Sunday, March 09, 2008

لوحات عالميـة - 162

فيـوليــن انـغـــر
للفنّان الأمريكـي مــــان راي، 1924

ثمّة من النقّاد من يقول إن هذه اللوحة تمثّل أشهر صورة فوتوغرافية، تمّت معالجتها وتحويرها، خلال القرن العشرين.
وقد اعتبرت في حينها عملا فنيّا حداثيا وثوريا.
أنجز مان راي، واسمه الأصلي ايمانويل رادنيتزكي، هذه الصورة في الفترة ما بين الحربين العالميتين. وهي الفترة التي شهدت ذروة ازدهار فنّ التصوير الفوتوغرافي.
كان راي مصوّرا ورسّاما ومخرجا سينمائيا. ويقال انه أكثر المصوّرين الفوتوغرافيين تأثيرا ونفوذا خلال القرن الماضي. وقد ُعرف بابتكاراته التقنية وميله إلى اكتشاف كلّ ما هو غير مألوف أو متوقّع. كما ينسب إليه الفضل في كونه احد الفنانين الطليعيين الذين عملوا على تطوير التصوير الضوئي وجعله شكلا من أشكال الفن.
وكان راي معجبا كثيرا بأعمال الرسّام الفرنسي انغر الذي اشتهر برسمه المحظيّات والنساء العاريات. وكان انغر معروفا في الوقت نفسه بإجادته العزف على آلة الفيولين أو الكمان.
وقد ألهمت إحدى أشهر لوحات الفنان الفرنسي المسمّاة Bather of Valpincon ، ألهمت راي إنجاز هذه اللوحة التي تعدّ أشهر أعماله وأكثرها رواجا والتي يمزج فيها بين التصوير والرسم.
والموديل في الصورة هي امرأة تدعى "كيكي" كانت عارضة أزياء ومغنّية مشهورة، كما كانت احد رموز الحياة البوهيمية في باريس خلال الربع الأول من القرن العشرين.
من الواضح أن فكرة الصورة، التي نفّذت بالأسود والأبيض، تعزف على الشبه بين جسد المرأة وآلة الكمان.
ولهذه الغاية عمد المصوّر إلى إخفاء ذراعي الموديل أمامها ثم رسم على جانبي ظهرها من الوسط حرف f اللاتيني الذي يظهر عادة محفورا على طرفي الكمان، لكي يبدو ظهر المرأة أكثر مضاهاة لشكل الآلة الموسيقية.
أي أن الفنّان أجرى تحويرا بسيطا على ما كان في الأصل صورة كلاسيكية عادية لامرأة عارية الظهر.
المرأة تبدو في الصورة وهي ترتدي غطاء رأس وقرطا، ورغم ذلك فإنها عارية إلا من وشاح منسدل وملفوف حول وسطها ومؤخّرتها.
كانت هذه الصورة، على بساطتها، ملهمة لأجيال عديدة من الفنانين الذين رسموا جسد المرأة على شكل آلة موسيقية وترية، ثم توسّع خيال بعضهم بعد ذلك ليرسموه على شكل ثمار وفاكهة.
قد يكون مان راي أراد من وراء إخراج هذه الصورة أن يسخر من التقاليد التي كانت شائعة في زمانه. وربّما أراد القول إن فنّ التصوير الفوتوغرافي بمقدوره هو أيضا أن يخلق واقعه الخاص، وأن الجسد يتفاعل مع اللمس بمثل ما أن الأصابع المدرّبة والخبيرة تستطيع أن تبثّ الحيوية في الآلة الموسيقية لتجود بأجمل النغمات وأعذبها.
ولد مان راي بفيلادلفيا في الولايات المتحدة لأبوين يهوديين، لكنه عاش معظم حياته في باريس التي لمع فيها اسمه كأحد الأعضاء البارزين في الحركة السوريالية.
وقد اشتهر بتصوير كبار رموز ذلك العصر أمثال مارسيل بروست وماكس ارنست وجيمس جويس وبول ايلوار بالإضافة إلى الممثلة الأميركية ايفا غاردنر.
ولـ مان راي صورة أخرى لا تقلّ ذيوعا وانتشارا اسمها دموع Tears، كثيرا ما تظهر في كتب الشعر والروايات العاطفية.
"فيولين انغر" كانت عملا ثوريا ورائدا في وقتها، وذلك بفضل تطويع أساليب التلاعب بالصورة واستخدام المونتاج بشكل مبتكر.
لكنْ وعلى نطاق أوسع قليلا، وعلى مستوى الصورة بشكلها الكلاسيكي المجرّد، لا بدّ من الإشارة إلى صور فوتوغرافية أخرى ذاعت شهرتها كثيرا خلال القرن العشرين. ومن أشهرها صورة المناضل البوليفي تشي غيفارا ، وصورة نيل ارمسترونغ وهو يخطو على سطح القمر، وصورة الفتاة الأفغانية شربات غولا ، وصور مذبحة ماي لاي الفييتنامية، وصورة لسان اينشتاين ، وصور مقتل الطفل الفلسطيني محمّد الدرّة ، وأخيرا وليس آخرا صورة الصحافي كيفين كارتر عن ضحايا المجاعة في جنوب السودان.

2 comments:

Moh'd Shaltaf said...

بالفعل فنان مبدع بكل المقاييس
محاولته للدمج بين الرسم والتصوير الفوتوغرافي ناجحة بالتأكيد - رغم صعوبتها في رأيي - وقد فاجأني العدد الكبير للصور التي جمعها الفنان
لا أستطيع أن أرى صورة سلفادور دالي التي أخذها الفنان دون أن أضحك لكأن دالي قد جسد السوريالية حتى في شكله
الصورة الأخرى المشهورة للفنان بعنوان دموع قمة في الابداع وأستغرب كيف تمكن من اتقانها في ذلك الوقت
جميل ان نرى تنوع المواد المعروضة في المدونة ولا يسعنا الا ان نشكرك عليها

Prometheus said...

العزيز محمد:
الشكر الجزيل لك على مشاركتك وتشريفك. وانا متفق معك على اهمية التنوع والتغيير لان فيه تجديدا ولانه يسهم في كسر الملل والرتابة.
مع تحياتي وتقديري لشخصك الكريم.