Thursday, August 17, 2017

لوحات عالميـة – 408

امـرأة مع زهـرة قرنفـل
للفنان الهولندي رمبـرانــدت، 1660

قال احد النقّاد ذات مرّة: أحيانا أحبّ رمبراندت، وأحيانا أريد أن أركله! أن تحاول الدخول إلى عقل هذا الرسّام كي تعرف ما الذي كان يحاول فعله هو نوع من التحدّي والتجربة الرائعة".
لكن ما من شكّ في أن رمبراندت يُعتبَر بنظر الكثيرين أعظم رسّام هولنديّ على مرّ العصور وأحد أشهر الرسّامين في تاريخ الفنّ الأوربّي والعالميّ. ولم يكن من قبيل المصادفة أن الزمن الذي عاش فيه سُمّي بالعصر الذهبيّ للرّسم الهولنديّ.
لم يكن رمبراندت بطبيعته ميّالا إلى التنظير. ولم تكن تشغله فكرة النبل التي كانت مهمّة جدّا في حياة بعض الرسّامين مثل الاسبانيّ دييغو فيلاسكيز والهولنديّ بيتر بول روبنز. كما لم يكن يشعر بأن عليه أن يجعل شخوصه الذين كان يرسمهم في لوحاته يبدون نبلاء أو كاملين. لذا اعتُبر ثاني رائد للواقعية بعد كارافاجيو.
وقد أتى من طبقة بسيطة في هولندا، فأبوه كان طحّانا وأمّه ابنة خبّاز. وكان ثاني اكبر إخوته العشرة. وعلى الرغم من كثرة أعباء والتزامات والديه، إلا أنهما أرسلاه إلى مدرسة مرموقة لدراسة التاريخ والأدب الكلاسيكيّ.
وكان رمبراندت متماهيا مع الناس البسطاء الذين كان يعرف انه جاء من وسطهم. وكانت أيّام عمله مزدحمة بالناس وبالتلاميذ والمساعدين، لأنه كان بحاجة ماسّة إلى وقتهم ومالهم. وفي أوج شهرته كان لديه أكثر من ثلاثين تلميذا يعملون معه ويعلّمهم.
هذه اللوحة "امرأة مع زهرة قرنفل" رسمها رمبراندت في أواخر حياته، وصوّر فيها اليزابيث ديليفت زوجة بيتر هارنغ الذي كان محاميا في مدينة اوتريخت وتاجر عقارات في أمستردام. وهارنغ هو نفس الرجل الذي يظهر في لوحة رمبراندت الأخرى بعنوان رجل مع زجاج مكبّر (1660).
مجوهرات المرأة في اللوحة تبدو غريبة، كما أن لباسها قديم. وعلى الرغم من كثرة الزينة التي ترتديها، إلا أن العين تنجذب أكثر إلى الزهرة الجميلة التي تمسك بها، وهي زهرة القرنفل التي عادةً ما ترمز للحبّ والزواج.
ولا بدّ وأن زوجها، أي هارنغ، بحكم كونه تاجرا، كان يتعامل مع الأعمال الفنّية والمجوهرات والأقمشة. والصورة التي يظهر جانب منها في خلفية اللوحة، بالإضافة إلى نوعية لباس المرأة، تؤكّد ارتباط الزوجين بالسلع الغالية والمرفّهة.
كان رمبراندت كثيرا ما يأخذ الأشياء البسيطة إلى نهاياتها. وبورتريهاته كانت تمنح زبائنه ما يريدونه، أي التصوير الحقيقيّ، لكنه يحوّله إلى بحث متسامٍ في الشخصية. كما كان يوظّف معرفته العميقة بالتاريخ ويمزجها برسوماته، موسّعاً انجازات الرسّامين الذين سبقوه.
كان العديد من الرسّامين الهولنديين قد ذهبوا إلى روما وأحضروا معهم تأثيرات كارافاجيو في إظهار التفاعل الدراماتيكيّ بين الضوء والظلّ ووظّفوها في أعمالهم.
لكن رمبراندت لم يفعل، بل مزج تقنيات كارافاجيو بالأساليب الأكثر نعومة لتيشيان وجورجيوني، خالقاً أجواءً مشعّة من الألوان الذهبية والبنّية والبرونزية والسوداء.
وكان يعبّر عن الحركة غالبا بضربات الفرشاة السريعة والفضفاضة. ولوحاته تتضمّن الكثير من الانفعالات والعمق السيكولوجيّ.
وعندما توفّي، كان قد رسم حوالي ثلاثمائة لوحة تتناول مواضيع شتّى. وقد أنجز بعض أفضل أعماله، مثل هذه اللوحة، في نهايات حياته.
في ذلك الوقت، كان رمبراندت قد ترمّل وأفلس بعد أن انفق كلّ ما يملك لشراء منزل مكلّف في أمستردام. ثم أحسّ بالعار بعد أن وُلد له ابن غير شرعيّ. وعندما أنهكته الديون، أقفل محترفه بينما بدأ الرعاة والتلاميذ ينظرون في اتجاهات أخرى. لكنه لم يستسلم ولم يغيّر أسلوبه، بل استمرّ يعمل حتى وفاته كي يتمكّن من دفع ديونه المتراكمة.
وفي آخر أربع سنوات من حياته، كان مجده قد أفل بالنسبة للعديد من الهولنديين وأصبح سحره خارج الموضة مع تغيّر الأذواق وميل الجمهور أكثر إلى الأسلوب الفلمنكيّ الناعم.

