Wednesday, November 14, 2007

لوحات عالميـة - 146‏

بــرج بــابـــل
للفنـان الهولندي بيـتر بـريغــل الأبّ، 1569

ارتبط اسم بابل تاريخيا بالقائد نبوخذ نصّر وبالحضارة السومرية. وقد تحوّلت هذه المدينة إبّان حكمه إلى اكبر حواضر العالم القديم.
وفي ما بعد أصبحت بابل جزءا من مملكة النمرود. وفي عهده بدأ بناء البرج الذي اقترن باسم المدينة وأصبح في ما بعد إحدى عجائب الدنيا السبع.
حدث هذا في ما بين القرنين السادس والسابع قبل الميلاد، أي بعد فترة قصيرة من وقوع حادثة الطوفان.
تقول المصادر التاريخية إن من نجوا من طوفان نوح وجدوا في بابل ملجئا وملاذا لهم.
كانوا يتحدّثون لغة واحدة ويعيشون معا في سلام. لكن الملك النمرود كان واقعا تحت هاجس الخوف من أن يتفرّق الناس ويتوزّعوا على الأرض، تنفيذا لأوامر الربّ الذي دعاهم لتكثير النسل والسير في مناكب الأرض لتعميرها.
لذا قرّر النمرود بناء برج عظيم يطاول السماء واختار أن يُبنى على قمّة البرج معبد كي يكون المؤمنون قريبين من الله، وبذا يجدون ما يشدّهم إلى أرضهم ويرغّبهم في البقاء فيها.
ولوحة بيتر بريغل الأبّ هي أشهر عمل تشكيلي يتّخذ من تلك الحادثة موضوعا له. وأهم ما يلفت الانتباه في اللوحة هو تركيز الفنان على إبراز عظمة البناء الهندسي والمعماري والزخرفي للبرج.
والبناء نفسه، بجدرانه وطوابقه وأعمدته وأقواسه، هو الذي يحتلّ كامل مساحة اللوحة تقريبا، حيث لا أشياء ولا تفاصيل أخرى يمكن أن تصرف الاهتمام عن هذه الكتلة الهائلة من الطين واللبن التي تلامس ذروتها الغيم. اللهم إلا إذا استثنينا منظر النمرود في أسفل اللوحة وهو يعاين المكان مصحوبا بأفراد حاشيته، فيما راح بعض الأشخاص يسجدون عند قدميه علامة الخضوع والطاعة.
الروايات الإنجيلية تذكر أن البرج كان آية في الإعجاز والفخامة، حتى أن الربّ اضطر إلى أن يغادر عرشه وينزل إلى الأرض ليرى ماذا كان البنّاءون يصنعون. وعندما أدرك حقيقة الأمر، أرسل على الفور ريحا مدمّرة أطاحت بالبناء الهائل وحوّلته بلمح البصر إلى أنقاض.
أما المصادر التوراتية فتشير إلى أن أكثر من ثلث من شاركوا في تشييد البرج قد "مُسخوا إلى مخلوقات شيطانية" قبل أن يُنفوا إلى مكان ناء من الأرض عقابا لهم على عصيان أوامر الربّ!
من الواضح أن بريغل نفّذ لوحته بقدر كبير من الإتقان، كما انه أولى التفاصيل فيها اهتماما خاصا.
لكن الناظر إلى البرج لا بدّ وان يتخيّل انه كان أطول بكثير مما يبدو في اللوحة، إذ يقال بأن طوله كان يربو على الـ 300 قدم عند انجازه.
من الأمور التي يمكن أيضا ملاحظتها في اللوحة ميلان البرج جهة اليسار وتساقط بعض الأقواس والجدران والكتل من أماكنها.
وربّما كان هذا يؤشر إلى أن الرسّام كان يعتقد بأن البرج انهار من تلقاء نفسه وبسبب عيوب هندسية وبنائية، وليس بفعل قوى ميتافيزيقية أو معجزات غيبية كما ساد الاعتقاد دائما.
ومن الأمور اللافتة الأخرى أن البرج بُني على حافّة النهر حيث الأرض هشّة وليّنة، ولم يُبنَ على جبل مثلا. وفي هذا إشارة أخرى إلى أن البرج كان يعاني أصلا من عيوب بنيوية أو هيكلية هي التي تسبّبت في تصدّعه ومن ثم انهياره.
بعض المؤرّخين يعتقدون أن قصّة ربط نهاية البرج بغضب الله نشأت عندما جيء باليهود أسرى إلى بابل. وقد رأوا البرج وهالهم منظره وعظمة بنائه وظنوا أن الغاية من إنشائه هي الوصول إلى الله فأحسّوا بالخوف من الفكرة.
وعندما عادوا من بابل نقلوا معهم ذلك الاعتقاد وروّجوه على نطاق واسع حتى ترسّخ في أذهان العامة وأصبح حقيقة لا تقبل الجدل.
والواقع أن الإنسان لا بدّ وأن يتساءل إن كان البابليون، وهم أصحاب حضارة عريقة ابتدعت القوانين والكتابة وأسرار الفلك، كانوا فعلا على ذلك المستوى من السذاجة بحيث يتصوّرون أن بإمكانهم الوصول إلى الله ومواجهته عيانا.
في العصور اللاحقة أصبحت حادثة برج بابل رمزا لخطيئة الإنسان وتطاوله على مشيئة الخالق.
أما لوحة بريغل نفسها فكثيرا ما يتمّ استحضارها عند الحديث عن أهمية التنوّع الثقافي واللغوي ودور تكنولوجيا الاتصالات الحديثة في ربط الشعوب بعضها ببعض رغم الحواجز الجغرافية واختلاف الأديان واللغات والثقافات.

