Wednesday, July 09, 2014

لوحات عالميـة – 348

خلـق العالـم والطـرد من الجنّـة
للفنان الايطالي جيـوفانـي دي بـاولـو، 1445

كان جيوفاني دي باولو واحدا من أهم الرسّامين الايطاليين في القرن الخامس عشر. وتتميّز رسوماته بالألوان الباردة والأشكال الطويلة. ورغم أن الكثير من أعماله ذات صبغة دينية، إلا انه كان بارعا أيضا في رسم وزخرفة المخطوطات. وقد كُلّف برسم أكثر من 60 منمنمة مزخرفة بالذهب كي تزيّن الطبعة الخاصّة بمكتبة ملك نابولي من كتاب الكوميديا الإلهية لدانتي. ورسوماته تلك تُعتبر من أفضل أعماله المحفوظة حتى اليوم.
ومن أشهر أعمال دي باولو الأخرى هذه اللوحة التي رسمها في كنيسة سان دومينيكو التي أصبحت اليوم تؤوي غاليري اوفيزي المشهور في فلورنسا.
والرسّام في اللوحة يقدمّ رؤية للجنّة تذكّر بوصف دانتي لها في الكوميديا الإلهية. وقد رسم الفنّان الكون على هيئة كرة سماوية، بينما الأرض في المركز تحيط بها سلسلة من الدوائر المتّحدة المركز. هذه الدوائر تمثّل العناصر الأربعة والكواكب المعروفة، بما فيها الشمس بحسب ما كان يقوله علم فلك القرون الوسطى.
في اللوحة نرى خريطة للعالم الذي خُلق للتوّ، وأسفل إلى اليمين جنّة الفردوس بأنهارها الأربعة التي تنبع من الأرض، وآدم وحوّاء وهما يُطردان من الجنّة على يد ملاك يأخذ شكل إنسان عار.
آدم وحوّاء يبدوان عاريين ومفجوعين وهما يُطردان من جنّات عدن. والأزهار المتألّقة والتفّاحات الذهبية والمراعي الخضراء في الجنّة ترمز إلى الحالة النقيّة أو الطاهرة للإنسان قبل سقوطه من العلياء.
من الأشياء المثيرة للاهتمام في هذه اللوحة أن الأرض محاطة بدوائر ملوّنة، وبالتحديد 11 لونا. والرسّام هنا يتبع وصف دانتي لمدارات الأجرام السماوية. فالدائرة الكبيرة وسط هذه الدوائر تمثّل الأرض وهي محاطة ببحار ومحيطات زرقاء. ثم هناك دائرة من نار، وطبقات زرقاء من الهواء، ثم طبقة أخرى تمثّل حركة الكواكب حول الأرض. ويمكن القول إن اللوحة هي عبارة عن تصوير للنظام الشمسي ما قبل غاليليو والذي كان يفترض أن الأرض تقع في مركز الكون.
الإشارة باليد الممدودة باتجاه الدائرة موجّهة للأرض إلى أسفل، أي إلى حيث سيكون مستقرّ آدم وحوّاء وذريّتهما الذين سيأتون في ما بعد.
بعض لوحات جيوفاني دي باولو لها خاصيّة الحلم. وهو كان منجذبا لتقليد أساليب بعض زملائه من الرسّامين. في تلك الفترة، كان هناك عرف يُثمّن عمل كلّ رسّام يستطيع أن يغيّر ويعدّل في أعمال الآخرين بحيث تبدو في النهاية كما لو أنها من أعماله أو من إبداعه هو.
ومن ناحية أخرى، استفاد دي باولو من خبرة وأسلوب زميله ومواطنه الرسّام جنتيلي دي فابريانو. وقد عُرف عن الأخير افتتانه بالطبيعة. وبدلا من استخدام قدّيسين في مثل هذه المناظر كما كان العرف سائدا وقتها، كان دي فابريانو يستخدم في لوحاته زينة من النباتات والأزهار.
ولد جيوفاني دي باولو في جمهورية سيينا الايطالية عام 1403م. وتتلمذ على يد الرسّام تاديو دي بارتولو الذي يظهر تأثيره واضحا في أعمال دي باولو المبكّرة. لكنه أيضا، وكما سبقت الإشارة، تأثّر بالأسلوب الزخرفي وبلوحات البلاط التي كان يرسمها معاصره جنتيلي دي فابريانو.
وقد عُرف عن دي باولو دفاعه القويّ عن أسلوب الرسم القديم الذي كان شائعا في القرون الوسطى، مع أن أسلوبه هو لم يكن الأكثر تفضيلا في زمانه.
ورغم انه لم يتمتّع بأيّ نفوذ يُذكر على مجمل حركة الرسم طوال القرون الأربعة التي تلت وفاته عام 1482م، إلا أن فنّه شهد انتعاشا منذ بداية القرن الماضي بسبب سماته اللونية والشاعرية والدراماتيكية. كما اظهر رسّامو الحداثة اهتماما بالسمات التعبيرية في أعماله التي تتوزّع اليوم على العديد من المتاحف العالمية في فلورنسا ونيويورك وباريس وفيينا ومدريد وأمستردام وغيرها.