Friday, August 11, 2017

لوحات عالميـة – 407

امرأتـان فـي نـافـذة
للفنان الاسباني بـارتولـومي مـوريللـو ، 1660

يعكس فنّ بارتولومي موريللو معرفته الواسعة بالعديد من الأساليب الفنّية وثقافته المتنوّعة التي أهّلته لأن يكون رمزا لرسم عصر الباروك الاسبانيّ.
قضى موريللو حياته كلّها تقريبا في مدينته اشبيلية، مع انه زار البلاط الملكيّ في مدريد مرّة واحدة على الأقلّ. ووجوده في اشبيلية عزّز مكانة هذه المدينة كحاضنة للفنّ والإبداع. وفي أيّامه، كان سوق لوحاته كبيرا ومربحا لدرجة أن ملك اسبانيا رفض أن يسمح بأن تغادر رسوماته إلى خارج البلاد.
وغالبا كان موريللو مهتمّا برسم الجوانب المشرقة والخفيفة من الحياة، من خلال أشكاله الناعمة وألوانه الغنيّة وفرشاته الفضفاضة.
وحتى صوره الدينية لكهّان وقساوسة لا تبدو متجهّمة أو مليئة بغضب الربّ كما هي لوحات غيره، بل تُظهر التسامح والمحبّة التي تخلع على الشخوص طابعا من الجمال والتسامي.
وعندما تتأمّل بعض أعماله تحسّ أنها مليئة بالقصص والحكايات، كما أنها عن بشر حقيقيين وليسوا من نسج خيال الرسّام.
رسم موريللو عددا من اللوحات الدينية للكنائس والأديرة ولعدد من رعاته وأصحاب المجموعات الفنّية الخاصّة. ورغم كثرة أعماله الدينية، إلا انه رسم أيضا عددا من اللوحات التي تصوّر فلاحين وأنشطة مختلفة من الحياة اليومية.
ومن أشهر أعمال الرسّام هذه اللوحة التي تبرهن على اهتمامه بتصوير حياة الناس وعلى براعته في استخدام الألوان والضوء والظلّ.
واللوحة تصوّر امرأتين تطلان من نافذة كبيرة في احد البيوت. وليس هناك في الصورة ما يشير إلى ماذا تنظران، أي أن الرسّام ترك للناظر حرّية أن يتخيّل ما الذي يحدث في الخارج.
ملامح المرأة الشابّة تنطق بالبراءة، ويُرجّح أنها تنتمي إلى الطبقة الاجتماعية الرفيعة. أما المرأة الكبيرة التي تغطّي فمها فيُحتمل أنها خادمتها، وهذا كان أمرا شائعا في الطبقات الغنيّة.
المنظر نفسه ينطوي على شيء من الحميمية والسعادة وروح المرح. وتغطية الوجه أثناء الضحك كان جزءا من ايتيكيت الارستقراطية الاسبانية في ذلك الوقت.
من اللافت أن الرسّام استخدم نافذة مفتوحة كإطار للمنظر، وفي هذا محاكاة للرسم الهولنديّ. ومن المهمّ أن نلاحظ أيضا أن المرأتين رُسمتا بحجمهما الطبيعيّ ونفّذ الفنّان ذلك براعة ودقّة.
بورتريهات موريللو المفعمة بالحياة والتي صوّر فيها فتيات يبعن الأزهار وشوارع ومتسوّلين تشكّل سجلا جذّابا ومكثّفا عن الحياة اليومية في عصره. وبسبب تلك النوعية من اللوحات التي تصوّر فئات من الطبقة المتدنّية، أصبح له معجبون كثر خارج اسبانيا.
ولد بارتولومي موريللو في ديسمبر عام 1617. كان اصغر إخوته الأربعة عشر. وقد توفّي والده وهو صغير فتولّى عمه رعايته. وبدأ دراسة الرسم على يد خوان كاستيللو الذي عرّفه على الرسم الهولنديّ وكلّفه باستنساخ بعض أعمال روبنز وفان دايك.
تأثّر موريللو في لوحاته المبكّرة بالرسّامين الإسبان العظام من أمثال زورباران وريبيرا. ويُحتمل انه رأى بعضا من لوحات فيلاسكيز عندما انتقل للعيش في مدريد عام 1642.
وقد تمتّع الرسّام بشهرة واسعة في عموم أوربّا، وقيل إن شهرته في بعض الأحيان كانت تغطّي على تلك التي لفيلاسكيز. كما كان له تأثير كبير على رسّامي المستعمرات الاسبانية في الأمريكتين. وفي عام 1660 عُيّن رئيسا لأكاديمية اشبيلية للرسم.
كانت آخر لوحة رسمها موريللو الزواج الغامض لسانت كاثرين ، وكان مفترضا أن تُعلّق اللوحة في دير بمدينة قادش. لكن بينما كان يعمل على المشروع، زلّت قدمه من أعلى سلّم، ومات متأثّرا بإصابته بعد بضعة أشهر.
في بداية القرن التاسع عشر اختفى اسم موريللو من التداول أو كاد، بسبب تغيّر أذواق الناس وانصرافهم عن الأعمال التعبيرية والعاطفية، وتحوُّل الاهتمام إلى لوحات مواطنَيه دييغو فيلاسكيز وإل غريكو، مع انه لم يكن هناك شكّ في مدى براعته وأصالة موهبته في الرسم.