موضوع ذو صلة: أعمى يقود عميانا

12 comments:

إيمان الحمد said...

مدوّنة سامقة..ألوانها دافقة..

إنها الحياة..تنبض حباً..إحساساً..إدراكاً..
جمالاً..حيرةً..دهشة..

في الحقيقة هي قوقل الفن..
^_^

لمْ أفْرحْ يوماً كفرحي بالمرور على شواطئها حيث اللون يُعانق الحرف

شكراً أخي..متااااااابعون

الشاعر: ظافر ابراهيم said...

لوحة جميلة جدا
بصراحة أول مرّة بشوفا
وفيها دقة متناهية وأفكار ورسوم متعددة
شكرا أخي بروم شكرا

M.Shaltaf said...

أحييك على جهودك الخارقة

حقيقة لست بناقد فني ولكنها لوحة تتحدث عن نفسها دون حاجتي الى اية معارف
فنيـّا :أذهلتني دقة وحجم التفاصيل في هذه اللوحة بداية ثم اضافة الكثير من عناصر الحضارة لذلك العصر فنشاهد عدة أنواع للسفن ووجود ميناء لهاوعدة طرق للبناء والاعمار فكأنه يرسم التاريخ بأكمله، طبعا هذا كله لا يتعارض مع إشارتك بأن البناء يحتل معظم مساحة اللوحة
وأخيرا أرجو منك أن توضح أكثر علاقة هذه اللوحة بربط الشعوب ببعضها رغم اختلاف الاديان واللغات هل لأن الهدف من البناء تطاول على الخالق وهو مرفوض باجماع الكل؟ أم أنني فسرتها بطريقة خاطئة؟

وأعتذر ان أطلت بالكتابة

Prometheus said...

العزيزة إيمان:‏
شكرا جزيلا وأهلا وسهلا بك مرّة أخرى.‏

Prometheus said...

العزيز ظافر:‏
أهلا وسهلا بك. الحقيقة أن اللوحة مشهورة جدّا وقد تكون أكثر شهرة من صاحبها. وقد فاتني التنويه إلى أن ‏بروغيل رسم لوحة أخرى اصغر من هذه عن نفس الموضوع لكن مع اختلاف بسيط في التفاصيل.‏
تحياتي لك.‏

Prometheus said...

