من الصور الضخمة التي رسمها لتزيّن غرفة استقبال واسعة في احد قصور فينيسيا، وهي تصوّر معارك قديمة ضمّنها صورا لتماثيل وملابس غرائبية وأفعال عنيفة.
وربّما كانت أعظم أعماله هي الجداريات التي رسمها لبعض كنائس وأديرة فينيسيا ولعدد من القصور والفيلل في ألمانيا وايطاليا وإسبانيا.
في هذه اللوحة، يتناول تيابولو قصّة مشهورة من التاريخ ذكرها المؤرّخ الرومانيّ بليني في كتابه "التاريخ الطبيعيّ". والقصّة تتناول رهانا مشهورا بين القائد الرومانيّ مارك انطوني والملكة المصرية كليوباترا حول أيّ منهما يستطيع أن يقيم وليمة اكبر من وليمة الآخر.
كان الجنرال مارك انطوني قد قابل كليوباترا في مدينة طرطوس عام واحد وأربعين قبل الميلاد. وقد وقع في هواها من النظرة الأولى بعد أن كانت عشيقة ليوليوس قيصر. وكانت تظنّ أن علاقتها بأنطوني ستعزّز سلطتها في بلدها مصر.
وقضى الاثنان معا شتاء ذلك العام في الاسكندرية. وبعد وليمة عامرة أقامها لها انطوني، راهنته على أن تنظّم وليمة أفخم من وليمته. وكان انطوني يريد أن يعرف ما الذي تنوي فعله، خاصّة وهو المعروف ببذخه الشديد الذي لا ينافسه فيه احد.
وقد أقامت له كليوباترا وليمة، وفي نهايتها نزعت لؤلؤة من قرط كانت تزيّن به أذنها ووضعتها في كأس مملوء بالنبيذ الممزوج بالخلّ. وبعد أن ذابت اللؤلؤة، تناولت الكأس من أمامها ثم شربته. وكانت تلك اللؤلؤة أغلى لؤلؤة في التاريخ وقد أُهديت لها من بعض ملوك الشرق الذين عرفوها.
وفي نهاية المأدبة، اعترف مارك انطوني بأنها كسبت الرهان، لأن تلك اللؤلؤة كانت أغلى بكثير من أيّ شيء آخر يمكن أن يُقدَّم على مائدة.
وبعد الحادثة، هجر مارك انطوني زوجته في روما وانتقل ليقيم مع كليوباترا في الاسكندرية، ومن ثَمّ بدأت أشهر قصّة حبّ في التاريخ.
لكن في عام واحد وثلاثين قبل الميلاد، قام اوكتافيان الحاكم الفعليّ لروما وقتها بإلحاق الهزيمة بجيشي مارك انطوني وكليوباترا في معركة اكتيوم على الساحل الغربيّ لليونان.
وبعد أن خسرا المعركة، عاد الاثنان إلى الإسكندرية حيث أقدم انطوني على الانتحار ومات أخيرا في حضن كليوباترا. ولم يمضِ وقت طويل حتى انتحرت كليوباترا نفسها بلدغة أفعى سامّة كانت تخبّئها في سلّة تين.
في اللوحة، تجلس كليوباترا على طرف المائدة الأيسر، وهي ترتدي فستانا زهريّا بياقة بيضاء واسعة وعلى حجرها كلب صغير. وهي تهمّ بإلقاء اللؤلؤة في الكأس، بينما تنظر بتحدٍّ إلى مارك انطوني الذي يظهر معتمرا خوذة قتال مذهبّة ومرتديا ملابس حمراء، وأسفل منه يجلس كلب ضخم يتابع ما يجري. القائد الرومانيّ يعطي ظهره للناظر، وهو يتراجع إلى الوراء مأخوذا بالمفاجأة.
الشخص الثالث على المائدة، في الوسط، هو لوسيوس بلانكوس الذي يرتدي لباسا بألوان خضراء وصفراء وبيضاء وله لحية كثّة، وقد راح يحدّق في المرأة بفضول. كان بلانكوس وقتها حليفا لأنطوني، وهو الشخص الذي اختير محكّما للمسابقة وبالتالي سيقرّر من الرابح.
