Friday, September 12, 2008

لوحات عالميـة - 173

بورتـريه البابـا اينوسنـت العاشـر
للفنان الإسباني دييـغـو فـيلاســكيــز، 1650

من المفارقات الغريبة أن هذا البورتريه، الأخّاذ والرائع والمشهور جدّا، يصوّر إحدى الشخصيات التاريخية التي عُرف صاحبها بصرامته وقسوته بالإضافة إلى دوره المهمّ في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية والعالم.
وقد قيل غير مرّة أن هذا البورتريه ليس فقط أروع عمل فنّي أنجز خلال القرن السابع عشر، وإنّما أفضل صورة شخصية تمّ رسمها في جميع العصور.
وأحد أسباب شهرة البورتريه هو انه يقدّم تصويرا بليغا وصادقا لطبيعة السلطة الدينية المطلقة والمتجسّدة في شخصية البابا اينوسنت العاشر. كما يمكن اعتباره دراسة بصرية محكمة عن قوّة الشخصية كما تعبّر عنها الملامح والتعابير وطريقة اللباس.
رسم فيلاسكيز البورتريه أثناء زيارته الثانية لروما وذلك بتكليف من اينوسنت. وكان عمر البابا في ذلك الوقت 75 عاما.
وبعد إتمام اللوحة أبدى بعض رجالات الفاتيكان تخوّفهم من احتمال أن يواجه فيلاسكيز غضب البابا، إذ أن البورتريه يصوّره بملامح صارمة ونظرات قاسية ومتجهّمة.
لكن البابا استقبل الفنان بحفاوة وأعلن سروره البالغ باللوحة قائلا إنها واقعية بأكثر مما ينبغي. ثم أمر بتعليقها في صالة استقبال الضيوف الرسميين، وأهدى فيلاسكيز ميدالية وسلسلة من ذهب تقديرا له واعترافا بموهبته.
واللوحة تبيّن بوضوح أيّ صنف من الرجال كان البابا.
كان اينوسنت العاشر شخصا طويلا، نحيلا، بوجه متورّد وحواجب كثة.
كما كان شديد المراس ذا مزاج حارّ ومتقلب وعنيف.
وهو يظهر في اللوحة جالسا على كرسي من المخمل الأحمر الموشّى بزخارف ذهبية، ومرتديا لباسا أبيض ووشاحا أحمر وغطاء رأس بلون داكن.
النظرات مفترسة والعينان متفحّصتان تشعّان بالذكاء المشوب بقدر غير قليل من الشكّ والتوجّس.
وليس ثمّة شكّ في أننا أمام رجل يعرف سلطته جيّدا، قويّ، ذي حضور دائم وربّما عنيف، واثق من نفسه كثيرا ومسيطر تماما على ما حوله. إنه رجل سلطة دينية ودنيوية معا، يقرأ الرسائل باهتمام ويصرّف أمور البلاد وينتظر بصبر أن يمتنع رعاياه عن التفكير في الخطيئة وأن يقرّ الخاطئون بذنوبهم كي يمنحهم بركته ويمنّ عليهم بصكوك الغفران التي تعدهم بالخلاص والجنّة.
كان البابا في ذلك الزمان أقوى رجل في العالم، وكان له من السلطات والصلاحيات ما لا يحلم به اليوم أكثر حكّام العالم سلطوية واستبدادا. وقد عُرف عن اينوسنت العاشر دهاؤه وسرعة بديهته وإتقانه فنون الحيل والمناورات السياسية. وعندما اختير للبابوية عام 1644 تضاعفت سلطة الفاتيكان الزمنية أكثر فأكثر، رغم أن تبوّءه للمنصب جاء في أعقاب أزمة عاصفة بين ثلاث عائلات دينية كانت كلّ منها تدّعي أنها الأحقّ بالمنصب.
