Saturday, September 23, 2017

لوحات عالميـة – 416

سـوق ليـلـيّ تضيـئه الشمـوع
للفنان الهولندي بيتـروس فـان شيـندل، 1863

كان بيتروس فان شيندل رسّاما متخصّصا في رسم الأسواق التي تضيئها الشموع ليلا. ويبدو أن هذا كان موضوعه المفضّل الذي لم يكن ينافسه فيه احد تقريبا.
وفي لوحاته كان ينقل، مع شيء من الدراما، أنواعا شتّى من أنشطة الناس في الليل، محاولا إبراز الفروق الدقيقة بين مستويات وتأثيرات متعدّدة من الأضواء والظلال والانعكاسات. ولكلّ لوحة من لوحاته أناقتها الخاصّة التي تجعلها مفعمة بالحركة والحيوية.
وفي ما بعد، رسم الفنّان لوحات أخرى مع مصادر ضوء إضافية غير الشموع وضوء القمر، مثل مصابيح الزيت والألعاب الناريّة والنار المفتوحة.
وخلال فترة قصيرة، أصبح فان شيندل سيّد هذا النوع من الرسم في العصر الرومانسيّ، أي في القرن التاسع عشر.
وبعض لوحاته تصلح لأن تكون سجلا عن طبيعة مدينة أمستردام وتضاريسها ومبانيها في القرن التاسع عشر. وبالنسبة إلى الذين لا يعرفون الكثير عن لاهاي أو روتردام في تلك الفترة، ربّما تُوفّر بعض تلك الصور انطباعا مُقنعا عن مشاهد الأسواق الليلية في مدن هولندا الكبيرة في منتصف القرن قبل الماضي.
وهذه اللوحة تُعتبر من أفضل أعماله، وهي توفّر نموذجا واضحا لبراعته الفنّية. وفيها يصوّر سوقا ليليّا للخضار والفاكهة والسمك في لاهاي، تظهر فيه مجموعة من النساء وهنّ يعرضن سلعهنّ على ضوء الشموع، بينما تتكدّس أمامهنّ أنواع مختلفة من الخضار والفاكهة والأسماك.
المرأة الجالسة إلى اليسار هي نقطة الارتكاز في المشهد، وضوء الشمعة يسقط على وجهها ويديها. والمرأتان الأخريان الواقفتان تحملان السّلال بينما تفاصلان البائعة الجالسة حول الأسعار.
وفي الجوار تقف مجموعة أخرى من النساء يبعن الأسماك. وفي خلفية الصورة، تظهر عدّة مبانٍ يضيئها نور القمر. ومن بين هذه المباني جزء من قاعة المدينة القديمة، بالإضافة إلى برج كنيسة كان محيطها يُستخدم في ذلك الوقت كسوق لبيع اللحوم.
ضوء القمر في اللوحة يأتي من ناحية اليسار، أي من فوق مبنى البلدية. وهناك أشخاص يتفرّجون أو يمرّون بالمكان لرؤية ما تعرضه الأكشاك الأخرى من سلع وبضائع.
منظر السماء المبهر والمباني الضخمة التي تخيّم على المكان تضيف إلى المشهد قدرا من الدراما والإثارة.
على مرّ السنوات، انتقلت هذه اللوحة من مالك لآخر إلى أن اشتراها مالكها الحاليّ من تاجر في غلاسغو عام 1916 بمبلغ زهيد لا يتجاوز الأربعين غيلدر هولنديّ.
ولد بيتروس فان شيندل في ابريل عام 1806 لعائلة من المزارعين التجّار في بلدة بريدا الهولندية. وقد ظهرت موهبته في الرسم منذ صغره، فأرسله والده إلى انتويرب كي يدرس الرسم في أكاديميّتها للفنون.
ثم انتقل بعد ذلك إلى أمستردام حيث رسم أوّل لوحة له، وكانت عبارة عن منظر لسوق ليليّ يستحمّ في ضوء الشموع. وكانت تلك صورة رومانسية أضاف إليها الفنّان من خياله، والاهمّ أنها أكسبته سمعة كبيرة في هولندا وخارجها.
تأثّر فان شيندل في بداياته بأعمال مواطنَيه الرسّامَين غودفريد شالكن وغيريت دو . وبعد ذلك تعرّف على رسّام يُدعى ماثيو فان بري. وقد علّمه الأخير المزيد من المهارات وشجّعه على أن يولي أهميّة اكبر للتفاصيل. ثم بدأ يهتمّ بالإكسسوارات والنسيج وتعلّم كيف ينتج طبقات متعدّدة من الألوان فوق سطح القماش.
وفي تلك الأثناء، تعرّف الرسّام إلى امرأة تُدعى اليزابيث غراسفيلد فتزوّجها وأنجب منها ثلاثة عشر طفلا. في ذلك الوقت، كان ما يزال يناضل من اجل تحسين أحواله المعيشية، فغادر هو وزوجته ليستقرّا في روتردام حيث عمل هناك بوظيفة معلّم للرسم.
وفي روتردام، رسم عددا من اللوحات، وكلّها كانت تؤكّد موهبته الاستثنائية في رسم الأضواء الاصطناعية. ومع مرور الوقت، صار له رعاة وزبائن وأصبح يتلقّى المزيد من طلبات الرسم.
وبعد ذلك انتقل فان شيندل إلى لاهاي التي نظّم فيها أوّل معرض لأعماله اجتذب المزيد من العملاء. وكان ذلك المعرض فرصته لاستكشاف مواهبه الأخرى التي لم يكن يعرفها الناس. وقد كوفيء على عدّة براءات اختراع في مجالات السّكك الحديد والملاحة البحرية والزراعة.
وأثناء إقامته في لاهاي، ترسّخ اسمه أكثر في سوق الفنّ وباع عدّة لوحات على بعض مجموعات الفنّ الملكية في أوربّا. وأصبح من بين زبائنه الملك وليام الثاني والملكة فيكتوريا وملك بلجيكا والعائلة الحاكمة في روسيا. كما نال عدّة جوائز من معارض أقيمت في بروكسل وباريس ومانشيستر وغيرها.
قبل وفاته بعام تقريبا، رسم فان شيندل لنفسه بورتريها يظهر فيه بهيئة شخص ملتحٍ ووقور، يرتدي ملابس أنيقة ويعتمر قبّعة، بينما يجلس متطلّعا إلى البعيد بنظرة متأمّلة.
وبعد وفاته في عام 1870، نسي الناس اسم وفنّ بيتروس فان شيندل مع ظهور مدارس الفنّ الحديث. لكن لوحاته تُقيّم عاليا هذه الأيّام وتحظى باهتمام وإعجاب خبراء الفنّ والجمهور على السواء.

