Monday, January 28, 2008

لوحات عالميـة - 157

الأمــــل
للفنان البريطاني جـورج فريدريـك واتـس، 1886

قد لا تصنّف هذه اللوحة ضمن الأعمال الفنّية التي تثير الفرح أو تبعث على البهجة والارتياح، لكنها مع ذلك تحمل فكرة إنسانية عظيمة وتثير أجمل وأنبل ما في النفس الإنسانية من مشاعر وأحاسيس.
عندما أتمّ جورج واتس رسم اللوحة منذ أكثر من مائة عام، سرعان ما وجدت طريقها إلى كلّ بيت وأصبحت حديث الناس والنقاد، على السواء، في بريطانيا.
وبالنظر إلى مضمونها العاطفي والإنساني العميق، فقد انتشرت اللوحة حول العالم واستنسخت مرارا وتكرارا وظهرت العديد من قصائد الشعر التي تستمدّ من مضمون اللوحة موضوعا لها.
العنوان قد لا يدلّ على جوّ اللوحة، إذ نرى امرأة معصوبة العينين وحافية القدمين وهي تجلس في وضع انحناء فوق ما يبدو وكأنه مجسّم للأرض بينما راحت تعزف على آخر وتر تبقّى في قيثار مكسور.
تعابير وجه المرأة غامضة إلى حدّ ما، بينما يغرق المشهد كله في موجات مهتزّة من اللازوردي والأصفر بتدرّجاتهما المشعّة.
بعض النقاد يرون أن اللوحة تعبّر في الواقع عن اليأس وتثير إحساسا بالحزن، بينما يرى آخرون أنها تعبّر عن تمسّك الإنسان بالأمل ورفضه الاستسلام لليأس. فالمرأة مستمرّة في العزف حتى بعد أن لم يتبقّ في قيثارتها سوى وتر وحيد.
واتس كان احد أعظم الفنانين الذين ظهروا خلال العصر الفيكتوري، وكان للوحاته مضامين رمزية؛ أخلاقية وفلسفية وروحية.
في ذلك العصر كان الفنانون والأدباء والشعراء مفتونين بالموسيقى وعناصر الجمال المختلفة. ومثل معظم معاصريه، كان واتس منشدّا إلى فكرة الموت، إذ كان يرى فيه مفسّرا للحياة وامتدادا لها.
وربّما لهذا السبب، تروق لوحاته كثيرا للمتديّنين وللفئات الاجتماعية المحرومة، بالنظر إلى طبيعتها الروحية التي تضفي على مشاعر الحزن والألم واليأس طابعا من الجمال والنبل والقداسة.
كان واتس يرسم الأفكار لا الأشياء، وكثيرا ما كان يحيط شخوص لوحاته بأجواء ضبابية أو غائمة للإيحاء بأنها انعكاس لأفكار ورؤى معيّنة.
وكان يعتقد دائما أن باستطاعة الفن أن يعبّر عن قوّة الحياة وإرادة الإنسان.
وفي الوقت الذي كان معاصروه يميلون إلى تصوير الأمل والمعاناة والحزن والحياة والموت على هيئة نساء إغريقيات يرتدين ملابس طويلة وشفّافة، كان واتس يجد كل هذه المعاني والظواهر داخل نفسه ويعبّر عنها بمناظره التي يرسمها اعتمادا على معرفته وخبراته الذاتية وميله للتأمّل والنزوع الفلسفي.
والذي يتملّى البناء الفنّي لهذا اللوحة المتميّزة لا بدّ وأن ينصرف تفكيره إلى لوحة بيكاسو الشهيرة عازف الغيتار العجوز، التي تصوّر عجوزا أعمى يعزف على غيتاره بلا اهتمام.
وهناك من المؤرّخين والنقاد من ذهبوا إلى أن لوحة واتس، الموجودة اليوم في متحف تيت البريطاني، تتضمّن صورة سياسية مجازية، وأن المرأة ليست في الحقيقة سوى رمز لبريطانيا التي فتحت العالم وبلغت أوج مجدها وانتصاراتها خلال حكم الملكة فيكتوريا.
لكن ذلك كله لم يجلب السلام ولم يحقّق للناس السعادة وراحة البال التي كانوا يتطلعون إليها في ذلك الوقت.

4 comments:

أحلام خالد said...

العزيز بروميثيوس
دعني أحييك أولا على جهودك الفنية والذهنية التي تبذلها في هذه المدونة الثرية.
يروقني هذا الذوق الي يميزك، من اختيار للوحات واختيار للموسيقى..
أعجبني في لوحة "الأمل" هنا، مضمونها والأفكار التي سيقت عنها، ربما أكثر من اللوحة نفسها بألوانها وشحوبها.
ذكرتني قليلا مثلما أشرتَ، بلوحة "العجوز" لبيكاسو التي تصور الحزن المعاش لدى طبقات المجتمع المنبوذة
ومن ناحية أخرى ذكرني عنوان اللوحة "الأمل" واستمرار عزف المرأة على آلتها الموسيقية برغم كل المحن، بمقاطع فيلم "تايتانيك" الأخيرة، التي نشاهد فيها فرقة الموسيقيين مستمرين بالعزف ومتمسكين بآلاتهم الموسيقية في ظل غرق السفينة، وكأنهم يختارون موتهم بطريقتهم الخاصة أو يودعون حياتهم بمقطوعة موسيقية أحبوها يوما!
عزيزي بروميثيوس.. شكرا جزيلا لطرحك الجميل وتميزك المستمر
إليك كل الاحترام والمحبة

M.Shaltaf said...

عزيزي بروميثيوس

لوحة لازوردية جميلة تضيء المدونة وتستحق كل الاشادة على اختيارك لها
اللوحة رغم وضوح معالمها الا انها عميقة جدا بالمعاني وتوحي بمشاعر كثيرة الى درجة الحيرة بين الحزن والوحدة والتعاسة واليأس من جهة والحب والامل والاصرار حتى النهاية من جهة أخرى، وان كنت أشعر بتغلب الجانب الثاني على الأول عند تأملها وهذا ربما يعكس ما يشعر به المتأمل نفسه
وهذا بالتأكيد يظهر مدى امكانيات الفن اللامتناهية لفتح آفاق التأمل والجمال لدى الانسان
اعجبتني كثيرا فكرة تجسيد اللوحة لحال تلك الممكلة التي لم تكن الشمس تغيب عنها ولكنها بقيت تعاني ككل الشعوب التي حكمتها بالقوة والجبروت
أشكرك على هذا الجهد الرائع متمنيا لك المزيد من التوفيق

Prometheus said...

العزيزة أحلام:
الشكر الجزيل لك على اهتمامك وتواصلك الدائم.
إشارتك إلى نهاية فيلم تايتانيك أجدها وجيهة وتتساوق تماما مع جو هذه اللوحة.
يبدو أن الموسيقى علامة فأل وأداة فعالة للتغلب على اليأس والمعاناة.
مودّتي لك.

Prometheus said...

العزيز محمد شلطف:
ليس من قبيل المجاملة أو المبالغة إن قلت أن في ما تكتبه دائما من ملاحظات وإشارات ذكية ما يمكن أن يشكل إضافة نوعية ومهمّة للموضوع، تماما مثل ما هي ملاحظاتك هنا التي جاءت كالعادة مكملة لجوّ اللوحة وإثراءً لموضوعها الأصلي.
فالتحية والشكر لك أخي العزيز على تواصلك واهتمامك الدائمين.
مع خالص مودتي وتقديري لك.