Wednesday, November 28, 2007

لوحات عالميـة – 150‏

شابّ يجلس على صخرة أمام شاطئ البحر
للفنان الفرنسـي إيبـوليت فـلانـدران، 1855

في هذه اللوحة، المألوفة إلى حدّ ما والمثيرة للمشاعر، نرى شابّا يجلس فوق صخرة على شاطئ البحر وقد نكّس رأسه إلى أسفل وأسلم نفسه لنوبة تفكير عميق.
الجوّ العام للمشهد يعطي شعورا بالوحدة واليأس والحزن العميق.
ولا بدّ وأن الشاب أتى إلى هذا المكان المنعزل والهادئ بنفس مثقلة بالهموم والآلام والتحدّيات.
إنه هنا في مواجهة مع نفسه وليس أمامه سوى البحر والأفق الممتدّ .. والصمت.
هناك أيضا الهدوء الغامض والحالة التأمّلية التي تطبع المشهد.
لكن أهمّ ما يلفت الانتباه في اللوحة هو أن الشاب يبدو عاريا. غير أن العري هنا جزئي ومحسوب بدقّة بحيث لا يحمل أية إيحاءات ايروتيكية أو حسّية قد تصرف ذهن المتلقي بعيدا عن الموضوع الأساس.
ولهذا السبب عمد الرسّام إلى حجب المناطق الحسّاسة في جسد الشاب وركّز على تمثيل الرأس واليدين والقدمين بأسلوب شديد الواقعية.
ثم هناك وضعية الجلوس في اللوحة. فالشّاب يجلس بهيئة قريبة من هيئة جلوس الجنين في بطن أمّه.
هل لهذه الجزئية مغزى ما؟
قد يكون الفنّان اختار هذه الوضعية لكي يؤكّد على حالة اليأس التي تتملّك الشاب وتوقه اللاإرادي للعودة إلى طور التكوين الأوّل، بعد أن عجز عن مواجهة مشاكل الحياة وهمومها الكثيرة.
إن الانفعالات التي تثيرها اللوحة بالغة النقاء والشفافية ولا تخلو من دلالات نفسية وروحية عميقة، رغم أن مشهد العُري في حدّ ذاته قد يفاجئنا وربّما يثير امتعاضنا لأوّل وهلة.
إن الإنسان لا يمكن أن يواجه مصاعب الحياة بمفرده، بل لا بدّ له من سند ومعين يؤازره ويقف إلى جانبه ويخفّف عنه بعضا من همومه.
هذا هو أحد الدروس المهمّة التي تقدّمها اللوحة.
من جهة أخرى وعلى مستوى الشكل تحديدا، يمكن النظر إلى هذه اللوحة باعتبارها دراسة تحليلية للجسد الذكوري الذي تعامل معه الفنّان كموضوع جمالي وصوّره بطريقة لا تخلو من الرقّة والشاعرية.
وهذا لا يقلل من أهمية المضامين الداخلية، الروحية والسيكولوجية، التي تنطوي عليها اللوحة.
لم يكن إيبوليت فلاندران من الفنانين الذين يميلون إلى رسم المناظر الايروتيكية أو العارية. فقد كان شخصا شديد التقى والتديّن وكانت تغلب على لوحاته المواضيع الدينية والأسطورية.
ورسوماته بشكل عام تتّسم بالصفاء النفسي والنفحة الروحية المشوبة بقدر من التأمّل والغموض الحالم.

موضوع ذو صلة: جماليات الحزن

12 comments:

sema said...

ربما أتيت متأخرة عن العمر بلوحة
لكن هذا لن يردعني عن كتابة تعليق على آخر لوحاتك العالمية
وعلى انتقائك المميز لها

يقولون: ختامها مسك
غير أني أرى ختاما من نوع آخر
ختام تأملي شاعري للوحة أشبه ما تكون كما ذكرت: عودة لا-ارادية
للبداية
او كما يمكن أن تفسر من نظرية العالم النفسي سيجموند فرويد "البحث عن الجنة المفقودة" أن هذه اللوحة تمثل: الحنين للعودة الى رحم الأم

المنظر الخالي من البشر، والشاب الجالس جلسة متكورة، مثلما قلت: تشبه وضعية الجنين في رحم أمه،
قد يكون تعبيرا لا واعيا عن حنين الرسام المباغت للعودة الى ملجا الامن والحماية والسكينة الذي كان ينعم به اثناء مكوثه في رحم أمه، والذي قد نكون جميعنا بحاجة إليه بعد مواجهتنا للعالم الخارجي.