Saturday, September 16, 2017

لوحات عالميـة – 415

سيّـدة تكتـب رسـالة
للفنان الهولندي يوهـان فيـرميـر،1665

عاش يوهان فيرمير قبل أكثر من ثلاثمائة عام. وحتى اليوم لا يُعرف عنه أو عن حياته سوى الشيء القليل. خبراء الفنّ المعاصرون فحصوا السجلات المدنية القديمة في بلدة ديلفت حيث عاش، بحثا عن معلومات عنه أو عن عائلته، لكنهم لم يجددوا الكثير. كما انه لم يترك صورة تقول لنا شيئا عن ملامحه.
لكن من المعروف انه عمل في تجارة الفنّ لبعض الوقت في شبابه مع والده البروتستانتيّ. لكنه وقع في هوى امرأة كاثوليكية تُدعى كاترينا بولنز ثم لم يلبث أن تزوّجها، الأمر الذي دفع عائلته لأن تطرده من البيت وتتبرّأ منه. فاضطرّ لأن ينتقل إلى منزل والدة زوجته في الحيّ الكاثوليكيّ من البلدة، حيث عاش هناك بقيّة حياته.
كان يوهان وكاترينا قريبين من بعضهما كثيرا. ومعظم العائلات الهولندية في ذلك الوقت كانت تكتفي بطفلين أو ثلاثة، لكنه وزوجته أنجبا احد عشر طفلا ملئا بهم البيت وعاشوا حياة فقر وعوز. وقد اضطرّ أحيانا لأن يقايض دائنيه بلوحاته.
في ذلك الوقت، غزا الفرنسيون والألمان هولندا، وكان طبيعيّا أن يعاني الناس من تردّي الاقتصاد والأحوال المعيشة نتيجة الحرب. وعندما توفّي فيرمير عام 1675 في سنّ الثالثة والأربعين كان مفلسا تماما.
ومن الصعب تصوّر فكرة أنه كان شخصا بوهيميّا أو متعطّشا للجنس، بحسب ما تصوّره السينما وبعض الروايات هذه الأيّام. فالذين درسوا حياته يقولون انه كان زوجا محبّا وأبا حنونا. ولم يكن يشغله سوى العلوم والبصريات والرسم.
وحتى ما كان بحوزته أحيانا من مال قليل لم يكن يكفي لاستئجار محترف أو الاستعانة بموديل معروفة. لذا كان من الطبيعيّ أن تكون زوجته وبناته هنّ جليساته في لوحاته. وجوههنّ النضرة وملامحهنّ الهادئة متشابهة. ومن السهل أن ترى كاترينا، الحامل أحيانا، في بعض صوره.
في هذه اللوحة، يرسم فيرمير زوجته وهي جالسة إلى طاولة في غرفة معتمة، بينما تكتب رسالة. وهي ترتدي معطفا اصفر زاهيا يزيّنه فراء ابيض مع قرطين من اللؤلؤ وشرائط شعر بيضاء.
الضوء في اللوحة يسقط من الزاوية اليسرى، ما يجعل المرأة نقطة الارتكاز فيها. وهي تمسك في يدها اليمنى بقلم، بينما تُريح ذراعها الآخر على الطاولة. لكن اهتمامها يتحوّل بعيدا عن الرسالة كما لو أن شخصا ما قاطعها فجأة. وهي تنظر باتجاهه وعلى فمها اثر تساؤل وابتسامة خفيفة.
