Wednesday, October 18, 2017

لوحات عالميـة – 422

آخـر أيّـام بـومبـي
للفنان الروسي كـارل بـريـولـوف، 1830

إبتداءً من منتصف القرن الثامن عشر، أصبحت قصّة ثوَران بركان فيزوف موضوعا يثير افتتان الناس واهتمامهم. وفي نفس الوقت بدأ علماء الآثار عمليات الحفر بحثا عن مدينة بومبي القديمة والمدفونة تحت رماد البركان.
كانت تلك الحادثة ذات جاذبية خاصّة بالنسبة للرسّامين الرومانسيين. ومن بين هؤلاء كارل بريولوف الذي قضى في ايطاليا ثلاثة عشر عاما درس خلالها مدارس الفنّ وأعمال كبار الرسّامين.
وأثناء إقامته في ايطاليا، وبالتحديد عام 1827، زار الرسّام مواقع التنقيب والحفر في بومبي ورأى المدينة محفوظة تحت طبقات كثيفة من الرماد. كانت الكارثة سريعة ومفاجئة وأدّت إلى مقتل غالبية سكّان المدينة في يوم واحد وتوقُّف الحياة بشكل تامّ.
ولكي يرسم منظر الكارثة، بدأ بريولوف بدراسة الآثار التي وُجدت في مكان الحادثة، ثم قرأ الرسائل التي كتبها المؤرّخ الرومانيّ بليني الابن الذي كان شاهد عيان على ما حلّ ببومبي وجارتيها هيركولانيوم وستابيا.
كما قضى الرسّام وقتا طويلا في المتاحف محاولا أن يتخيّل كيف تصرّف الناس بعد الكارثة، وحضر في فلورنسا عرضا أثار مخيّلته لأوبرا تتحدّث عن الواقعة.
قبل عشر سنوات من ثوران بركان فيزوف، كانت بومبي قد تعرّضت لزلزال قويّ أثّر على كلّ مبانيها ومعالمها، لكن أمكن إصلاح الأضرار واستمرّ الناس في حياتهم اليومية كالمعتاد.
لكن في احد أيّام أغسطس من عام تسعة وسبعين للميلاد، وبحسب رواية بليني، رأى سكّان المدينة في إحدى الليالي عمودا من الدّخان يخرج من فوّهة بركان فيزوف ويرتفع عشرات الأميال في السماء.
وقد نظر الناس حولهم مندهشين، وفهموا وهم يرون تساقط الرّماد الأوّل على أسطح منازلهم أن الوضع ينذر بالخطر. لذا جمعوا كلّ ما يستطيعون حمله من منازلهم من حُليّ وأشياء أخرى ثمينة ثم اندفعوا إلى الشوارع. والقليلون ممّن كُتبت لهم النجاة اخذوا القوارب وهربوا باتجاه البحر.
لكن مع ساعات الصّباح الأولى، شقّت سحابة هائلة من الغاز والرماد طريقها إلى أسفل الجبل، وفي ثوان معدودات قُتل جميع من بقي من الأهالي الذين كانوا يحاولون الهرب.
ومن خلال دراسة العظام والبقايا في مكان الكارثة، توصّل العلماء إلى أن الهاربين حُبسوا داخل سحابة ضخمة وصلت حرارتها إلى أكثر من تسعمائة درجة فهرنهايت. وقد ماتوا على الفور نتيجة الصدمة الحرارية، وليس بسبب الاختناق البطيء كما كان العلماء قد استنتجوا من قبل.
كانت بومبي قبل البركان مدينة تجارية مزدهرة يقطنها حوالي عشرين ألف شخص ثلثهم تقريبا من الأطفال. وكانت بيوتها ملحقة بحدائق وأفنية وجداريات من أزهار ونباتات. كما كانت المدينة تتمتّع بنظام محكم لتوزيع وتصريف المياه عبر قنوات محفورة تحت الأرض.
وطوال قرون بعد البركان، مُسحت المدينة من على وجه الأرض واختفت تماما تقريبا من الذاكرة. وعندما زار بريولوف أطلالها فتنه المنظر وتخيّل انه مسافر إلى الوراء عبر الزمن.
وقد صوّر في لوحته هذه فئات مختلفة من مواطني بومبي وردود أفعالهم في اللحظات التي أعقبت ثورة البركان. والصورة يضيئها اللهب المنبعث من البركان والبرق القادم من السماء. والناس فيها إمّا هاربون أو متجمّدون في أماكنهم وهم ينظرون بهلع إلى ما يحدث بينما يحاولون حماية أنفسهم من الحمم والحجارة المتطايرة.
وكلّ تفاصيل اللوحة دقيقة من الناحية التاريخية، بدءا من الشارع الذي تدور فيه الأحداث، إلى شكل الملابس ووضعيات الأشخاص. الصورة نفسها تضجّ بالحياة، من حركة الأشخاص إلى تأثيرات الضوء وتعبيرات الرعب واليأس المرتسمة على الوجوه.
في تسجيله للحادثة، يشير بليني إلى انه كان يسمع أصوات الأطفال والرجال والنساء وهم يصرخون ويرفعون أيديهم إلى الله طالبين منه أن يرأف بحالهم وينقذهم ممّا هم فيه من كرب وبلاء.
مصدر الضوء الرئيسيّ في الصورة هو البرق القويّ الذي يضرب منتصفها، حيث نرى امرأة ميّتة ممدّدة على الأرض وإلى جوارها طفلها الذي يحاول الوصول إليها.
