Tuesday, September 15, 2009

لوحات عالميـة - 210

إنسـان فيتـروفيـوس
للفنان الإيطالي ليــونــاردو دافـنـشـي، 1487

هذه اللوحة مهمّة جدّا، ليس فقط لأننا اعتدنا رؤيتها في الكثير من الأماكن، وإنما لأنها أيضا ترمز إلى امتزاج الفنّ بالعلم خلال عصر النهضة، كما أنها توفّر دليلا آخر على عبقرية دافنشي وتنوّع مشاغله واهتماماته.
في اللوحة يصوّر ليوناردو رجلا عاريا في وضعين عموديين متداخلين، بينما تبدو ذراعاه وساقاه في حالة تماسّ مع محيط مربّع ودائرة. وفي أعلى اللوحة وأسفلها سجّل الرسّام بعض الملاحظات التي أراد من خلالها أن يشرح ما قصده من اللوحة.
وعلى الرغم من بساطة الشكل المرسوم فإنه أصبح مع مرور الأيّام احد أشهر الأعمال التشكيلية وأوسعها انتشارا. وكثيرا ما تُستدعى اللوحة عند الحديث عن مواضيع مثل التناغم الداخلي والشفاء الذاتي من خلال اليوغا والتأمّل.
وليس بالمستغرب أن يكون للّوحة هذا الظهور الدائم والمتكرّر في الإعلانات وعلى شعارات المراكز والنوادي الصحّية.
والأساس الذي بنى عليه دافنشي موضوع اللوحة هو فكرة وردت في كتاب للمهندس المعماري الروماني ماركوس فيتروفيوس الذي عاش في القرن الأوّل قبل الميلاد.
كان فيتروفيوس، بالإضافة إلى اشتغاله بالهندسة المعمارية، مهتمّا بالفلسفة وبالأمور الروحانية. وكان يتبنّى فكرة تقول بالتكامل بين شكل الجسد الإنساني والبنى المعمارية. كما كان ميّالا إلى استخدام مصطلحات معمارية لوصف جسم الإنسان، مؤكّدا على أن العمارة الجيّدة ليست في واقع الأمر سوى استمرار لقوانين الطبيعة.
ولطالما اعتبر فيتروفيوس جسم الإنسان نموذجا للكمال وأن شكل أطرافه يتفق مع الأشكال الهندسية الكاملة، أي الدائرة والمربّع.
فلسفة فيتروفيوس وأفكاره الهندسية لاقت رواجا واسعا خلال عصر النهضة الإيطالي. وقد طُبّقت مبادئه وأفكاره في تصميم الكنائس التي روعي في بنائها الأشكال الدائرية، باعتبار أن الدائرة مرتبطة بالقداسة وباكتمال الخَلق وإحكامه. وهو ما كان يقول به فيتروفيوس وغيره من فلاسفة الرومان القدماء.
وكانت تلك الأفكار مصدر إلهام للكثير من الرسّامين. وقد حاول ليوناردو من خلال هذا الرسم المنفّذ بالحبر الأسود توضيح عنصري التكامل والسيميترية اللذين تحدّث عنهما الرومان في العلاقة بين المعمار وجسم الإنسان.
وما ساعد ليوناردو على إتمام هذه المهمّة براعته ومعرفته الواسعة بالتشريح والهندسة المعمارية. واللوحة تعبّر عن فهم الفنان للعلاقة الوثيقة بين الإنسان والطبيعة. إذ كان دافنشي يعتقد بأن وظائف جسم الإنسان تشبه كثيرا وظائف الكون وتتكامل معها. كما كان يرى في المربّع رمزا للوجود المادّي وفي الدائرة رمزا للوجود الروحي. ولعلّه أراد من خلال اللوحة أيضا أن يؤكّد على العلاقة القويّة والمتبادلة بين هذين العنصرين.
من المعروف أن فيثاغوراس، أيضا، تبنّى أراءً قريبة ممّا قال به فيتروفيوس ودافنشي. كان يرى، مثلا، أن الدائرة مرتبطة بالسماء وبالكواكب التي تدور حول الأرض؛ ما يعطيها، أي الدائرة، رمزية روحية. وهذا ما يفسّر اهتمام الناس بتوظيف الأشكال الدائرية في بناء المعابد والكنائس وغيرها من دور العبادة. بينما المربّع مرتبط بالعالم المادّي، فهناك أربعة فصول وأربعة عناصر وأربعة اتّجاهات.. إلى آخره.
كما كان فيثاغوراس يعتقد أن الرموز والتجريدات الرقمية تشكّل أساسا لفهم العلاقة بين الإنسان والكون، وأن فهم هذه العلاقة بشكل أفضل لا يتحقّق إلا من خلال التأمّل والغذاء النباتي والتمسّك بأهداب الأخلاق والفضيلة.
الغريب أن فيثاغوراس عاش في نفس الفترة التي عاش فيها بوذا. وكلاهما كان معنيا بمسائل التأمّل والتطهير والتقمّص والطبيعة المزدوجة للإنسان.
الجدير بالذكر أن ليوناردو دافنشي لم يكن الرسّام الوحيد الذي حاول تصوير العلاقة بين الإنسان والكون. فقد جاء بعده فنّانون حاولوا تقليد هذه اللوحة والنسج على منوالها، ومن أشهرهم الرسام وليام بليك والنحّات أندرو ليستر.