الحفل نفسه يجري في الهواء الطلق وسط تفاصيل معمارية فخمة، بينما يظهر في الخلفية جزء من السماء وتحتها شرفة عالية. والمكان يضمّ خدما ومستشارين وسقاة وحرّاسا، وفوق الشرفة العالية المطلّة على البحر يقف حرّاس آخرون وموسيقيون.
اللوحة تحمل سمة الأسلوب المسرحيّ لباولو فيرونيزي الذي عاش قبل ذلك الوقت بمائة عام تقريبا وكان هو أيضا مشهورا بمناظره التي تكثر فيها المآدب الفخمة والصروح العالية.
قصّة وليمة كليوباترا ذُكرت في أشعار شكسبير وفي أدب برنارد شو وفي السينما والأفلام. وفي الرسم صُوّرت القصّة كرسالة تحذير من البذخ والإسراف غير الضروريّ، وأحيانا كإشارة إلى مصير الرجال الأقوياء والنافذين الذين يسلّمون قيادهم للنساء فيهملون مسئولياتهم.
قصّة مارك انطوني وكليوباترا كانت موضوعا شعبيّا بالنسبة لرسّامي القرن الثامن عشر لأنها تتضمّن عدّة عناصر، ففيها رومانسية وحرب وفخامة عسكرية ومأساة وموت. كما أن الرسّامين وجدوا فيها أداة لتصوير الثنائيات الكلاسيكية كالذكر والأنثى والشرق والغرب. ومن أشهر من رسموها من الفنّانين كلّ من جيرارد دي ليريسي و شارل ناتوار و جان دي براي وغيرهم.
تيابولو رسم اللوحة كجدارية تصلح لتزيين الجدران أو السقف. وقد رسم أيضا لوحتين أخريين عن اللقاء الأوّل بين مارك انطوني وكليوباترا وهما محاطان بالحاشية وبتماثيل الآلهة.
في عام 1764، اشترت اللوحة كاثرين العظيمة ملكة روسيا، ثم انتقلت إلى متحف الارميتاج في سانت بطرسبورغ، إلى أن اشتراها تاجر فنون انجليزيّ عام 1932. ثم اشتراها منه متحف فيكتوريا الوطنيّ في ملبورن باستراليا عام 1933 مقابل خمسة وعشرين ألف جنيه إسترليني.
ويقال أن الناشيونال غاليري بلندن كان يطمح في شراء اللوحة، لكنه تنازل عنها في النهاية للمتحف الاسترالي كي يحسّن بها مجموعته من الأعمال الفنّية. وفي عام 2002، أُخضعت اللوحة لعملية ترميم شاملة.
ولد جيوفاني باتيستا تيابولو في فينيسيا في مارس من عام 1696. وقد تلقى دروسا في الرسم على يد والده في سنّ مبكّرة، ثم على يد الرسّام جورجيو لاتزاروني.
وعندما أصبح رسّاما مشهورا أصبحت قائمة زبائنه تضمّ أسماء ملك فرنسا وملك انجلترا وامبراطور روسيا الذين اقتنوا بعضا من صوره.
في عام 1761، طلب منه تشارلز الأوّل ملك اسبانيا أن يأتي إلى مدريد كي يرسم القصر الملكيّ فيها والذي اكتمل بناؤه حوالي ذلك الوقت. ورغم أن تيابولو كان قد صار عجوزا وقتها، إلا انه ذهب إلى اسبانيا لينجز المهمّة المطلوبة.
وعندما توفّي في مدريد في مارس 1770، كانت الموضوعات التاريخية والرمزية والأفكار الدينية قد أصبحت خارج الموضة لتفسح الطريق أمام النيوكلاسيكية. وبنهاية ذلك القرن، ومع سقوط الملكيات الأوربّية وتقلّص نفوذ المؤسّسات الدينية، أصبح فنّ تيابولو شيئا من الماضي. لكنه اليوم يتمتّع بالاحترام كواحد من أهمّ رسّامي القرن الثامن عشر وأحد آخر الرسّامين العظام من عصري النهضة والباروك.