Thursday, July 03, 2014

لوحات عالميـة – 347

طيف شخص مع طبق فاكهة على شاطئ
للفنان الإسباني سلفـادور دالــي، 1938

كان سلفادور دالي رسّاما رائدا وغريب الأطوار. وقد غيّر جذريّا مفهوم السوريالية. وعندما كان شابّا في بداية العشرينات كتب في مفكّرته يقول: قد يحتقرني الناس الآن ويسيئون فهمي. لكنّي سأصبح غدا شخصا عبقريّا وعظيما".
وقد تأثّر دالي بالرسّام جورجيو دي كيريكو وكذلك بواقعية ودقّة الرسّامين ما قبل الرفائيليين وبرسّامي فرنسا القرن التاسع عشر. ثم بدأ المزج بين عدّة أساليب وتقنيات فنّية مختلفة.
في هذه اللوحة، رسم دالي أربعة مشاهد ثم دمجها في صورة واحدة: رأس كلب، ووجه إنسان، ومنظر لصحراء تطلّ على البحر ومائدة عليها طبق من الفاكهة.
لكن لنلقِ أوّلا نظرة على التفاصيل بدءا من الجهة اليسرى. في هذا الجزء من اللوحة نرى امرأة تجلس وهي تعطي ظهرها للناظر بينما تشعل النار في موقد. وإلى جوار المرأة نلمح ثلاثة أشخاص احدهم يعزف على آلة موسيقية، بالإضافة إلى سلّة وقوقعة وماء.
وفي الجهة اليمنى من المنظر يحتشد عدة أشخاص، بينهم أطفال ورجال ونساء، وهم يقفون أمام تمثال ضخم لرجل اسود عار. وفي الوسط طبق فاكهة يشبه كأس النبيذ، وعلى الطاولة أيضا هناك حبل وقطعة قماش وكرات صغيرة. لكن العنصر المهيمن على الصورة هو منظر الكلب الضخم الذي يتمدّد على كامل مساحة اللوحة من اليمين إلى الشمال.
هذه هي العناصر الأوّلية في اللوحة أو ما يمكن أن تراه لأوّل وهلة. لكن بعد برهة ستكتشف أن اللوحة هي عبارة عن نوع من الخداع البصري. فالطاولة هي بنفس الوقت صحراء، والجسر في المنظر الطبيعي يتشكّل من ياقة الكلب، وطبق الفاكهة أو الكمثرى يتحوّل إلى وجه امرأة تتشكّل إحدى عينيها من صدفة والأخرى تأخذ شكل رأس شخص مستلق على الأرض.
وبإمكانك طبعا أن تحدّق في هذه اللوحة إلى ما لا نهاية وتكتشف بنفسك المزيد من الأشكال والتفاصيل والصور المزدوجة أو المتحوّلة.
دالي كان مفتونا بتحوّل الأشياء وعدم ثبات المظاهر. وقد أراد استدعاء عالم اللاوعي من خلال خلق هذا النوع من الصور ذات الطبقات المتعدّدة. لاحظ كيف أن تلاعبه بجزء صغير من تفصيل واحد أنتج تحوّلات وتجانبات مذهلة وغير متوقّعة. حتى ثمار الكمثرى تنبثق منها وجوه وملامح لأشخاص. وأيضا وكما في الحلم، هناك أشياء لا يمكن توقّعها مثل الحبل وقطعة القماش المرميتين بإهمال على الطاولة.
في معظم الصور من الماضي، كان كلّ شكل وكلّ لون يشير إلى شيء واحد فقط . في الطبيعة مثلا، كانت الضربات البنّية للفرشاة تنتج جذوع أشجار بينما يتولّد عن النقاط الخضراء أوراق شجر.. وهكذا.
وصورة دالي هذه تجسّد حقيقة أن فنّاني القرن العشرين، خاصّة السورياليين، لم يكونوا يقنعون بتصوير ما يرونه فقط، بل أرادوا أيضا توظيف الألوان والأشكال وحشدها معا لبناء صور متخيّلة.
وفكرة الرسّام هنا تتلخّص في أن كلّ شيء يمكن أن يمثّل عدّة أشياء معا في نفس الوقت، ما يدفع المتلقّي للتركيز على المعاني الممكنة والمتعدّدة لكلّ شكل ولون، تماما مثلما يركّز دارس اللغة على الوظائف المتعدّدة للكلمات والمعاني.
سيغموند فرويد كان الشخص الذي كان دالي يحترمه ويقدّره كثيرا في شبابه. وقد اعتبر فرويد أن 90 بالمائة من السورياليين مجانين. ورغم انه قابل دالي عام 1938، إلا أنه لم يقل شيئا عن ذلك اللقاء.
ومع ذلك يمكن اعتبار لوحات دالي، بشكل عام، جزءا لا يتجزّأ من سيرته الذاتية. وعالمه الداخلي وشطحاته وغرابة أطواره يمكن اكتشافها في تعبيراته الصورية التي كان يضمّنها بعضا من أحلامه وهلوساته، أو ما كان يسمّيه هو بالبارانويا النقدية.
وبعض من أرّخوا لحياة دالي وفنّه توقّفوا عند تاريخ عائلته في محاولة لتحليل شخصيّته. والده، واسمه سلفادور أيضا، كان رجلا محترما وصارما بنفس الوقت. وكان دالي يخافه طوال عمره ولم يجرؤ على معارضته إلا بعد أن ظهرت زوجته وملهمته غالا في حياته.
وأسلاف دالي كان يعيشون في شمال كاتالونيا، وهي منطقة في اسبانيا تتّصف برياحها العاصفة ومناخها البارد. ويُعتقد أن ذلك الطقس مسئول، ولو بنسبة ما، عن السلوك العصبي والغريب لبعض الناس الذين يعيشون في تلك المنطقة وعن كثرة حوادث الانتحار هناك.
المعروف أن سلفادور دالي بدأ عرض لوحاته في مدريد وهو شابّ. كان وقتها احد ابرز الرسّامين الواعدين. ثم زار باريس والتقى بيكاسو وميرو وإرنست وآخرين. وسرعان ما أصبح احد الأشخاص الروّاد في الحركة السوريالية.