في نفس الوقت، ألاحظ اختيارك المميز عزيزي بروميثيوس لهذه اللوحة، وهو باعتقادي لم يكن محض صدفة
وإنما أرى أنك قمت بإقفال دائرة الحياة، أو دائرة الفن الذي يسبح الى فضاءات بعيدة من الخيال والتعبير والنزف الوجودي، عائدا بنا إلى نقطة البداية، نقطة الأمن والاستقرار والتأمل التي كانت انطلاقة كل رسام، والتي هي في النهاية المكان الذي يبحث عنه حتى تستقر هواجسه المتوترة


كان هذا رأيا خاصا في هذه اللوحة
ولكل منا رأيه أيضا
هذا ما يعطي للفن جمالا وقدسية


بروميثيوس
سعيدة أني انزلقت صدفة، فوجدت نفسي في مدونتك الجميلة
عالم آخر من الفرح والمتعة

أشكرك كثيرا
احترامي لك ولرقيك الفني


أحلام خالد

Prometheus said...

العزيزة أحلام:‏
بالعكس، لم تأتي متأخّرة أبدا. وأنا في الحقيقة سعيد جدّا بكلماتك الرائعة وبتحليلك المعمّق للوحة الذي يفتح آفاقا ‏أخرى للتفكير والتأمّل..‏
حديثك عن فرويد والبحث عن الجنة المفقودة وجدته مثيرا للاهتمام. وأهم منه الفكرة التي ربطت فيها بين ‏موضوع اللوحة وحالة الفنان نفسه. وهو احتمال أرى انه وارد بل وممكن جدّا. ‏
أحلام: أريد أن أشكرك مرّتين، مرّة على حضورك الجميل والمتميّز وعلى كلمات التشجيع ومرّة أخرى على ‏اضاءاتك الرائعة وإشاراتك العميقة التي لا تصدر إلا عن روح شفّافة ونفس مفعمة بحبّ الإنسان وتقدير الجمال.‏
مودّتي لك وأتشرّف أن من بين زائري المدوّنة قارئة مثلك.‏

الشاعر: ظافر ابراهيم said...

العزيز : بروم
لوحة رائعة جدا وشرح أروع
وأنا حزين لأن هذه اللوحة ستكون الأخيرة في مدونتك اللتي أصبحت لدي ضرورية جدا للأتطلاع على الأعمال الفنية واللوحات الشهيرة وشرحها المفصل بهذه الدقة الرائعة وكلمة شكراً قليلة بحقك فعلاً
أرجو أن تبدأ بمواضيع ومواد أخرى مفيدة كمدونتك هذه ولا تبعدنا عن أعمالك وموادك الرائعة ولن أقول شكرا لاني لا أحب التكرار بل أقول أمتناني وخالص تقديري لك ولجهودك الجبارة
تحياتي لك أخي بروم

M.Shaltaf said...

العزيز بروميثوس
لأول مرة أكتب ملاحظة لخامس مرة وألغيها ربما أستطيع كتابة رسالة لك على الايميل

Prometheus said...

العزيز ظافر
بالتأكيد ستكون هناك المزيد من المواضيع الفنية وسيكون مكانها المدوّنة الرئيسية. وبهذه المناسبة أريد أن اعبّر ‏عن خالص امتناني وشكري الجزيل لك على دعمك وتشجيعك الذي لمسته منذ بداية المدوّنة. ولولا كلماتك ‏الأخوية اللطيفة ما قدّر للمدوّنة ان تستمر الى الآن. كما أنني بنفس الوقت أثمّن عاليا دعم كافة الزميلات ‏والزملاء الكرام على وما أبدوه من دعم وتشجيع دائم. مع خالص التحية والتمنيات لكم جميعا.‏

Prometheus said...

العزيز محمد
أنت أيضا تستحق الشكر والعرفان، وبفضل تعليقاتك وملاحظاتك الممتازة استمرّت المدوّنة وستستمر. وعلى ‏كل، لك مطلق الحرية في أن تكتب ما تشاء هنا، كما ان بإمكانك مراسلتي على البريد الاليكتروني. وأهلا وسهلا ‏بك دائما.‏

M.Shaltaf said...

