Sunday, July 19, 2009

لوحات عالميـة - 202

طبيعة من التلال يعلوها رأس خروف وزهرة
للفنانة الأمريكيـة جـورجـيـا اوكِـيـف، 1935

يُجمع الكثير من النقّاد على اعتبار جورجيا اوكيف أشهر الرسّامات الأمريكيات وأكثرهن أصالة وابتكارا. وقد عُرفت بلوحاتها التي تصوّر فيها مظاهر الحياة في صحراء نيو مكسيكو الجافّة والقاسية. ومن السهل التعرّف على لوحاتها التي تكثر فيها صور العظام والأزهار والجماجم والصَدَف.
وزمن اوكيف كان الفنانون الأمريكيون توّاقين لاكتشاف الجوهر الحقيقي لبلدهم. وقد وجدت الرسّامة في بعض الرموز الروحانية للهنود الحمر وفي التضاريس الوعرة والجافة للغرب الأمريكي ما يمكن أن يكون تجسيدا للهويّة وللروح الأمريكية.
وكانت الرسّامة قد قرّرت أن تغمر نفسها في تلك الطبيعة الصافية التي حافظت فيها التفاصيل والعناصر على حالتها الأولية الأكثر فطرية ونقاءً.
ولهذا السبب كانت عظام الحيوانات النافقة في الصحراء تمثل بالنسبة للرسّامة مصدر فتنة وإلهام. كانت تجوب الصحراء وترسم الجماجم والهياكل العظمية التي لوّحتها وصقلتها أشعّة الشمس الحارقة. ولم تكن اوكيف ترى في العظام رمزا للموت على غرار ما كان يعتقد معاصروها، بل عنصرا مهمّا من عناصر جمال الصحراء الخالد واللانهائي. ولطالما جذب الرسّامة وألهب خيالها جلال وغموض الطبيعة الصحراوية بتكويناتها الجيولوجية الغريبة وألوانها الصارخة ونباتاتها الغريبة وأضوائها الصافية التي ظلت تعكف على رسمها طوال حياتها.
وضمن هذا السياق رسمت اوكيف هذه اللوحة التي يعتبرها الكثيرون أشهر لوحاتها وأكثرها انتشارا. بل لقد أصبحت في ما بعد أيقونة ترمز لطبيعة الحياة في مناطق الغرب الأمريكي. وقد شرحت الفنانة ظروف ومغزى رسمها للوحة عندما قالت: كنت أحدّق في التلال قبالة بيتي لأسابيع وارسمها المرّة تلو الأخرى. كنت أراها من بعيد عبر النافذة بينما كانت السماء تمطر. وبدا لي أن المشهد سيكون أفضل لو ضمّنته جمجمة خروف وزهرة".
في اللوحة تبدو الجمجمة اقرب إلى جمجمة الجاموس أو الثور منها إلى جمجمة الخروف. ويخيّل للناظر كما لو أنها تنبعث من الأرض بعد أن كانت كامنة هناك منذ الأزل. أيضا ممّا يلفت الانتباه في اللوحة منظر القرنين والزهرة اللذين يمكن أن يكونا رمزا لاتحاد الجنسين. وثمّة احتمال أن تكون اوكيف رسمت هذين العنصرين في اللوحة وفي ذهنها بعض المعتقدات والأفكار التي كانت شائعة لدى بعض الشعوب القديمة.
فمنذ القدم، كان يُنظر إلى القرون باعتبارها رمزا للذكر استنادا إلى الأسطورة الفرعونية القديمة عن آمون إله الخصوبة الذي كان يُصوّر برأس خروف وجسم إنسان. بينما الزهرة رمز لـ فينوس أو افرودايت آلهة الخصوبة الأنثوية عند اليونان.
كانت جورجيا اوكيف، كما سبقت الإشارة، مفتونة كثيرا بعظام الحيوانات الميّتة وكانت تسمّيها أزهار الصحراء. وقد أصبحت ثيمة ثابتة في العديد من لوحاتها المشهورة.
وبخلاف وجهة النظر التي تنظر إلى جماجم الحيوانات كرمز لزوال الحياة وحتمية الموت، كانت اوكيف ترى فيها دليلا على تجدّد الحياة وانبعاثها وعلى استمرارية الوجود واتصال الحاضر بالماضي.
كانت اوكيف شخصيّة محورية ومثيرة للجدل في الفنّ الأمريكي. وقد ظلّت على الدوام بمنأى عن التغييرات والاتجاهات التي طرأت على الفنّ وبقيت مخلصة لرؤيتها الفنية الخاصة التي كانت تعتمد على دراسة خصائص الشكل وعلى البحث عن الأشكال التجريدية والمهمّة في الطبيعة.
ومن الصعب إحصاء عدد المرّات الكثيرة التي استُنسحت فيها لوحاتها التي تتخذ من الصحراء والزهور موضوعا لها. وقد تأثرت في بواكير حياتها بـ كاندينسكي وكتابه المشهور "الروحانية في الفن" الذي تحدّث فيه عن الانفعالات الداخلية للفنان. وفي بعض الأوقات عملت أستاذة للرسم في أكثر من جامعة. كما سافرت كثيرا خلال حياتها وشملت رحلاتها بلدان الشرق الأقصى والهند وأوربا وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط.
وقد كانت اوكيف وزميلاتها من الفنانات مهتمّات بإعادة تعريف هويّة المرأة الحديثة واكتشاف الأفكار المتغيّرة عن الأنوثة في الحداثة. وعُرف عنها تعطّشها للمغامرة والاستقلالية وتحقيق الذات. وكان أسلوب حياتها وطريقة تعبيرها عن نفسها انعكاسا لجسارتها وقوّة شخصيتها وروحها الحرّة والمتمرّدة. وكانت دائما تؤثر العزلة والابتعاد عن الناس والأضواء. ومما يؤثر عنها قولها: لو كان البشر أشجارا لكنت أحببتهم بطريقة أفضل".
وقالت ذات مرّة ما يمكن أن يكون تلخيصا بليغا لشخصيّتها وأسلوب فنّها: كنت أقطف الأزهار أينما وجدتها وأجمع الحجارة والصدف وقطع الخشب التي كنت أحبّها. وعندما أجد عظاما بيضاء جميلة في الصحراء كنت آخذها معي إلى البيت. وقد استخدمتُ كلّ هذه الأشياء لأعبّر عن رحابة وغرابة هذا العالم كما عشت فيه".
وفي منتصف العشرينات، رسمت اوكيف سلسلة من اللوحات التي تصوّر فيها أزهارا بطريقة تجمع بين التجريد والسوريالية. وقد عمدت إلى تكبير بَتَلات وأوراق الأزهار لتملأ رقعة الرسم. وأسهمت تلك اللوحات في ترسيخ مكانة الفنانة وشهرتها كرسّامة حديثة ومبتكرة. غير أن بعض النقاد رأوا في تلك اللوحات مضمونا جنسيا عندما تقصّدت الفنانة رسم الأزهار على هيئة قريبة من الأعضاء الأنثوية. وهو التفسير الذي ظلت اوكيف تنفيه وترفضه باستمرار.
في أواخر حياتها توقفت اوكيف عن الرسم اثر تدهور صحّتها وإصابتها بالعمى. وكان أكثر ما يحزنها أنه لن يكون بوسعها بعد ذلك أن ترى الريف الجميل "إلا إذا كان كلام الهنود الحمر صحيحا وأن روحي ستمشي على هذه الأرض بعد موتي".
وفي مارس من عام 1986 توفيت جورجيا اوكيف عن عمر ناهز التاسعة والتسعين. وإنفاذا لوصيّتها، أحرقت جثّتها وذُرّ رمادها فوق صحراء نيو مكسيكو التي ربطتها بها علاقة عشق وكانت ملهما لمناظرها الغامضة والمليئة بالرؤى والرموز.

