Tuesday, January 15, 2008

لوحات عالميـة - 155

في ذكرى الشاعرة برفين اعتصامي
للفنان الإيراني مرتضـى كاتوزيـان، 1985

يقال أحيانا أن الشعر يصبح مفهوما أكثر عندما يتحوّل إلى موسيقى أو إلى عمل تشكيلي.
والفنان، رسّاما كان أم شاعرا أم موسيقيا، اعتاد أن يرى العالم بعين أكثر حساسية وشمولا، فهو يلتقط التفاصيل ويلاحظ الحالات والظواهر المختلفة ويستمتع برصدها وتأمّلها وتصويرها.
في هذه اللوحة الجميلة يصوّر مرتضى كاتوزيان منظرا استوحاه من قصيدة للشاعرة الإيرانية الراحلة برفين اعتصامي تتحدّث فيه عن طفل يكسر آنية خزفية عن غير قصد ثم لا يجرؤ على العودة إلى البيت خوفا من غضب والده.
اعتصامي اشتهرت بمواقفها وأفكارها وقصائدها الجريئة الداعية لتحرير المرأة.
وقد تأثرت بأفكار والدها الذي كان هو الآخر مناصرا لحقوق النساء، كما عرف عنه ترجمته لكتاب الشيخ قاسم أمين "تحرير المرأة" إلى الفارسية.
وقد توفيت اعتصامي عن عمر لا يتجاوز الخامسة والثلاثين بعد تجربة زواج فاشل لم يدم أكثر من شهرين. وفي أخريات حياتها كتبت قصائد حزينة تتعاطف فيها مع الفئات المحرومة في المجتمع خاصة الأطفال الفقراء واليتامى.
في اللوحة نرى طفلا بملامح بريئة وملابس رثّة وهو جالس يغالب النعاس في زاوية بأحد الشوارع. والى جواره تبدو آنية فخار مكسورة.
المشهد يوحي بالفقر الشديد: الجدران في الخلفية وكذلك ملابس الطفل خصوصا البنطلون المهلهل والمرقّع بقطع حمراء وسوداء.
اللوحة يغلب عليها اللونان الأصفر والبنّي وظلالهما. وثمّة تناغم وتناسق واضح بين الألوان كما يبدو جليا أيضا إتقان الفنان رسم الأطراف. وإن كان يلاحظ أن القدم اليمنى للصبي تبدو اكبر قليلا من عمره المفترض.
هناك أيضا الظلال التي رسمت بعناية وبراعة لافتة. والمنظر بأكمله يدفع الناظر إلى التعاطف مع الحالة الإنسانية التي تجسّدها اللوحة.
مرتضى كاتوزيان يعتبر واحدا من أشهر الفنانين التشكيليين في إيران.
والبعض يصفه بأنه رسّام الفقراء والمهمّشين. وهو ينتمي للطبقة الوسطى وينحدر من عائلة تحبّ الرسم والفنون. ومعروف أن كاتوزيان لم يتتلمذ على يد احد بل علّم نفسه بنفسه إلى أن اخذ أسلوبه في الرسم في النضج والتبلور.
التأثير المتبادل بين الشعر والرسم أمر ليس بالطارئ ولا بالجديد. فـ يوهان فيرمير، مثلا، استوحى مواضيع بعض لوحاته من قصائد أو روايات.
في المقابل تحوّلت عناوين وأجواء بعض لوحات فان غوخ ورينيه ماغريت ووليام ووترهاوس وادفارد مونك إلى أعمال شعرية وروائية وموسيقية.
عنوان لوحة كاتوزيان ربّما يثير ملاحظة قد تبدو شكلية إلى حدّ ما، فهو يبدو طويلا بعض الشيء وقد يراه البعض مملا وغير مناسب. ولو أن الفنان اختار للوحة عنوانا مختصرا مثل "الإناء المكسور" أو "آنية الخزف المكسورة" لكان وقعه أفضل وأجمل. في حين يمكن وضع العنوان الطويل في حيّز فرعي وبين قوسين للتأكيد على فكرة اللوحة وتوضيح مناسبتها.
أما فكرة رسم طفل أو طفلة والى جواره آنية أو مزهرية مكسورة فهي فكرة قديمة في الفنّ وطالما استهوت العديد من الرسّامين.
لكن يمكن القول إن أشهر لوحات هذه الثيمة وأكثرها انتشارا ورواجا هي لوحة رسّام القرن التاسع عشر الفرنسي ايميل مونيير Emile Munier's The Broken Vase بعنوان المزهرية المكسورة.

موضوع ذو صلة: إطلالة على الموسيقى الإيرانية

6 comments:

أحـلام خـالـد said...

