Sunday, December 02, 2007

لوحات عالميـة – 151‏

صباح الخير مسيو كوربيه
للفنان الفرنسـي غوستـاف كـوربيـه، 1854

ينقسم النقاد كثيرا حول غوستاف كوربيه. بعضهم يعتبره رسّاما موهوبا. والبعض الآخر يعزو شهرته وذيوع اسمه إلى نرجسيّته وفوضويّته. وثمّة من يزيد على ذلك بالقول إن كوربيه كان فنانا إباحيا ومستفزّا بل وعديم الحياء بدليل لوحتيه "النائمتان" و "أصل العالم".
لوحته "صباح الخير مسيو كوربيه" هي أشهر أعماله على الإطلاق. وقد بلغ من شهرتها أن العديد من الحركات الاشتراكية في العالم استخدمت اللوحة في أدبيّاتها واعتبرت مضمونها ترجمة للشعارات الاشتراكية العتيدة التي تدعو إلى المساواة والحرّية والعدالة.
في اللوحة يصوّر كوربيه حادثة لقائه مع الثريّ الفريد بروياس الذي ُعرف برعايته للفنون وتشجيعه للفنانين.
مكان المقابلة طريق ترابي في منطقة ريفية تحيطها الأشجار والمزارع الخضراء تقع على مقربة من منزل بروياس.
إلى اليمين يبدو كوربيه بمظهره البسيط حاملا أدوات الرسم فوق ظهره. وفي مواجهته يقف بروياس ذو المظهر الأنيق الذي يشي بمكانته وطبقته. وخلف بروياس يقف خادمه الذي يحمل عباءته وأشياءه الأخرى.
لغة الجسد في هذه اللوحة مهمّة ولها دلالاتها. فالرجل النبيل وخادمه يخلعان قبّعتيهما احتراما للرسّام الذي يبادلهما التحيّة بمثلها.
لكنّ كوربيه لا يتنّحى عن الطريق ولا يخفض رأسه بل يرفعه بطريقة مسرحية علامة الاعتزاز والثقة بالنفس، وكأنه يقول لبروياس: لست أنت السيّد وأنا بالتأكيد لست خادما عندك. صحيح أنني فقير لكني في النهاية لست بأقلّ شانا من النبلاء والأغنياء".
إن التفاصيل الصغيرة في هذه اللوحة لها أهميّتها. شكل القبّعات واللحى والعصي والأحذية وكذلك إيماءات الجسد، كلّها تحمل دلالات الطبقة التي ينتمي إليها كلّ شخص كما تتضمّن معاني السيادة والخضوع التي يفرضها التفاوت الاجتماعي في المنزلة والطبقة.
لكن كوربيه المتمرّد لا يعترف بهذا كله. لقد رسم نفسه على هيئة عملاق ضخم الجثة يشمخ برأسه في الهواء في مواجهة شخصين ضئيلي الحجم ولا حول لهما ولا قوّة.
انه يعتبر أن حادثة لقائه بالنبيل تستحقّ أن تسجّل وان يخصّص لها لوحة. وهو لا يأبه كثيرا بحقيقة أن بروياس يستطيع أن يوفّر له الدعم والرعاية أسوة بغيره من الفنّانين. وكلّ ما يهمّه هو أن يظهر نفسه في اللوحة بمظهر الرجل الفخور والمعتدّ بنفسه والمملوء ثورة وحنقا على التقاليد والأعراف الطبقية التي كانت سائدة في فرنسا في ذلك الوقت.
وإمعانا في الزهو والإعجاب بالذات، اختار للوحة هذا العنوان الغريب الذي يريد من خلاله أن يوحي بأن النبيل هو الذي بدأه بالسلام وليس العكس.
إن مضمون اللوحة قويّ ولا شكّ رغم بساطة خطوطها وخلوّها من الألوان المعبّرة، وإن كان تمثيل الظلال فيها ممّا يسترعي الاهتمام.
ممّا يؤثر عن كوربيه قوله لأحد أصدقائه: في مجتمعنا المتحضّر، من الضروري بالنسبة لي أن أعيش كشخص همجي. يجب أن أتحرّر حتى من الحكومات. إنني أتعاطف مع قضايا الناس ويجب أن أخاطبهم مباشرة".
إن احتقار كوربيه الواضح للطبقة البورجوازية كان احد مظاهر تمرّده على الكثير من قيود المجتمع وأعرافه المتوارثة.
وقد بلغ به التحدّي أن رسم لوحة ضخمة الحجم يصوّر فيها مراسم جنازة أحد أعمامه، وقد ملأ اللوحة بصور لأناس من الفقراء ومن عامّة الناس. ومثل هذا النوع من اللوحات الكبيرة والفخمة كانت تخصّص لتصوير الملوك وعلية القوم في ذلك الزمان.
في القرن التاسع عشر، أي زمن كوربيه، سادت الفكرة التي تنادي باستقلال الفنّان. وتزامن هذا مع ظهور البوهيمية التي جاءت كردّ فعل على تلاشي رعاية الدولة للفنون. وقد كان كوربيه جزءا من مجتمع من الكتّاب والموسيقيين والرسّامين الذين تبنوا الأفكار البوهيمية كأسلوب حياة، وكان يجمع بينهم الفقر وحبّ المغامرة والعصيان السياسي وكراهيتهم الشديدة للسلطة وللطبقة البورجوازية.
ولم يكن كوربيه يخفي تعاطفه مع الحركات الثورية التي كانت تنادي آنذاك بالإطاحة بالنظام الملكي. وفي ما بعد أصبح عضوا في اللجنة التي تولّت حكم باريس لفترة قصيرة في العام 1871 م. وبعد أن ُحلّت اللجنة عوقب على أنشطته السياسية بالسجن قبل أن ينفى إلى سويسرا.
اليوم ُينظر إلى غوستاف كوربيه كأحد المؤسّسين الأوائل للحركة الواقعية في الرسم، في زمن كانت السيادة فيه للأساليب الرومانسية والنيوكلاسيكية.