والرسّام يحاول أن يُظهر الإنسانية على حقيقتها، فالمأساة حلّت بالجميع ولم تميّز بين شخص وآخر. في منتصف الصورة، يظهر شخص رافعا يده ومطلقا صرخة خوف وعجز، بينما يبسط وشاحه فوق رأسه وفوق امرأة مع طفلها لتفادي الحجارة الطائشة. وخلفهم يظهر كاهن يرتدي ملابس بيضاء.
وإلى يمين المشهد، يمكن رؤية فارس على ظهر حصان هائج ومبان توشك أن تسقط. وفي المقدّمة إلى أقصى اليمين، يظهر شابّ متزوّج حديثا وهو يحمل زوجته التي ما تزال ترتدي تاج العروس. وفي الوسط منظر لابنين يحملان والدهما المريض.
كان الرسّام قد قرأ ما كتبه بليني عن أمّه التي كانت تتوسّل إليه ألا يتركها. لذا ضمّنه الرسّام في هيئة الشخص الرابع من اليمين مع والدته. وفي الصورة أيضا يمكن رؤية وجه الكونتيسة يوليا سامويليوفا التي كانت راعية وصديقة للرسّام. وقد أعطى ملامحها للأمّ التي تحتضن ابنتيها إلى اليسار وكذلك للمرأة الميّتة.
ولم ينسَ بريولوف أن يُدرج في اللوحة صورا لعدد من الرموز التي تجسّد الكارثة، كتماثيل الآلهة الكلاسيكية المتساقطة في أعلى اليمين والمعابد والمباني المتهدّمة إلى اليسار والتي تمثّل ضعف وهشاشة البشر.
وفي مقدّمة اللوحة، نرى صورا لمجوهرات ومفاتيح تخلّى عنها أصحابها كرمز لعجز الإنسان، إذ لا احد يستطيع أن يأخذ معه شيئا من ممتلكاته إلى القبر.
هذه اللوحة هي أشبه ما تكون بمأساة إغريقية لأنها تثير في نفس الناظر شعورا بالشفقة والخوف. وموضوعها الأساس هو غضب الطبيعة وكيف أن البشر لا يفهمونها ولا يستطيعون السيطرة عليها. وكلّ هذه العناصر ترمز إلى الدمار والمصير النهائيّ الذي حلّ ببومبي وسكّانها.
وارتباط اللوحة بالأدب الكلاسيكيّ والأفكار الرومانسية يضعها في مكان وسيط بين النيوكلاسيكية والرومانسية. ومع أن تناول الرسّام للموضوع أكاديميّ الطابع، إلا أن الصورة قُدّمت للجمهور تحت لافتة الرومانسية. والحقيقة أن فيها العديد من سمات هذه المدرسة: دراما واقعية مع مسحة مثالية، واهتمام بالطبيعة واختيار حدث تاريخيّ كموضوع.
والملاحظ أن كلّ الشخصيات في اللوحة جميلة، على الرغم من أجواء الرعب والدمار التي تصوّرها. وقد وظّف الرسّام فيها تقنية الكياروسكورو بسخاء، واستخدم ألوانا دراماتيكية حمراء وسوداء داكنة في الخلفية وصفراء وزرقاء وذهبية في المقدّمة. كما أن طبقات الطلاء السميك تضفي على نسيج القماش لمعانا وحركة.
كانت هذه اللوحة هي تحفة بريولوف بلا منازع. وكان عرضها في ايطاليا حدثا كبيرا. وقد قارن النقّاد الايطاليون الرسّام بفنّاني الماضي العظام من أمثال رمبراندت وروبنز. وأصبح معاصروه يلقّبونه بـ "كارل العظيم".
عندما عاد بريولوف إلى روسيا عام 1835 استُقبل بحفاوة وأثارت لوحته جدلا واسعا، ثم مُنح شرف لقاء القيصر نيكولا الأوّل.
وعندما رأى الشاعر بوشكين اللوحة ألهمته كتابة قصيدة. كما ألهمت الكاتب ادوارد ليتون كتابة رواية بنفس الاسم. ويقال أن السير والتر سكوت جثا أمام الصورة الضخمة وحدّق فيها لساعة واصفاً إيّاها بأنها قصيدة ملحمية بالألوان. وبهذا أصبح كارل بريولوف أوّل رسّام روسيّ يحظى بإعجاب الغربيين.
كما كتب غوغول الذي كان صديقا حميما لبريولوف مقالا عن اللوحة نوّه فيه بطابعها المسرحيّ، مشيرا إلى أنها تتضمّن قصصا متعدّدة ومشاعر كثيرة ودراما وفوضى. وأضاف أن علاقتها بالأدب والدراما والتاريخ والشعر والموسيقى هو ما يجعل منها تحفة كاملة.
ولد كارل بريولوف في سانت بطرسبورغ عام 1799 لأبوين من أصل ايطاليّ. وقد درس في أكاديمية بطرسبورغ وكان أثناء دراسته طالبا واعدا وموهوبا. وعند تخرّجه عام 1821، إبتُعث إلى أوربّا لدراسة الرسم.
وبعد عودته إلى روسيا، زاول التدريس في الأكاديمية لمدّة ثمان سنوات. وقد استمرّ يرسم، لكنه لم يستطع رسم شيء يشبه هذه اللوحة التي استغرق العمل عليها ثلاث سنوات وتحوّلت في ما بعد إلى إحدى أيقونات الثقافة الروسية.