الطاولة مؤطّرة بقماش ازرق خفيف، وعليها يستقرّ عقد من اللؤلؤ وشريط من الحرير الأصفر. وفي الخلفية، على الجدار، لوحة بالكاد يمكن رؤية تفاصيلها.
التصميم في اللوحة محكم ويكشف عن إحساس هندسيّ دقيق، وهذه هي إحدى سمات فن فيرمير. وإذا صحّت فرضية أن المرأة الظاهرة في الصورة هي زوجته، وهذا أمر مرجّح اليوم، فإنه يصبح من السهل توقّع أنها كانت عند رسمها في منتصف الثلاثين من عمرها، بالنظر إلى أنها مولودة في عام 1631.
الألوان في اللوحة هي مزيج صامت ومتناغم من الأصفر والأزرق والبنّي. والإضاءة الساحرة والنقاء الفوتوغرافيّ والوضعية الأنيقة للمرأة والقلم المعلّق فوق الورق للحظات، كلّها تؤشر إلى النوعية الممتازة للتفاصيل والأشياء والتي أصبحت علامة تميّز فيرمير.
من الأشياء الأخرى اللافتة أيضا في اللوحة التحوّل السلس للألوان والذي ينتج حوافّ ناعمة. وليس هناك أشكال ولا خطوط محدّدة أو واضحة، هناك فقط إيحاء بالأشكال. وتنفيذ مثل هذه المهارات يتطلّب عادةً وقتا وجهدا كبيرين، حتى لو كان الرسّام بارعا فيها من الأساس.
الرسائل هي عادةً عن الحبّ والعلاقات الحميمة. واللوحة تُظهر أن الكتابة فعل مريح وممتع وله نفس أهميّة الأشياء الماديّة الثمينة التي تعامَل أحيانا كالكنوز وتُحفظ بعيدا عن متناول الآخرين. وجوّ اللوحة يعطي الانطباع بأن هذه المرأة التي عاشت قبل أكثر من ثلاثة قرون يمكن أيضا أن تنتمي إلى عالمنا.
من الأشياء اللافتة أيضا في اللوحة أن المعطف الذي ترتديه المرأة هو نفسه الذي يظهر في بعض لوحات الرسّام الأخرى مثل امرأة تعزف الغيتار . وحتى نفس عقد اللؤلؤ والخزانة الخشبية الصغيرة في الخلفية يظهران في لوحات أخرى له، ما يرجّح فرضية أن فيرمير كان يرسم من مجموعة ثابتة من الأقمشة والإكسسوارات التي كان يحتفظ بها دائما ضمن مقتنياته الخاصّة.
تجدر الإشارة إلى أن هناك ستّ لوحات أخرى لفيرمير تناول فيها نفس الموضوع وتصوّر نساءً إمّا يقرأن أو يكتبن. ويقال أن أوّل من روّج لفكرة المرأة التي تكتب هو مواطنه الرسّام جيرارد تير بورش.
المعروف أن فيرمير لم يترك توقيعا على أيّ من لوحاته، لكنه ترك تواريخ على ثلاث منها فقط. ويبدو أن تأثيره على الكثير من الرسّامين الذين أتوا بعده، بالإضافة إلى كثرة اللوحات المزوّرة المنسوبة له، شكّلا تحديّا كبيرا لخبراء الفنّ الذين حاولوا أن يثبتوا أصالة بعض أعماله وصحّة نسبتها إليه.