Thursday, June 12, 2014

لوحات عالميـة – 346

أزهـار هيليـوغـابـالـوس
للفنان البريطاني لورنـس المـا تـاديمـا، 1888

هذه اللوحة هي ولا شكّ أشهر لوحات لورنس الما تاديما. وهي تحكي عن حادثة وقعت في حياة الإمبراطور الروماني هيليوغابالوس.
اشتهر هذا الامبراطور بغرابة أطواره وبتعصّبه وانحلاله. وكان ينافس نيرون وكاليغولا في الشرّ والرذيلة. وقد ألهمت حياته وشخصيّته عددا من القصائد والروايات واللوحات المشهورة.
كان من عادة هيليوغابالوس أن يقيم في قصره حفلات عشاء يقدّم خلالها صنوف الأطعمة الشهيّة والباذخة. لكن لم يكن ضيوفه يستمتعون بالأكل خوفا ممّا قد يحدث لهم في نهاية العشاء.
واللوحة تصوّر احد تلك الاحتفالات ويظهر فيه ضيوف يحضرون حفل عشاء فاخر في قصر الامبراطور المستلقي على سريره والمحاط بعدد من محظياته ورجال حاشيته، بينما ينهمر من أعلى شلال من أزهار البنفسج وأزهار أخرى.
وباعتبار ما كان لهذا الرجل من سمعة سيّئة في إهانة وتعذيب ضيوفه، يمكن للمرء أن يتخيّل كيف سينتهي هذا الاحتفال. كان بعض الضيوف يُجلدون بالسياط والبعض الآخر يتمّ إغراقهم في الماء بينما الباقون يراقبون ما يحدث بهلع.
وكثيرا ما كان هذا الامبراطور المعتوه يسلّط على ضيوفه بعد أن يفرغوا من تناول العشاء أفاعي سامّة لتقوم بلدغهم وقتلهم أو يطلق عليهم نمورا وأسودا كي تقوم بافتراسهم وهم أحياء.
وكانت صرخات الرجال والنساء يتردّد صداها في الليل في شوارع روما المظلمة تصاحبها ضحكات الامبراطور المجنون الذي كان يستمتع بمشاهدة مناظر الرعب.
الرسّام لورنس الما تاديما كان مشهورا بلوحاته التي تجري أحداثها في الأزمنة القديمة. غير انه رسم أيضا بورتريهات وطبيعة وألوانا مائيّة. وبسبب براعته الفنّية ومعرفته وثقافته الواسعة، كانت لوحاته غالبا ما تعكس إحساسا بالشباب والحيويّة.
كان هذا الرسّام ذو الأصول الهولندية إنسانا متفتّحا وذا شخصية دافئة. كما كان رجل أعمال ناجحا، بل وأحد أثرى الرسّامين في القرن التاسع عشر. وقد عُرف عنه حزمه في المسائل المالية وحرصه على تجويد عمله. كما كان ميّالا إلى المرح وروح الدعابة المهذّبة ومحبّا للنبيذ والنساء والحفلات. وقد شبّهه بعض النقّاد بالأطفال من حيث براءته ومزاجه المتقلّب.
هيليوغابالوس كان اسمه الأصلي سكستوس باسيانوس. وقد أطلق عليه هيليوغابالوس بعد موته. حكم هذا الرجل، المولود في سوريا البعيدة عن مركز الامبراطورية، روما لأربع سنوات من عام 218 إلى 222م وكان عمره وقتها لا يتجاوز الرابعة عشرة. وعُيّن إمبراطورا بعد اغتيال الامبراطور كاراكالا.
