Sunday, November 18, 2007

لوحات عالميـة - 147‏


بورتريـه امـرأة مجهــولـة
للفنان الروسـي إيفــان كـرامسـكـــوي، 1883

هذه اللوحة الجميلة يمكن أن تندرج ضمن تلك النوعيـة من الأعمال التشكيلية التي يقف أمامها الإنسان متأمّلا بصمت روعة تفاصيلها وتناغم ألوانها واتساق خطوطها دون أن يشعر بالحاجة لان يفهمها على المستوى الفكري أو الانفعالي من اجـل أن يقدّر البراعة والإتقان اللذين وظّفا في رسمها.
في هذه اللوحة نرى نموذجا للجمال المثالي للأنثى التي تضجّ ملامحها بالفتنة الممزوجة بقدر غير قليل من الإثارة والغموض.
وقد تكون اللوحة مألوفـة للذين سبق وأن طالعوا رواية الكاتب الروسي الكبير ليو تولستوي آنا كارينينا، إذ ظلّت صورة المرأة تزيّن غـلاف العديد من طبعات تلك الرواية التي ترجمت إلى جميع لغات العالم تقريبا.
وقد بلغ من شهرة هذه اللوحة في روسيا أن بعض النقّاد يضعونها ضمن أفضل خمس لوحات في تاريخ الفـنّ الروسي كلّه.
الفنان إيفان كرامسكوي يعود إليه الفضل أيضا في إقناع تولستوي بأن يوافق للمرّة الأولى على أن يرسم له بورتريه. وهو البورتريه الذي تحـوّل في ما بعد إلى أهمّ أثر تشكيلي يصوّر الروائي الروسـي الأشهر أثناء حياته.
وقد باشر الفنان رسم البورتريه أثناء انشغـال تولستوي بكتابة "آنـّا كارينينا".
ونتيجة لذلك، نشأت بين الرجلين علاقـة شخصية وفكرية وثيقة وأحـسّ كل منهما بالانجذاب نحو الآخر. وقد وظّف تولستوي شخصـية صديقه الرسّام وجعلـه أحد شخصيات الرواية.
كان كرامسكوي يركّز في لوحاته على تصـوير الواقع الاجتماعي، وكان يضمّـن مناظره معاني وأفكارا فلسفية. وفي ما بعد، أصبـحت أعماله تمثّل جانبا مهمّا من تاريخ روسيا وتطوّر مجتمعها وفنونها.
وقد عُني كرامسكوي في الأساس برسم البورتريهات الشخصية. ومن أشهـر أعماله لوحته "المسيح في البرّية"، بالإضافة إلى لوحاته الأخرى التي رسم فيها كتّابا وعلمـاء وشخصيّات عامّة.
لكن أكثر لوحاته شهرة ورواجا هي هذه اللوحة التي اتبـع فيها طريقته في الغوص بداخل الشخصيـة والنفاذ إلى أعماقها وإبراز سماتها السيكولوجية والروحيـة.
في "بورتريه امرأة مجهولة" نرى سيّدة ذات جمال آسـر وأناقة لافتة، وقد استقرّت على مقعد عربتها المفتـوحة على أحد جسور سانت بيترسبـيرغ.
وهي هنا تبدو بكامـل زينتها، إذ ترتـدي قبّعة حديثة الطراز ومعطفا بلون أسود يتداخـل في نسيجه الحرير والساتان والفراء.
وواضح من ملامـح المرأة وهيئتها المترفة أنها تنحـدر من أصول ارستقراطية.
وفي خلفية المشهد تظهر مجمـوعة من الأبنية التي خلع عليها الضـباب والبرد جوّا من الصفرة الشـاحبة.
بالنسبة للمـرأة، ليس من المتيّسر تماما معرفة طبيعة مزاجها في تلك اللحظـة. لكن نظراتها الغامضة التي تنبئ، ربّما، عن شعور بالكبـرياء قد تخفي وراءها إحساسا ما بالتوتّر أو الحزن.
في بعض الأوقات راجت تكهّنات تقـول إن المرأة المجهولة في اللـوحة هي نفسها بطلة رواية "آنـّا كارينـيـنا".
وتتناول تلك الرواية، التي تحتشـد بالأسئلة الوجودية والمضامين الفلسفية العميقة، قصّة امرأة متـزوّجة أقامت علاقة عاطفية مع رجـل آخر وانتهى بهما الأمر إلى أن أصبحـا منبوذين اجتماعيـا.
وتحت وطأة إحسـاس المرأة بالنبذ وشعورها بالذنب تجـاه زوجها الأول وقلقها من احتمـال ترك عشيقها لها، أقدمـت على الانتحار وذلك بإلقاء نفسـها تحت عجلات أحـد القطارات المسـرعة.
وقد ولدت فكـرة الرواية في ذهـن تولستوي عندما قـرأ تفاصيل تلك الحادثة منشـورة بإحدى الصحف في ذلـك الوقت.
ومؤخّرا، اظهر استفتاء للرأي شارك فيه كتّاب وأدبـاء ونقّاد بارزون أن آنـّا كارينـيـنا تعتبر أعظم عمل روائي كُتـب حتى اليوم.
اما إيفان كرامسكوي فلم يكـن مجرّد رسّام فقط، بل كان أيضا ناقدا ومنظّـرا وأستاذا مرموقا.
وكان يعتقد باستحالة فصـل الأخلاق عن القيم الجمالية، كما كان يدعو دائمـا إلى أن يكون الفنّ أداة للترويج لقيـم الحرّية والكرامة الإنسانية.