**أرى شبحي قادما من بعيد


أ ُطـــِلُّ كشرفة بيت , على ما أريد
أ ُطـــِلُّ على أصدقائي وهــُم يحملونَ بريدَ
المساء : نبيذًا وخبزًا ,
وبعضَ الرواياتِ والاسطواناتْ ...

أ ُطـــِلُّ على نورس ٍ , وعلى شاحنات جـُنودْ
تــُغيـــٍّرُ أشجارَ هذا المكانْ.


أ ُطـــِلُّ على كلبِ جاري المـُهاجــِر
من كندا , منذ عام ٍ ونصف ...

أ ُطـــِلُّ على اسم " أبي الطَيـــٍّب المتنبي" ,
المسافر من طبريـــَّا إلى مصر
فوق حصان النشيدْ

أ ُطـــِلُّ على الوردةِ الفارسيّة ٍ تصعَدُ
فوق سياج الحديدْ

#

أ ُطـــِلُّ على لغتي بعد يومين , يكفي غيابٌ
قليلٌ ليفتحَ أسخيليوس البابَ للسلم ,
يكفي
خطابٌ قصير ليـُشعل أنطونيو الحربَ,
تكفي
يدُ امرأة ٍ في يدي
كي أعانق حريــــَّتي
وأن يبدأ المدُّ والجــَزْرُ في جسدي من جديدْ


#

أ ُطـــِلُّ كشرفة بيت ٍ ، على ما أريد

أطلُّ على شبحي
قادمــًا
من بعيد ...

محمود درويش

M.Shaltaf said...

لوحة عظيمة بالفعل
أعتقد جازما أن كل من يتأملها بعمق لا بد وأن تترك داخله شيئاً صعبَ التفسير يعكس احساسا داخليا يمثل حالة نفسية تختلف باختلاف الزمان والمكان الذي يعيشه
عندما تأملتها أول مرة انتابني شعور بالندم على ماض لم أذكره منذ مدة وكأنها فتحت نافذة في أفق أطل منه أحباء وذكريات وألم في لحظة واحدة
وبالأمس قبالة بحيرة طبريا التي كنت أراها ولا أنعم بالوصول اليها حضرت اللوحة في ذهني مشعِلة حنينا وغربة وألما لأرض ووطن طال بعدنا عنها حتى غدت حلما وأطلالا نبكيها بصمت خجول
مع كل الجمال والهدوء الذي تحتويه هذه اللوحة الا ان الوحدة والبعد هي عنوان مشاعري تجاهها واعتذر على هذه الصورة السلبية لدي ولكنها الحقيقة

Prometheus said...

الأخ العزيز محمد شلطف:‏
شكرا جزيلا لك على وضع هذه القصيدة الجميلة للشاعر الكبير محمود درويش. وقد أعجبتني أيضا القصيدة ‏الأولى التي بعثتها عبر البريد الاليكتروني ومن فرط إعجابي بها نقلتها الى احد المنتديات. كم هو جميل ان ‏يمتزج الفن بالشعر فالاثنان كما اعتقد رافدان لنهر واحد. ‏
كما اشكرك غاية الشكر على تعليقك على اللوحة فقد استفدت كثيرا من اضافتك الممتازة كما هو الحال دائما مع ‏مداخلاتك وتعليقاتك الاخرى.‏
تحياتي لك.‏

Prometheus said...

العزيزة أحلام خالد:‏
اعتذر إليك عن وضع رابط مدونتك ومن ثم حذفه بعد أن تبيّن لي أن المدوّنة مقتصرة على بعض القرّاء دون ‏البعض الآخر. والحقيقة انه كان عليّ أن استأذنك قبل ان أضع الرابط. لكن سبق وان قرأت بعض القصائد هناك ‏واستمتعت بصورها ومعانيها كثيرا واستنتجت انك شاعرة مبدعة. إنني أرى انه لا ضير أن تعبّر الأنثى عن ‏مشاعرها بشيء من الحميمية والجرأة في حدود ما هو مسموح به. لكني التمس لك العذر في ما اخترته ‏فمجتمعاتنا ما تزال ذكورية في الغالب الأعم وهي تبيح للرجل أن يقول وان يكتب ما يشاء في حين أنها ما تزال ‏تحرّم على المرأة أن تبوح حتى ولو بالحد الأدنى من مشاعرها ومشاغلها كإنسانة أولا وكأنثى ثانيا. ‏
مودتي لك وتمنياتي بالتوفيق دائما.‏

أحـلام خـالـد said...