Sunday, August 06, 2017

لوحات عالميـة – 406

قافلـة فـي الصحـراء
للفنان السويسري اوجيـن جيـرارديه، 1894

تكثر صور القوافل في الرّسم الاستشراقي. وبدايةً، أصل كلمة قافلة فارسيّ "كارافان"، وتعني جماعة من الناس الذين يسافرون في الصحراء، غالبا لمهامّ تجارية.
وقد اعتاد الناس منذ القدم السفر في جماعات وذلك لأغراض الدفاع عن النفس في وجه العصابات وقطّاع الطرق. ومن أجل القوافل كانت تُنشأ محطّات خاصّة على طول الطريق للتزوّد بالماء اللازم للبشر والحيوانات ولأغراض الغسيل وغير ذلك.
وما تزال القوافل تُستخدم إلى اليوم في الأماكن الأقلّ نموّا في العالم، مثل الأطراف الجنوبية للصحراء الكبرى وفي بعض أنحاء آسيا وأفريقيا.
في هذه اللوحة، يرسم الفنّان اوجين جيرارديه أفراد قبيلة من الأمازيغ مع قافلتهم من الجمال والخيول والماشية وهم يجتازون الصحراء سالكين مسار وادٍ جافّ يُفترَض انه سينقلهم إلى المعسكر التالي.
المنظر مرسوم بأسلوب شديد الواقعية مع ألوان لامعة. والظلال تغطّي المقدّمة بينما يسطع ضوء الشمس في الخلفية مضيئا ذرّات الغبار الذي تثيره الدوابّ أثناء حركتها. ألوان السماء تبدو حالمة، وهي تضفي على الصورة شيئا من الرقة والنعومة مقابل الأرض الوعرة والقاسية تحت.
ويمكن اعتبار اللوحة احتفالا بحياة البدو المتقشّفة والبسيطة وبكرامة ونبل رجال ونساء القبيلة المكتفين بما عندهم والمترحّلين دوما عبر دروب الصحراء بحثا عن الماء والكلأ.
كان جيرارديه متأثّرا كثيرا بسحر ألوان شمال أفريقيا. ومثل الرسّامين الذين سبقوه إلى هناك، كان توّاقا لرؤية المدن الغرائبية والواحات البعيدة. وكانت تداعب مخيّلته الصور الرومانسيّة عن أشجار النخيل ومناظر الغروب والقوافل التي تعبر الصحراء.
كما كان يتطلّع لاستكشاف ثقافات لم يمسسها الاستعمار الأوربّي تشبه الثقافات التي أغرت من قبل بعض زملائه بالذهاب إلى مقاطعة بريتاني للبحث عن جزء من فرنسا لم تمتدّ إليه يد العمران والحضارة بعد.
كان حبّ السفر والترحال متأصّلا في نفس الرسّام منذ أن كان طفلا بسبب القصص الغريبة التي كان يرويها له عمّه الذي كان قد سافر إلى مصر ووالده الذي سبق أن رسم جانبا من حرب استقلال الجزائر عن فرنسا.
وقد شجّعه معلّمه الرسّام جان ليون جيروم على أن يمشي على خطاه، فزار أوّلا بلاد المشرق واطّلع على ثقافتها ورسم طبيعتها. وفي عام 1874 قام بزيارة إلى كلّ من اسبانيا والمغرب واطّلع على ثقافة البلدين وعاداتهما وتقاليدهما وأعجب كثيرا بمظاهر الحياة فيهما.
بعد ذلك ذهب جيرارديه إلى الجزائر، حيث زار واحات الجنوب مثل بسكرة والقنطرة. كما زار واحة بوسعادة التي قابل فيها مواطنه الرسّام ايتيان دينيه الذي كان قد سبقه إلى هناك واختار أن يقيم في الجزائر بصفة دائمة.
كان دينيه هو الآخر مفتونا برسم الحدود الحرّة والبعيدة للطبيعة الصحراوية. وقد اعتنق الإسلام بعد أن عاش سنوات عديدة مع السكّان المحليّين الذين طالما رسمهم في لوحاته.
أثناء إقامته في الجزائر، رسم جيرارديه بعض ما رآه فيها من مظاهر الحياة اليومية، مثل القوافل وقطعان الماشية والصلاة في الصحراء والمقاهي الشعبية وخلافه.
وفي كلّ أعماله ظلّ متأثّرا بالتقاليد الأكاديمية للرسم التي كانت سائدة في زمانه. ومع ذلك كان في الغالب يركّز على ما يراه هو لا على ما كان الرسم الأكاديميّ يريد منه أن يراه.
ولد اوجين جيرارديه في باريس في مايو عام 1853 لعائلة فنّية سويسرية الأصل، وكان العديد من أسلافه يشتغلون بالرسم ومنه يكسبون رزقهم.
وقد تعلّم الفنّان الرسم منذ صغره وظهرت موهبته مبكّرا، إذ بدأ يبيع رسوماته بعد بلوغه السابعة عشرة. ثم تلقّى تعليما رسميّا في معهد الفنون الجميلة في باريس بتوجيهات أستاذه جيروم الذي كان جيرارديه مفتونا كثيرا بمناظره عن الحياة في الشرق.
وخلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، واصل الفنّان رحلاته إلى بلاد الشرق، فزار كلا من مصر وفلسطين ورسم فيهما العديد من لوحاته.
وفي تلك الأثناء بدأ يَظهِر في لوحاته تأثّره بالانطباعيين، من قبيل توظيفه للفرشاة الفضفاضة وإبدائه اهتماما متزايدا بتأثيرات الضوء والظلّ.

