Wednesday, October 19, 2011

لوحات عالميـة – 297

بورتـريه اليزابيـتا مارتيـنوفا (أو سيّدة بفستان ازرق)
للفنان الروسي كونستنـتين سومـوف، 1900


دخلت هذه اللوحة تاريخ الرسم الروسي باسم السيّدة ذات الفستان الأزرق وأصبحت احد أكثر الأعمال الفنّية الروسية نجاحا في نهاية القرن التاسع عشر. وقد رسمها الفنّان كي يجسّد من خلالها نظرته عن كلّ ما هو سامٍ وشاعري في الحياة اليومية.
كونستنتين سوموف يحتلّ مكانة بارزة في الرسم الروسي. وقد ظلّ طوال حياته يعكس عالمه الخاصّ في أعماله. وكان يضع شخصيّات لوحاته في أزمنة وأحياء سانت بطرسبيرغ القديمة.
عاش سوموف وعمل في زمن صعب ومليء بالتناقضات. في ذلك الوقت، كانت كثير من الأفكار الاجتماعية قد أصبحت متقادمة. وكانت هناك أفكار وقيم جديدة في طور التشكّل.
الرسّامون الروس آنذاك كانوا منجذبين إلى فكرة رسم لوحات تصوّر حالات من التأمّل الحزين. وكانت تلك الرسومات تعكس خيبة أمل الفنّانين والمثقّفين وقتها واستياءهم من الحياة البورجوازية وتكالب الأفراد على جمع الثروة بأيّ وسيلة. وكان هناك سبب آخر للحزن، وهو إحساس الفنّان والمثقّف بأن تحقيق السلام على مستوى الفرد والمجتمع أمر لا يمكن تحقيقه أو بلوغه. وإذن، لا حلّ سوى الهرب من العالم المادّي إلى عالم الأحلام والرؤى المثالية.
ومن الواضح أن سوموف، أيضا، لم يكن سعيدا بزمنه. كان من تلك النوعية من المبدعين الذين يفضّلون الانفصال عن واقعهم بسبب عدم رضاهم عنه أو انسجامهم معه، لكنهم لا يتبنّون مواقف ثورية لتغيير الواقع، بل ينصرفون بكليّتهم إلى الطبيعة فيغرقون في عالمها الساحر والأنيق.
ولهذا السبب قرّر سوموف أن يعود مائة سنة إلى الوراء وأن يعبّر عن أفكاره وتصورّاته الطوباوية في لوحات تستمدّ أجواءها وتفاصيلها من الماضي.
ومن اجل هذه الغاية عكف على دراسة الموسيقى والشعر والنثر والفنّ الذي كان سائدا في القرن الثامن عشر. ووجد في موسيقى غلوك وموزارت احد مصادر إلهامه.
والعديد من رسوماته تصوّر شوارع داكنة وسماوات مظلمة وقطع أثاث من الطراز القديم. ومع ذلك يمكن القول أن سوموف هو الأقرب إلينا اليوم من أي رسّام آخر ممّن عاصروه.
في هذه اللوحة يرسم سوموف اليزابيتا مارتينوفا زميلته في كلّية الفنون الجميلة. وقد رسمها وهي ترتدي فستانا ازرق قديما وتمسك بيدها كتابا، قد يكون رواية أو ديوان شعر، بينما تقف عند طرف حديقة غنّاء. ثم قرن الرسّام المشهد بصورة من عالم الموسيقى على هيئة عازفَين، رجل وامرأة، يظهران في الخلفية.
مارتينوفا تبدو وحيدة في هذه الحديقة. عيناها تنطقان بالحزن فيما الأشجار تحجبها عن بقيّة العالم. حركة يدها اليسرى المضمومة إلى صدرها توحي باليأس والضعف. الوقت مساءً كما يوحي بذلك منظر الغيوم الحمراء الخفيفة في السماء والسطح الداكن لماء البحيرة.
جوّ اللوحة يذكّر بمقاطع بعض الأفلام التي تصوّر أشخاصا يجلسون على المقاعد ويعزفون الموسيقى، لا لإثارة البهجة والمرح وإنما لتعميق الإحساس بالوحدة والحزن.
الرجل والمرأة اللذان يعرفان الموسيقى في الخلفية قد يكونان رمزين لروحي الرسّام وموديله اللذين يرتبطان في الأحلام لكنهما غريبان عن بعضهما في عالم الواقع.
لا تتوفّر سوى معلومات قليلة عن حياة هذه المرأة. لكن الثابت أنها ولدت عام 1868 لعائلة كان أفرادها يعملون في الطبّ. كانت عندما رسمها سوموف مريضة بالسلّ. ورغم مرضها، كانت تحبّ الرسم وتحلم بالشهرة والنجاح. وعندما تخرّجت من أكاديمية الفنون أصبحت من النساء الأوائل اللاتي اشتغلن بالرسم.