وقد اتسم عهده بالفضائح الجنسية والجدل الديني. كما اظهر احتقاره للتقاليد الرومانية الدينية، وذلك عندما أمر بنقل الآثار المقدّسة من دين الرومان من أماكنها ووضعها في معبده بحيث لا يُعبد ربّ سوى آلهته الخاصّة. كما أمر بأن يُختن لكي يصبح الكاهن الأوّل لدينه الجديد.
كان هيليوغابالوس يقدّس حجر نيزك كان يحتفظ به في معبده ظنّا منه أنه مرسل من السماء. وكان من عادته أن يقيم كلّ عام مهرجانا ويضع الحجر على عربة مزيّنة بالذهب والمجوهرات ويطوف به أرجاء المدينة. وكان الناس مسرورين بتلك الطقوس لأنه كان يصحبها توزيع للأطعمة بالمجّان.
تزوّج هيليوغابالوس خمس مرّات واتخذ له أصدقاء ذكورا من داخل القصر. بل يقال انه حوّل نفسه إلى بغيّ ذكر في البلاط. وأشيع ذات مرّة انه عرض مبلغا كبيرا من المال على طبيب إن هو تمكّن من زراعة عضو أنثوي له.
وقد أدّت سلوكياته الغريبة إلى انفضاض مجلس الشيوخ من حوله وكذلك الحرس والناس العاديّين. وبعد أن أكمل عامه الرابع في الحكم نفّذ حراسّه الغاضبون خطة أشرفت عليها جدّته وانتهت بمصرعه. وقُتلت معه والدته ثم قُطع رأساهما وعُرضت جثّتاهما عاريتين على الناس وطيف بهما في شوارع روما.
تجربة هيليوغابالوس الغريبة في الحكم عزّزت شكوك الرومان بأن الرجال الآتين من الشرق إمّا أن يكونوا منحرفين أو شاذّين جنسيّا أو معتوهين وأن أهمّ ما يشغلهم هو أن يغمروا أنفسهم بالعطور وبجيوش من العبيد والمخصيين.
لوحات الفنّان لورنس الما تاديما تغلب عليها صور لنساء في شرفات من المرمر تطلّ غالبا على البحر. ورسمه الشديد الواقعية للرخام استحقّ عليه في ما بعد لقب "الرسّام الرخاميّ". وأعماله، بشكل عام، تُظهر روعة الألوان والتنفيذ التي كانت تميّز الرسّامين الهولنديين الأوائل.
وقد اشتهر الما تاديما أيضا بتصميم الأثاث والقماش. وكان يوظّف لذلك موتيفات مصرية ورومانية. واهتماماته المتنوّعة كانت مؤشّرا على موهبته التي استخدمها بنجاح في لوحاته. كما استخدم تصاميمه في اللباس الذي تظهر به موديلاته.
كان الما تاديما يقرأ كثيرا ويأخذ من الكتب صورا ليرسمها. وقد جمع صورا عديدة من المواقع القديمة التي زارها في ايطاليا واستخدمها بدقّة وبتفاصيل رائعة في بعض لوحاته.
تلقّى الفنّان العديد من الجوائز، كما مُنح درجة دكتوراة فخرية من جامعة أكسفورد وأنعم عليه بلقب فارس. وفي نهاية حياته، قلّ إنتاجه بسبب ضعف صحّته وانشغاله بتزيين بيته الذي انتقل إليه قبل خمس سنوات من وفاته في يونيو 1912م.
الما تاديما، الذي كان عند وفاته احد أشهر رسّامي زمانه، سرعان ما نسيه الناس بحلول نهاية ثلاثينات القرن العشرين، مع ظهور مدارس الفنّ الحديثة كالانطباعية والوحوشية والتكعيبية وغيرها. وبعض النقّاد اليوم ينظرون إلى لوحاته بازدراء ويصفونها بالزخرفية والخالية من أيّ معنى أو مضمون.