Monday, July 31, 2017

لوحات عالميـة – 405

الحـلـم
للفنان الإسباني بابلـو بيكـاسـو، 1932

رسم بابلو بيكاسو هذه اللوحة وهو في سنّ الخمسين. وفي تلك الفترة أنجز بعض أفضل صوره، من البورتريهات المشبعة باللون إلى الرسومات السوريالية، بينما كان منهمكا في حياته الخاصّة والمعقّدة.
واللوحة تنتمي إلى مرحلة الرسومات المشوّهة بخطوطها المبسّطة وألوانها المتباينة التي تشبه بدايات الوحوشية. ويقال أن بيكاسو رسمها في ظهيرة يوم واحد.
المرأة الظاهرة في اللوحة هي الأمريكية ميري تيريز والتر التي كان بيكاسو قد التقاها عام 1927 في باريس. كانت هي في سنّ الثامنة عشرة وهو في الخامسة والأربعين. وقد ربطتهما فورا علاقة عاطفية، ثم أصبحت ملهمته الأكثر شهرة وموضوعا لعدد من أهمّ لوحاته وتماثيله.
والتر تبدو في الصورة نائمة على كرسيّ، بينما يميل رأسها إلى طرف، وجزء من صدرها مكشوف وعلى شفتيها ابتسامة. وثمّة احتمال بأنها ربّما كانت تحلم بحبيبها الأكبر سنّا، أي بيكاسو، وهو الذي يشغل عقلها ويجعلها تبتسم.
الأسلوب الذي رسم به بيكاسو اللوحة قريب من الوحوشية التي كانت تستخدم ألوانا شديدة التباين. ورغم أنه اتّبع في رسمها أسلوبا مبسّطا جدّا، إلا أن الإحساس فيها رائع والتوليف والألوان وحتى التباينات ناعمة.
قيل في بعض الأحيان أن بيكاسو لم يكن يرى في والتر سوى أداة لتفريغ عواطفه، إذ لم تكن مكافئة له ولا زوجة ولا حتى صديقة، بل كانت مجرّد دمية ومصدرا لإشباع رغبة رسّام في منتصف عمره.
و"الحلم" ليست أفضل لوحاته، فهناك من بين أعماله من المرحلة الزرقاء ما هو أفضل منها بكثير. لكن هذه اللوحة أصبحت مشهورة جدّا عندما اشتراها قبل أربع سنوات ثريّ أمريكيّ يُدعى ستيفن كوهين بمبلغ مائة وخمسة وخمسين مليون دولار أمريكي، مسجّلة أعلى رقم بيعت به لوحة لبيكاسو حتى اليوم.
وقد ابتاعها كوهين من مالكها القديم ستيف وين، وكلا الرجلين متخصّصان في جمع واقتناء الأعمال الفنّية. وكان وين يعاني من اختلال في العين يؤثّر على نظره وعلى تفاعله مع الأشياء القريبة منه. وذات يوم، في عام 2006، دعا بعض أصدقائه إلى بيته ليطلعهم على اللوحة بعد يوم واحد من موافقته على بيعها لكوهين.