Friday, October 13, 2017

لوحات عالميـة – 421

مدينة الحمّامات وجامعها
للفنان السويسري بـول كلـي، 1914

يُعتبر بول كلي صاحب أكثر اللوحات موسيقيةً في القرن العشرين. الكثير من لوحاته تتضمّن صورا لموسيقيين وعازفي بيانو ومغنّين وضاربي دفوف. وكثيرا ما كان يمزج صوره بعناصر موسيقية مثل الصيغ والنوتات والتواقيع، وبعناصر البناء الموسيقيّ كالنغم والهارموني والبوليفوني والإيقاع التصويري وخلافه.
ومن خلال أشكاله ورموزه التجريدية، كان كلي يعبّر عن أكثر المواضيع تنوّعا والتي كان يرسمها من مخيّلته، وفي طليعتها الموسيقى والشعر والأدب وعلاقتها بالعالم.
كان الرسّام مفتونا بالكلمات والأنغام. والأسماء الشاعرية الجميلة التي كان يختارها للوحاته تشي بشغفه هذا الذي يعكس ميله لكلّ ما هو فانتازيّ وشاعريّ وتأمّليّ.
ورغم النجاح الذي حقّقه أثناء حياته، إلا انه اعتُبر فنّانا ثانويّا. وفقط بعد موته بدأ يحصل على ثناء النقّاد ومديحهم. ونظرة متفحّصة على نتاجه تشير إلى التأثيرات العظيمة التي تركها على كلّ مدارس الرسم تقريبا.
والمعروف أن كلي قضى حياته كلّها باحثا عن الاستعارات والرموز. وكان يملأ رسوماته بالأسهم والاتجاهات وبالحروف الغامضة وأحيانا الطافية في فضاء رمزيّ. كما كان يرفض أن يضع خطوطا فاصلة بين الفنّ والكتابة.
والكثيرون يشيرون إلى أن تجربته كانت خطوة مهمّة في تطوّر الحداثة، كما ترك أثرا كبيرا على أجيال عديدة من الرسّامين التجريديين الذين أتوا بعده.
وقد عُرف كلي باهتمامه الكبير بالثقافة العربية والذي استمرّ معه طوال حياته. وفي ابريل عام 1914، قام بزيارة إلى تونس كانت الأولى له لبلد خارج أوربّا. وكان بتلك الخطوة يقتفي خطى صديقه كاندينسكي الذي كان قد ذهب إلى تونس زائرا في عام 1904.
وقد أُعجب كلي بجمال ذلك البلد وبأضوائه وألوانه. وكان واضحا أن تجربته التونسية نفذت إلى أعماق روحه وظلّت تغذّي مخيّلته لزمن طويل. كما أثّرت فيه ألوان شمال أفريقيا بعمق، لدرجة أن ألوانه بعد تلك الزيارة بدت كما لو أنها ولدت من جديد.
ذهب الرسّام أوّلا إلى مدينة الحمّامات، وهي بلدة صغيرة تقع شمال غرب تونس على ضفاف البحر المتوسّط. وقد راقت له أصوات البشر والطبيعة فيها وبدا واضحا أنها حرّكت مشاعر الموسيقيّ بداخله وصبغت رسوماته بالمزيد من الحركة والإيقاع. وشيئا فشيئا بدأ يجرّد الألوان من أوصافها وخواصّها الفيزيائية ويستخدمها بشكل منفصل.
في هذه اللوحة، يرسم كلي الحمّامات وجامعها من مكان ما خارج أسوار المدينة. واللوحة تُظهر بدايات تحوّله إلى التجريد بعد أن قرّر أن يدير ظهره إلى الطبيعة. والصورة تتألّف من عناصر تجسيدية وأخرى تجريدية. الجزء العلويّ منها يُظهر الجامع محاطا ببرجين وحديقة، أما السفليّ فيتألّف من مناطق استخدم فيها ألوانا شفّافة ونقيّة مع تبايناتها.
وقد رسم كلي للحمّامات لوحة أخرى تَظهر فيها أشجار النخيل مع بعض الرموز والأنماط التي يمزج فيها بين الأساليب الشرقية والغربية.
وخلال زيارته تلك، ذهب أيضا إلى مدينة القيروان التاريخية التي كانت عاصمة لدولة الأغالبة. وقد فتنته أبواب هذه المدينة وقبابها ونوافذها المزخرفة الألوان والأشكال. كما أُعجب بالشاطئ والزوايا والزقاقات والحدائق الشرقية والبساتين المسوّرة. وطبعت كلّ هذه العناصر رسوماته بنَفَس جديد غير أوربّي.
كما زار كلي أيضا مدينة سيدي بوسعيد الجبلية وتأمّل ميادينها وأبوابها الزرقاء وبيوتها ذات الطابق الواحد وتوقّف أمام بوّابة إحدى حدائقها ليرسم لها اسكتشا حوّله في ما بعد إلى لوحة مائيّة.
زيارة كلي إلى تونس أثارت تأمّلاته وأفكاره ومنحته نموّا روحيّا وأصبحت ألوانه بعدها متحرّرة من أيّ قيود. واستمرّ ذلك البلد يوفّر له الإلهام وظلّ يرسمه من الذاكرة لسنوات طوال. وخلال إقامته هناك رسم أكثر من ثلاثين لوحة مائية.
كان كلي عندما زار تونس في الرابعة والثلاثين من عمره. وقد وصفه من رآه بأنه يشبه العرب لأن جذور والدته تعود إلى شمال أفريقيا. وربّما كانت ملامحه السمراء سببا في ازدياد حنق النازيين عليه، فقد هاجموا فنّه ووصفوه بـ "المنحلّ"، ثم أجبروه على الهجرة إلى سويسرا عام 1933.
الجدير بالذكر أن بول كلي زار مصر أيضا في عام 1929، مدفوعا على ما يبدو بموجة الشغف بمصر التي اكتسحت أوربّا عقب اكتشاف هاوارد كارتر لقبر الفرعون توت عنخ امون. وقد قضى في مصر شهرا زار خلاله الأقصر ووادي الملوك.
وأثناء إقامته هناك رسم عدّة لوحات عبّر من خلالها عن إعجابه وتقديره الكبير للحضارة المصرية القديمة. وقد دفعه إحساسه بالارتباط بتلك الأرض العريقة لأن يضفي على لوحاته تلك شعورا بالديمومة والخلود.