Sunday, May 18, 2014

لوحات عالميـة – 345

الفـلاسفـة الثـلاثـة
للفنان الإيطالي جـورجيـونـي، 1509

تجاوز جورجيوني فنّ عصر النهضة بابتكارين مهمّين: الأوّل انه أوّل من تبنّى في وقت مبكّر التقنية الجديدة في الرسم على القماش بدلا من لوحة الخشب. والثاني انه كان من أوائل الرسّامين الذين أتقنوا استخدام الألوان الزيتية. كما أن جورجيوني لم يكن يضع رسومات تحضيرية على الورق قبل الرسم، وبذا كسر تقليدا فنّيا قديما في فلورنسا كان قد أرساه قبله كلّ من ليوناردو ومايكل انجيلو.
لوحات جورجيوني، على الرغم من قلّة عددها "عشر لوحات تحديدا"، تتّسم بغموضها وبأجوائها الرعوية الملغزة. وهذه اللوحة ليست استثناءً. ولهذا السبب، وربّما لأسباب أخرى غيره، اعتُبرت اللوحة من بين أكثر الأعمال الفنّية شهرة في فينيسيا خلال عصر النهضة.
ويقال إن السبب في غموض معناها هو أن الفنّان رسمها بناءً على طلب خاصّ من راعيه الحصري، وهو نبيل فينيسي يُدعى تاديو كونتاريني كانت له اهتمامات بالخيمياء وبكلّ ما هو غامض. ولم يكن موضوع اللوحة معروفا سوى للراعي ولأصدقائه المقرّبين وللرسّام فقط.
يصوّر جورجيوني في اللوحة ثلاثة فلاسفة في منظر طبيعي. وهويّة هؤلاء الفلاسفة ما تزال مثار جدل بين مؤرّخي الفن. بعضهم يقول إنهم فيثاغوراس واثنان من معلّميه وأن اللوحة نفسها ترمز إلى تطوّر الفلسفة.
لكن في زمن جورجيوني كانت كلمة "فيلسوف" تعني الفلكي أو المنجّم، ما حدا بالبعض إلى الاعتقاد بأن الرجال الثلاثة الظاهرين في اللوحة هم من المجوس الأتقياء الذين ذهبوا إلى بيت المقدس مبشّرين بولادة المسيح.
وقيل إن اللوحة تمثّل ثلاث مراحل من الفكر الإنساني: عصر النهضة ويمثّله الشابّ، وعصر التوسّع الإسلامي ويمثّله الرجل الذي يرتدي عمامة، والعصور الوسطى ويمثّلها الرجل العجوز.
وهناك من قال إن الرجل المعمّم هو ابن رشد، الفيلسوف المسلم من القرن الثاني عشر والذي عاش في اسبانيا وكان فقيها وطبيبا أيضا. ولو صحّت هذه الفرضية فإن هذا يساعد على إلقاء الضوء على صورة الفلسفة الإسلامية ودور الإسلام في مفاهيم أواخر العصور الوسطى وأوائل عصر النهضة الأوروبية.
غير أن هناك نظريات أخرى تشرح معنى اللوحة. إحداها تذهب إلى أن الرجال الثلاثة يمكن أن يمثّلوا الأعمار الثلاثة للإنسان. كما راجت نظرية أخرى تقول إن الرجال الثلاثة يمثّلون ثلاث حركات فلسفية: الرجل الكهل ويمثّل الفكر القديم، والرجل الذي يرتدي عمامة ويمثّل الفلسفة العربية، والشابّ الجالس ويمثّل العلم الحديث.
بعض مؤرّخي الفنّ حاولوا تحديد هويّة الأشخاص الثلاثة اعتمادا على طبيعة لباسهم غير العاديّ، وتوصّلوا إلى أن الأوّل إلى اليمين، أي العجوز الذي يرتدي ثيابا صفراء ويمسك بورقة أو كتاب عليه ما يشبه الرموز الفلكية، لا بدّ وأن يكون يونانيّا أو مسيحيّا. ومن وجهة نظرهم، يُرجّح أنه تاليس.