وبينما كان يشرحها لهم بفخر، أخذ خطوة إلى الوراء ثم حرّك يده اليمنى لاإراديا فاخترق كوعه اللوحة مُحدِثا فيها ثقبا ناحية الذراع الأماميّ للمرأة.
وقال وين وقتها معلّقا على ما حدث: لقد استغرق الأمر خمس ساعات من بيكاسو لرسمها وسنصلحها بأسرع وقت ممكن". وقد كلّف إصلاح الثقب تسعين ألف جنيه استرليني وثمانية أسابيع عمل.
إرث بيكاسو ضخم والجدل حول شخصيّته كبير، لدرجة أن تلك الحادثة لم تمنع الناس من النظر إلى اللوحة كقيمة فنّية.
أما كوهين، الذي بدأ جمع الأعمال الفنّية ابتداءً من عام 2001، فيمتلك مجموعة تزيد قيمتها على البليون دولار وتتضمّن لوحات لفان غوخ وإدوار مانيه ودي كوننغ.
وقد تغيّرت ذائقته من الانطباعية إلى الفنّ الحديث. وكان قد اشترى إحدى لوحات مونيه ثم باعها في وقت لاحق.
و"الحلم" ليست أغلى لوحة في العالم، ففي عام 2011 اشترت شخصية من قطر لوحة لاعبو الورق لـ بول سيزان بأكثر من مائتين وخمسين مليون دولار.
في عام 1935، ولد لبيكاسو من ميري تيريز والتر ابنة أسمياها مايا. وبعد أن علمت زوجته الروسية اولغا كوكلوفا بالخبر، قرّرت هجره والانتقال إلى جنوب فرنسا. ثم لم تلبث أن طلبت الطلاق. لكنه رفض تطليقها؛ ليس لأنه يحبّها، وإنما لأن قانون الأحوال الشخصية في فرنسا يُلزمه بأن يتقاسم ثروته معها.
ولم يشعر الرسّام بالارتياح إلا بعد وفاة اولغا عام 1955، أي عندما أصبحت ممتلكاته في أمان. أما ميري والتر فقد عانت من إهمال بيكاسو لها بعد أن أصبحت أمّا. لكنه ظلّ على اتصال بها وبابنتهما واستمرّ في دعمهما ماليّا، لكنهم لم يعودوا يعيشون كأسرة واحدة.
وبعد فترة، قابل دورا مار؛ المرأة التي أبطلت رسميّا أيّ دور لميري والتر في حياة بيكاسو. وفي عام 1977، أي بعد أربع سنوات من وفاة بيكاسو، شنقت ميري نفسها في منزلها في جنوب فرنسا وتوفّيت عن ثمانية وستّين عاما.