موضوع ذو صلة: نظرية التطوّر بين داروين ودافنشي

5 comments:

Anonymous said...

تحية طيبة
انتظرت ان تختار هذه اللوحة منذ وقت طويل وها انت تضعها هنا فشكرا جزيلا لك.
الدائرة عند القدماء لها معنى مقدس هي ترمز الى اللانهائية والى وحدة الكون والكليانية والحركية.
للدائرة معاني عميقة جدا ومن الصعب الاحاطة بها. اتذكر ان احد الفلاسفة قال ان الخالق يأخذ شكل دائرة مركزها في كل مكان ومحيطها في لا مكان أي ان وجوده وحضوره لا نهائي ولا يمكن ان يدركه العقل والحواس.
الدائرة ترمز ايضا للخلود وللحياة الابدية. القمر، الشمس، والنجوم والكواكب كلها لا يمكن الحديث عنها ولا التفكير بها الا من خلال لغة دائرية تناسب اشكالها.
الاولون قبل ظهور الاديان كان الواحد منهم يركز عصا في الارض ويخط حول نفسه دائرة رمزا لتواصله وتوحده مع الكون وخالق الكون.
قزحية وبؤبؤ العين ذو الشكلين الدائريين يمكن ان يكونا هما ايضا التعبير الاجلى الذي يعكس ادراكنا وفهمنا لطبيعة الكون.
شكرا لك ولدا فنشي وفيتروفيوس على هذه اللوحة التي وفرت لي، وبطبيعة تخصصي، وجبة شهية للنقاش والتفكير .
ملاحظة اخيرة : اظن ان دا فنشي اعطى ملامح وجهه للرجل الظاهر في اللوحة. واذا لم اكن مخطئة فوجه الرجل نفسه وضعته شركة جيورجو ارماني كشعار لها في بداية تأسيسها.
ارجو التعليق على هذه النقطة اذا كان لديك ما تقولها حولها.
وشكري الجزيل لك وكل سنة وانت بصحة وعافية.
Roz

Anonymous said...