Tuesday, September 12, 2017

لوحات عالميـة – 414

فناء منزل في الريف الجزائريّ
للفنان الأمريكي فريـدريك آرثـر بريـدجمان، 1920

كان فريدريك آرثر بريدجمان رسّاما استشراقيا مشهورا في زمانه. لكن الكثيرين اليوم يعتبرونه منسيّا إلى حدّ ما، مع أن أعماله تظهر بانتظام وتبيع جيّدا في مزادات الفنّ العالمية.
وهناك من يقول إن السبب في أن اسمه أصبح غير متداول كثيرا اليوم هو أن ترويجه لنفسه أثناء حياته منع الآخرين من الاقتراب منه أو تناول فنّه تناولا نقديّا. ومنذ وفاته، لم يظهر كتاب يؤرّخ لسيرة حياته كما لم يقم أيّ من المتاحف الكبيرة بتنظيم معرض لأعماله.
كان بريدجمان عاشقا كبيرا لبلدان وثقافات الشرق. وقد أخذته أسفاره الطويلة إلى المغرب والجزائر ومصر وسوريا وتركيا ليطّلع على مظاهر الحياة فيها وليصوّرها.
وهو لم يكن رسّاما فحسب، بل كان أيضا شاعرا وأديبا ومؤلّفا وعازفا موسيقيّا. واهتمام جامعي الفنّ العرب، على وجه الخصوص، بفنّه وفنّ غيره من رسّامي الاستشراق مردّه في الأساس كون الرّسم الاستشراقي هو السجلّ البصريّ الوحيد المتوفّر اليوم عن حياة شعوب المنطقة في القرن التاسع عشر. لكن هناك سببا آخر يتمثّل في تقدير هؤلاء الجامعين لبراعة وإبداع بريدجمان بشكل خاصّ.
اعتبارا من عام 1870، اتّخذ الرسّام من فرنسا وطنا دائما له، حيث تعلّم فيها على يد جان ليون جيروم وكان هو الطالب المفضّل عنده. ويمكن تبيّن تأثير أستاذه عليه من خلال تبنّيه الرسم الأكاديميّ ثم المواضيع الاستشراقية. وما من شكّ في أن رحلات جيروم إلى الشرق عام 1850 شجّعت بريدجمان على أن يسافر إلى هناك مقتفياً خطى معلّمه.
رحلة بريدجمان إلى كلّ من مصر والجزائر بدأها عام 1872. وقد وفّرت له تلك التجربة مصدر إلهام دائم. ورسم خلال رحلته تلك أكثر من ثلاثمائة اسكتش كانت الأساس للعديد من اللوحات الزيتية التي نفّذها في ما بعد.
وفي عام 1890، ألّف بريدجمان كتابا بعنوان "شتاء في الجزائر" ضمّنه العديد من الرسومات والقصص التي لا تُنسى عن أسفاره وخبراته الفريدة في ذلك البلد. وقد سُمح له بدخول بيوت الحريم ورسم ما رآه تقريبا ولم يعتمد على ذاكرته مثلما فعل معاصروه من الفنّانين.
وأثناء رحلاته جمع الرسّام ملابس وأدوات فنّية وتراثية ومعمارية زيّن بها منزله في باريس، لدرجة أن بيته صار مزارا للكثير من الفنّانين. واهتمامه الشديد بالأزياء والإكسسوارات وأنماط الحياة اليومية في الجزائر خاصّة يوفّر سجلا قيّما عن بعض سمات الثقافة الجزائرية في مرحلة انفتاح بلدان المنطقة على الغرب.