Tuesday, July 25, 2017

لوحات عالميـة – 404

بورتريه جـورج جيـزي
للفنان الألماني هانـز هـولبـين الإبن، 1532

كان هانز هولبين الإبن واحدا من أربعة رسّامين كانوا الأكثر شهرة في ألمانيا خلال عصر النهضة، وبالتحديد في القرن السادس عشر. والثلاثة الآخرون هم ماتياس غرونفالد وألبيرت ديورر ولوكاس كاراناك.
وقد سيطر هولبين في زمانه على رسم البورتريه في انجلترا وسويسرا، وبذا أكّد مكانته كخليفة لفان ايك وبيتروس كريستوس.
تعلّم هولبين الرسم في ورشة والده في اوغسبيرغ، وقضى معظم سنوات مهنته يعمل في بازل كرسّام جداريات ومواضيع دينية وكمصمّم للزجاج ورسّام للكتب.
لكن عندما جرّب رسم البورتريه أصبح أيقونة ثقافية ونال الكثير من الثناء على العديد من لوحاته الناجحة.
كان في أسلوبه شيء من سمات العصر القوطيّ المتأخّر، لكنه تأثّر تدريجيا بالاتجاهات الفنّية التي ظهرت في ايطاليا وانجلترا وفرنسا وهولندا، وكذلك بالأفكار الإنسانية لعصر النهضة.
رسم هولبين هذا البورتريه في لندن لجورج جيزي الذي كان تاجرا معروفا تعود أصوله إلى مدينة دانزيغ الألمانية. وكان جيزي عضوا في رابطة تضمّ مجموعة من تجّار أوربّا الكبار العاملين في تجارة السفن وشحن البضائع عبر القارّة.
كان التاجر في سنّ الرابعة والثلاثين عندما كلّف هولبين بأن يرسم له هذا البورتريه، ويظهر فيه جالسا في مكتبه بلندن وسط أشياء عديدة تدلّ على مهنته ومكانته.
على الطاولة التي أمامه، نرى أدوات كتابة وآنية زجاجية مع خاتم ومقصّ وعملات ذهبية. آنية الزجاج الفينيسية تحتوي على زهر القرنفل، وهو رمز قروسطيّ للخطوبة. ويُرجّح أن التاجر أراد من هذا البورتريه أن يكون تذكارا لمناسبة زواجه الوشيك.
تتضمّن اللوحة أيضا بعض الرسائل الأخلاقية من النوع الذي نراه أحيانا في لوحات الفانيتا الهولندية من القرن السابع عشر. فالأزهار الذابلة تشير إلى قصر الحياة. وعلى الجدار بجوار الميزانين إلى اليسار نلمح الشعار اللاتينيّ: لا سعادة من دون ألم".
ومن الأشياء الأخرى اللافتة في البورتريه القماش السميك فوق الطاولة والذي يحمل أنماطا تجريدية جميلة. وهنا نلمس أثر الفرشاة الفائقة التفاصيل التي ظهرت في القرن الخامس عشر على يد الرسّامين الهولنديين واستخدمها هولبين أيضا في رسم تفاصيل لباس الرجل.
نظرات التاجر حذرة وكأنه يبدي حرصه على ألا يغزو خصوصيّته احد. ويظهر أن لديه هاجسا بالتواقيع والأختام والمفاتيح، فهناك الكثير منها في اللوحة.
كما انه مهتمّ بإظهار رسائله ومكاتباته في إشارة، ربّما، إلى علاقته القويّة والمستمرّة بأسرته. كما أنه يمسك في يده برسالة كان قد تبلّغها للتوّ من أخيه مكتوب عليها عبارة باللغة الألمانية القديمة تقول: تُسلّم ليد أخي جورج في لندن".
أيضا من الأشياء التي تلفت الانتباه كثرة اللافتات التي تحمل اسم التاجر ومعلومات عن حياته. وفوق رأسه لوحة تعرّفه بالاسم وتذكر انه رُسم في عام 1532 وهو في سنّ الرابعة والثلاثين. ويتصل بهذه الجزئية وجود عقود مكتوبة باليد وفواتير وحبر.
عندما غادر هولبين لندن عائدا إلى سويسرا، كانت ثورة المصلح البروتستانتيّ مارتن لوثر في أوجها. وقد شرع أتباعه المتشددّون في تحطيم الصور والتماثيل الفنّية على أساس أنها تتناقض مع صحيح الدين.
ولسوء الحظّ كان لتلك الأفكار أثر مدمّر على الفنون. فكسدت سوق الفنّ ووجد الرسّامون، ومنهم هولبين، أنفسهم بلا عمل. لكنه أنجز في تلك الفترة واحدة من لوحاته المهمّة هي "عائلة الرسّام" التي رسم فيها وزوجته وولديه.
في مرحلة تالية، انتقلت لوحة التاجر جورج جيزي إلى مجموعة دوق اورلينز. ثم عُرضت المجموعة بأكملها في الأكاديمية الملكية بلندن عام 1793.
وبعد ذلك عُرضت للبيع بالمزاد فاشتراها ناشر سويسريّ. وبقيت اللوحة عشرين عاما في سويسرا إلى أن اشتراها تاجر فنون يُدعى ادوارد سوللي.
لكن في العام 1821 وجدت اللوحة طريقها إلى متحف برلين الذي اشتراها من صاحبها وظلّت من مقتنياته إلى اليوم.