موضوع ذو صلة: أجواء روسيّة

7 comments:

M.Shaltaf said...

أهنئك على اختيارك الموفق والرائع للوحات
في مقالتك هذه تدفعنا بقوة لاستكشاف الثقافة والفن الروسيان أكثر وأكثر
سنبدأ بالتأكيد بالبحث عن رواية آنا كارينينا وكتابات تولستوي المذهلة وكذلك لوحة كرامسكوي الرائعة "المسيح في البرية"
عند العودة لهذه اللوحة يتجلى بوضوح ما أشرت اليه من التأمل بصمت الى الهدوء والراحة التي نشعر بها بمجرد النظر اليها وكأنك على شاطيء البحر وقت الغروب، وفي المرحلة الثانية يبدأ الغموض يسيطر علينا بالسؤال من تكون هذه السيدة وما مكانتها في عصرها فيأتي اسم اللوحة مباشرة الى ذهنك بأنها امرأة مجهولة!! ولا بد أن أستشهد هنا بتعليق الفنان كرامسكوي عليها "ان بعض الناس قد قال انه لا يعلم من هي هذه المرأة: هل هي محترمة، أم أنها تبيع نفسها؟ لكن داخلها عصر بأكمله". وبهذا يتجلى الغموض وينتشر تماما كانتشار الضباب في هذه اللوحة

ربما لم أر في اللوحة ما أشرت له من الجمال المثالي الفاتن للأنثى والسبب غالبا يرتكز على مغالبة الغموض لتفاصيل الجمال المباشر

أؤكد لك دون محاباة بأن ما نجده هنا هو لوحات عالمية ومدونة كونية نتشرف بمطالعتها والفضل دوما لك

ملاحظة: يمكن الرجوع الى تعليق كرامسكوي على هذه اللوحة من هذا الرابط
http://www.asopa.com/publications/2002december/kramskoy.htm

Prometheus said...