Monday, October 09, 2017

لوحات عالميـة – 420

غـرفة النـوم
للفنان الفرنسي هنري ماتيس، 1921

في عام 1917، ذهب هنري ماتيس، وكان وقتها في سنّ الثامنة والأربعين، إلى نيس في جنوب فرنسا كي يتخفّف من أعراض إصابته بالتهاب شعبي حادّ.
وقد أحبّ المدينة كثيرا وأحسّ فيها بسعادة كبيرة وقّرر أن يبقى هناك حتى نهاية عمره.
وماتيس يصف نيس بقوله: معظم الناس يأتون إلى هنا من اجل الضوء والصور المشهدية. وأنا جئت من شمال فرنسا، وما أذهلني حقّا هنا هو الألوان البديعة والنهارات اللامعة في يناير خاصّة. وعندما أتذكّر أنني سأرى هذا الضوء كلّ صباح، فإنني لا استطيع التعبير عن مقدار سعادتي".
وفي نيس رسم الفنّان مجموعة من لوحاته للاستديو ضمّنها صورا لأشخاص قليلين. وقد رسم اللوحات بأسلوب واقعيّ وضمّنها بعضا من موتيفاته المفضّلة التي أراد من خلالها ربط الفراغ الداخليّ بالخارجيّ، كالأرضية المبلّطة والارابيسك والطاولة المغطّاة بالقماش والمرآة البيضاوية والشبّاك الفرنسيّ والبلكونة بالإضافة إلى امرأة أو اثنتين.
وفكرة رسم الاستديو تكرّرت في لوحاته كثيرا وبالتحديد في العشرينات وبداية الثلاثينات. وإليه يعود الفضل في ابتكار هذه الفكرة، ثم أتى بيكاسو وبنى عليها مع شيء من العمق بتوظيفه أفكارا سيكولوجية مختلفة.
في هذه اللوحة، يرسم ماتيس غرفة في فندق المتوسّط في نيس حيث كان يقيم. إلى يسار اللوحة تظهر امرأتان، واحدة واقفة بجانب ستارة نافذة والأخرى تجلس على كرسيّ.
المرأة الواقفة يُعتقَد أنها ابنته مارغريت المولودة عام 1894 والتي أقامت معه في نفس الفندق عام 1921. والمرأتان لا تنظران إلى المتلقّي وإنما باتجاه الطرف الآخر من الغرفة. وخلفهما نافذة واسعة تحيط بها ستائر بيضاء، وإلى اليمين يظهر جزء من مرآة وطاولة زينة وُضع فوقها كأس ومزهرية.
خطوط التوليف تجذب انتباه الناظر إلى خارج النافذة، أي إلى السماء وشجرة النخيل. والألوان الشاحبة تشير إلى العبور بين تكعيبية العشرية الأولى من القرن العشرين والأسلوب الجديد الذي تبنّاه ماتيس في سنوات العشرينات.
البلاط ذو اللون الزهريّ، وباقة الورد على طاولة الزينة إلى اليمين، والألوان الصفراء في تنّورة المرأة الواقفة وعلى الكرسيّ وورق الجدران، كلّها تضفي لمسة ناعمة من الدفء على الألوان البيضاء والزرقاء والرمادية.
وكلّ الأشياء في الغرفة مرسومة بالتجسيد لأنه يمكن تحديدها في عالم الواقع. وهي تضيف إلى النوعية الطبيعية للوحة. لكن الأشياء والأشخاص مرسومون بشكل مبسّط جدّا. وقد استخدم الرسّام تقنيات الفراغ والكتلة كي يحوّل فراغا مألوفا إلى حدث صوريّ.
كما استخدم ضربات فرشاة سائلة وفضفاضة، ووظّف أكثر من منظور، فالأرضية مرسومة بحيث تبدو كما لو أنها مائلة إلى فوق وليست مسطّحة. وعندما تنظر إلى أسفل تحسّ كما لو أن الغرفة مرتفعة في الهواء.
ولد ماتيس في فرنسا عام 1869. وفي صباه عمل في محلّ لبيع الأزهار كان يملكه والده. وفي سنّ الثامنة عشرة ذهب إلى باريس لدراسة القانون. وبعد أن أتمّ دراسته عاد إلى بلدته ليعمل في إحدى المحاكم.
وبعد عامين قرّر أن يكرّس نفسه للرسم. حدث ذلك أثناء قضائه فترة نقاهة بعد جراحة أجراها لعلاج الزائدة الدودية. في تلك الأثناء كانت والدته توفّر له بعض موادّ الرسم كي يقضي بها أوقات فراغه.
وقد غيّرت تلك الخطوة حياته جذريّا. وكانت والدته تريد منه أن يحافظ على وظيفته في المحاماة، لكنه تخلّى عن تلك الوظيفة في النهاية وسجّل في أكاديمية جوليان للرسم، حيث تلقّى تدريبا على يد وليام بوغرو ثم غوستاف مورو. وقد تأثّر ببعض معلّميه مثل شاردان الذي كان يعتبره أنجب طلابه، كما تأثّر بكلّ من مانيه وبُوسان.
توفّي هنري ماتيس في نيس عام 1954 قبل شهر من احتفاله بعيد ميلاده الخامس والثمانين.