في هذه اللوحة، يصوّر بريدجمان جانبا من أنشطة الحياة اليومية في فناء منزل ريفيّ زاره في ولاية بسكرة جنوب شرقي الجزائر. كانت الولاية مشهورة بصناعاتها اليدوية وبساطة الحياة فيها.
وفي اللوحة تظهر امرأتان تقومان بأعمال التطريز بصحبة امرأة ثالثة وخادمة سمراء. المرأة الجالسة أمام طاولة النسيج تعالج الخيط، بينما تراقبها الفتاة الصغيرة باهتمام. وخلفهما تقف فتاة أخرى تمسك بباقة أزهار. وإلى اليسار مائدة مذهّبة عليها عنب وتين.
وفي الخلف يمكن رؤية غزالة تستريح تحت الجدار. والرسّام يضمّنها في اللوحة باعتبارها رمزا لجمال المرأة في الثقافة العربية. وهناك أيضا نافورة وعمود من الرخام ذو طراز أنيق.
ومن الأشياء الأخرى التي تلفت الانتباه الأقدام العارية للنساء والحرّية التلقائية التي يتصرّفن بها والملابس الملوّنة واللمّاعة. وكلّ هذه العناصر فيها إشارة إلى الحواسّ الخمس وإلى جاذبية ونبل الأنثى.
كان بريدجمان قد كتب عدّة تحقيقات عن تجربته في الجزائر ونشرها في مجلّتي اتلانتيك وهاربر الأمريكيّتين. وهو كان مفتونا بالديكور المغاربيّ الذي رآه في منازل الجزائريين الأثرياء. وبعض لوحاته عن تلك البيوت تذكّر بأجواء ألف ليلة وليلة.
كما كتب بإسهاب عن التأثير الكلاسيكيّ، الإغريقيّ خاصّة، على المعمار المغاربي من خلال أشكال الأعمدة والأبواب المقوّسة. وأيضا أشار إلى أن المعماريين العرب عدّلوا وحسّنوا ما وجدوه وأضافوا إليه الكثير من الحيوية الفنّية عبر توظيف الأنماط الهندسية التجريدية والعناصر الزخرفية.
من بين أكثر أعمال بريدجمان الأخرى احتفاءً لوحته منظر لزقاق جزائريّ ولوحة أخرى بعنوان لعبة مثيرة . في اللوحة الأخيرة، يتذكّر الفنّان احد مقاهي القاهرة ويرسم تفاصيله المعمارية وأزياء روّاده. والصورة تُظهِر رجلين يلعبان الشطرنج بحضور رجل ثالث وامرأة.
وقد رسم هذا المنظر عندما عاد إلى باريس، وضمّنه تذكارات أخذها معه من رحلاته إلى الجزائر. تَعامُل بريدجمان البارع مع الضوء والظلّ في هذه اللوحة وتصويره غير النمطيّ للأشخاص، بتوظيفه الحركات والأوضاع والإيماءات كأدوات تعبيرية، كلّ ذلك أكسبه ثناء وإعجاب النقّاد.
ولد فريدريك آرثر بريدجمان في ولاية الاباما الأمريكية عام 1847 لأب كان يعمل طبيبا. وفي البداية درس الرسم في مدرسة بروكلين للفنون، ثم سافر إلى باريس عام 1866 حيث تعرّف فيها إلى جان جيروم الذي كان له تأثير كبير في توجيه مساره الفنّي.
بعد الحرب العالمية الأولى، استقرّ بريدجمان في منطقة النورماندي. ورغم انه استمرّ يرسم هناك، إلا انه توقّف عن عرض أعماله على الجمهور. وقد توفّي في روين عام 1928 وسط تجاهل تامّ تقريبا من النقّاد والصحافة.

