Thursday, February 21, 2008

لوحات عالميـة - 159

حقـل قمـح و أشجـار سـرو
للفنان الهولندي فنسنـت فــان غــوخ، 1889

رسم فان غوخ هذه اللوحة بعد حوالي شهر من وصوله إلى المصحّة النفسية في آرل.
وخلال فترة مكوثه في المستشفى، كان الأطبّاء يسمحون له بالذهاب إلى الحقول المجاورة ليمارس هوايته في الرّسم كلما خفّت نوبات الصرع التي كانت تنتابه من حين لآخر.
ومن بين أشهر لوحاته التي أنجزها آنذاك هذه اللوحة التي تشير إلى مدى تأثّر فان غوخ بالأسلوب الياباني في الرسم، وخاصّة طريقة تمثيل الخطوط واستخدام الألوان.
في اللوحة نرى حقلا للقمح يقوم في وسطه وعلى أطرافه عدد من أشجار السرو. وبالإضافة إلى الأشجار، تبدو بعض التلال والجبال والأعشاب تحت سماء غائمة.
ولعلّ أهم ما يميّز هذه اللوحة عمق منظورها وسماكة نسيجها وإيقاع الأشكال فيها، بالإضافة إلى صفاء ألوانها التي تصوّر حيوية الربيع وبهاءه.
كان فان غوخ يراقب الأشجار من نافذة غرفته في المستشفى، وفي إحدى رسائله لأخيه ثيو يقول: لطالما أثارت هذه الأشجار تفكيري. وأجد من الصعوبة بمكان أن أتجنّب رسم هذا الحزن وهذه العزلة النهائية. إن هذه اللوحة ستخبرك عما عجزت أنا عن التعبير عنه بالكلمات وهو ما اعتبره مصدر الإلهام والسعادة في حياة الريف".
إن الناظر إلى هذه اللوحة لا بدّ وان يتخيّل أن كلّ شيء فيها يتحرّك. إذ بفعل ضربات الفرشاة الملتفّة كالدوّامة، تبدو الأشجار مضطربة والعشب كما لو أنه يتطاير مع الريح، ما يبعث شعورا غامضا بالتوتّر والخطر المحدق.
ارتبطت أشجار السرو منذ القدم بالموت وأحيانا بالخلود. وفي بعض الحضارات الشرقية القديمة كانت ترمز للكمال والجلال والحكمة.
فان غوخ كان هو أيضا مفتونا بالنظر إلى أشجار السرو متأمّلا أشكالها وألوانها وطريقة تموضعها في الطبيعة المفتوحة.
أثناء وجوده في المستشفى، كان فان غوخ منكبّا على التأمّل في حال الأدباء والشعراء والفنّانين الذين نجحوا في فهم واستكناه المشاعر والحالات الإنسانية العميقة وجسّدوا ذلك في أعمالهم.
وكان هو نفسه يتمنى أن يعكس في لوحاته جانبا من تلك المشاعر وأن يكون لأعماله نفس التأثير الانفعالي والعاطفي.
وفي سنواته الأخيرة أصبح ميّالا لرسم مشاهد نهارية وبات من النادر رؤية مناظر الفجر والغسق التي كانت تميّز لوحاته الأولى.
في العام 1993 بيعت هذه اللوحة بمبلغ 57 مليون دولار أمريكي. وقد أعارها المليونير الأمريكي الذي اشتراها إلى متحف الميتروبوليتان حيث ظلّت فيه إلى اليوم.
بعد حوالي سنة من رسمه هذه اللوحة، أي في السابع والعشرين من يوليو 1890، أقدم فان غوخ على الانتحار بإطلاق رصاصة على صدره في أحد هذه الحقول التي ألهمته رسم أعظم لوحاته وأكثرها شعبية وذلك خلال فترة السنتين اللتين قضاهما في آرل.
وبعد وفاته سرعان ما بدأت لوحاته تجتذب اهتمام النقاد الذين اكتشفوا أصالة وعمق موهبته ورؤيته الفنية، ليحتلّ في ما بعد مكانته كأحد أشهر الرسّامين الطليعيين في تاريخ الفن الحديث.

موضوع ذو صلة: سجال فلسفي حول حذاء

7 comments:

Moh'd Shaltaf said...

تذكرني هذه اللوحة الجميلة بقصيدة للشاعر يوسف عبدالعزيز وصف فيها حقول القمح بصورة رائعة ..هذا نصها

الهواء المغنّي

يفكّ جدائله في الحقول

ويُسنِد رأسَه

على حجرٍ

ويُصفّر



السّحابة حمراء

والسّرو أخضر



الوقت في آخر الصّيفِ

والماء يلمع في عُنِقِ الأرضِ

كالسّيفِ



الماء أفعى

رآنا فحدّقَ فينا

ودقّ التّرابَ

وخوّضَ في السّهلِ

حتى تعكّر



على طَرَفِ الماء تظهر بعض البيوت الصّغيرةُ

مثل السّلاحف...



شرقاً

نرى شرشف القمح

وهو يرفّ على التّلّ

أصفر أصفر

فوقَه نقطة تتحرّكُ هاربةً

لفتى هاربٍ

حيث نسمع في الأودية

رعد والده يتكسّر

وهو ينادي عليه

Amjad Wadiِ said...

فكرة المدونة فريدة و جميلة ورائعة .. والمحتوى أروع ...

أكثر ما جلب انتباهي الأختيار الدقيق و الذواق للأعمال .. بالرغم من التحيز للوحات البورتريه.. والوصف السلس و المفيد و الدقيق... واللغة العربية السليمة

أتمنى أن توكن لوحة "ميتامورفوزم" لدالي احدى الموضوعات القادمة .. كونها كونها بالاضافة للوحات الذاكرة و الصرخة من مفضلاتي

ملاحظة أخيرة .. أتمنى تضمين العنوان اسم العمل الفني لتسهيا العودة اليه

مع تحياتي

Prometheus said...

العزيز محمد شلطف:
شكرا جزيلا لك وعلى ذوقك الرفيع.
قرأت القصيدة فأعجبتني وفي الحقيقة فان جميع اختياراتك الشعرية رائعة وتنم عن ذائقة صاحبها الشعرية.
دمت بخير دائما.

Prometheus said...

عزيزي امجد:
لا اجد من الكلمات ما اعبّر به عن شعوري بالشكر والامتنان لك على ما كتبته من كلمات المجاملة الرقيقة.
اشكرك جزيل الشكر واتمنى ان أكون عند حسن ظنك دائما، واقتراحك بشان لوحة دالي سيجد طريقه للتنفيذ قريبا ان شاء الله.
تجياتي لك.

Amjad Wadiِ said...

أسعدني ردك .. وكلامي ليس مجاملة ... عندما زرت المدونة لأول مرة تمنيت لو كانت لي من شدة اعجابي بالفكرة .. الله يخلي صاحبها

كوثر said...

مدونة رائعة جدا
انني أستمتع في متابعتها

شكرا لك
شكرا كثيرا

Arpy Asmar said...

شكرا لك

أربي أسمر