11 comments:

Moh'd Shaltaf said...

من المؤكد أن الفنان الحقيقي هو من يرى الأشياء بعينه الخاصة وبرؤيته المتفردة، هذا هو التعريف البسيط للابداع ليس فقط أن تكون مختلفا عن الاخرين ولكن ان تملك أفكارك الخاصة التي تحول كل ما هو حولك من بساطة او غموض الى جمال او نقيض يظهر الجمال الحقيقي

عند مشاهدتي لتلك اللوحات ذات البتلات الجميلة رأيت فيها ما وصف بالايحاءات للاعضاء الجنسية الانثوية بوضوح، ربما كان اختلاف المشاهدات انعكاساً لاختلاف الاهتمامات، كل يبحث عما يختلف عنه واحيانا عن نقيضه

ما زلت تدهشنا بروعة ما تعرضه وبابداعك في اتقان جذبنا لعوالم جميلة ورؤى تستحق عليها الاشادة
فشكرا مرة اخرى

Anonymous said...

لست بالرسام المحترف او المشهور. لكني بصراحة احسدك على جمال اختياراتك التي تؤكد بان لك عين مدربة على استكشاف الجمال وتذوقه. وقد مررت من هنا بالصدفة ويالها من صدفة رائعة عندما عثرت على مدونتك المميزة والنادرة. حقا خيل الي ان الجهد المبذول لا يمكن ان يكون جهد شخص واحد بل تظافر اشخاص كثيرين وتعجبت واندهشت حينما اكتشفت عكس ما ظننه. ومن راي ان سمحت لي ان تضم هذه السلسلة في موقع اكبر واعم ما يمكن ان تسعه مدونة وان تكون اكثر احاطة وتنوعا.
ارجو الاستمرار في هذا الابداع وساكون زائرا منتظما لمدونتك واتمنى لك دائما كل النجاح والتوفيق.
علاء الحمداني

محب الازهار said...