Tuesday, January 09, 2018

لوحات عالميـة – 440

دخـان العنـبر
للفنان الأمريكي جون سنغر سارجنت، 1880

عُرف جون سنغر سارجنت بأسفاره الكثيرة والطويلة في بلدان القارّة الأوربّية. لكن في عام 1879، وجد الرسّام وقتا لزيارة مدينة طنجة في شمال أفريقيا. وكان الاستشراق وقتها موضوعا يحظى بشعبية كبيرة عند الأوربّيين.
وأثناء إقامته في المدينة المغربية، بدأ سارجنت رسم هذه اللوحة، ثم أكملها في مرسمه عندما عاد إلى باريس.
وفيها تظهر امرأة ترتدي جلبابا مغربيّا وتقف إلى جوار عمود مقوّس في مكان أشبه ما يكون بفناء بيت مستأجر، بينما تنشر غطاء رأسها فوق مبخرة فضّية تستقرّ على الأرضية وينبعث منها دخان العنبر. وهو مادّة شمعية تُستخرج من بطون الحيتان وتُستخدم في صناعة العطور وكمقوٍّ جنسيّ وطارد للأرواح الشرّيرة.
وجه المرأة لا يبين منه سوى القليل رغم أنها لا ترتدي حجابا، كما أن نظراتها منسحبة، وغموضها يحرّض الناظر على أن يحدّق أكثر في الصورة كي يكتشف عالمها. والخمار، إذ ترفعه، يتحوّل إلى ما يشبه المظلّة أو الخيمة، بما يسمح للبخور أن يتخلّل وجهها وملابسها.
وببدو أن اهتمامها منصبّ على البخور، وليس على الرسّام أو الناظر. كما يلاحَظ أنها تضع على وجهها مكياجا ثقيلا وتستخدم الكحل في عينيها وحاجبيها وتضع احمر شفاه وألوان أظافر وترتدي خاتمين في إصبع يدها الصغير.
والقفطان الذي ترتديه يتألّف من طبقات متعدّدة من الأبيض مقابل تدّرجات من الألوان النحاسية والموف على الجدران. والمرأة في طريقة وقوفها تبدو مثل عنصر معماريّ وعلى نحو يذكّر بالنساء المنحوتات في أعمدة المعابد اليونانية القديمة.
والضوء الآتي من فوق باتجاه السجّادة ذات الأنماط المزخرفة يوحي بأنها تقف عند طرف صالة واسعة أو فناء داخلي.
هويّة المرأة غير معروفة على وجه التحديد. لكن يمكن للمرء أن يفترض أنها إمّا امازيغية أو من يهود المغرب. كما لا يُعرف إن كانت هي التي كلّفت سارجنت برسمها أم انه هو الذي طلب إليها أن تقف أمامه ليرسمها.
استخدام الرسّام لألوان محدّدة يخلع على المنظر هالة من الغموض، كما انه يستثير الإحساس بالشرق. وسارجنت يمزج تأثيرات شتّى من أجزاء متعدّدة من الشرق، لذا يمكن القول أيضا أنه ربّما خلق المنظر من مخيّلته.
واستخدام الألوان بطريقة بارعة هو ما دفع بعض النقّاد للثناء على الرسّام، بالنظر إلى أن خلق تدرّجات من النسيج بألوان قليلة يتطلّب مهارة كبيرة. والبياض المتعدّد المستويات في اللوحة يعود في جزء منه إلى التوظيف المدهش للضوء الذي يغمر كلّ شيء بشعاع ساطع.
كان الروائيّ هنري جيمس صديقا لسارجنت، وقد استوقف الأوّل التأثير المشعّ للون الأبيض وامتدح اللوحة عموما واصفا المرأة بـ "الجميلة الخالدة" وبأنها تذكّر بالراهبات وبنساء الجيشا.
وسارجنت ينظر إلى ما هو ابعد من حدود الأبيض ليركّز على ظلال الشخصية التي تمتزج وتتباين بشكل رائع مع الموضوع. والجدران البيضاء للغرفة وطبقات القماش الذي تلفّ به المرأة نفسها، كلّ هذه العناصر تنال من الرسّام نفس المستوى من الاهتمام.
ومن خلال هذا المزج الرائع بين تفاصيل المكان والزيّ، بما فيه القلادة والمجوهرات، يتحوّل المشهد إلى بهجة للعين بألوانه البيضاء النقيّة والكريمية والفضّية والحليبية والبرتقالية واللؤلؤية. وبمعنى ما، تبدو هذه اللوحة بسيطة ومعقدّة في آنْ.
قيل إن هذه الصورة تقدّم استعارة مثيرة لحالة الرسّام الذهنية. فقد كان، مثل المرأة الغامضة في اللوحة، يفتح عينيه على فكرة السُكْر والاستسلام، وحتى الغواية.
وهناك من النقّاد من أشاروا إلى إن هذه اللوحة هي عن فنّ الرسم وعن سحر الألوان، أكثر من كونها تصوّر امرأة في بيئة شرقية غامضة. وحتى سارجنت نفسه كتب إلى احد أصدقائه يقول إن الشيء الوحيد الذي اهتمّ به في الصورة كان الألوان.
لكن هناك شيئا ما أكثر أهميّة من عمل الفرشاة الرائع. انه جوّ العزلة والسكون الطقوسيّ الذي يلفّ عالم المرأة. وهناك أيضا التلميح إلى حياة ما خاصّة وإلى طبيعة البخور وتأثيراته الدينية والايروتيكية والمخدّرة.
وبحسب احد النقّاد، فإن الرسّام يتصرّف هنا كـ "خيميائيّ" ماهر بتحويله احد اغرب أشكال الطبيعة والكيمياء، أي العنبر، إلى عمل فنّي بديع.
خصائص العنبر معروفة منذ القدم، مع أن أصله غامض وما يزال محلّ نقاش. لكنه يُستخدم كعطر وكعلاج. ويمكن العثور عليه في أمعاء الحيتان الميّتة على الشواطئ أو طافيا فوق مياه البحر. لكن يتعيّن إبقاؤه في الشمس فترة طويلة قبل أن يتحوّل إلى المادّة التي تقدّرها صناعة العطور عالياً.
وعندما يُمزج العنبر مع أيّ عطر فإنه يمنحه ثباتا ويجعله أثقل ويدوم لمدّة أطول، كما انه يضيف رائحته المتميّزة إلى مزيج العطر. ويقال انه من الصعب وصف رائحة العنبر. لكن يمكن القول انه مزيج من رائحة الحيوانات والحظائر والتراب والجلد والبحر والتبغ والخشب القديم.
كما يقال أن له خاصّية إدمان، بمعنى أن الإنسان إذا شمّه مرّة فإنه يتوق إلى استنشاقه مرّات ومرّات. وكان العنبر ذات زمن أغلى من الذهب، وسعره اليوم يمكن أن يصل إلى أكثر من ألف دولار للأوقية.
وبسبب قيمته العالية، فإن هناك من اتّخذوا من البحث عنه وظيفة أساسية لهم في الحياة ومصدرا وحيدا للرزق، وخاصّة سكّان مناطق البحار الاستوائية في استراليا ونيوزيلندا.

