Tuesday, May 05, 2009

لوحات عالميـة - 193

يـدان مرفوعتـان بالـدعـاء
للفنان الألماني البـريخـت ديورر، 1508

بعض الأعمال التشكيلية تشدّك بحمولتها الروحية وبمغزاها الإنساني العميق رغم بساطة شكلها الظاهري.
وهذه اللوحة مثال على ذلك. يكفي القول أنها تعتبر إلى اليوم إحدى أكثر اللوحات الفنية استنساخا في العالم. يشهد على ذلك ظهورها الدائم والمتواتر في العديد من الوسائط والأماكن المختلفة.
فهي كثيرا ما تظهر معلّقة في البيوت والمكاتب وعلى بطاقات التهاني بالمناسبات الدينية وعلى الميداليات والتذكارات والكتب والملصقات وقطع الأثاث. بل إن العديد من الأفراد يعمدون إلى نقش صورتها على أجسادهم تيمّنا وتبرّكا برمزيّتها الدينية.
كما استوحى فكرة اللوحة العديد من المثّالين الذين نحتوا أعمالا رخامية ومعدنية على هيئة اليدين المرتفعتين بالدعاء فيها.
وأهمّ ما يلفت الانتباه في اللوحة الدقّة والبراعة المتناهية التي ُرسمت بها تفاصيل وأجزاء اليدين، وهي سمة ُتميّز ديورر الذي اشتهر بقوّة الملاحظة واهتمامه الكبير بدراسة تشريح الجسد وشكل ووظائف الأعضاء.
ومن القصص التي راجت وانتشرت بين الناس أن الفنان رسم اللوحة كبادرة عرفان منه تجاه شقيقه الذي اختار أن يذهب للعمل في احد المناجم كي ينفق عليه، أي على الرسّام، الذي كان يدرس آنذاك في أكاديمية الفنون الجميلة في نوريمبيرغ.
كان البريخت واحدا من ثمانية عشر شقيقا يعولهم أبوان ينتميان للطبقة الاجتماعية الفقيرة. ولأنّ الأسرة لم تكن تملك المال الكافي لتحقيق رغبة البريخت في دراسة الرسم، فقد تطوّع ذلك الشقيق للعمل بتلك المهنة الخطرة كي يسدّد مصاريف الدراسة.
البريخت ديورر رسم في الواقع يدين تعلوهما التشوّهات التي لحقت بها بسبب طبيعة العمل المنهك والشاقّ في المنجم. فعظام الأصابع النحيفة تبدو ملتوية وعلى اليد اليمنى آثار الإصابة بالروماتيزم أو آلام المفاصل التي تلازم عادة من يعمل بتلك المهنة.
في ما بعد انتقلت هذه اللوحة إلى عهدة احد النبلاء الألمان الذي أمر بوضعها في احد الأديرة. ويقال إن الدير تعرّض في ما بعد إلى حريق أتى على كافّة موجوداته، ولم تنجُ من التلف سوى هذه اللوحة.
عندما دخل ديورر كلّية الفنون، سرعان ما اظهر تميّزا على أقرانه، بل لقد كان منافسا حتى لأساتذته الذين بهروا بموهبته وتفانيه.
وقد رسم مئات البورتريهات والاسكتشات والعديد من الأعمال المحفورة على الخشب والحديد والموجودة اليوم في عدد من متاحف العالم الكبيرة.
والغريب أن الفنان أكمل رسم هذه اللوحة في فترة لم تتجاوز بضعة أشهر، ومع ذلك أصبحت على مدار القرون الخمسة اللاحقة إحدى التحف الفنية الكبيرة وتحوّلت مع مرور السنوات إلى مصدر إلهام للكثير من الفنانين والناس العاديّين.