شكرا جزيلا لك يا عزيزي.‏
مداخلتك ممتازة كما هي عادتك. وقد قرأت كلمات الفنان التي أشرت ‏إليها أثناء تحضيري لمادة اللوحة. ومن عادتي أن اقرأ الكثير من ‏المقالات والتحليلات التي تتحدّث عن لوحة ما قبل أن اكتب عنها، لكني ‏اتعامل مع يكتب بكثير من الانتقائية، فلا آخذ الا ما اعتقد انه يتصف ‏بالجدّة والفائدة والعمق ولا اهتم كثيرا بالتحليلات الموغلة في تقعّرها ‏واكاديميتها كما لا التفت الى التحليلات السطحية او الساذجة. وكثيرا ما ‏اجلس أمام اللوحة بشيء من التأمّل والتركيز لكي اضمّن الشرح بعض ‏انطباعاتي الشخصية بعد أن اتأكد أنها تحمل من الإضافة ما يمكن أن ‏يفيد القارئ ويثير اهتمامه.‏
بالنسبة لما ذكرته عن حسن اختيار اللوحات، أريد أن اؤكد أنني راعيت ‏أن تكون الأعمال الفنية المختارة مشهورة ومألوفة وممثلة لكل مدارس ‏الفن التشكيلي. مع أنني أحيانا وضعت هنا لوحات لم أكن أحبها أو ارتاح ‏لمواضيعها. لكنه الحرص على التنوّع والتغيير ومراعاة كافة الأذواق. ‏واعتقد انك بملاحظاتك الذكية فتحت شهيتي لان اكتب عن المدونة ‏موضوعا آخر مستقلا أتطرّق فيه بالتفصيل للعديد من النقاط الرائعة التي ‏أشرت إليها في تعليقك أعلاه.‏
مع خالص شكري ومودتي لك.‏

M.Shaltaf said...

أشكرك يا عزيزي
لا شك أن جهودك الجبارة والدقة والبساطة في ايصال المعلومات تنعكس على لوحاتك ومقالاتك بروعة لا توصف
بعد قراءة تعليقك انتبهت الى تعليق كرامسكوي وأنه ربما بالغ في وصفه للوحة
وأتمنى ليس فقط أن تبقى شهيتك مفتوحة دوما بل وأن تفيض قريحتك بكل الأبداع الذي نجده هنا وأكثر

Prometheus said...

اخي محمد
الشكر موصول لك مرة اخرى على دعمك وتشجيعك الدائمين
لا عدمتك.
تحياتي لك.

sema said...

ليست هذه هي المرة الاولى التي أتمشى بها في شوارع مدونتك الأنيقة التي أسميتها في سري: مدونة النور
أسوة بتلك المدينة التي تجمع الفن والموسيقى والنور والحياةوالصخب

حقيقة، هذا ما وجدته في مدونة اللوحات العالمية.. مدينة راقية من الفن الممتع

عزيزي بروميثيوس..
ربما لا تعرفني.. ولكني بت اعرف صفات هذا المدون الذي يغوص في عمق اللوحة، إلى بعد لا بأس به، ثم يبهرنا باستخراج اللآليء والالماس من باطن كل لوحة..

قد يختلف احيانا النقد على اللوحات
فالبعض يغوص في اغوار نفسية الرسام، ويبحث عن وجهه الآخر
وبعضهم يبحث عن الاسباب والعلاقات الخارجية
والبعض الاخر ينتقد ريشته الفنية واختياره للالوان والوجوه والشخصيات

وها أنت استطعت ان تجمع الثلاثة في قالب واحد دون ان تسلط الضوء على جانب واحد

من قلبي شكرا
ومن مدينة السلام.. سلامي

أحلام خالد

Prometheus said...

العزيزة احلام
شكرا جزيلا لك على ما عبرت عنه من مشاعر طيبة
والشكر لك ايضا على اسلوبك الذي يفيض جمالا وشعرا
وارجو ان اكون عند حسن ظنك دائما
واهلا ومرحبا بك

Anonymous said...

بصراحه هذه اللوحه عجيبه جدا توقفت عندها كثيرا ودهشت للتكنيك الذي نفذت به ولا استطيع ان أزيد على ماقلته في شرح اللوحه في وقت مضى قرأت الروايه وفعلا انت محق في كلامك عن غلافها فقد رأيت هذه الصوره على الغلاف العربي قبل ثمان سنوات وكنت أضن أن الصوره لممثله سينمائيه سبق وان قامت بدور البطوله في الفلم الذي صور الروايه والان اكتشف انها لوحه زيتيه والحقيقه أن الصوره الان في ذهني مثل الخيال وما فعلته هو أنك نشطت ذاكرتي واعدتني الى زمن كنت مغرم فيه بقرأءت الروايات الروسيه فشكرا لك وتحيه على هذا الجمال الرائع 00 رومانسي