Thursday, October 05, 2017

لوحات عالميـة – 419

امـرأة تقـرأ رسالـة
للفنان الهولندي جيـرارد تير بـورش، 1660

كان جيرارد تير بورش احد أشهر الرسّامين الهولنديين في القرن السابع عشر. وقد عُرف خاصّةً ببراعته في رسم البورتريهات التي يحتشد فيها مجموعة من الأشخاص. وهو من هذه الناحية يختلف عن يوهان فيرمير وبيتر دي هوك اللذين كانا يكتفيان برسم شخص أو شخصين في اللوحة والباقي عبارة عن فراغات.
ويعود إلى هذا الرسّام الفضل في ابتكار مناظر الديكور العالي المكانة الذي أصبحت له شعبية كبيرة في الربع الثالث من القرن السابع عشر. وكانت أعماله الديكورية تتّسم بمستوى عالٍ من الحسّية والنقاء.
ولوحاته في معظمها عبارة عن مناظر حميمة لرجال ونساء مستغرقين في أداء أعمالهم. وقد تميّز تير بورش بإحساسه العظيم باللون وبتعامله الرائع مع الضوء والظلّ والنسيج.
في هذه اللوحة، يرسم الفنّان غرفة تظهر فيها امرأة واقفة وترتدي فستانا ازرق وأصفر وهي تقرأ رسالة في حضور امرأة أخرى وصبيّ. الموديلات في اللوحة هم أفراد عائلة الرسّام. المرأة التي تقرأ الرسالة هي أخته غير الشقيقة والصبيّ هو شقيقه الأصغر.
اللوحة تُعتبر إحدى تحف الرسّام، وهي الأولى في سلسلة من الصور التي تتناول نفس الموضوع. وقد كانت نموذجا اتّبعه فيرمير وغيره من الرسّامين الهولنديين بعد ذلك عندما رسموا رجالا ونساء إمّا يقرؤون أو يكتبون. وكان رسْم مثل هذا الموضوع مؤشّرا على الإثارة والرومانسية في الرسم الهولنديّ.
من الأشياء التي تميّز هذه اللوحة روعة أضوائها وظلالها وكذلك الاستخدام الجميل للألوان فيها، بالإضافة إلى بساطة المنظر نفسه والذي يدفع الناظر لأن يتأمّل الجمال وتفاصيل الأشياء.
رسم تير بورش عددا كبيرا من الصور التي يظهر فيها أشخاص إمّا يقرؤون أو يكتبون رسائل. وكان هذا النوع من الصور شعبيّا كثيرا في عصره. وكتابة الرسائل كانت من الأنشطة المنتشرة في أوساط العائلات الموسرة. ورواج هذه الصور بأجوائها المسترخية وأزياء شخوصها الثمينة لم يكن مستغربا في تلك الفترة التي شهد فيها الاقتصاد الهولنديّ ازدهارا كبيرا.
وقد عُرف الفنّان بموهبته في تصوير النسيج المتعدّد الأشكال وبالإمساك بتفاصيل الثياب بطريقة يصعب تقليدها. وكان بارعا في المواضيع التي تربط بالتباهي والخيلاء. وهذه السمة لها خلفية جمالية لأنها كانت تسمح له بأن يرسم ديكورات أنيقة وملابس زاهية. واستخدامه للأزرق الفيروزيّ على قميص المرأة يشي بلمسة معلّم.
هناك الكثير من الفنّانين ممّن رسموا الساتان والحرير، لكن لا احد كان ينافس تير بورش من هذه الناحية. وربّما كان السبب كثرة أسفاره التي أتاحت له رؤية العديد من العائلات الغنيّة واطّلع عن قرب على نمط حياتها. وغالبا ما كان يرسم الأشخاص أمام خلفية مظلمة وفارغة كي لا يصرف انتباه الناظر عن ملاحظة الشخصية.
ولد جيرارد تير بورش في ديسمبر من عام 1617 في بلدة ديفنتر الهولندية وتلقّى تعليما جيّدا في الرسم على يد والده الذي كان هو أيضا رسّاما. كما تتلمذ في ما بعد على يد بيتر دي مولين في هارلم.
وفي عام 1635، ذهب إلى انجلترا وألمانيا وفرنسا. ثم زار اسبانيا حيث عمل رسّاما في بلاط الملك فيليب الرابع. لكنه قطع إقامته في مدريد وعاد إلى هولندا عام 1650 ليستقرّ في هارلم ثم في ديفنتر التي شغل فيها وظيفة عضو في المجلس البلديّ وحتى وفاته عام 1681.
وكان قد قضى قبل ذلك ثلاث سنوات في وستفاليا، حيث شهد عقد مؤتمر السلام فيها ورسم وفدي كلّ من اسبانيا وهولندا أثناء توقيعهما على المعاهدة عام 1648.