Tuesday, July 18, 2017

لوحات عالميـة – 403

ديكور منزليّ مع امرأتين وخزانة ملابس
للفنان الهولندي بيتـر دي هـوك، 1663

عُرف عن الهولنديين منذ القدم افتتانهم برسم الصور واقتناء اللوحات الفنّية وتعليقها في بيوتهم. وكانت مداخيل نسبة كبيرة من سكّان المدن والبلدات الهولندية تسمح لهم بأن ينفقوا الفائض من دخلهم على أثاث البيوت، بما فيه الصور واللوحات الفنّية.
كان حبّهم للصور والفنون نتيجة مباشرة لارتباطهم القويّ بأرضهم وحبّهم الكبير للحياة واهتمامهم بالبيئة. ويقال أن كلّ منزل هولنديّ لم يكن يخلو من لوحة واحدة على الأقلّ، وأن ما يُقدّر بثمانية ملايين عمل فنّي أنتج هناك خلال ما عُرف بالعصر الذهبيّ للرسم الهولنديّ والذي دام حوالي مائة عام.
كان كلّ شيء في المجتمع الهولنديّ له مكانته المميّزة والخاصّة. وكانت منازلهم مثالية إلى حدّ كبير، وكانوا يحبّون أن يروا أنفسهم كمواطنين محترمين يعيشون في بيوت نظيفة ومرتّبة، وليس من الضروريّ أن تكون فخمة أو فارهة.
اهتمام الهولنديين بالبيوت وهَوَسُهم بالنظافة كان من بين العوامل المهمّة التي أدّت إلى رواج وانتشار ما عُرف بلوحات الديكور المنزليّ التي تؤكّد على أهميّة ومركزية الحياة المنزلية في ذلك العصر.
وقد ظهرت هذه النوعية من اللوحات لأوّل مرّة في هولندا في القرن السابع عشر. وبرأي بعض مؤرّخي الفنّ أنها كانت امتداد وتطوّرا لرسم المواضيع الدينيّة.
والمواضيع المفضّلة لرسّامي الديكور كانت متنوّعة، كالموسيقى والقراءة وإعداد الطعام وممارسة الحرف اليدوية وخلافها. وكانت هذه الأنشطة وغيرها تُصوَّر ضمن التفاصيل الداخلية للبيت وبما يسمح للرسّام أن ينقل في عمله فكرة عن الفضائل المنزلية ورفاهية الأسرة.
ومن أشهر من رسموا مناظر الديكور المنزليّ بيتر دي هوك الذي كان معاصرا لفيرمير. وكان الاثنان متخصّصين في رسم هذا النوع من المناظر، كما عملا في نفس المدينة، أي ديلفت.
في هذه اللوحة، يرسم دي هوك جزءا من ديكور منزل تظهر فيه إلى اليسار امرأتان تضعان ملابس غُسلت وكُويت للتوّ داخل خزانة خشبية. وطبيعة لباس كلّ من المرأتين يوفّر دليلا على دور كلّ منهما. فالمرأة إلى اليسار ترتدي معطفا ومريولا اسود، ما يوحي بأنها خادمة. وهي تتناول الملابس من المرأة الأكثر أناقة والتي يُرجّح أنها سيّدتها، أي ربّة البيت.