كانت اليزابيتا مارتينوفا تحلم بمستقبل عظيم. لكنّها توفّيت قبل أن تحقّق أيّا من أحلامها. ويرجّح أنها توفّيت بعد رسم اللوحة بخمس سنوات عن عمر لا يتجاوز الثلاثين عاما.
كلّ شيء تقريبا في هذه اللوحة هو تعبير عن الماضي: الفستان ذو اللون الأزرق الباهت، اللون الأصفر الخفيف الموظّف في اللوحة والمستمدّ من أساليب الرسّامين الكبار القدامى، وأشكال الأوراق الخضراء المأخوذة من الرسومات القديمة.
من الأشياء التي تلفت الانتباه في اللوحة بشكل خاص جمال وتناغم الألوان، والحركة المعبّرة لليدين المرسومتين بطريقة جميلة، والطريقة البارعة التي رسم بها الفنّان طيّات الفستان الثقيلة والمزيّنة بالدانتيل.
كان سوموف يعتقد أن الحياة ليست سوى مجرّد قناع للعدم. وكان يدرك بحزن عمق عزلته عن العالم من حوله. ولا بدّ وأنه كان يقدّر معاناة المرأة ويتعاطف معها. وقد استطاع أن يحوّل شعورها بالوحدة والمرض إلى نوع من الشعر.
ذات يوم، علمت اليزابيتا مارتينوفا أن سوموف يفكّر في بيع صورتها. فأرسلت إليه أن يأتيها. وعندما حضر أخبرته أنها لم تعد تنام بسبب اللوحة وما سبّبته لها من أفكار مشوّشة. ثم عاتبته على عزمه بيع اللوحة وقالت: لا يجب أن تبيع صورتي. لقد وقفت أمامك من أجلك ومن اجل الفنّ، وليس لكي تستكشف الحزن في عيني وفي حياتي. بإمكانك أن ترسمني ثانية، وأعدك بأن أحاول أن أبدو مبتسمة كي اقنع من يراني أنني انظر إلى الحياة بشكل مختلف. لا أريد هذه اللوحة، احتفظ بها لنفسك، احرقها، أو أعطني إيّاها إذا رغبت، أو امنحها للمتحف بلا مقابل".
وقد استجاب سوموف لطلب المرأة وعرض اللوحة على متحف تريتياكوف الذي اشتراها وبقي محتفظا بها إلى اليوم.
ولد كونستنتين سوموف في سانت بطرسبيرغ عام 1869م لعائلة من الرسّامين والموسيقيين. وكان منزل والده مزارا للعديد من الفنّانين والأدباء.
وقد درس الرسم على يد الفنّان الكبير ايليا ريبين. وفي العام 1897، غادر روسيا إلى باريس وقضى فيها عاما عاد بعده إلى سانت بطرسبيرغ. وبعد اندلاع الثورة الروسية، هاجر إلى الولايات المتحدة وأمضى فيها حوالي العام. لكن الاستقبال الفاتر الذي قوبل به هناك دفعه إلى الانتقال مرّة أخرى إلى فرنسا حيث عاش فيها السنوات العشر الأخيرة من حياته.
بعض لوحات سوموف الأخرى يصوّر فيها حفلات تنكّرية يظهر فيها سحرة ومهرّجون ورجال ونساء يرتدون الأقنعة، على نحو يذكّر بلوحات رسّام الروكوكو الفرنسي اونوريه فراغونار.
وإحدى أشهر لوحاته التي أنجزها في باريس كانت البورتريه الذي رسمه للموسيقي الروسي سيرغي رحمانينوف.

2 comments:

ibrahim abu touq said...

على الفنان ان يكون مرأءه لعصره ,,,,على الرغم من تناقضات الحياه التي يزدري بها الفنان في كثير من اسقاطته النفسيه على مجمل تخربته....ان الهروب الى العالم الوردي ما هو الا حاله من خالات التصوف الروحي الدي يمر به الفنان من فتره الى اخرى ولكن عليه ان يترجم تلك الرؤى على العمل لان تلك الرؤى عاده ما تحمل رسائل مستقبليه ....ومن هنا يكون الابداع

Prometheus said...

أحسنت يا عزيزي. لكن هل على الفنّان فعلا أن يكون مرآة لعصره؟ أليس الفنّ في الأساس انعكاسا لمشاعر وأفكار الفنّان نفسه؟ اعتقد انك أثرت سؤالا مهمّا يقع في قلب العملية الإبداعية والإجابة عنه ليست واحدة بل هناك إجابات متعدّدة ومتباينة.
مع خالص تحيّاتي ومودّتي لك.