من السمات اللافتة في هذا البورتريه تعامل الرسّام مع الألوان بطريقة تنمّ عن إبداع قلّ نظيره: التطريز والزخرفة، البراعة في المزج بين الألوان القرمزي والبنّي واللحمي والأحمر لإنتاج جوّ يشي بالهيبة والفخامة، اللمعان والوهج المنعكس على محتويات المكان، الطيّات الدقيقة التي تتخلل الرداء الحريري الأبيض البارد، التأثير الدراماتيكي والنشط للأحمر بدرجاته وظلاله المتفاوتة، وأخيرا وليس آخرا الخاتم الأسود المشعّ في يد البابا التي تبدو خلافا للمتوقع ذات تقاطيع أنثوية ناعمة.
طوال فترة حكمه، كان اينوسنت العاشر واقعا تحت سيطرة "اوليمبيا" أرملة أخيه التي كان قد عيّنها مستشارة له وحافظة لأسراره. ويبدو انه بحث كثيرا بين أقاربه عمّن يمكن أن يساعده في إدارة شئون البلاد فلم يجد غير هذه المرأة.
كان نفوذ اوليمبيا على اينوسنت كبيرا جدّا، ما أدّى إلى ظهور شائعات غير مؤكّدة عن علاقة عاطفية كانت تربط بين الاثنين. لكن المؤكّد هو أن مكانة اوليمبيا القويّة في البلاط لم تؤدّ سوى إلى استشراء الفساد والطمع والمحسوبية في أوساط المقرّبين من البابا.
وعندما توفي اينوسنت عام 1655 لم تحضر اوليمبيا جنازته، لأنها كانت منهمكة في نهب كنوز ونفائس القصر البابوي.
إن المتأمّل في تفاصيل هذا البورتريه لا بدّ وأن تستوقفه الطبيعة الفاتنة لهذا الرجل برغم نظراته القويّة والمتحدّية. إنه يبدو صامتا، متحفظا بل ومجاملا إلى حدّ ما. ويظهر أن وسامته تكمن بالأساس في حضوره الطاغي والمسيطر.
في عهد اينوسنت العاشر، واسمه الأصلي جيوفاني بامفيلي، أبرمت اتفاقية ويستفاليا للسلام التي وضعت نهاية لحرب الثلاثين عاما. غير أن اينوسنت رفض التوقيع على الاتفاقية لأنها نصّت على حقّ رعايا كلّ دولة في أن يتمتعوا بحرّياتهم الدينية الخاصّة، الأمر الذي كان يعني ضمنا تقليص دور الكنيسة الكاثوليكية وإضعاف سلطتها.
وفي نفس الوقت عمل اينوسنت على إطالة أمد الحرب الأهلية بين الانجليز والايرلنديين. كما دعم مذابح المسيحيين ضدّ اليهود في بولندا. وفي عهده أيضا استمرّت طقوس مطاردة وحرق الساحرات في أوربا. ويقال أنه، هو وعائلته، اشتغلوا بتجارة شراء وبيع العبيد.
في العام 1953، رسم الفنان الايرلندي فرانسيس بيكون Francis Bacon سلسلة لوحات استلهم موضوعها من لوحة فيلاسكيز. وفي إحدى اللوحات يظهر البابا اينوسنت محشورا داخل قفص وهو يصرخ. ومن الواضح أن القفص يشبه كثيرا الغرف التي يُعدم بداخلها المجرمون صعقا بالكرسي الكهربائي، ما يوحي بأن بيكون يرى أن اينوسنت كان يجب أن يوضع خلف القضبان.
يقول بعض مؤرّخي الفنّ إن دييغو فيلاسكيز وصل من خلال هذا البورتريه إلى أعلى ذرى الكمال والنضج والإبداع الفني.
ولا بدّ وأنه كان سعيدا جدّا بهذا العمل، بدليل أنه حرص على أخذ نسخة منه قبل عودته من روما إلى اسبانيا.
وتوجد اليوم نسخ كثيرة من هذه اللوحة تتوزّع على العديد من متاحف وغاليريهات العالم الرئيسية، بينما تستقرّ اللوحة الأصلية في غاليري دوريا بامفيلي في روما.