Friday, January 05, 2018

لوحات عالميـة – 439

لفتـة وفـاء لديـلاكـروا
للفنان الفرنسي هنـري فونتـان-لاتـور، 1864

كان اوجين ديلاكروا احد أهمّ الفنّانين الفرنسيين في القرن التاسع عشر وربّما أعظم رسّام أنتجته المدرسة الرومانتيكية.
أعمال ديلاكروا وإنجازاته جعلت منه بطلا في أعين كثير من الرسّامين الذين أتوا بعده سواءً في فرنسا أو خارجها. وأسلوب استخدامه للّون كان له اثر كبير في تطوّر الحركة الانطباعية وما بعدها.
وكان هذا الفنّان ملهما للعديد من الرسّامين مثل بيكاسو الذي رسم سلسلة من خمس عشرة لوحة استوحاها جميعا من لوحة ديلاكروا المشهورة نساء الجزائر.
كان بيكاسو مفتونا طوال حياته بالمعلّم الفرنسي. وقد اعتاد أن يزور اللوفر مرّة كلّ شهر لكي يرى اللوحة ويدرسها. وعندما سُئل عن شعوره تجاهه قال: ذلك اللعين، كان رائعا بما لا يوصف".
وحتى هنري ماتيس كان معجبا كثيرا بديلاكروا ولطالما اعتبره معلّمه في اللون وفي الرسومات الاستشراقية.
وعندما توفّي ديلاكروا في أغسطس من عام 1863 أقيمت له جنازة متواضعة غابت عنها الدولة، واُعتبِر ما حدث إهانة كبيرة بحقّ فنّان كان الكثيرون يعتبرونه أعظم رسّام أنجبته فرنسا.
الرسّام هنري فونتان-لاتور كان احد أصدقاء ديلاكروا المقرّبين. وقد شعر بالغضب من تجاهل فرنسا الرسمية لجنازة الفنّان الكبير. وكبادرة منه لتكريم صديقه الراحل وإحياءً لذكراه، رسم لاتور هذه اللوحة وهي عبارة عن بورتريه جماعيّ جمع فيه عددا من أصدقاء ديلاكروا من الرسّامين والنقّاد وهم يقفون أمام بورتريه ضخم للرسّام الراحل.
في الصفّ الأماميّ من اللوحة، ومن اليمين لليسار، يظهر الشاعر شارل بودلير الذي كانت تربطه بديلاكروا صداقة قويّة. كان بودلير شغوفا برسومات صديقه الملوّنة وذات الطابع الرومانتيكيّ. وقد أحسّ بحزن شديد لفقدان الرسّام الذي كان يعتبره تجسيدا لروح الحداثة التي طبعت فنّ وأدب النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
وإلى جوار بودلير يقف الرسّام ادوار مانيه الذي يضع يده في جيبه، وكان هو وبودلير قد حضرا مأتم صديقهما. والملاحظ أن ديلاكروا في صورته في الخلفية ينظر تقريبا إلى مانيه كما لو أن لاتور يريد الإيحاء بأن مانيه سيكون خليفة ديلاكروا والشخص الذي سيتبوّأ بعده مركز الريادة في الرسم الفرنسي.
وإلى جوار مانيه يجلس الناقد والكاتب جول شامبفلوري، ثم الرسّام الأمريكيّ جيمس ويسلر الذي يظهر واقفا وهو يحمل باقة أزهار، ثم الرسّام هنري لاتور نفسه الذي يظهر مرتديا قميصا ابيض، وإلى جواره في أقصى اليسار يظهر الناقد الفنّي إدمون دورانتي في نظرة جانبية.
وفي الصفّ الخلفيّ، وأيضا من اليمين لليسار، يظهر الرسّام ألبير دو باليروي، ثم الرسّام فيليكس براكمون، فالرسّام الفونس لاغروس، وأخيرا الرسّام لويس كوردير الذي كان قد أصبح في ذلك الوقت رسّاما شبه منسيّ.
بورتريه ديلاكروا الذي يظهر في خلفية اللوحة نفّذه لاتور اعتمادا على صورة فوتوغرافية التُقطت للرسّام الراحل قبل عشر سنوات من ذلك التاريخ.
والملاحَظ أن لا احد من الكتّاب والرسّامين العشرة ينظر إلى ديلاكروا. وقد تكون الفكرة هي أن الوقت قد حان للنظر إلى المستقبل واستنباط أساليب وأفكار فنّية جديدة.
استلهم لاتور في رسمه لهذه الصورة لوحة جان اوغست انغر بعنوان تمجيد هوميروس ، في إشارة إلى أن ديلاكروا يشبه الشاعر الإغريقيّ من حيث انه يجسّد العبقرية التي ستستفيد منها الأجيال التالية.
العلاقة بين جيل ديلاكروا وجيل مانيه هي موضوع اللوحة. وهؤلاء الرسّامون والكتّاب، باجتماعهم هنا، إنّما يكرّمون رسّاما عُرف عنه عشقه الكبير للأدب والشعر وحرصه على أن يعكس ذلك الشغف في رسوماته.
ولوحة لاتور هذه كانت الأولى في سلسلة من اللوحات التي رسمها لبعض أصدقائه المقرّبين. كما أنها أوّل عمل كبير لرسّام مقرّب من الانطباعيين. وهي تُظهر طريقته في دراسة الشخصية واختيار تناغمات الألوان القاتمة. ويُرجَّح انه استوحى أسلوب تجميع الأشخاص فيها من البورتريهات الجماعية التي كانت تُنفّذ في هولندا في القرن السابع عشر.
بعض النقّاد رأوا في اللوحة بيانا دعائيا للرسّامين الواقعيين، بينما اخذ عليها آخرون ألوانها الصعبة وطابعها الفوتوغرافيّ.
المعروف انه بعد وفاة ديلاكروا، تمّ تحويل منزله الواقع في وسط باريس إلى متحف يحمل اسمه ويضمّ عددا من لوحاته.
ولد هنري فونتان-لاتور في غرينوبل في فرنسا في يناير من عام 1836. وتلقّى دروسا في الرسم منذ صغره على يد والده الذي كان رسّاما معروفا.
ثم التحق بمدرسة الفنون الجميلة وعمل في محترف غوستاف كوربيه، وأثناء ذلك كان يتردّد على اللوفر ويستنسخ أعمال كبار الرسّامين فيه.
كان لاتور صديقا للعديد من الرسّامين في زمانه. وأشهر أعماله هي بورتريهاته الجماعية، بالإضافة إلى رسوماته للأزهار والحياة الساكنة التي ذكر أحدها مارسيل بروست في روايته "البحث عن الزمن المفقود". كما رسم أيضا عددا من المناظر المطبوعة على الحجر والتي استلهمها من بعض مؤلّفات الموسيقى الكلاسيكية.
زار الرسّام لندن عدّة مرّات وعرض أعماله في أكاديميّتها الملكية. وقد بيعت بعض لوحاته مؤخّرا بمبالغ تربو على المليوني دولار أمريكي للوحة.
توفّي هنري لاتور في أغسطس من عام 1904 بعد إصابته بـ "داء لايم"، وهو مرض بكتيريّ يؤدّي إلى اختلال في وظائف الجسم، وخاصّة الجهاز العصبي.