السلام عليكم
قد تستغرب ان قلت لك ان هذه اللوحة اعتبرها من افضل الأعمال الفنية التي لا امل مشاهدتها والتمعن في معانيها.
اهم نقطة تثيرها في نفسي هي انها تتحدث عن سحر الارقام والنسب وجدلية العلاقة بينها وبين الانسان من جهة وبين الكون بمجمله من جهة اخرى.
بعض العلماء والفلاسفة يرون ان الارقام والنسب جزء لا يتجزأ من الفن. الارقام والرموز لها جمالها الخفي وهي تعني الشيء الكثير لو نظرنا اليها بعين مفكرة ومتدبرة.
نحن لا نلتفت كثيرا لهذه الناحية ولا ندركها لكن هناك من العباقرة من استطاعوا ان يفكوا طلاسمها والغازها الخفية واستطاعوا ان يستنبطوا منها حقائق ونظريات لم تكن بالحسبان ولا يمكن ان تخطر على بال.
ومصداقا لكلامي خذ مثلا بعض النظريات التي توصل اليها علماء مثل ارشميدس واينشتاين وغاليليو.
هؤلاء الثلاثة لا يقلون اهمية عن فيروفيوس ودافنشي وفيثاغورس.
الغريب في امر فيثاغوراس ان هذا الرجل رغم تأثيره الهائل على الحضارة الغربية لم يترك أي نتاج مكتوب. فقد انتقلت افكاره شفاهة من جيل الى جيل حتى وصلت الينا.
لكن يقال انه كان يكتب بلغة شعرية وكان يذيل كتاباته باسم مستعار هو اورفيوس الموسيقي المشهور في الاساطير.
من ناحية اخرى، تصور انه حتى معظم رسومات ليوناردو دافنشي اعتمد فيها على ارقام واكواد ونسب رياضية.
اتذكر آخر مرة رايت فيها هذه اللوحة كانت اثناء زيارة لي الى كارلو فيفاري بالتشيك وقد لمحتها في بهو احد الاندية الصحية حيث يعالج المرضى بالمساج والطين وبمياه الينابيع الساخنة.
في الشرح الذي وضعته عن اللوحة اعجبتني اشارتك الى الغذاء النباتي. دافنشي كان ايضا نباتيا مثل بوذا وغاندي. ومما ينقل عنه قوله انه سيأتي يوم ينظر فيه الناس الى ذبح البهائم كما انظر اليوم الى ذبح البشر في الصراعات والحروب.
شكرا لك على هذا الزاد المعرفي وعلى إتاحة الفرصة لي للمشاركة.

م. لكحل
المغرب

Prometheus said...

عزيزتي روز
أهلا ومرحبا بك.
شكرا لك على التعليق الجميل.
استفدت كثيرا مما كتبت وأعتبره إضافة ممتازة للموضوع.
اتفق معك في ما ذكرته عن الوجه في اللوحة. قيل فعلا انه وجه دافنشي في الوقت الذي رسم فيه اللوحة.
بالنسبة للنقطة الثانية، اعتقد انك كنت تقصدين فيرساتشي وليس ارماني. ومع ذلك فشعار فيرساتشي لا علاقة له بوجه الرجل في هذه اللوحة وإن كان قريب الشبه به كثيرا.
قرأت أن جياني فيرساتشي مؤسّس هذه الدار المشهورة كان معجبا بالميثولوجيا اليونانية وقد دفعه ذلك إلى أن يختار للشركة شعارا يحمل صورة ميدوسا المشهورة في الأساطير والتي تنافس الكثير من الرسّامين على رسمها وتصويرها.
قد يكون أمرا غريبا أن تضع شركة تعنى بالجمال والموضة صورة ميدوسا شعارا لها لكن هذا ما حصل فعلا.
شكرا جزيلا لك على ملاحظاتك وكل عام وأنت بخير.

Prometheus said...

م. الاكحل

وعليكم السلام.
شكرا لك على فيض المعلومات المشوّقة التي تضمّنها تعقيبك المتميّز.
كلّ ما ذكرته عن الأرقام والرموز صحيح إلى حّد كبير وقد استفدت منه كثيرا.
شكرا لك مرّة أخرى على زيارتك وتعليقك وأتمنى أن أراك هنا دائما.
وكلّ عام وأنت بألف خير.

Arpy Asmar said...

الغريب ان الصين أيضا استعملوا الدائرة والمربع والمثلث. فالدائرة ترمز الى الكون
والمربع الى الأرض والمثلث للانسان

شكرا لك