7 comments:

الشاعر: ظافر ابراهيم said...

عزيزي بروم

جميلة جدا اللوحة وحسب ما كتبت وماقيل بأنها أفضل صورة شخصية تم رسمها في التاريخ
أعتقد بأنه لو كان البابا في ذلك العصر ليس لديه هذه المكانة الدينية لما حظيت اللوحة بهذه الشهرة لأنه في ذلك الوقت كانت المراكز الدينية ذو أهمية بالغة جدا على ما أعتقد وذلك يزيد من شهرة أي لوحة تمت بصلة لمكانة أو مرتبة دينية
طبعاً هذا مجرد رأي وليست معلومة موثوقة وأنما استنتاجي الخاص
وشكرا جزيلا لك
من المتابعين دوما أذا أمكن ذلك وذلك حسب الدولة اللتي أكون موجود بها لأنه وللأسف الشديد بعض الدول العربية يكون الموقع محظور وأذا لم يكن كذلك تكون اللوحات محجوبة وأضطر لأستعمال برامج خاصة لفتح الموقع أذا توفر لي ذلك
وطبعا هذا يدل على الجهل والتخلف من القائمين والمشرفين في شبكات الأنترنيت لدى بعض الدول وأتمنى لو أستطيع حل هذه المشكلة
وشكرا لك جزيلا جدا

Anonymous said...

فى خلال الثلاثين عاما الماضية تعرضت مصر الى حملة منظمة لنشر ثقافة الهزيمة - The Culture of Defeat - بين المصريين, فظهرت أمراض اجتماعية خطيرة عانى ومازال يعانى منها خمسة وتسعون بالمئة من هذا الشعب الكادح . فلقد تحولت مصر تدريجيا الى مجتمع الخمسة بالمئه وعدنا بخطى ثابته الى عصر ماقبل الثورة .. بل أسوء بكثير من مرحلة الاقطاع.
هذه دراسة لمشاكل مصرالرئيسية قد أعددتها وتتناول كل مشاكلنا العامة والمستقاة من الواقع وطبقا للمعلومات المتاحة فى الداخل والخارج وسأنشرها تباعا وهى كالتالى:

1- الانفجار السكانى .. وكيف أنها خدعة فيقولون أننا نتكاثر ولايوجد حل وأنها مشكلة مستعصية عن الحل.
2- مشكلة الدخل القومى .. وكيف يسرقونه ويدعون أن هناك عجزا ولاأمل من خروجنا من مشكلة الديون .
3- مشكلة تعمير مصر والتى يعيش سكانها على 4% من مساحتها.
4 - العدالة الاجتماعية .. وأطفال الشوارع والذين يملكون كل شىء .
5 - ضرورة الاتحاد مع السودان لتوفير الغذاء وحماية الأمن القومى المصرى.
6 - رئيس مصر القادم .. شروطه ومواصفاته حتى ترجع مصر الى عهدها السابق كدولة لها وزن اقليمى عربيا وافريقيا.
ارجو من كل من يقراء هذا ان يزور ( مقالات ثقافة الهزيمة) فى هذا الرابط:

http://www.ouregypt.us/culture/main.html

Prometheus said...

العزيز الشاعر ظافر إبراهيم
تحية لك واسعد الله أوقاتك
كلامك أراه منطقيا وأوافقك على أن مكانة البابا هي احد العناصر التي أسهمت في شهرة اللوحة دون أن يعني ذلك طبعا التقليل من جهد الرسام وإبداعه.
وأكيد انني اتفق معك حول جهل وتخلف عقليات سلطات الحجب في الدول العربية التي لا هم لها سوى فرض وصايتها على الناس وتكميم أفواههم. أتمنى أن تتمكن التكنولوجيا قريبا جدا من تجاوز هذه العقليات المتحجرة بحيث تصبح أساليب المنع والحجب شيئا من الماضي.
تحياتي لك.

شوق عبدالرحمن said...

جميلة هي اللوحه ..

ألوانها تجسد صرامة المنصب ..
وخطوطها توضح عمق مكانة صاحبها


أعجبتني المدونه ككل ..

جئت لإوقع على إعجابي :)

Essam said...

بالفعل لوحة قريبة جدًا للواقع !
عجبتني جدًا، كمان ملامح وجهه بتدّل إنه البابا مش بس قاعد ومرتاح، يعني في شوية تعب \ صرامة نوعًا ما.

وكل عام وإنت بخير أخي رامي :)

Prometheus said...

الاخت شوق:
شكرا جزيلا لك وعلى الرحب والسعة دائما.

Prometheus said...

الاخ عصام:
اهلا وسهلا بك. وكل عام وانت بخير.