أما الثاني فيُعتقد انه مسلم بسبب العمامة والزيّ الشرقيّ الذي يرتديه، وأغلب الظنّ انه ابن رشد.
أما الثالث، أي الشابّ الجالس على الأرض معطيا ظهره للاثنين، فيُعتقد انه فيثاغوراس تلميذ تاليس. فيثاغوراس يبدو معجبا بأشعّة الشمس على الرغم من أن الصخرة التي أمامه مسجّاة في الظلام والشمس تشرق من مكان آخر. وهو يظهر ممسكا بمربّع وبوصلة ويبدو كما لو أنه يحاول قياس الكهف الذي أمامه. وقد يكون لهذا علاقة بكهف أفلاطون الرمزيّ الذي يرى بأن البشر أشبه بمن يسكنون كهفا ولا يرون فيه سوى الظلال التي يظنّون أنها الواقع.
المشهد في اللوحة يحدث في العصور الكلاسيكية القديمة، وبالتحديد على تلّة بالقرب من ميليتوس في بلاد اليونان. ومن الواضح أن جورجيوني أراد من خلال هذا العمل أن يحتفل بالانجازات والإسهامات الفكرية للديانة الوثنية الكلاسيكية، فضلا عن تلك التي للإسلام.
من أهم سمات هذه اللوحة أن الرسّام قدّم المزاج واللون بشكل نحتيّ. وهناك أيضا النمذجة الرائعة للعباءات. كما أن استخدام تقنية المزج التدريجي للألوان يذكّرنا بلقاء جورجيوني وليوناردو في العام 1500م. وكما هو الحال مع كلّ أعمال الرسّام الأخرى، فإن اللون والضوء والمزاج في هذه اللوحة فيها ابتكار وتكثيف مع إيحاء بالمجهول.
كانت أعمال جورجيوني تترك انطباعا على المتلقّين عبر القرون. صوره الحزينة والحالمة تشبه الشعر المرسوم. وقد فتنت معاصريه وكان لها تأثير مباشر على الفنّ في فينيسيا على مدى أجيال. ومن بين من فُتن بلوحاته الشاعر الانجليزيّ اللورد بايرون الذي أشار إلى جورجيوني وإلى فنّه في شعره.
جورجيوني "الذي يعني اسمه جورج الكبير أو الطويل" كان شخصا غامضا مثل فنّه. قيل إنه كان مشهورا بوسامته. كما كان مولعا بالشعر وبالموسيقى. وقد ولد في فينيتو بإيطاليا، وانتقل لاحقا إلى فينيسيا، حيث عمل مع جيوفاني بيلليني، وكان له تأثير كبير على تيشيان.
كان جورجيوني مؤمنا بالأفكار الانسانوية والفردانية. وهذه الأفكار واضحة في هذه اللوحة. فهو يركّز على الإنسان بدلا من المعمار أو الطبيعة. وكلّ واحد من الأشخاص الثلاثة يُظهر فردانيّته وتميّزه في الشخصية وفي اللباس. ومن المعروف أن الفردانية تأخذ الإنسان خطوة ابعد بالقول إن البشر المتفرّدين، أي المختلفين في ثقافاتهم ومعتقداتهم، قادرون على تحقيق الإنجازات العظيمة.
انتهى جورجيوني من رسم هذه اللوحة قبل عام واحد من وفاته. وهي اليوم من مقتنيات متحف تاريخ الفنّ في فيينا. وقد توفّي الفنّان وهو في سنّ مبكّرة وعمره لا يتجاوز الثالثة والثلاثين بعد أن انتقل إليه مرض الطاعون من عشيقته.