العزيز محمّد:‏
أشكرك كثيرا على ملاحظاتك الممتازة. وسؤالك الذي أوردته في نهاية كلامك له ما يبرّره. ‏
وربّما لم أوفّق في صياغة كلامي بالشكل الصحيح. ودعني أوضح الأمر بعض الشيء. ‏
الفكرة التي حكمت بناء البرج كانت الخوف. ‏
الخوف من أن ينتشر الناس في الأرض ويتحوّلوا إلى قبائل وجماعات مع ما قد ينجم عن ذلك من تمايزات وربّما ‏صراعات. ‏
ثم هناك الخوف من تلاشي أهمية بابل واضمحلال دورها في ما لو هجرها أهلها الذين يتحدّثون نفس اللغة ‏وتجمعهم نفس الثقافة. ‏
العقل الحديث اليوم لا يرى أن انتشار الناس وتوزّعهم على بقاع جغرافية متباعدة يعدّ سببا للتوجّس والخوف. ‏
إذ الأصل أن يتمايز الناس ويختلفوا في لغاتهم وثقافاتهم وخلفياتهم ومنابتهم، ولولا اختلافهم لما كان هناك سبب ‏أصلا لان يتواصلوا ويتعاونوا ويسهموا جميعا في بناء الحضارة. ‏
هذا هو بالضبط ما قصدته وهو يتماشى مع أوامر الله للناس بان يسيروا في الأرض ويشتركوا في بنائها ‏وإعمارها.‏
بقيت جزئية الربط ما بين موضوع اللوحة وتكنولوجيا الاتصالات الحديثة. كيف؟ ‏
هذه النقطة بحاجة أيضا إلى توضيح. ‏
تعرف انه قيل إن غاية البابليين من بناء البرج كانت "الوصول" إلى الله أي الاتصال به. ‏
وقد كانت تلك الحادثة أول مظهر من مظاهر تجسيد تلك الفكرة. أي فكرة الاتصال والتواصل بدلالاتها الواسعة ‏والمجرّدة. وتكنولوجيا الاتصالات الحديثة كرّست الفكرة وحوّلتها إلى واقع معاش من خلال الانترنت والبثّ ‏الفضائي وغيرهما من وسائل الاتصالات الحديثة التي جعلت ربط البشر بعضهم ببعض أمرا ممكنا رغم البعد ‏الجغرافي والتمايزات اللغوية والاجتماعية والثقافية.‏
والمغزى الكامن في اللوحة، واستطرادا في دلالات قصّة البرج نفسها، هو أن اختلاف الناس في الجغرافيا واللغة ‏لا يعدّ سببا يمنعهم من التواصل والتعاون والبحث عن تحقيق المصالح والمنافع المشتركة. ‏
هذا بالضبط ما قصدته. وأرجو أن أكون قد وفّقت في شرح الفكرة هذه المرّة.‏
مع خالص تحياتي لك.‏

M.Shaltaf said...

عزيزي بروميثوس
لقد أبدعت حقا وأفدتنا بشرحك واوضحت ما كنت اسأل عنه
لأول مرة انجذب الى موقع فني بهذا الاندفاع والسبب هو عطاؤك اللامتناهي لتثقيف القاريء العربي البعيد في معظمه عن هذا الابداع الفني
فألف شكر وأمنية بالاستمرار

Anonymous said...

المتألق دوماً سارق النار
يالروعة هذه اللوحة ويالجمال هذه الألوان الدافئة .. لقد حلقت روحي بين ثناياها ولم أرغب في الإفاقة من هذا الحلم الجميل..


متابعة بشوق لك جديد تضيفه هنا
شكرا لك

fawest said...

بجد أنت تستحق لقب سارق النار
و أعذرنى أنى أخذ منها قبس
ففى لوحه الصرخه لمونيك
أفادنى جدأ شرحك و ذكرك للوحه فى فهمى لروايه أسمها 22 دلرجه مئويه
فقد كنت فى ندوه و طلب منى مناقشه الروايه
وكانت لوحه مونيك على الغلاف
فقرأت تعليقك وبنيت عليه نقدى للروايه
وكان الكل منتبه لكل ما أقول و تأويلاتى و الفضل يرجع لك
و الان أيضا
فأنا الان أحضر دراسه عن روايه نائل الطوخى
بابل مفتاح العالم
وسيفيدنى كلامك جدا
و إذا لم أستأذنك فى المره الاولى فأنا أستأذنك الان
و إذا نشرته على البلوج سأذكر أسم مدونتك وأسمك

Prometheus said...

عزيزي محمد:‏
شكرا جزيلا لك على مشاعرك الطيبة وثق بأنني أعوّل كثيرا على ملاحظاتك وتساؤلاتك الممتازة لانني استفيد ‏منها دائما.‏

Prometheus said...

Anonymous
شكرا لك على مرورك وتعليقك وأهلا وسهلا بك دائما.‏

Prometheus said...

عزيزي فاوست:‏
الشكر الجزيل لك، والمدوّنة اعتبرها مدوّنتك وتستطيع ان تقتبس منها ما تشاء وطبعا سأكون ممتنا كثيرا لو ‏أشرت إليها في كتاباتك أو نقاشاتك.‏