Thursday, September 07, 2017

لوحات عالميـة – 413

بورتريه مدام ريمسكي كورساكوف
للفنـان الألمـانـي فرانـز ونتـرهـولتـر، 1864

من العوامل التي أكسبت الرسّام فرانز ونترهولتر ثناء النقّاد اهتمامه الشديد بتفاصيل الملابس والمجوهرات وعناصر الزينة الأخرى في لوحاته.
كان يميل إلى إضفاء قدر من اللمعان على صوره، ما يشي بمعرفته التامّة بوظائف الألوان والظلال. كما كان يخلع على شخوصه مظهرا ملوكيّا وحضورا مميّزا.
وقد عمل الفنّان معظم حياته على رسم بورتريهات للعائلات الملكية في اسبانيا وبلجيكا وروسيا وألمانيا. ومعرفته وخبرته واضحة في هذه اللوحة التي رسمها بعد أن تجاوز الستّين من العمر، وهي تُعتبر إحدى أشهر لوحاته.
وفيها يصوّر باربرا "باربي" ريمسكي كورساكوف، سليلة إحدى العائلات الروسية الكبيرة. وقد ساد اعتقاد لبعض الوقت أن المرأة كانت زوجة الموسيقيّ الروسيّ المشهور نيكولاي ريمسكي كورساكوف، ربّما لأن الشخصيتين عاشتا في عصر واحد. لكن الأمر لا يعدو كونه مجرّد تشابه في الأسماء.
كانت باربرا كورساكوف إحدى جميلات القرن التاسع عشر. وقد ولدت عام 1833 لعائلة موسرة من كوستروما في روسيا، وتزوّجت في عام 1850 من نيكولاي كورساكوف الذي كان ضابطا طموحا في الجيش الروسيّ.
كانت وقتها في السادسة عشرة من عمرها وهو في العشرين. وقد أنجبا ثلاثة أطفال، وكانا نجمين لامعين في حفلات الطبقة الرفيعة في روسيا. كانت عائلة الزوج مشهورة، والكثير من أبنائها تقلّدوا مناصب مهمّة في الدولة وفي قيادة الجيش.
وقد ذكر تولستوي الزوج في رواية آنا كارينينا بعد أن حرّف اسم عائلته إلى كورسنسكي، كما امتدح جمال الزوجة ووصفه بطريقة بليغة.
لكن زواج باربرا من كورساكوف لم يكن سعيدا كثيرا. لذا انتهت علاقتهما بالانفصال وقرّرت هي أن تهاجر إلى فرنسا في عهد الإمبراطورية الثانية. وعندما وصلت إلى باريس في شتاء عام 1863 ظهرت في العديد من الحفلات الخاصّة. وأصبحت معروفة في كلّ فرنسا وأسماها الفرنسيّون فينوس التتارية بسبب جمالها الغرائبيّ.
كان نابليون الثالث، ملك فرنسا وقتها، معروفا بشخصيته المزاجية وكان ينفق المال ببذخ على الحفلات الصاخبة كي يدهش جيرانه الأوربيّين. ولم تكن باربرا تفوّت حضور تلك الحفلات.
ومع مرور الوقت أصبحت مقرّبة من اوجيني زوجة نابليون. وكان ونترهولتر يعرف اوجيني وزوجها عن قرب. وقد رسم للزوجة العديد من البورتريهات صوّر فيها جمالها وأناقتها وكذلك افتتانها باقتناء المجوهرات، لذا جعلت منه رسّامها المفضّل.
رسم ونترهولتر هذه اللوحة لباربرا كورساكوف في باريس، ولم يكن عمرها قد تجاوز آنذاك الحادية والثلاثين. وفيها تظهر مرتديةً فستانا فضفاضا وشفّافا، وبلا مجوهرات، كما أنها بعيدة عن مواصفات الجمال المثاليّ. وملامحها تبدو مثل ملامح أسلافها من التتّار.
وربّما كان نسبها وبذخها وجرأتها من العوامل التي جعلت من هذه المرأة شخصية لا تُنسى في مجتمع باريس آنذاك. ويقال أنها لم تكن تذهب إلى مكان دون أن تلفت اهتمام الناس، وقد عُرفت بميلها لارتداء ملابس شفّافة. لكنها من خلال هذا حقّقت هدفها بأن تصبح شخصية مشهورة.
كان المعجبون بها كثيرين، وأشيع الكثير عن قصص حبّها المتعدّدة. لكنها كانت تفضّل أن تظلّ وحيدة ومستقلّة، وهذا كان امرأ غريبا على امرأة من القرن التاسع عشر.
توفّيت باربرا ريمساكوف في بلدة نيس وهي في عمر الخامسة والأربعين ودُفنت في المقبرة الروسية. وبعد وفاتها، ألّف الموسيقيّ الفرنسيّ اميل والدتيوفيل قطعة موسيقية بعنوان تذكار من بياريتز إحياءً لذكراها.
الرسّام فرانز ونترهولتر كان يعرف كيف ينقل إلى صوره تفاصيل الوجه والشعر ولمعان العيون. وقد انتُقد لهذا السبب بالذات، أي لأنه كان يطبّق مذهب الفنّ للفنّ. ومع ذلك لم يمنع كلام النقّاد رجال ونساء ذلك العصر من الاستمرار في تكليفه برسمهم.
ورغم أن اسم ونترهولتر سقط في غياهب النسيان بعد وقت قصير من وفاته، إلا أن الاهتمام به وبفنّه بُعث مجدّدا اعتبارا من منتصف القرن الماضي.

