Wednesday, May 14, 2008

لوحات عالميـة - 166

السيّــدة الخضــراء
للفنان الروسي فلاديميـر تريتشيكـوف، 1950

وصف بعض النقاد هذه اللوحة بالمملة والسخيفة. وقال عنها البعض الآخر إنها لا تجلب للناظر أيّة متعة بالنظر إلى فقرها وضعفها من حيث الشكل والمضمون.
ومع ذلك، لم يمضِ وقت طويل حتى أصبحت "السيّدة الخضراء" اللوحة الأكثر مبيعاً وشعبيةً في القرن العشرين. إذ يُقدّر عدد النسخ التي بيعت منها بأكثر من خمسة ملايين نسخة، وهو رقم قياسي لم يحققه حتى بيكاسو أو فان غوخ.
وطوال ستّينات وسبعينات القرن الماضي أصبحت اللوحة عنصراً ثابتاً في الكثير من البيوت في أوربّا وأمريكا، كما ظهرت في أكثر من فيلم سينمائي. وأصبح تريتشيكوف الذي لم يكن أحد قد سمع به من قبل شخصية مشهورة جدّاً بسبب لوحته الغامضة. بل لقد قيل في بعض الأوقات انه ثاني أكثر الرسّامين شعبيةً في العالم بعد بيكاسو.
وفي التسعينات تجدّدت شعبية اللوحة مرّة أخرى. لكن انقسام النقاد حول الفنان وقيمة اللوحة ظلّ على حاله.
في اللوحة نرى امرأة صينية (ويقال إنها من الملايو) بشعر اسود فاحم وفستان بُنّي له ياقة واسعة مذهّبة وهي تنظر إلى جنب وتضع يداً فوق يد. اسم المرأة "لينكا" وكان الرسّام قد تعرّف عليها أثناء إقامته في جاكرتا زمن الحرب العالمية الثانية، أي عام 1943م. وكانت المرأة في ذلك الوقت متزوّجة من طبيب هولندي لكن يظهر أنها لم تكن سعيدة معه. لذا لم تلبث أن وقعت في غرام تريتشيكوف وأصبحت عشيقته.
وربّما يعود احد أسباب شهرة اللوحة وشعبيتها الكبيرة إلى الطريقة الغريبة التي رُسم بها وجه المرأة الذي اختار له الرسّام لوناً غير مألوف هو مزيج من الأزرق والأخضر "ومن هنا جاء اسم اللوحة". أما تعابير الوجه فتبدو غامضة وإن كانت الملامح بشكل عام تعطي انطباعاً عن امرأة جريئة ومتحرّرة.
ولم يكن مستغرباً أن يعتبر بعض النقاد تريتشيكوف رسّاماً طليعياً ورائداً لما عُرف بعد ذلك بالرسم الشعبي. ومن عباءته خرج في ما بعد اندي وارهول وروي ليكتنشتاين وغيرهما.
وقد تكون جاذبية اسم اللوحة، نفسه، سبباً آخر في شعبيّتها ورواجها. والكثيرون ممن راقت لهم، وجلّهم من أبناء الطبقة العاملة ومن الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى، كانوا في الأساس شغوفين بحضارة الصين وجنوبي شرقي آسيا وكانوا يرون في المرأة رمزاً لعالم غرائبي وغامض طالما تاقوا لزيارته والوقوف على معالمه لولا أن وسائل الاتصال في ذلك الوقت كانت بسيطة وقاصرة عن تحقيق ذلك الهدف.
وثمّة من يقول إن هجوم النقاد على اللوحة كان عاملاً مهمّاً في تحفيز الناس أكثر على شرائها واقتنائها. فالفكرة الشائعة عن النقاد أن كثيراً منهم نخبويون وانتقائيون بطبعهم. وقد درج بعضهم على اعتبار أن شعبية عمل فني ما ليست بالضرورة معياراً ولا دليلاً على جودته أو قيمته الإبداعية.
ولد تريتشيكوف في كازاخستان عام 1913 ، ولما اندلعت الثورة البولشفية انتقلت عائلته إلى الصين. وقد عاش حياة اتّسمت بالترحال وعدم الاستقرار. ومواضيع لوحاته استلهمها من تجربته في العيش في الصين وماليزيا وإندونيسيا وجنوب أفريقيا.
ومن المؤكّد أن هذه اللوحة جعلته غنياً جدّا فعاش حياة بوهيمية ومترفة. لكنه ظلّ دائما إنساناً بسيطاً ومتواضعاً. ولطالما عبّر عن احتقاره وكراهيته للحياة في ظل الأنظمة الماركسية والشمولية.
قضى تريتشيكوف السنوات الأخيرة من حياته يعاني المرض والوحدة في دار للرعاية بجنوب أفريقيا إلى أن توفي قبل سنتين عن 92 عاما.
أما لينكا أو "السيّدة الخضراء" فتعيش منذ سنوات في مدينة هيلفرسوم الهولندية وعمرها اليوم يربو على التسعين.

2 comments:

الغيم said...

تبادر لذهني قصة أحد المبدعين وقد وصم بالغباء ثم اعترف الناس بتميزه وهكذا الحال في هذه اللوحة .
أشغف كثيرا بالرؤية النقدية المنصبة على عمل فني وإن كنت أميل إلى عدم تقييد المتلقين بالرؤية المطروحة ؛ وإنما هي أرضية تفتح لي آفآقا من فضاءات التأمل في العمل الفني المبدع . لايفمتني أن أزجي عبارات الشكر والتقدير للكاتبة ودمت مبدعة في هذا المجال .

Prometheus said...

عزيزي الغيم:
الشكر والتحية لك على ما تفضلت به. واتفق معك في نسبية النظر الى العمل الفني وتفسيره الذي من الطبيعي ان يختلف من شخص لاخر.
شكرا جزيلا لك مرة اخرى واهلا وسهلا بك دائما.