Thursday, July 01, 2010

لوحات عالميـة – 242


المدرسـة الليـليـة
للفنان الهولندي غيـريت داو، 1665

الذي ينظر إلى هذه اللوحة لأوّل مرّة قد يتخيّل أنها لـ رمبراندت. والحقيقة أن مثل هذا الانطباع له ما يبرّره. فالفنّان الذي رسمها كان احد تلاميذ رمبراندت.
ومثل معلّمه، كان غيريت داو مغرما بلعبة الضوء والظلّ. والكثير من لوحاته عبارة عن مشاهد ليلية تكثر فيها أضواء الشموع التي تثير في النفس شعورا بالحنين إلى الماضي، حيث بساطة الحياة وعفوية البشر.
وصور داو، بالإضافة إلى تقنياتها العالية وخصائصها المبتكرة، يمكن اعتبارها سجلا يؤرّخ لجوانب من حياة الهولنديين في القرن السابع عشر الذي شهد ذروة ازدهار الفنون والتجارة في هولندا.
فبعد انتهاء حرب الثمانين عاما مع اسبانيا، برزت هولندا كقوّة سياسية واقتصادية وثقافية مهمّة، كما عرفت السفن الهولندية طريقها إلى بحار ومحيطات العالم في آسيا وأفريقيا وأمريكا وجزر الهند الشرقية.
وعلى صعيد الرسم، كان القرن السابع عشر عصر الفنّ الذهبي في هولندا الذي يقال انه أنتج حوالي ثمانية ملايين عمل فنّي لم يبق منها اليوم سوى اقلّ من واحد من المائة.
في هذه اللوحة يرسم الفنّان مشهدا ليليا لفصل دراسي يظهر فيه مجموعة قليلة من التلاميذ وهم يلتفّون حول معلّمهم على ضوء الشموع. ويبدو المعلّم ذو الهيئة البسيطة وهو يوجّه أحد التلاميذ بينما يجلس آخرون إلى طاولة وهم منشغلون بالحديث إلى بعضهم البعض.
في ذلك الوقت، كان الطلبة الذين يذهبون إلى المدارس الليلية هم أبناء الطبقة الفقيرة غالبا. وبسبب ظروف ومتطلّبات الحياة، كان أبناء الفقراء يضطرّون للعمل خلال ساعات النهار مع آبائهم لتلبية احتياجات أسرهم بينما يذهبون في المساء إلى المدارس الليلية للتعلّم وطلب المعرفة. وكانت العادة آنذاك أن يحضر التلاميذ معهم الشموع إلى المدرسة في الظلام.
وقد جرى العرف أن يتلقّى الأولاد دروسا في الرياضيات والتاريخ بينما تتدرّب الفتيات على فنون الخياطة. كما كانت تُلقى على التلاميذ دروس في الدين والأخلاق.
كانت لوحات داو التي تضيئها الشموع مشهورة في كلّ مكان. وكانت مهارته مثار إعجاب الكثير من الناس في زمانه. كما كانت لوحاته تباع بأغلى الأسعار.
وبالإضافة إلى تخصّصه في رسم مناظر الشموع، كان أيضا يرسم صورا من الحياة اليومية. وقد درس على يد رمبراندت حيث لازمه في محترفه بضع سنوات تعلّم منه خلالها مهارات التلوين وأساليب استخدام تأثيرات الضوء. ولهذا السبب تبدو بعض لوحاته قريبة الشبه جدّا بلوحات رمبراندت.
لوحات داو الليلية ذات الألوان الناعمة والشفّافة تشي بمهارته الفنية الفائقة والتي لم يكن يتمتّع بها سوى القليل من الرسّامين في عصره. وقد عُرف بأنه كان يرسم بدقّة ودأب. كما كان حريصا على أن يصنع بنفسه أدوات الرسم التي كان يستخدمها في لوحاته.
فكرة رسم الشموع والمشاهد الليلية يُعزى الفضل في ظهورها إلى الفنّانين الهولنديين. ومن أشهر من رسموا هذه الفكرة بالإضافة إلى رمبراندت وغيريت داو كلّ من غيريت هونثورست وماثياس ستوم وغودفريد شالكين، بالاضافة الى الفرنسي جورج دي لا تور والبريطاني جوزيف رايت.
الجدير بالذكر أن غيريت داو لم يتزوّج طوال حياته. وقد عاش بهدوء في منزل كانت تعيش معه فيه ابنة أخته التي كانت تقوم على رعايته وخدمته حتى وفاته.

2 comments:

Amr said...

أختيارك للوحة المدرسة الليلية أختيار رائع في التعريف بتلمذة داو على يد معلمه رمبرانت ، و إن كنت دائما أفضل لوحة صلاة الناسك ، اشعر فيها بشخصية داو بعيدا عن استاذه ... شكرا على المعلومات القيمة و الجديدة بالنسبة لي

Prometheus said...

الأخ العزيز عمر
شكرا جزيلا لك على ثنائك. واحترم رأيك كثيرا.
مع خالص مودّتي وشكري لك.