Sunday, October 01, 2017

لوحات عالميـة – 418

عاشـقـان
للفنان الإيراني رضـا عبّـاسي، 1630

تأثّر الفنّ الفارسيّ في بداياته بالثقافة الصينية والهندية، لكنه طوّر سماته الخاصّة في ما بعد. وكان الفنّ وقتها يتضمّن أعمال السيراميك والهندسة المعمارية والنسيج وأعمال المعدن وكتابة الخطّ والرسم.
من ناحية أخرى، كان رسم المنمنمات مجالا صغيرا نسبيّا، لكنه كان يشكّل جزءا مهمّا من أشكال الرسم، وكان حكّام فارس يولونه أهميّة فائقة.
ومن أبرز من برعوا في رسم المنمنمات الفنّان رضا عبّاسي الذي يعدّه الكثيرون احد أعظم الرسّامين الإيرانيين في القرن السابع عشر. كان المعلّم الأوّل في مدرسة أصفهان التي تُعتبر أشهر مدرسة فارسية في رسم المنمنمات.
كان عبّاسي متأثّرا بمدرسة قزوين في الرسم، مفضّلا رسم مواضيع الطبيعة على التصوير الإيضاحي الذي كان قد هيمن على فنّ المنمنمات لأكثر من مائتي عام قبل ذلك.
وقد أحدث هذا الرسّام تغييرا جذريّا في الرسم الفارسيّ بتوظيفه المبكّر لخطّ الكتابة والألوان غير المألوفة. وكان الرسّامون في زمانه يقلّدون أسلوبه، لكنهم لم يقتربوا من مستواه، مع أن العديد منهم أنتجوا أعمالا مميّزة حتى بداية القرن الثامن عشر. ومن بين تلاميذه الذين اشتهروا في ما بعد ابنه محمد شافعي ومعين موسافار.
رسم عبّاسي هذه اللوحة/المنمنمة قرب نهاية عمله الناجح والطويل كرسّام في البلاط الصفويّ، وفيها نرى رجلا وامرأة يحتضنان بعضهما. وجها الشخصين متشابهان مع عيون ورموش طويلة وشفاه رقيقة. الرجل يجلس على ركبته بينما تجلس المرأة في حضنه في وضع غريب. ذراعاه تطوّقانها ويده اليسرى داخل إزارها المفتوح. وهي تضع يدها اليسرى حول كتفه واليمنى فوق رأسه بينما تمسك بوردة.
الرجل يرتدي ثوبا اخضر مع حزام ازرق مذهّب ويضع فوق رأسه وشاحا ازرق. والمرأة ترتدي ثوبا بنّيّاً وتلفّ كتفيها بوشاح ذهبيّ. وقطعة المجوهرات الوحيدة التي ترتديها هي سلسلة صغيرة على كاحل قدمها.
الخلفية ذهبية داكنة مع أوراق ذهبية. وعلى الأرضية هناك صحن فواكه وإناء فيه شراب، وعلى الطرف الأيسر كتابة بالخط العربي. وأحد خصائص أسلوب الرسّام هو إيلاؤه اهتماما كبيرا بالتفاصيل مثل الإبريق والصحن والفاكهة.
من الأشياء اللافتة في الصورة جمال ودقّة الأيدي والوجوه والملابس والانحناءات والشعر المنسدل على جانب الوجه.