3 comments:

H. M. H. said...

أشكرك جزيل الشكر على هذا المقال الجميل - كعادة مقالاتك، بروميثيوس.
رأيتُ هذه اللوحة من قبل مراتٍ عديدة، لكنني لم أكن قد سمعت عن ألبريخت ديورر قبل قراءة مقالك المفيد والممتع الذي جعلني أتعمق في القراءة عن ديورر وأعماله.
"يدان مرفوعتان بالدعاء" مشحونة بروحانية عالية تأسر الناظرين إليها، فاليد التعبة المعروقة يد الإنسان أينما كان. يدٌ تشد إليها الضعفاء والمنكسرين والمتعبين، وتُلهمهم اللجوء إلى الرب في عظمته اللامتناهية.
قصة شقيق ألبريخت الذي عمل في أحد المناجم ليُنفق عليه مؤثرة، فهذا جُندي مجهول ضحى بحياته وأحلامه ليُهدي العالم موهبة كالتي توسمها في شقيقه. رُبما ما كان ليُتاح لديورر أن يكون ما كان عليه لولا إيثار شقيقه، الإيثار الذي يُلقي بظلاله الروحية على اللوحة.
سبق ألبريخت ديورر فرانشيسكو دي غويا زمنياً، لكنني أراهما ينتميان إلى ذات المزاج الفني، فأعمال ديورر تعكس ثراء وتنوعاً كبيراً عبر مراحل حياته الفنية. فاختياراته للألوان تختلف من مرحلة لأخرى كما يختلف منظوره الفني. وكما رسم البورتريهات واللوحات ذات الصبغة الدينية ومشاهد الطبيعة وصوراً للحيوانات، فإنه كذلك قد شخص الموت، ورسم الشيطان، وأشهر مثالٍ على ذلك لوحته المحفورة على الخشب: "الفارس والشيطان والموت".
لم يكن ديورر رساماً فحسب، بل إنه كان واحداً من أمثلة فناني عصر النهضة ذوي الاهتمامات الشاملة، فقد كتب أربعة كُتبٍ في الهندسة وساهم بنظرياتٍ فنيةٍ استقاها من لوحاته.
كما إن لوحات ديورر مصدر إلهامٍ للكثيرين من الناس، فإن حياته كذلك تهب أملاً للكثيرين، فنشأته المتواضعة لم تمنعه من أن يكون فناناً عظيماً.
أشكرك جزيلاً مرة ثانية على هذا الاختيار الروحي العميق، وعلى اختياراتك السابقة - والقادمة - التي تنم عن ثقافتك الفنية الرفيعة.
خالص مودتي وتقديري..

Prometheus said...

أهلا بك يا صديقي.
مصدر اعتزاز لي أن أجدك هنا أيضا وان اقرأ ملاحظاتك وأفكارك البهيّة عن لوحة ديورر. ومعك كلّ الحقّ في ما ذكرته عن القوّة الروحية التي تختزنها اللوحة. وأنا متفّق معك في انه لولا إيثار شقيق الفنان وتضحيته ونكرانه للذات لربّما لم يظهر ديورر ولما عرف عنه احد. لفتت انتباهي مقارنتك بين ديورر ودي غويا من حيث تنوّع وغنى إنتاجهما عبر المراحل الفنية المختلفة. وأجد ما كتبته مثيرا فعلا للتفكير والاهتمام. ولا يقلّ عنه أهمية إشارتك للوحته الأخرى واهتمامه بالهندسة وكذلك نظرياته الفنية التي استمدّها من لوحاته.
وأنا اقرأ ما كتبته عن تعدّد مواهب ديورر وتفرّده خطر ببالي رسّام عبقري آخر هو بيتر بروغيل الأب. الاثنان يكادان يكونان مجهولين بالنسبة لعامّة الناس مع أنني أظنّ أنهما سبقا عصرهما بكثير.
أقرأ عن بروغيل هذه الأياّم وكلما تمعّنت في مناظره تملّكتني الدهشة وازداد إعجابي به أكثر. لوحاته فيها فكر ودين وفلسفة مع أن بعضها لا يخلو من السوداوية الممزوجة بالسخرية وروح الدعابة. أفكّر في وضع لوحة ثانية له هنا متى سمح الوقت.
مرّة أخرى، مسرور بتواجدك وبملاحظاتك الرائعة التي استفيد منها دائما.
مع خالص مودّتي وتقديري.

Anonymous said...

Somebody essentially assist to make severely posts I might
state. That is the first time I frequented your web page and thus far?

I amazed with the research you made to create this particular put up extraordinary.
Great activity!

Feel free to surf to my blog; galaxy s4