Monday, January 01, 2018

لوحات عالميـة – 438

زوجـة التـاجـر
للفنان الروسي بوريـس كستـودييـف، 1918

يُعتبر بوريس كستودييف احد أشهر الرسّامين الروس في القرن العشرين. كان مهتمّا بإبراز الجمال الروسيّ، رغم انه رسم معظم لوحاته بعد الثورة البلشفية مع ما رافقها من أحداث واضطرابات سياسية واجتماعية كبيرة.
موتيفات الرسّام ومواضيعه كانت تذكيرا بحياة كانت معالمها قد اختفت وأصبحت جزءا من الماضي، لكن روائحها ونكهاتها لم تكن قد تلاشت بعد من الذاكرة.
وبعض لوحات كستودييف المستمدّة من الأساطير السلافية ساحرة بعوالمها وألوانها ومواضيعها. لكن لوحاته التي رسمها لطبقة التجّار في بلدته استراكان هي التي ما تزال تذكّر الناس به إلى اليوم.
وقد خَبِر الفنّان طريقة حياة التجّار منذ سنّ مبكّرة. فبعد أن توفّي والده، انتقلت أمّه مع بقيّة أبنائها للسكن في جزء من منزل فاره يملكه احد التجّار في بلدتهم. وبعد مرور سنوات، استدعى كستودييف ذكرياته عن تلك المرحلة عندما كان صبيّا وترجمها إلى لوحات باستخدام الألوان الزيتية والمائية.
كان الرسّام سعيدا بالعيش قريبا من التاجر وزوجته. وقد كتب في ما بعد يقول انه كان يسكن مملكة ساحرة من الذكريات والأحلام وأن ما رآه في ذلك المنزل كان أشبه ما يكون بأجواء القصص الخيالية.
وصوّر كستودييف جزءا من ذكرياته تلك عن الصباحات والأمسيات السعيدة التي كان يقضيها برفقة التاجر وزوجته.
في هذه اللوحة، يرسم الزوجة وهي تجلس في شرفة منزلهم وتتناول إفطارها مستمتعةً بالشمس وبصحبة قطّتها، مع طقوس الشاي والإيقاع المستمرّ للحياة في تلك البلدة الريفية.
البيئة المرفّهة والديكورات الجميلة والسماء الساطعة والأشجار في الخلفية تملأ اللوحة بالألوان والأضواء الرائعة.
وهناك تفاصيل أخرى معبّرة في اللوحة كالحياة الساكنة على المائدة والسماور الضخم والعنب والبطّيخ والتفّاح والخبز وغطاء المائدة الملوّن والآنية المزخرفة، وغير ذلك من تفاصيل استوحاها الرسّام من التقاليد المحلية الروسية.
وفي خلفية الصورة، يظهر جزء من طبيعة استراكان الجميلة مع أبراج الكاثدرائية ذات الألوان البيضاء والخضراء والمشيّدة فوق احد التلال.
بالنسبة لكستودييف، كانت حياة التاجر وزوجته مريحة ومثيرة. وقد رسم لوحتين أخريين للزوجة في وضعين مختلفين. وافتتان الفنّان بجمال نساء بلدته تطوّر في ما بعد عندما رسم لوحته المسمّاة فينوس الروسية.
"زوجة التاجر" تُعتبر من الصور الايقونية للفنّان، وقد ظهرت على أغلفة بعض المجلات بعد أن كانت بحوزة مالك مجهول. وبقيت اللوحة بعيدة عن الأنظار حتى عام 1998، عندما بيعت في مزاد بلندن بمبلغ ثلاثة ملايين دولار.
وبعض النقّاد رأوا في اللوحة رمزية خاصّة، إذ أنها تستثير الحنين إلى المجتمع الأبويّ الروسيّ الذي كان فاعلا حتى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات العشرين. كما أنها ترمز لروسيا في مستهلّ القرن الماضي عندما كان سكّان الأقاليم يعيشون حياة بساطة ووفرة وألفة.
ولد بوريس كستودييف في مارس من عام 1878 في بلدة استراكان الواقعة على ضفاف نهر الفولغا لعائلة من الطبقة الوسطى. كان والده يعمل أستاذا للفلسفة، وقد توفّي قبل بلوغ الرسّام سنّ الثانية من عمره. وتولّت أمّه المسئولية عن تربيته وإخوته.
درس الرسّام الكهنوت في أوّل شبابه، ثم تلقّى دروسا في الرسم على يد فاسيلي بيروف، ثم التحق بمحترف ايليا ريبين في أكاديمية سانت بطرسبورغ للفنون. وقد امتدحه الأخير وأثنى على موهبته.
وفي عام 1904، ذهب لدراسة الرسم في فرنسا واسبانيا وحضر دروسا في الرسم في باريس على يد رينيه مينار. ثم ذهب إلى ايطاليا فالنمسا وألمانيا. وأينما حلّ كان دائما يشعر بحنين لا يقاوم لوطنه الأمّ.
المعروف أن كستودييف وضع الرسوم الإيضاحية لعدد من الأعمال الأدبية من أهمّها كتاب "أرواح ميّتة" لغوغول، بالإضافة إلى ديواني "العربة" و"المعطف" للشاعر ليرمونتوف. وفي مرحلة تالية رسم إحدى المجموعات القصصية لليو تولستوي.
في عام 1909، أصيب الرسّام بالسلّ، فذهب إلى سويسرا للعلاج حيث قضى هناك عاما في أحد المصحّات الخاصّة. وبحلول 1916، كان قد أصبح مقيّدا إلى كرسيّ بسبب تدهور صحّته، لكنه استمرّ يرسم حتى بعد أن أعاقه المرض وجرّده من قدرته على أن يتحرّك بحرّية. وتوفّي في ليننغراد في مايو من عام 1927.

