Tuesday, September 04, 2007

لوحات عالميـة - 129‏

جــــــان دارك
للفنّان الفرنسي جول باستيان ليباج، 1880

كانت جان دارك فتاة ريفية بسيطة وغير متعلّمة. لكن لأنها تأثّرت بوالدتها فقد نشأت كاثوليكية متديّنة، وكانت تصرف الساعات الطوال في التجوال في الغابات والحقول لوحدها مصلّية متأمّلة.
وفجأة وقع حادث غيّر مسار حياتها رأسا على عقب، وتمثل في غزو انجلترا لأراضي فرنسا خلال ما عُرف بحرب المائة عام.
في ذلك الوقت كانت هناك نبوءة راجت بين الفرنسيين مفادها أن فرنسا ستُحتلّ بسبب امرأة وستتحرّر على يد امرأة.
تقول بعض المصادر التاريخية إن جان دارك كانت مستبصرة، أي أنها كانت تتوقّع الأحداث المستقبلية قبل وقوعها بفضل الأصوات التي كانت تسمعها والرؤى التي كانت تراها.
وفي أحد الأيام أخبرت والدها أنها رأت نورا آتيا من السماء مصحوبا بأصوات تخبرها بأن تحرير البلاد سيكون على يديها.
وتكرّرت الرؤيا مرارا وصارت جان دارك تتحدّث عن قدّيسين وقدّيسات يظهرن لها في الحقول والغابات.
ولما كان الناس آنذاك ميّالين لتصديق مثل هذه القصص، فقد اعتبروا ما روته لهم جان دارك معجزة إلهية.
في هذه اللوحة نرى جان دارك تتجوّل في حديقة منزلها حيث كانت تمارس الصلاة والتأمّل مصغية إلى الأصوات العلوية، فيما تظهر وراءها بين الأشجار أطياف وظلال لقدّيسين وملائكة ينقلون إليها تعاليم السماء وندبها لها بأن تتولّى تلك المهمّة الخطيرة.
مع مرور الأيام، تعلّمت جان دارك فنون القتال وفي مرحلة لاحقة تمكّنت من الاتصال بالملك شارل، فعهد إليها بقيادة الجند الذين استطاعت كسب ثقتهم وأقنعتهم بأن النصر قادم على يديها بمؤازرة الملائكة والقوى الغيبية.
لكن الانجليز لم يطمئنوا لتصرّفات المرأة وظنّوا أنها ساحرة، ومما زاد في انزعاجهم تزايد حظوظها عند الناس وتقديسهم لها وتصديقهم لدعاواها.
وفي ابريل من عام 1429 سيّرت جان دارك جيشا باتجاه اورلينز فحرّرتها وتمكّنت من طرد الانجليز منها.
وتكرّست أكثر فأكثر صورة المرأة في أذهان العامّة الذين أصبحوا ينظرون إليها باعتبارها منقذا ومخلصا أرسله الله إليهم.
لكن في السنة التالية وقعت جان دارك في اسر الانجليز ولم يفعل الملك شيئا من اجل إنقاذ حياتها بسبب ضعفه وتخاذله.
وقدّمت للمحاكمة في نفس العام بتهمة السحر والهرطقة وأعدمت حرقا عام 1431 بعد مصادقة الكنيسة الانجليزية على الحكم.
من بين ما يجذب العين في هذه اللوحة الجميلة تفاصيلها الكثيرة وتناغم الألوان فيها. ومن الواضح أن الرسّام قام بصهر الألوان وإذابتها في مقدّمة وخلفية المشهد من خلال استخدام طبقات متعدّدة من الألوان والظلال من اجل إعطاء الناظر إحساسا حقيقيا بسحر الطبيعة ولتكثيف الجوّ الواقعي للقصّة والتأكيد على حضور العناصر الدينية والروحية والميتافيزيقية في المشهد.
ثم هناك بساطة هيئة المرأة، فملابسها عادية جدا: تنّورة بنية طويلة وقميص ازرق غامق وياقة بيضاء. وهذه التفاصيل تشي ببيئتها الزراعية وبالطبقة الفقيرة التي أتت منها.
ومما يلفت الاهتمام أيضا في هذه اللوحة عينا المرأة اللتان تشعّان بالثقة الممزوجة بالحزن على ما آل إليه مصير بلدها.
بعد مرور ربع قرن على إعدام جان دارك، طالبت عائلتها بإعادة محاكمتها وثبتت براءتها من التهم التي نُسبت لها.
وفي القرون اللاحقة تحوّلت هذه المرأة إلى أسطورة وأصبحت سيرة حياتها موضوعا خصبا للفنّانين والشعراء والروائيين والموسيقيين. كما ظهرت العديد من الأفلام السينمائية التي تتحدّث عنها وعن بطولاتها.
أما باستيان ليباج فلا يُعرف عنه الكثير، باستثناء انه توفّي وعمره لا يتعدّى السابعة والثلاثين.
وفيما عدا هذه اللوحة لا يكاد يتذكّره اليوم أحد.

6 comments:

بحرينية said...

عرفت دارك اول مرة عندما كنت بالصف الثاني الابتدائي في شهر رمضان عندما كان يعرض على تلفزيون البحرين مسلسل الاطفال " صانعو التاريخ " حيث كان يستعرض سيرة حياة شخصية تاريخية كل حلقة بتمثيلها و من ثم يطلب من المشاهدين المشاركين في المسابقة ارسال اسم الشخصية
كانت شيماء سبت هي من مثلت دور جان دارك
قصتها حلوة و شي جميل انها جسدت بلوحة
شكرا بروميثيوس على العرض

الشاعر: ظافر ابراهيم said...

قصة جان دارك من أجمل القصص في تاريخ القرون الوسطى
وأود أن أضيف أن بعد حرق جان دارك بتهمة الهرطقة بـ 500 عام نصبتها الكنيسة قديسة أو بالأصح طوبتها الكنيسةعام 1909 و ,رسّمتها قديسة عام 1920 ميلادية .
ومن خلال هذه القصة نرى إحدى تناقضات الكنيسة في ذلك الوقت .....
شكراً جزيلاً لك

sara... said...

ل حه جميله جدا
شك ا

Prometheus said...

بحرينية:‏
شكرا لك على المعلومات القيمة، والحقيقة ان جان دارك ومثلما اشرت في الموضوع كانت موضوعا ‏للكثير من الاعمال الدرامية والمسرحية ، وشيء جميل ان نقرأ ان نشاهد عملا دراميا عنها وعن ‏حياتها في التلفزيونات العربية
تحياتي لك

Prometheus said...

اهلا ظافر. وشكرا لك على المعلومة المفيدة. وجه المفارقة في ما ذكرته هو ان الكنيسة طوبتها واعلنتها قديسة ‏في الوقت الذي كان اعدام المرأة بتلك الطريقة الوحشية تنفيذا لحكم كنسي صادقت عليه كنيسة انجلترا في حينه
تحياتي لك

Prometheus said...

سارة
شكرا جزيلا لك واهلا وسهلا بك