Sunday, September 03, 2017

لوحات عالميـة – 412

زوجـان في الشـارع
للفنان الفرنسي شـارل أنغـرانـد، 1887

كان شارل أنغراند احد رموز تيّار الانطباعية الجديدة أو النُقَطية الذي ابتكره كلّ من جورج سورا وبول سيغناك في نهاية القرن التاسع عشر.
ومع ذلك كان أسلوب أنغراند مختلفا عن زملائه، فقد كان يرسم بألوان باردة أكثر من سيغناك وسورا اللذين كانا يستخدمان ألوانا ذات تباينات ساطعة في الغالب.
كان أنغراند مؤمنا بالفوضوية، وهي فلسفة سياسية تدعو لأن تحكم المجتمعات نفسها، وتعتبر أن الحكومات غير ضرورية، وأحيانا ضارّة، وأن الأفراد قادرون على تدبير شئونهم بأنفسهم من خلال التعاون والاحترام المتبادل.
والتزام الرسّام بمثل هذه الأفكار التي تبدو مستعصية على التطبيق دفعه لأن يولي أهمّية خاصّة بحياة الناس العاديّين، وخاصّة مواطني الطبقة الكادحة في الضواحي الذين كان يعتقد أن من حقّهم أيضا أن ينالوا نفس الاهتمام الذي يناله الارستقراطيون والأثرياء.
وكان أنغراند يعامل أفراد هذه الطبقات البسيطة بعاطفة وسخاء بالنظر إلى فقرهم وتدنّي مستوى معيشتهم.
وهذه اللوحة تعكس أفكار الرسّام، وفيها يرسم زوجين من أبناء الطبقة العاملة وهما يمشيان في احد شوارع باريس المتربة.
طريقة تصوير ملابس الزوجين البسيطة والشارع الرثّ الذي يمشيان فيه تنطوي على انتقاد ضمنيّ للفنّ الأكاديميّ الذي كان يميّز الصالون الرسميّ.
وعندما تنظر إلى تفاصيلها عن قرب سترى أنها تخلو من الألوان الأساسية اللامعة التي يستخدمها الرسّامون من نفس المدرسة عادةً. وقد وظّف الرسّام في اللوحة ألوانا ترابية فاتحة وباردة كالأخضر والأزرق والأحمر لتعميق الظلال، مع انعدام أيّ وجود للّون البنفسجيّ الذي يميّز لوحات الانطباعيين الجدد عادةً.
ومع ذلك فإن اللوحة تشعّ بالدفء والحميمية والبساطة. والاستخدام الرائع للضوء والظلّ هو نموذج للوحات أنغراند التي سبق أن وصفها زميله سيغناك بأنها قصائد من ضوء.
ومع أن هذه اللوحة لم تُعرض في حياة الرسّام، إلا أنها تمثّل نقطة تحوّل مهمّة في مساره الفنّي كرسّام. وكان قبلها قد رسم مناظر ريفية تشبه لوحات غوستاف كوربيه وجان فرانسوا ميليه مع مسحة انطباعية.
ولد شارل أنغراند في النورماندي في ابريل 1854 لأب كان يعمل مديرا لمدرسة. وبعد أن درس الرسم ليصبح معلّما، انتقل من روين إلى باريس التي رأى فيها لأوّل مرّة معرضا للوحات كميل كورو الذي يمكن رؤية تأثيره على أنغراند في لوحات الأخير المبكّرة.
ثم أصبح مدرّسا للرياضيات ليعيل نفسه في منطقة قريبة من المقاهي التي كان يؤمّها الفنّانون والكتّاب الطليعيون في باريس. وقد تقبّله هؤلاء بسرعة ضمن دائرتهم، وأصبح صديقا لفان غوخ وسورا وسيغناك وماكسيميليان لوس وهنري كروس وأوديلون ريدون. وفي عام 1884، أصبح احد الأعضاء المؤسّسين لصالون الرسّامين المستقلّين.
كان أنغراند يتمتّع بالقدرة على تحويل المناظر البسيطة إلى شعر. وقد تأثّر به فان غوخ في استخدامه للفرشاة السميكة وفي التوليف المتناظر المستوحى من الرسومات اليابانية.
لكن رغم نجاحات لوحاته التي رسمها بالأسلوب الانطباعيّ الجديد، إلا انه تخلّى عنه مع انتقاله إلى خارج باريس في عام 1896.
وقد قضى أنغراند آخر ثلاثين عاما من حياته في عزلة تامّة كان أثناءها يزاول الرسم باستخدام ألوان الباستيل التي كان صديقه سيغناك معجبا بها.
توفّي الرسّام في ابريل من عام 1926. ويمكن رؤية أعماله اليوم في عدد من المتاحف حول العالم مثل متحف كليفلاند ومتحف انديانا بوليس ومتحف المتروبوليتان.