Wednesday, December 27, 2017

لوحات عالميـة – 437

الفقـر
للفنانة الألمانية كاثـي كولفيـتز، 1893

معظم الرسّامين يميلون إلى إظهار جمال العالم في لوحاتهم. لكن كاثي كولفيتز كرّست وقتها وموهبتها لرسم الجانب المظلم من الحياة، حيث الألم والحزن والمعاناة جزء من الحالة الإنسانية.
عاشت هذه الرسّامة كشاهد على زمنها الذي اتّسم بالاضطرابات السياسية والاجتماعية، وعاصرت حربين عالميتين، ورأت عيانا معاناة البشر والحيوات الكثيرة التي أزهقت، بمن فيهم ابنها الذي قُتل في الحرب العالمية الأولى وحفيدها الذي قُتل في الحرب الثانية.
كانت كولفيتز فنّانة ملتزمة وأصبحت بنظر الكثيرين تجسّد ضمير ألمانيا بدعوتها إلى السلام ونبذ الكراهية والحروب، وهو موقف شجاع ومحفوف بالمخاطر بالنسبة لأيّ فنّان عاش في ألمانيا في تلك الفترة.
وعندما تحوّل الحكم النازيّ إلى فاشية شمولية، أصبحت السلطة تنظر إلى فنّها بعين الشكّ والتوجّس. ومنع النازيّون آنذاك ودمّروا كلّ ما كانوا يعتبرونه فنّا منحلا واضطهدوا، بل وقتلوا العديد من الرسّامين والمفكّرين والمثقّفين.
لوحات كاثي كولفيتز ليست جميلة ولا مريحة، بل تثير الحزن والألم لأنها تتحدّث عن الحرب والجوع والفقر والموت. وقد رسمتها في وقت كان فيه الحماس لأفكار نيتشه قويّا رغم أن فلسفته لم تحظَ بالرّواج الواسع إلا في بديات القرن العشرين.
في الكثير من لوحاتها، وبدلا من رسم نموذج المرأة الغنيّة كما جرت العادة، رسمت كولفيتز النساء اللاتي يعانين من الفقر الذي يحرمهنّ من إطعام أطفالهنّ والاستمتاع بالأمومة.
وهذه الفكرة تتكرّر كثيرا في أعمالها. وقد عبّرت عنها بتصوير أمّهات يرضعن أو يحمين أو يرعَين أطفالهنّ وقت موتهم.
في هذه اللوحة مثلا، ترسم أمّا شابّة وهي تنحني بيأس فوق طفلها الذي يحتضر في السرير أمامها. وفي الخلفية عند النافذة، تظهر امرأة عجوز مع طفل آخر وهما يراقبان ما يجري بألم وصمت.
الأمّ أيضا تضع يديها على رأسها في إشارة إلى أنها متعبة وعاجزة وبلا قوّة. والطفل يبدو واهناً كهيكل عظميّ بسبب انعدام الطعام. والمنظر بأكمله يُظهر ما يمكن أن يجلبه الفقر للإنسان من تعاسة وبؤس.
الأشياء المظلمة في الغرفة تبدو بلا قيمة. والظلال المخيّمة تعمّق الدراما في المشهد. وخيوط النسيج هي تذكير بمهنة ربّ البيت وكذلك بالقدَر الذي يسيّر حياة البشر دون أن يملكوا له دفعا.
هذه اللوحة هي واحدة من سلسلة من ستّ لوحات تصوّر فيها الرسّامة الحياة القاسية للنسّاجين. وقد جلبت لها تلك السلسلة شهرة واسعة ودفعتها إلى مركز الضوء وأصبحت بفضلها محطّ اهتمام النقّاد والجمهور على السواء.
تعاطُف كولفيتز مع الطبقة العاملة والفئات الاجتماعية المهمّشة عبّرت عنه في العديد من أعمالها بأسلوب بليغ ومقنع. ويقال أن فقدانها لابنها، ومن ثمّ لحفيدها، أسهم في تعاطفها وتبنّيها لقضايا الطبقات الفقيرة والمعدمة.
كانت الرسّامة قد تزوّجت طبيبا كان يعيش في حيّ فقير جدّا في برلين. وقد رأت عيانا ولسنوات طوال معاناة الفقراء وآلامهم. وتركت تلك التجربة أثرها على أفكارها وأعمالها. وكان زوجها أيضا يهتمّ بالفقراء ويقوم بعلاجهم مجّانا في عيادة بالطابق الأرضيّ من منزلهما.