وقد استخدم في اللوحة الحبر وماء الذهب. وقد يكون الذهب أضيف في مرحلة تالية بناءً على طلب المشتري. وإضافة الوردة في يد المرأة يشكّل لمسة جميلة ربّما أراد منها الرسّام تجنّب بقاء ذلك الجزء من الصورة فارغا.
كما وظّف التمبرا، وهو نوع من الطلاء استخدمه المصريون القدماء لكنه فقد جاذبيته اعتبارا من عصر النهضة مع أنه ما يزال يُستخدم إلى اليوم، وإن على نطاق ضيّق.
ومن خصائص التمبرا انه يجفّ بسرعة ولا يمكن وضعه إلا بضربات فرشاة صغيرة جدّا. وهذا يعني أن الرسّام أنجز اللوحة ببطء شديد وأنها أخذت منه وقتا طويلا، وهذا أيضا يفسّر كثرة التفاصيل فيها.
ظهور شخصين بجسدين متداخلين في لوحة ربّما كان يعكس موقفا جديدا ومتسامحا مع الصور الحسّية. إذ جرت العادة في العهد الصفويّ أن تُرسم النساء منفصلات عن الرجال. لكن عبّاسي وآخرين نظروا إلى الموضوع نظرة مختلفة، فرسموا النساء مع الرجال لتوضيح أفكار الشعراء الذين كانوا يكتبون قصائدهم غالبا عن الحبّ وأهمّية المرأة. وهناك احتمال بأن الفنّان رسم المرأة والرجل بهذه الكيفية كي يعبّر عن عدم ارتياحه للقيود في البلاط.
أيضا في هذه اللوحة شيء من تأثير الرسم الصينيّ والتركيّ، حيث الوجوه الشاحبة والأعين الطويلة. أما حضور الأزهار والذهب في الخلفية فربّما قُصد منهما أن يكونا رمزا للجنّة، وهي فكرة كانت رائجة عند شعراء ذلك الزمان.
ولد رضا عبّاسي في كاشان بإيران عام 1565. وكان والده علي أصغر رسّام منمنمات معروفاً. وقد تلقّى تعليما أوليّا على يد والده ثم انتظم في مدرسة إسماعيل الأوّل. ولم يلبث أن أصبح خطّاطا ورسّاما بارعا. لكنه عُرف أكثر برسم المنمنمات. ثم انتقل من رسم الكتب والمخطوطات إلى تصوير الحياة اليومية في صور مستقلّة. وفي مرحلة تالية عيّنه الشاه عباس الصفويّ رسّاما للبلاط. وفي تلك الفترة بالذات بلغ رسم المنمنمات أوج ازدهاره في بلاد فارس.
كان عبّاسي غالبا ما يوقّع أعماله، مع إضافة التواريخ وتفاصيل أخرى. ويقال انه كان من بين الرسّامين الذين شاركوا في رسم ملحمة الشاهنامة التي توجد مخطوطتها الأصلية اليوم في مكتبة دبلن بآيرلندا. وبعد وفاته في عام 1635، فقدت مدرسة أصفهان أهميّتها ثم بدأ فنّ رسم المنمنمات في إيران في الأفول.
يُذكر أن أعمال رضا عبّاسي موجودة اليوم في العديد من المتاحف حول العالم، مثل المتحف المسمّى باسمه في طهران ومكتبة قصر طوب كابي في اسطنبول ومتحف سميثسونيان والمتحف البريطانيّ ومتحف اللوفر ومتحف المتروبوليتان وغيرها.