Wednesday, August 30, 2017

لوحات عالميـة – 411

بورتريه ألمينا، ابنة آشر ورتهايمر
للفنان الأمريكي جون سنغر سارجنت، 1908

تصوير نساء أوربّيات أو أمريكيات بملابس شرقية كان موضة فنّية في أوربّا في بدايات القرن الماضي. ويبدو أن أصل هذا التقليد يعود إلى رسومات الهولنديّ فان دايك ولوحات الرسم الاستشراقيّ الفرنسيّ في القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر.
في عام 1898، طلب الثريّ الأمريكيّ آشر ورتهايمر من الرسّام جون سارجنت أن يرسم اثني عشر بورتريها لأفراد عائلته. وفي عام 1908، أكمل الرسّام تلك المهمّة وتقاضى على كلّ بورتريه حوالي مائة وعشرين ألف دولار بمعدّلات هذه الأيّام. وأصبح بعدها ورتهايمر اكبر راعٍ لسارجنت، كما ربطت بين الاثنين صداقة قويّة، وكان سارجنت يحبّ راعيه الجديد ويقدّره عاليا.
وهذه اللوحة هي آخر لوحة رسمها الفنّان لعائلة صديقه. وحدث أنها أصبحت أشهر تلك اللوحات على الإطلاق، وفيها يصوّر سارجنت ألمينا الابنة الخامسة لورتهايمر. وقد رسمها وهي ترتدي فستانا فارسيّا ابيض وعمامة تركيّة مزيّنة باللآليء، بينما تمسك بـ "سارود" وهو آلة موسيقية معروفة في مناطق شمال الهند. أي أن الفنّان مزج في البورتريه عناصر مختلفة من عدّة ثقافات شرقية.
الوشاح الخارجيّ الأبيض والأخضر، بالإضافة إلى الآلة الموسيقية، جلبهما سارجنت من محترفه حيث كان يحتفظ بهما مع الكثير من الملابس والإكسسوارات الشرقية الأخرى.
كانت ألمينا ورتهايمر في الثانية والعشرين من عمرها عندما رسمها سارجنت. وتبدو في الصورة مستمتعة بلعب دور أميرة شرقيّة. كما أن الخلفية اليهودية للمرأة تضيف طبقة أخرى من المعنى للبورتريه. إذ جرت العادة أن النساء اليهوديات غالبا ما يُضفى على صورهنّ طابع شرقيّ.
صورة سارجنت هذه لألمينا كان يُنظر إليها دائما باعتبارها مثالا على براعة الرسّام ومقدرته الفنّية. وحتى صوره الأخرى لأفراد هذه العائلة كانت تمثّل بالنسبة للكثير من النقّاد ذروة قوّة الفنّان في رسم البورتريه.
وقد أوصى ورتهايمر قبل وفاته بأن تؤول ملكية تسع من هذه اللوحات إلى متحف تيت البريطانيّ. ثم اشترى نفس المتحف اللوحة العاشرة عام 1996، بينما ذهبت اللوحتان الأخريان إلى إحدى المجموعات الفنّية الخاصّة في الولايات المتحدة.
عندما كان سارجنت يرسم صور عائلة ورتهايمر، لم يكن يُظهر أيّ بوادر إعجاب أو نقد. كان ينظر إلى كلّ منهم بعين الملاحظ البارد ثم ينقل ملامحهم إلى رقعة الرسم. وقد بدأ برسم الأب فالأمّ ثم الباقين.
رسم سارجنت في حياته حوالي تسعمائة لوحة زيتية وأكثر من ألف لوحة بالألوان المائيّة. وبعض أعظم انجازاته كانت لوحاته المائيّة التي تتّسم بشفافيتها ولمعانها وتنفيذها الرائع. وقد رسم معظمها أثناء رحلاته إلى ايطاليا واسبانيا.
ورغم انه رسم نساءً أكثر من الرجال، إلا أن احد انجازاته الكبيرة كانت رسمه للورد ريبلزديل . كما رسم صورة لدوقة ديفونشاير و دوقة ساذرلاند ولعشرات النساء الأخريات بنفس الأسلوب الأنيق والرائع. ولا يمكن أيضا إغفال بورتريهاته الجماعية ومن أشهرها عائلة مارلبورو والأخوات ويندهام .
كان سارجنت يُلقّب في حياته بموزارت الرسّامين. وكان العبقريّ الذي دفعت براعته الرسّامين المنافسين لكراهيّته وإضمار الحسد له. وفي عام 1907 كان أكثر رسّام يسعى الناس وتجّار الفنّ وراء بورتريهاته. وكان وقتها قد قرّر أن يتوقّف عن رسم البورتريه نهائيّا.
وسارجنت لم يعش أبدا في وطنه الأمّ أمريكا، بل لم يرها إلى أن بلغ السادسة عشرة من عمره. ورغم ترحاله الطويل في أوربّا، لم يساوره يوما شعور بأنه ينتمي إلى وطن بعينه.
كان صديقا للعديد من الشخصيات الفنّية والأدبية بمن فيهم اوسكار وايلد الذي امتدّت صداقته معه إلى أن اعتُقل الأخير عام 1895. وهو لم يتزوّج أبدا لأنه كان على ما يبدو منشغلا كليّا بعمله.
توفّي جون سارجنت في ابريل من عام 1925 بعد إصابته بنوبة قلبية بينما كان نائما في شقّته في لندن حيث كان يقيم. وبعد رحيله بعشر سنوات عانت لوحاته من الإهمال والنسيان عندما ظهر الرسم التجريديّ.
لكن هذه الأيّام بُعثت أعماله من جديد وأصبحت تحظى بالتقدير المتزايد في أوساط النقّاد والجمهور على السواء.