Thursday, April 17, 2014

لوحات عالميـة – 344

قبّعة القشّ أو بورتريه سوزانا لوندين
للفنان الهولندي بيتـر بـول روبنــز، 1625

كان روبنز مولعا بالنساء المثيرات اللاتي كان يملأ بهنّ لوحاته وأصبحن علامة مميّزة وفارقة على فنّه. وهو في هذه اللوحة يرسم امرأة من عصر الباروك تبدو جميلة ومرغوبة وربّما غير متحفّظة، بعينين واسعتين وبشرة شاحبة تلمع في الضوء. وقد رسمها كما لو أنها لا تدرك الجمال الذي تتمتّع به أو أنها محرجة منه. ومن الملاحظ أيضا أنها لا تنظر إلى الرسّام ولا إلى المتلقّي.
النقّاد يعتبرون هذا البورتريه من بين أفضل أعمال روبنز. وبلغ من شهرته أن شبّهه بعضهم بالموناليزا. وكان له تأثير على أجيال عديدة من الرسّامين عبر العصور. وقد قلّدته الرسّامة الفرنسية لويز فيجي لو بران في لوحتها لنفسها بعنوان قبّعة القشّ.
اسم المرأة الظاهرة في اللوحة سوزانا فورمنت. وهي الابنة الثالثة لدانيال فورمنت الذي كان تاجر حرير مشهورا في مدينة انتويرب.
شقيقة سوزانا الصغرى، هيلينا، أصبحت زوجة روبنز الثانية منذ العام 1630م. وأخت زوجة روبنز الأولى ايزابيللا براندت كانت متزوّجة من شقيق سوزانا. ويبدو أن الفنّان رسم لها هذا البورتريه لمناسبة زواجها الثاني عام 1622. النظرات المباشرة من تحت ظلال القبّعة والخاتم في إصبعها يوحيان بأن اللوحة عبارة عن بورتريه للزواج. وكان زواج سوزانا الأوّل قد انتهى بوفاة زوجها وكانت ما تزال فتاة مراهقة.
ملامح المرأة ونظراتها تبدو مسترخية ومطمئنة، ربّما بسبب العلاقة التي تربط عائلتها بالرسّام. والقبّعة التي تظلّل وجهها هي السمة البارزة في هذه اللوحة. وهي ليست مصنوعة من القشّ كما يوحي العنوان، بل من الفراء. وعندما تتأمّل شكلها فلا بدّ وأن تتذكّر القبّعات التي ترتديها السيّدات في مسابقات الخيول التي تعرضها محطّات التلفزيون هذه الأيّام.
شخصية المرأة واقعية جدّا ولا شيء فيها ينتمي إلى عالم آخر. والجزء الأيمن من وجهها يقع في الظلّ جزئيّا، ربّما بسبب طرف القبّعة السميك. لكن الظلّ لا يقلّل من بريق بشرتها أو اتّساع عينيها.
فستانها الرماديّ فخم وأكمامه الحمراء المنفصلة والمربوطة إلى جسدها بدانتيل ذهبي تبدو غير مألوفة. وألوان الأشرطة تتناغم مع ألوان الشفتين والرموش.
روبنز يُظهر لنا من خلال اللوحة نموذجا لرسم الباروك كما يتجلّى في ضربات الفرشاة الحرّة وفي طريقة تمثيل الفستان والقبّعة، وأيضا في التباين ما بين الضوء والظلال للتركيز على المناطق المهمّة في اللوحة. الألوان القويّة في الملابس والتباين بين الألوان والنسيج وبين القماش والبشرة، كلّ هذه السمات تسهم أكثر في جعل المرأة نقطة الارتكاز الأساسية في اللوحة.
مع تقدّمه في رسم اللوحة، وسّع روبنز مساحتها، فأضاف شريطا ثالثا من الخشب إلى اليمين وعند القاعدة، وبذا خلق امتدادا اكبر للسماء. كما أضاف غيوما إلى اليمين تتباين مع السماء الصافية جهة اليسار والتي يأتي منها الضوء ليغمر الجسد واليدين.
تقسيم السماء بهذه الطريقة يُحتمل انه ينطوي على رمزيّة ما. السماء ذات الغيوم الداكنة يمكن أن تكون رمزا لحزن الأرملة الشابّة. وبالمقابل، يمكن أن تكون السماء الزرقاء الصافية علامة تفاؤل وأمل بأن يحمل لها الزواج الجديد الراحة والسعادة.
بالإضافة إلى اشتغاله بالرسم، كان روبنز مثقّفا وديبلوماسيّا ورجل أعمال. وقد استطاع أن يُحكم سيطرته على تجارة الرسم في أوربّا من محترفه في مدينة انتويرب البلجيكية. كانت لوحاته مختلفة تماما عن أيّ شيء رآه الناس من قبل. وقد رسم الجسد بحرّية كانت وما تزال إلى اليوم تُعتبر مستفزّة.