العزيز بروميثيوس
شكرا لك لادراجك احدى اجمل لوحات الفنان مرتضى كاتوزيان
انه بحق فنان يستحق التقدير والوقوف عند لوحاته اسوة بباقي الفنانين الشهيرين.
"الاناء المكسور" او "الطفل المكسور" ولربما "القلب المكسور".. قد تكون عناوين جميلة تصور فكرة اللوحة، ولكني ارجح ان العنوان المقصود في اللوحة هو "في ذاكرة برفين اعتصامي" وليس في ذكرى، أي أن الرسام تقصد تصوير حدث انساني عالق في ذاكرة الشاعرة الايرانية وليس تأبينها.
لفتت نظري هذه اللوحة مثلك، فهي تفيض بالاحاسيس الانسانيةوالوجدانية، وتثير في النفس عطفا وشفقة على اطفال مشردين ومظلومين كهذا الطفل في اللوحة
وعالمنا العربي والشرقي حقيقة، حافل ايضا بمثل هؤلاء الاطفال!
انحياز كاتوزيان الى طبقة الفقراء والمستضعفين يبدو جليا واضحا في لوحاته، وكأنه نوع من التمرد على القوانين المجحفة بحق الانسانية .
بروميثيوس..
اشكرك على اختياراتك المميزة
وانتقائك لمعلومات هامة تضيء جوانب اللوحة المعتمة
مودتي لك
واحترامي لذوقك

Prometheus said...

أهلا أحلام. كيف الحال.
الشكر أيضا لك لأنك أنتِ من حفّزني على التفكير في إضافة كاتوزيان إلى قائمة رسّامي المدونة. واتفق معك في انه يستحق التنويه والإشادة باعتباره فنانا متميّزا ورائعا. ملاحظتك بشأن العنوان وجيهة ومنطقية. قد يكون الأمر كما ذكرتِ، على ان الأهم وهو امر لا اشك في انك توافقيني فيه هو أن مضمون اللوحة يحكي عن الشاعرة اعتصامي ويستذكر مكانتها باعتبار انها كانت شاعرة متمكّنة وقديرة. كما أوافقك في التأكيد على الجانب الإنساني في اللوحة الذي يدقّ على وتر حسّاس لانه يذكّر بمعاناة الأطفال المشرّدين والمحرومين وهم ولا شك كثر خاصة في منطقتنا. كاتوزيان، كما ذكرت، وكما هو واضح من مضامين لوحاته اختار أن يقف الى جانب الطبقات المحرومة والمهمّشة وذلك من خلال إبراز معاناة إفرادها وحاجتهم الى المؤازرة والى التعاطف والمحبّة.
شكرا جزيلا لك مرة اخرى على تواصلك الدائم وعلى ملاحظاتك الواعية والعميقة.
مع خالص السلام والتحية لك.

M.Shaltaf said...

المبدع مجددا بروميثيوس
اختيار جميل يؤكد اصرارك على تنويع الاختيارات في هذه المدونة
فبعيدا عن الاساطير والاميرات والقصور والمناظر الطبيعية والسوريالية نجد لوحة عميقة المضمون والدلالات دون اي حاجة للتعقيد
عندما شاهدتها اول مرة تذكرت لوحة الفنان ايمان مالكي "بائع السمك" وبعد قراءة شرحك الرائع عنها تذكرت اللوحة الرائعة "بورتريه الشاعر الفقير" للفنان الالماني كارل شبيتزوغ والتي تحمل الرقم 144 في مدونتك
هنا يكمن الابداع في مدونتك، فنحن نبدأ هنا من البديهيات وترشدنا انت الى النظريات وهذه ليست فلسفة ولكنها الحقيقة بعينها
من الجيد ان نرى انتماء المبدعين لشعوبهم واحساسهم مع الفقراء والمحتاجين في عالمنا وهذه رسالة من اسمى الرسائل التي يستحق عليها الفنان كل الاحترام والتقدير منا
عند عودتي للوحة لاحظت توظيف الفنان جيدا للون الأصفر، فتركيز هذا اللون على جسم الطفل في منتصف اللوحة يجذب المشاهد الى التركيز بدقة في ملامح الطفل البائسة دون سواها والشعور بالتعاطف معه الى حد بعيد
شكرا لك مجددا وأهنئك عل ثقافتك الراقية

Prometheus said...

العزيز محمد:
تحية وسلاما لك. وشكرا جزيلا لك على مشاعرك الطيبة. وأنت من بين من يعود لهم الفضل في حثّي على تنويع مواد المدوّنة كي تبدو أكثر تمثيلا وشمولا. كلامك عن مالكي وشبيتزوغ صحيح، واعتقد مثلك أن الرسم الواقعي غني في الغالب بمضامينه ودلالاته.
كما اتفق معك بالتأكيد في أهمية أن يكون الشخص المبدع مرآة تعكس هموم الناس وان يكون انحيازه للبسطاء والفقراء وللطبقات المحرومة بشكل عام.
ملاحظتك بشان اللون الأصفر في اللوحة مثيرة للاهتمام واجدها منطقية. أحيانا يستعان بالأصفر وظلاله المختلفه للتعبير عن الحالات الإنسانية التي تستدعي الحزن أو التأمّل الصامت.
تحيّاتي الخالصة لك وشكرا لك مرّة أخرى على ملاحظاتك العميقة والمفيدة.

إيمان الحمد said...

مرحباً بروميثوس..
مازلتُ أتسكّعُ هنا كُلّما فرَدَتْ الريحُ جناحيها وطوتهما بعنفٍ ..يفتعلُ الرياح ويُؤلِّبُ علينا البرد
..
علّني أجدُ مساحةً للدفء في لوحةٍ ما..

جميلة اختياراتك كالعادة..
والأجمل ما تسطرهُ من معلوماتٍ حولها..

تحياتي لك

Prometheus said...

العزيزة إيمان:
ممتن كثيرا لكلماتك اللطيفة ومشاعرك الطيبة.
وأتمنى أن أكون عند حسن ظنك دائما.
مودّتي لك.