عزيزي بروميثيوس
أولا أشكرك على ذوقك وتشجيعك في ما أوردته من رأي حول "خربشاتي" المتواضعة في تلك المدونة
حقيقة.. أنت لست بحاجة للاعتذار على حذف الرابط، لأنني قمت باقفال المدونة وجعلها مقتصرة على شخص واحد لأسباب تقنية ليس إلا، وذلك لعدم سيطرتي الكافية على إمكانيات التنسيق والتصميم في المدونة، نظرا لأنني أنشأتها حديثا ولا أعرف إمكانياتها جيدا، لم أستطع أن انسق الكتابة كما أردت، من حيث كبر الخط ولونه ووضع صورة ووضع شريط موسيقي وغيره
لكن الصديق الذي حاول مساعدتي فيها لديه مشكلة هو الآخر في الدخول الى المدونة لأنها ممنوعة في بلاده!! اذا كنت مستعدا لمساعدتي في هذا الأمر سأكون شاكرة لك وبالطبع بعد ترتيبهابشكل لائق سأفرح اذا وضعت رابطا لها.

بالنسبة لأسلوب كتابتي فأنا سعيدة أنك وصفتها بالحميمة، من جهة، ومن جهة أخرى أعجبني نقدك الحذر أن فيها نوعا من الجرأة ولكن في حدود المسموح.. ولكن صدقني حتى لو لم يكن في حدود المسموح فيكفي أني صادقة فيما أكتب مع نفسي أولا ومع الحرف ثانية.
فلسفتي في الكتابة لا تتعدى أكثر من مقولة واحدة: أرى ما أريد
في صدري عصفور يأبى أن يمتثل لقوانين عجيبة تبيح للرجل شيئا
وتمنع عن المرأة أشياء
لهذا أحاول أن ابتعد عن جنون قوانيننا وأجعل "الانسان" في داخلي يتكلم.. لا المرأة ولا الرجل وإنما أنا

أشكرك كثيرا عزيزي
وأرجو لك فرحا كثيرا
بعدد حبات المطر هذا المساء

Prometheus said...

العزيزة أحلام:
شكرا جزيلا لك على استمرار التواصل. وانا أتفهّم دوافعك تماما في ما يتعلق بالمدونة واتمنى أن تكون جاهزة ومتاحة في القريب العاجل بعد التغلب على المصاعب الفنية التي أشرت اليها. والحقيقة ان معلوماتي التقنية في هذا الجانب ليست بأفضل حالا من معلوماتك لكن هذا لا يمنع من المحاولة وسأكون مسرورا بالتأكيد ان بدا لي أنني استطيع المساعدة.
بالنسبة للجزئية الواردة في تعليقك عما ذكرته انا عن "الحد المسموح" فالحقيقة أنني لم اكن اخصّك أنت بالذات إنما كان حديثي عموميا وبالمطلق، وإلا فانا لا أرى في ما قرأته ما يمكن ان يشكل تجاوزا او خروجا عن المسموح. وارى انه عندما ينصرف الشعر للحديث عن المشاعر والتجارب الذاتية فانه لا مجال للحديث عن حدود او قيود ما. فالشاعر، ذكرا كان ام أنثى، يحق له ما لا يحق لغيره ونعرف ان الشعراء بارعون كثيرا في استخدام اللغة وتطويع فنون الاستعارة والمجاز في التعبير بطريقة التلميح التي قد تغني احيانا عن التصريح. واذكر أنني منذ فترة قرأت قصيدة رائعة لشاعرة أمريكية تتحدث فيها عن مشاعرها وتجاربها الذاتية بأضعاف أضعاف ما يمكن ان تتحدّث به أية شاعرة عربية في وصف عواطفها وأشيائها الحميمة. ومع ذلك كانت صورها بديعة ومثيرة للاهتمام وكان هناك مزج فريد بين الحسّي والأفكار التأملية والفلسفية.
المرأة في ثقافتنا ما تزال للأسف سجينة للكثير من المنافي الجبرية والاختيارية، والتعبير بالكلام قد يكون احد وسائلها للتمرّد على الواقع وتحدّي التابوهات والقيود التي ما تزال تكبّل حرّيتها وتصادر إنسانيتها وحقها في ان يكون لها كينونتها المستقلة ودورها الفاعل في الإنتاج والإبداع وفي الحراك الاجتماعي بشكل عام.

مع تمنياتي لك بدوام التوفيق.