لوحات كولفيتز عموما مظلمة وصادمة، وهي تعكس بيئة باردة وقاسية بتصويرها طبيعة الحياة التي كان يعيشها الناس في ذلك الوقت، وكأنها تطلب من المتلقي أن يرى ويشعر ويفكّر بما يحدث.
ورغم واقعية رسوماتها، إلا أنها اليوم تُعتبر أكثر ارتباطا بالتعبيرية. وهناك من يشبّه لوحتها هذه بلوحة ادفارد مونك أمّ ميّتة وطفل .
في إحدى أشهر لوحاتها الأخرى بعنوان أمّ مع طفلها المّيت ، ترسم الفنانة طفلا ميّتا تحتضنه أمّه إلى صدرها بحنوّ ومحبّة. ورغم أن الطفل ميّت، إلا أن أمّه ما تزال تحسّ به وتضمّه بعطف كما لو انه ما يزال على قيد الحياة. وقد تحوّلت هذه اللوحة إلى عمل نحتيّ واختير عام 1993، أي بعد وفاة الرسّامة بخمسين عاما، ليكون النصب التذكاريّ لضحايا الحرب والاستبداد في ألمانيا.
بالإضافة إلى لوحاتها الملتزمة، رسمت الفنّانة أكثر من مائة بورتريه لنفسها خلال الستّين عاما التي قضتها في الرسم. وبورتريهاتها لنفسها تشبه تلك التي رسمها رمبراندت لنفسه، من حيث ثرائها وعمقها السيكولوجيّ. وتبدو في تلك الصور على درجة من الإنسانية والتواضع وفي حالة بحث وتساؤل دائمين.
ولدت كاثي كولفيتز في بروسيا بألمانيا لأب كان يعتنق الفكر الاشتراكيّ وأمّ لوثرية الديانة. ومنذ صغرها درست الدين والأفكار الاشتراكية. وقد رتّب لها والدها دروسا في الرسم عندما كانت في الثانية عشرة. وبعد أربع سنوات، بدأت ترسم الفلاحين والبحّارة الذين كانت تراهم في مكتب أبيها. وبعد زواجها في سنّ السابعة عشرة، ذهبت لتتعلّم الرسم في ميونيخ.
وفي مرحلة تالية، عملت أستاذة في أكاديمية بروسيا للفنون. وفي عام 1933، اجبرها النازيّون على الاستقالة من وظيفتها، كما أزيلت لوحاتها من المتاحف، ومُنعت من عرض أعمالها، رغم أن النازيّين وظّفوا لوحتها بعنوان أمّ وطفلها لأغراض الدعاية.
وبعد ثلاث سنوات، زارها وزوجها أفراد من البوليس السرّيّ "الغستابو" وهدّدوهما باعتقالهما وإرسالهما إلى احد معسكرات الاعتقال. وقرّر الزوجان أن يقدما على الانتحار متى ما أصبح ذلك الاحتمال ممكنا.
كانت كولفيتز وقتها قد أصبحت شخصية مشهورة في أوربّا وخارجها. لذا تردّد النازيون في اتخاذ إجراءات أخرى ضدّها. وفي عام 1937، أي في عيد ميلادها السبعين، تلقّت رسائل تعاطف من عدد من الشخصيات العالمية وعرضا للقدوم إلى أمريكا والإقامة فيها بشكل دائم. لكنها رفضت العرض خوفا من أن تتسبّب في إثارة أعمال انتقامية ضدّ عائلتها.
وفي عام 1940، توفّي زوجها. وبعد ثلاثة أعوام، قُصف منزلها في برلين أثناء غارة جويّة لطيران الحلفاء، فانتقلت إلى بلدة أخرى حيث توفّيت هناك بعد ذلك بسنتين، أي في ابريل 1945.
وهناك اليوم في برلين متحف يحمل اسم كاثي كولفيتز ويتألّف من أربعة طوابق ويضمّ حوالي مائتين من أعمالها. وقد شُيّد المتحف على أنقاض منزلها القديم الذي أعيد ترميمه ومن ثمّ حُوّل إلى متحف بتمويل من بنك ألمانيا وبلدية برلين.