لوحة موحية كثيرا وشرح اقل ما يمكن ان يقال عنه انه مكتمل وبليغ. بصراحة توقفت للحظات عند موضوع الأزهار والإيحاءات الجنسية. وأنا أظن انه حتى لو قصدت الرسامة ان تكون الازهار رمزا للأعضاء الأنثوية وهذا ما لا اشك فيه اطلاقا بعد ان رأيت لوحاتها الزهرية فهذا لا يعيبها ولا ينتقص منها ابدا. وان كان لي سبب يدعوني للاستغراب فهو انها قصرت جهدها عند اعضاء الأنثى ولم تحاول ولو مرة واحدة تصوير اعضاء الذكر ودمجها في لوحاتها وهذا ما اعتبره تمييز ظالم ضد الرجال مع ان الطبيعة تحتوي على الكثير من تلك الشواهد العظيمة والمهمة. يا عزيزي التكامل الجنسي بين الانثى والذكر موجود في كل مكان من الطبيعة التي تحيط بنا. بل ان جسد كل منهما مكمل لجسد الاخر وقد رأيت في إحدى المرات لوحات لاناث عاريات لكن عندما تحدق في تضاريس اجسادهن وما فيها من انثناءات وانبعاجات سرعان ما تتذكر الاعضاء الذكرية وهذا دليل اخر على التكامل الاعجازي والاتحاد الازلي بين بين الجنسين وهذا ما هو عليه الحال منذ ان خلق الله الكون وجعل فيه من كل زوج اثنين.
حقيقة كنت احب الزهور وارتاح لرؤيتها لكني احببتها اكثر بعد ان رأيت لوحات جورجينا اكيف.
اشكرك غاية الشكر واثمن ما تقوم به من جهد وما تقدمه من ابداع تشكيلي وموسيقى جميلة ومختلفة.

Anonymous said...

لو وضعت الرسّامة بدلا من رأس الخروف جمجمة هندي احمر وزهرة خشخاش "رمزا للافيون الذي حقن به الهنود لمسخ أدمغتهم وتدمير ثقافتهم الأصلية" لكانت تلك صورة ابلغ وأكثر تعبيرا عن جوهر روح أمريكا التي لم تقم سوى على الغزو والتدمير وإبادة سكان البلاد الأصليين.

Anonymous said...

العزيز بروموثيوس اسمتعت بتصفح هذا التوشيح الرائع لمحتوى اللوحه وما تركته من معاني في مخيلة الرسامه حيث ابتكرت شكلا مثير للتفكير العميق في اسرار الطبيعه ... فعلا ياعزيزي لو أن البشر كالشجر يتمتعون بالجمال والرقه والدفء لكان للحياة طعم آخر. .. شكرالك ...
وسأكون
. متابعه بشوق لكل ماتضيفه هنا
تقبل احترامي وصادق ودي..

roooz

Prometheus said...

العزيز محمد شلطف:
أهلا وسهلا بك. والشكر الجزيل لك على ملاحظاتك الجميلة كما هي عادتك.
حديثك عن مواصفات الفنان الحقيقي لفت انتباهي واتفق معك في كلّ ما قلته.
قد يكون معك حق أيضا في ما ذكرته عن البتلات والأزهار في رسومات اوكيف ودلالاتها الجنسية. مع أن هذه الجزئية قد تكون مفتوحة على احتمالات شتّى.
خالص مودّتي لك.

Prometheus said...

عزيزي علاء الحمداني:
شكرا جزيلا لك على ثنائك. واعدك بدراسة اقتراحك الذي اعتبره وجيها ومعقولا.
أهلا وسهلا بك وعلى الرحب والسعة دائما.

Prometheus said...

عزيزي محبّ الأزهار:
شكرا لك على ملاحظاتك الطريفة.
على كلّ حال، المعنى في عقل الرسّامة. وقد يكون ما كتبته صحيحا، من يدري!
غير أنني متفق معك على أن ذلك، إن صحّ، لا يقلّل من جمال رسومات الفنانة وأصالة موهبتها.
تكامل الأعضاء الجنسية مسألة لا اعرف عنها الكثير، مع أن حديثك أثار اهتمامي وزاد فضولي لمعرفة المزيد عن الموضوع، على الأقل من الناحية التشكيلية.
لو أن في المدوّنة وجوها تعبيرية لوضعت لك هنا وجها مبتسما. تحياتي الخالصة لك.

Prometheus said...

Anonymous
أحيّيك على مشاركتك وتعليقك.
ما كتبته مثير للتفكير فعلا.
خالص مودّتي لك.

Prometheus said...

Anonymous
ممتن لحضورك وتعليقك.
وأهلا وسهلا بكِ دائما.

Anonymous said...

You can't imaging how much i adore art and music. i love ur blog. i love ur posts. i love u too :)