Sunday, April 13, 2014

لوحات عالميـة – 343

قـارئـة الحـظّ
للفنان الفرنسي جـورج دو لا تــور، 1630

كان الغشّ أو الخداع موضوعا شائعا بين الرسّامين الأوربّيين المتأثّرين بأفكار كارافاجيو في القرن السابع عشر. وهذه اللوحة تُعتبر إحدى اللوحات المشهورة التي تتناول هذا الموضوع المثير. وهي تصوّر شابّا ثريّا يتقدّم لامرأة طاعنة في السنّ كي تقرأ له طالعه. وتبدو العجوز وهي تلتقط عملة معدنية من يد الشابّ كأجر للخدمة وكجزء من طقوس المهنة.
الشابّ يرتدي أشياء نفيسة تشي بطبقته الاجتماعية الرفيعة، مثل الملابس الحريريّة والسلسلة التي تنتهي بميدالية ذهبيّة.
المرأة إلى أقصى اليسار تبدو وهي تسرق محفظة الشابّ من جيبه، بينما شريكتها الأخرى المرسومة جانبيّا تمدّ يدها لتلقّي الغنيمة.
المرأة ذات الوجه الشاحب والواقفة إلى يسار الشابّ تبدو، هي الأخرى، منهمكة في دورها وهي تقطع الميدالية التي يرتديها الشابّ وتفصلها عن سلسلتها. لاحظ نظراتها الحادّة ووجهها الصارم. إنها تصوّب عينا متفحّصة على الضحيّة. وهي تستخدم النظرات عوضا عن حركة الرأس التي قد تجلب الانتباه وتتسبّب في بعض المخاطر.
معظم أو جميع النساء في هذه اللوحة من الغجر. وهنّ يُصوّرن كلصوص أو نشّالات، جرياً على الصورة النمطية الشائعة عن الغجر الذين يقال إنهم شعب شرقيّ، وعادة ما يرتدون العباءات والأردية المربوطة فوق الكتف ولباس رأس يشبه العمامة.
في الجزء الأسفل من فستان المرأة العجوز، يمكن رؤية نقوش لصقور تحوم فوق أزهار وتهاجم أرانب بيضاء. وفي هذا تشبيه طريف بأن للغجر عيون الصقور وهم على وشك أن ينقضّوا على فريستهم الذي يبدو كالأرنب المذعور.
قد يكون التوليف في اللوحة مستوحى من مشهد مسرحيّ أو من الحياة اليومية الواقعية. وقد يكون له علاقة بالقصّة الدينية المشهورة عن الابن الضّالّ الذي يبدّد أموال عائلته الثريّة على الشراب والنساء والقمار ثمّ يصبح لصّا وينتهي به الأمر في زريبة للخنازير قبل أن يعود ثانية إلى عائلته نادما تائبا.
اكتشف هذه اللوحة احد سجناء الحرب بعد أن رآها في إحدى القلاع القديمة في فرنسا عام 1949. وقد تدخّل متحف اللوفر وقتها وحاول شراءها. لكن اللوحة ذهبت في النهاية لتاجر دفع لاقتنائها حوالي ثمانية ملايين فرنك فرنسي. وظلّت بحوزته إلى أن اشتراها متحف المتروبوليتان في نيويورك عام 1960 مقابل مبلغ كبير لم يُكشف عنه.
الطريقة التي غادرت بها اللوحة فرنسا ظلّت لغزا وأثارت جدلا في الصحف الفرنسية في ذلك الوقت. وقد حاول اندريه مالرو، وزير الثقافة الفرنسية آنذاك، أن يشرح لماذا لم يفلح اللوفر في شرائها. وقيل إن الشخص المسئول عن إجازة تصدير اللوحة إلى الولايات المتحدة، وهو خبير في الأعمال الفنّية القديمة، فعل ذلك لأنه كان يشكّك في أصالتها.
والحقيقة أن أصالة اللوحة كانت مثار شكوك بعض مؤرّخي الفنّ. ففي عام 1984، نشر مؤرّخ فنّ بريطانيّ يُدعى كريستوفر رايت كتابا بعنوان "فنّ التزوير" زعم فيه أن اللوحة الموجودة في المتروبوليتان، مع أعمال أخرى تُعزى لدي لا تور، هي نسخ مزوّرة منذ العشرينات وأن من زيّفها هو فنّان ومرمّم لوحات يُدعى اميل ديلوريه.
غير أن هناك اليوم شبه إجماع بأن هذه اللوحة لدي لا تور. وهي لا تحمل تاريخا. لكن يظهر في طرفها العلويّ توقيع أنيق وبارز باسم الرسّام. وقد استُخدمت اللوحة غلافا لكتاب بعنوان عندما تحدث أشياء سيّئة للآخرين ، وهو عبارة عن دراسة لظاهرة الغشّ والخداع. كما أن لهذه اللوحة علاقة مباشرة بلوحة أخرى لدي لا تور اسمها الخدعة توجد منها نسختان: واحدة في اللوفر، والثانية في متحف كيمبل للفنون في الولايات المتحدة.
جورج دي لا تور نفسه لم يكن معروفا سوى بالكاد وذلك حتى بداية القرن العشرين. وطوال القرون الثلاثة التي تلت وفاته كان منسيّا تماما تقريبا. لكنّه أصبح رسّاما معروفا منذ العشرينات. وقد ظهر من النسيان عدد كبير من اللوحات المنسوبة إليه وأصبحت أعماله عالية الثمن.
مناظر دي لا تور تتّسم بسكون الشخوص وبالتوتّر الرائع الذي تخلقه قصصه وبجاذبيّة لوحاته بالنسبة للذوق الحديث. وتُنسب له أربعون لوحة أتمّها خلال فترة اشتغاله بالرسم والتي قاربت الثلاثين عاما. وهو مشهور خاصّة بسلسلة لوحاته عن الليل الذي تضيئه القناديل.
ولد دي لا تور لخبّاز من اللورين التي كانت دوقيّة مستقلّة على الحدود بين فرنسا وألمانيا. كان رسّاما مبتكرا. لكن حياته الدنيئة ومزاجه السيّئ وغطرسته سبّبت له العديد من المشاكل وقادته مرارا إلى قاعات المحاكم والسجون. ولهذا السبب عرف أشياء كثيرة عن حياة المزوّرين واللصوص والمغفّلين الذين كان يرسمهم في لوحاته.

موضوع ذو صلة: عودة أمير الظلام