Wednesday, August 29, 2007

لوحات عالميـة - 128‏

تمثـال سينـت تيريـزا
للنحّات الإيطالي جيان لورنزو بيرنيني، 1652

يمكن اعتبار جيان لورنزو بيرنيني أشهر نحّات أوربّي ظهر في القرن السابع عشر.
وقد وصلت موهبة بيرنيني أوج نضجها عندما فرغ من انجاز هذا التمثال الذي وضع في ما بعد في كنيسة كورنارو بروما وما يزال فيها حتى اليوم.
والتمثال يصوّر قصّة عشق صوفية روتها الراهبة الاسبانية المشهورة سينت تيريزا في كتاب سيرتها الذاتية.
تقول القصّة إن الراهبة رأت ذات ليلة ملاكا جميلا يقف إلى جوارها وفي يده سهم ذهبي في طرفه لهب مشتعل. ولم يلبث الملاك الصغير أن غرس السهم في قلب الراهبة وعندما انتزعه من صدرها خيّل لها انه انتزع أحشاءها معه. كان الألم رهيبا، بحسب الراهبة، لكنه كان مصحوبا بلذّة عظيمة تمنّت لو أنها لا تغادرها أبدا.
والواقع أن التّراث الصوفي بمجمله يتحدّث كثيرا عن الحب الإلهي وعن السُّكْر الروحي وكيف أن الألم يمكن أن يسعد صاحبه من حيث يشقيه ويعذّبه لأنه يتحوّل بفعل الشوق والمكابدة إلى لذّة.
وفي قصائد الشعراء المتصوّفة إشارات كثيرة تحيل إلى هذا المعنى.
وفي العصر الحديث كثرت المقولات والنظريات الفلسفية والأخلاقية التي تقرن ما بين اللذّة والألم باعتبارهما صنوين لا يفترقان.
في التمثال يبدو الملاك المجنّح وهو يسحب السهم من جسد الراهبة بينما تتراجع هي متثاقلة إلى الوراء بفم مفتوح وعينين مغمضتين وقدمين عاريتين تحت تأثير الشعور بالافتتان والنشوة.
هذه الكتلة الضّخمة من الرّخام الذي استحال بفضل عبقرية بيرنيني إلى لحم بشري ناعم، قد لا ينطبق عليها وصف العمل النحتي بمعناه التقليدي، إنها اقرب لأن تكون صورة مشهدية مكوّنة من نحت ورسم وضوء.
والتمثال يعبّر عن رؤية بيرنيني التي تتداخل فيها العناصر المعمارية والزخرفية ضمن فراغ هندسي تنصهر فيه القيم الجمالية وتتوحّد.
وقد كان بيرنيني نفسه مهجوسا بفكرة السيطرة على منحوتاته، ولهذا السبب ركّز على فنّ العمارة فدرس أشكالها وأسرارها وجمالياتها المختلفة.
في المشهد تبدو الراهبة مرتدية ثوبا يغطّيها من الرأس إلى القدمين، أما الملاك فيظهر وقد انحسر رداؤه عن احد منكبيه بينما راح الضوء الخفيف يتسلل عبر النافذة المفتوحة خلفهما.
وحالة النشوة هنا يمكن أن يعبّر عنها شلال الخيوط الذهبية المتساقطة من أعلى أكثر من تعابير الوجه أو ارتعاش اليدين والقدمين.
أما القدّيسة تيريزا نفسها فقد عاشت في فترة شهدت أوربا خلالها الكثير من الاضطرابات الدينية والسياسية، وكانت حياتها مضرب المثل في الزهد والتقشف وألفت العديد من الكتب والرسائل التي تتحدّث فيها عن الوسائل المؤدّية إلى التوحّد مع الله والفناء في محبّته، على نحو يذكّرنا برابعة العدوية أشهر امرأة متصوّفة في تاريخ الإسلام.

موضوع ذو صلة: بيرنيني.. عندما ينطق الحجَر

7 comments:

fawest said...

التمثال دة كان لية وجود فى ملائكة و شياطين ل دان براون
وكنت مش متصورة بالجمال دة
بحق شوية اللى قالتة الرواية عن بريتنى
بس هم قالوا انهم كانوا يستعينوا بتلاميذ كثيرة ليتموا العمل
اى ليس عمل فردى حتى لو كان هو المهندس و المبدع للعمل
هل هذا صحيح
شكرا على مدونة تتيح لنا التعرف على الفن الجميل
ويا ريت الصور تكون اكبر او نقولى لينكها

الشاعر: ظافر ابراهيم said...

تمثال رائع جدا جدا
كتمثاله : أبوللو ودافني اللذي يعد أفضل مثال على براعة بيرنيني
فعلا أعماله تستحق التقدير بشكل خاص
شكرا على مجهودك يا بروميثيوس
من المتابعين ليس دوما بل يومياً
شكرا لك

بحرينية said...

افهم من كلامك ان التصوف موجود حتى عند المسيحيين
>>> معلومة جديدة و مفيدة
شكرا لك على البوست يابروميثيوس

Prometheus said...

الأعزاء ‏

Fawest
للأسف لم اقرأ الرواية التي أشرت إليها. لكني اعرف أن دان براون بنى بعض رواياته على أعمال فنية ذات ‏مواضيع دينية.‏
اتفق معك على أن الكثير من الأعمال النحتية نفذها أكثر من فنان، لكن جرت العادة أن يركّز على الفنان صاحب ‏الفكرة فيوضع اسمه على التمثال وتهمل أسماء الباقين. ‏
سأعمل قدر الإمكان بنصيحتك. مع خالص التحية.‏

Prometheus said...

الشاعر ظافر ابراهيم
شكرا جزيلا لك. ممتن كثيرا لحضورك وتعليقك.‏
مع خالص الشكر.‏

Prometheus said...

بحرينية:‏
هو بالفعل كذلك. التصوّف موجود تقريبا في كافة الاديان والعقائد وليس مقتصرا على ديانة دون أخرى.‏
مع خالص المودة.‏

hartaka said...

برومثيوس

شكرا علي المقالة الرائعة
شاهد هذا اعتقد انه سيعجبك
http://hartaka.blogspot.com/2010/03/blog-post_12.html#comments