Wednesday, September 27, 2017

لوحات عالميـة – 417

امـرأة بلبـاس فضفـاض
للفنان الفرنسي اندريـه ديـريـن، 1906

في عام 1900 ظهرت الوحوشية، وهي مدرسة فنّيّة لم تعمّر طويلا. وقد حمل لواءها مجموعة من الفنّانين الحداثيين الذين كانت أعمالهم تركّز على نوعية الرسم والألوان القويّة أكثر من القيم الواقعية والتجسيدية التي احتفظت بها الانطباعية.
وقد استمرّت الوحوشية إلى ما بعد عام 1910، واعتُبرت أحيانا نوعا من التعبيرية. وكان زعيماها هما هنري ماتيس وأندريه ديرين. لكن هذا الأسلوب الجديد قوبل بانتقادات واسعة بسبب الألوان الدراماتيكية التي كان يوظّفها والتي دفعت النقّاد للسخرية من لوحاتهم وأسماها احدهم الوحوش البرّيّة، ومن هنا اشتُقّ اسمها.
غير أن هناك أسماء أخرى ارتبطت بهذا الاتجاه، مثل موريس مارينو وموريس فلامنيك وراؤول دوفي وفان دونغن، بالإضافة إلى جورج براك زميل بيكاسو في تأسيس التكعيبية.
كانت لوحات الوحوشيين تتّسم غالبا بتوظيف الفرشاة الجامحة والألوان الغامقة، مع درجة عالية من التبسيط والتجريد. ويمكن اعتبار هذه المدرسة تطوّرا متطرّفا من "ما بعد انطباعية" فان غوخ، مع مزيج من نقطية جورج سورا وغيره من الانطباعيين الجدد. ومن بين من تأثّر بهم الوحوشيون كلّ من بول غوغان وبول سيزان.
هذه اللوحة تعتبر عملا أساسيّا من المرحلة الوحوشية، وفيها يقدّم اندريه ديرين نموذجا لقوّة التعبير الذي يمكن تحقيقه من خلال توظيف الشّكل واللون. وهي تصوّر امرأة ذات شعر أشقر وهي تجلس وتنظر إلى المتلقّي. ورغم الأسلوب التعبيريّ للوحة، إلا أنها مشيّدة من عدد من المثلثّات والتباينات التي توفّرها الألوان الحمراء والخضراء والبرتقالية والزرقاء.
وقد وظّف الرسّام في قميص المرأة الألوان المتعدّدة والفرشاة اللامعة وبالغ في تجسيد الوجه والعينين. كما استخدم جزئيّا الخطوط الخارجية لتحديد الأطراف.
ولد اندريه ديرين في يونيو من عام 1880 في شاتو في باريس. ودرس الرسم على يد اوجين كاريير. ثم قابل ماتيس الذي اقنع والده بأن يسجّله في أكاديمية جوليان. وقد عمل ديرين مع ماتيس في صيف عام 1905 في قرية كوليوري المتوسطية حيث ابتكرا معا الاتجاه الجديد.
ثم ذهب الرسّام إلى لندن ورسم بعض معالمها. وعندما عاد إلى فرنسا بدأ يتحوّل من الألوان اللامعة للوحوشية إلى ألوان باردة وظهرت عليه تأثيرات التكعيبية وشيء من أسلوب سيزان.
وأثناء الاحتلال النازيّ لفرنسا في الحرب العالمية الثانية، عاش الرسّام في باريس. وقد جامله الألمان باعتباره فنّانا ومثقّفا. ثم ذهب إلى ألمانيا عام 1941 مع رسّامين آخرين لحضور معرض في برلين. وقد استغلّت الدعاية النازية زيارته إلى هناك لمصلحتها. وبعد التحرير اعتُبر ديرين متعاملا مع العدوّ ثم عومل بالنبذ من قبل الكثيرين.
وفي أواخر حياته أصيب بمعرض معدٍ في العين لم يُشفَ منه. وتوفّي في باريس في سبتمبر عام 1954 متأثّرا بجروح أصيب بها إثر حادث سيّارة.