موضوع ذو صلة: صورة الفنّان عن نفسه

7 comments:

M.Shaltaf said...

صباح الخير مسيو بروميثوس
لوحة جميلة وليست سهلة القراءة بالنسبة لي على الاقل لكنك أوضحت ما كان خفيا
حقا انها وقفة العزة والكبرياء والتحدي لبرجوازية أصحاب رؤوس الأموال
والظلال مرسومة بطريقة رائعة فنرى ظلا لشجرة غير موجودة وظل الفنان وعصاه مرسومين بدقة أيضا
بداية جديدة رائعة تحمل في مضمونها مفهوم الثورة والحرية ولك منا كل التقدير

fawest said...

صباح الخير مسيو برومسيوس


جميل جدا الجزء لتفسير العنوان



وبراحه شويه علشان أتابع اللوحات

fawest said...

أرجو الأنضمام الى جروب
محبى مدونه كراكيب نهى محمود
لهدف نبيل وهو إعادتها لفتح مدونتها
كراكيب
وهذا هو عنوان الجروب
http://www.facebook.com/group.php?gid=9920717558



لو معدكيش أكونت على الفيس بوك يكفى الدخول على مدونتى وأضافة تعليق

الشاعر: ظافر ابراهيم said...

صديقي بروم
أنا سعيد بأنك لم تتوقف عن أبداعك بوضع هذه اللوحات الفنية ومجهودك العظيم والممتع والمفيد بالشرح الرائع لكل لوحة
وفعلا هذه اللوحة رائعة جدا ويمكن أن نرى أعتزاز الفنان بنفسه وكبريائه المدهش ويجعلني أتذكر الجملة المشهورة للزعيم أنطون سعادة
( الحياة وقفة عزّ فقط)
وشكرا جزيلا لك أتمنى أستمرارك المبدع

Prometheus said...

عزيزي محمد:‏
الشكر الجزيل لك على تعليقك الطريف والحقيقة أنني قرأته وأنا ابتسم خاصة عندما تحدّثت عن وقفة العزّة ‏والكبرياء التي يقفها الفنان. وهذا مؤشّر على ان مضمون اللوحة يدغدغ المشاعر ويدقّ على الوتر الحسّاس ‏خاصة إذا تذكرنا أن قطاعات واسعة من مجتمعاتنا ينتشر فيها الفقر والبطالة والتفاوت الاجتماعي الكبير بين من ‏يملكون ومن لا يملكون. ومعك حق في ما ذكرته عن الشجرة التي لا يرى الا ظلها في اللوحة. وأصارحك أنني ‏لم ألاحظ هذا في البداية. ‏
شكرا لك على وعيك وقوة ملاحظتك. مع خالص المودة.‏

Prometheus said...

عزيزي فاوست:‏
شكرا جزيلا لك. سأعمل على تنفيذ ما اقترحته.‏
مع خالص المحبة.‏

Prometheus said...

عزيزي ظافر:‏
شكرا لك على مشاعرك، وشكرا اكثر على مرورك ومشاركتك.‏
مع خالص مودتي.‏