في زمن الرسّام، كانت مثل هذه المناظر تجسّد الفضائل والقيم المنزلية في بيوت الهولنديين. فالسيّدة التي تساعد خادمتها كانت تُعتبَر ربّة بيت مخلصة وحريصة. ومثل غيره من الرسّامين الهولنديين، كان دي هوك يحرص على إيصال مثل هذه الرسائل الأخلاقية في لوحاته.
أيضا في اللوحة يركّز الرسّام على العناصر المعمارية ويوظّف تفاصيلها، من بلاط وأثاث وشبابيك بالإضافة إلى طريقة وقوف المرأتين، ليشيّد اللوحة ويرتّب فراغاتها.
ورغم أن الصورة تفتقر للتأثيرات اللامعة والمضيئة التي اشتهر بها دي هوك، إلا أن تفاصيلها لا تخلو من سحر المظهر الواقعيّ وجمال ومثالية الرسم والتشطيب.
والديكور في اللوحة يتألّف من عدّة طبقات عبارة عن ممرّات ضيّقة وأبواب وصور ضمن صور تفصل العالم الخاصّ عن الخارجيّ.
لعبة دي هوك المفضّلة كانت تتمثّل في خلق عمق في اللوحة يسمح للممرّات بأن تلتقط جزءا من منزل على الطرف الآخر في الخلفية، من خلال نافذة مفتوحة أو باب مُشرع، مثلما فعل في هذه اللوحة.
لاحظ أيضا المتضادّات في الصورة: عالم الكبار مع عالم الطفولة، والعمل واللعب، والديكور الداخليّ والعالم الخارجيِّ.
لوحات الديكور المنزليّ توفّر فكرة عن طبيعة الحياة اليومية للناس من مختلف الطبقات في هولندا القرن السابع عشر. وبعضها عبارة عن ترجمة للأمثال والأقوال الهولندية التي كانت شائعة آنذاك وتتضمّن رسائل أخلاقية من نوع ما.
وجزء كبير من تلك اللوحات تستعرض الأنشطة اليومية لربّات البيوت، مثل قراءة أو كتابة الرسائل وأداء الموسيقى أو رعاية الأطفال وشغل الخياطة والإشراف على العمالة المنزلية.. إلى آخره.
وكان فيرمير أوّل من بدأ تقليد رسم الديكور المنزليّ. في ذلك الوقت كان اقتصاد هولندا قد بدأ في التعافي بعد انتهاء الحرب مع اسبانيا وسيصل إلى أوج ازدهاره في السنوات القليلة التالية.
في القرن العشرين، تضاءل اهتمام رسّامي الحداثة بتصوير المنازل والديكور، ربّما لأنهم كانوا يرون في الديكور الداخلي انعكاسا لحالة لزوم الناس لمنازلهم معظم الوقت خلال القرن السابع عشر وما بعده.
كان من عادة الناس وقتها أن يقفلوا أبوابهم على أنفسهم ويعيشوا لوحدهم. ولهذا السبب لم يظهر الديكور المنزليّ كثيرا في لوحات القرن الماضي. وعندما يُرسم، فإنه لا يُرسم كملاذ داخليّ، ولكن باعتباره مكانا محكوما بقوى خارجية وكصورة لعلاقة مضطربة مع العالم ومع الذّات.
وبالنسبة للفنّانين الحداثيين، ينبغي أن يكون رسم الديكور المنزليّ بيانا عن حالة الشخص الذهنية ومكانا يشيّد نفسه بنفسه، والفرد فيه موجود في عالم خاصّ به ومن صنعه.