Sunday, December 24, 2017

لوحات عالميـة – 436

الكاهـن المتـزلّـج على الجليـد
للفنان الاسكتلندي هنـري ريبـيـرن، 1790

كانت نهاية القرون الوسطى تمثّل العصر الذهبيّ للوحات التي تصوّر مناظر الثلج والتزلّج على الجليد.
ولم يكن هذا بالشيء المستغرب، ففي تلك الفترة ساد أرجاء أوربّا ما عُرف بالعصر الجليديّ الصغير، وكان على الناس وقتها أن يواجهوا الظروف الصعبة الناتجة عن الجوّ البارد جدّا.
وكان من أفضل فنّاني هذا النوع من الرسم كلّ من هندريك ايفركامب ويوهان جونكيند وفريدريك كروزمان وغيرهم.
الرسّام هنري ريبيرن رسم، هو أيضا، واحدة من أشهر لوحات الفصول وأكثرها جاذبيةً. وفيها يظهر راهب يُدعى روبيرت ووكر وهو يتزلّج في بحيرة لوك المتجمّدة في اسكتلندا. ووراءه يظهر أفق فضّيّ تذوب فيه التلال في الجليد.
المفارقة التي تثيرها الصورة هي أن زعيما دينيا يجد ما يكفي من الوقت لأن يتخفّف من أعباء مسئولياته ويمارس هوايته الأثيرة. وهو في اللوحة يبدو جادّا، وفي نفس الوقت منهمكا في إمتاع نفسه.
المنظر يثير أيضا شعورا بالانضباط والمهارة، فذراعا الرجل مطويتان خلف ظهره لتخفيف المقاومة. والمنحنيات الظاهرة على سطح الجليد تشير إلى آثار المتزلّجين الذين سبقوه. ومزيج الألوان الزهرية والرمادية للغيوم تشكّل خلفية رائعة، وهي مع الصورة الظلّية للرجل وُظّفت لتوصل الإحساس بلحظات السعادة.
كان ووكر عضوا في جمعية ادنبره للتزلّج على الجليد، وكان أعضاء الجمعية يلتقون دوريّا لممارسة هوايتهم على مياه البحيرة المتجمّدة. و ووكر معروف بين زملائه بأنه متزلّج حاذق ويتقن المناورة.
وكان الرجل قد قضى معظم طفولته في هولندا، حيث كان والده يعمل كاهنا للكنيسة الاسكتلندية في روتردام. وقد تعلّم مهارات التزلّج على الجليد أثناء إقامتهم هناك. وعندما عاد إلى ادنبره، أسّس مع عدد من أصدقائه ناديا للتزلّج اعتُبر أوّل نادٍ من نوعه في العالم.
اللوحة تتضمّن لمسة بهلوانية وهي أيضا تجسّد البراعة وروح الدعابة، بينما الملابس الداكنة مع القبّعة تشيع نوعا من الوقار. كما أن الصورة تنقل لمحة عن اسكتلندا القديمة قبل ما يقرب من المائتي عام.
ولد ريبيرن في ادنبره في مارس عام 1756. وتوفّي والده وهو صغير، فتولّى أخوه الأكبر رعايته. وفي صغره عمل في ورشة لصنع المجوهرات، وكانت وظيفته نقش الصور على الحليّ.
ويمكن القول انه علّم نفسه بنفسه إلى أن أصبح رسّام بورتريه معروفا. وفي ما بعد، ذهب إلى روما للدراسة واستنسخ بعض أعمال ميكيل انجيلو. وبعد عامين عاد إلى اسكتلندا.
وقد صوّر ريبيرن بعض الشخصيات المشهورة في عصره مثل السير والتر سكوت الذي رسمه أربع مرّات. كما رسم صورا لمثقّفي وتجّار اسكتلندا. وفي عام 1812 انتُخب رئيسا لجمعية الرسّامين الاسكتلنديين ثم عضوا في الأكاديمية الملكية. وفي عام 1822 منحه الملك جورج الرابع لقب فارس.
ولوحات ريبيرن تتّسم عموما بالواقعية الشديدة وبآثار الضوء الدراماتيكيّ وغير المألوف. وكان بعض النقّاد يفضّلونه على غينسبورو ورينولدز، غير أن رسوماته اقل بريقا وأناقة من رسوماتهما.
ومع ذلك فإن لوحته هذه غير عاديّة، لدرجة أنها اختيرت كأفضل لوحة في اسكتلندا بسبب جاذبيّتها التي لا تقاوَم والمتعة الاحتفالية التي تصوّرها.
وفي ما بعد وضُعت على طوابع البريد واستُنسخت كثيرا على ربطات العنق وعلى علب الشيكولاته والمناديل وغيرها.
ولأن الصورة لا تحمل سمات محدّدة، فقد شكّك بعض مؤرخّي الفنّ في نسبتها لريبيرن، وساد اعتقاد أن من رسمها قد يكون الفرنسيّ بيير دانلو الذي كان يعمل في اسكتلندا في أواخر القرن الخامس عشر. لكن في ما بعد، ثبت أنها لريبيرن فعلا.
والبعض يشبّهها بلوحة للرسّام الأمريكيّ غيلبيرت ستيوارت رسمها هو الأخر في ادنبره وقريبا من هذا المكان. والأخيرة تصوّر طبيعة جليدية يظهر في خلفيّتها عدد من المتزلّجين مع بعض الأشجار.
توفّي هنري ريبيرن في ادنبره في يوليو عام 1823.